رواية اماليا ( حفيدة الملك ) الفصل الخامس بقلم فاطمة عطية
_ آآآآه بجد دي متوحشة ، سنانها دي إيه بجد ! ..
ضحك يزيد و هو يضمد له الجرح البسيط التي تسببت به أماليا ، أنتهي فأبعد الأدوات من أمامه و جلس بإستقامة يقول بهدوء :
_ هذه الفتاة ليست عادية يا صديقي .. يبدو أنها عاشت لفترة طويلة في الغابة !
_ مهو ده اللي مخليني ماسكها ، أنا متأكد إنها عارفة إيه اللي بيحصل في الغابة ، بدأت أشك أنها اللي كانت بتحرض الفهود علي القتل أصلا بجد عندها طاقة عدو.انية فظيعة !
_ ألا تشعر بالريبة قليلا ! .. لقد عاشت دون أن تأكلها الفهود ، كما أن الفهد استمع لكلامها أمامنا .. تلك الفتاة ليست عادية حقا
تأوه يوسف من ذراعه حين ضغط عليه و قال بأمل :
_ أكيد يا يزيد .. بس عندي أمل أنها بكره تعترف بكل حاجة لما تزهق !
☆☆☆☆☆☆
مر يوم ثم الثاني .. ما يقرب الأسبوع و أماليا لا تتحدث بكلمة واحدة .. أما نائمة أو مهتاجة تود التحرر من قيدها
زارها يوسف عدة مرات و لكن لا جديد لا تخبره بشيئ ، يخوضان جدالا ثم تنتهي بأذي أما لها أو له فهي تمتلك أسنانا حادة و تعضه بأي مكان يقابلها .. لوهلة فكر في أن يغلق فمها بلاصق أو ما شابهه لكنه لم يفعل
في يوم ما .. دلف إلي الغرفة التي تقيم فيها كانت هادئة تماما مع أن الممرضة أخبرته أنها مستيقظة .. ضرب الباب بعد أن دخل بقوة حتي يلفت نظرها ، لكنها لم تتحرك قيد أنملة ، نائمة فوق الفراش تعطي الباب ظهرها و متقوقعة حول نفسها
أقترب من فراشها ببطئ و سألها ساخرا :
_ شايفك هادية النهاردة .. مش معقول قررتي أخيرا تعقلي و تقوليلنا اللي تعرفيه !
صمت قاتل من جهتها رغم أنه حاول إستفزازها للتحدث .. وقف أمام الفراش و أنحني بجسده ناحيتها ،نظر إلى عيناها يتأكد من أنها متستيقظة
أنهما مفتوحتان ، و هي هادئة فوق الفراش .. حاول مشاكستها :
_ ما أنتي صاحية أهو مبترديش عليا ليه ؟
_ مش قادرة !
قالتها بأرهاق و بدا وجهها شاحبا ، ضيق حاجبيه بتعجب و دار حول فراشها ، وقف أمامها و سألها :
_ مش قادرة مالك ؟ .. أنتي كويسة !
لا رد .. صمتها يحيره بشدة ، وجهها شاحب اللون و عيناها لا تحيد عن قيد يدها .. مد يده ناحية جبهتها فأدرك :
_ أنتي دافية .. حسه بإيه ؟
زجت يده بعيدا بضيق و هتفت بضجر :
_ أبعد عني !
_ طب فهميني مالك و أنا هأبعد !
ضمت نفسها أكثر و أنفجر اللون الأحمر في وجنتيها ، أحتضنت معدتها بألم ، همست بصوت يكاد يسمعه :
_ بطني .. بتوجعني !
نظر لها رافعا أحدي حاجبيه بعدم فهم .. سرعان ما علم ما تقصده من خجلها الظاهر فوق وجهها ، أبتسم بتفهم و وضع يده فوق جبينها يستشعر حرارتها مرة أخري ثم سألها :
_ طب أنتي دافية ليه ؟
_ أنا كده .. سيبني في حالي بقي مش قادرة أتخانق معاك النهارده !
_ طب خدتي مسكن ؟
_ مش عايزة حاجة !
تأوهت بألم و فركت أسفل معدتها برفق .. تابعها بعبوس و هي هامدة بهذا الشكل لقد أعتاد علي مشاكستها و شجارهما الدائم .. تركها و غادر من الغرفة ، تنهدت بثقل ثم أغمضت عيناها تحاول النوم لتتخلص من ألمها اللعين
دقائق و فُتح باب غرفتها مرة أخري ثم ولج يوسف للداخل .. خطي نحو فراشها ، دار ليقف أمامها ثم قال بلهجة آمرة :
_ قومي خدي المسكن ده هتستريحي !
_ مش عايزة حاجة قولتلك .. سيبني في حالي !
_ صدقيني المسكن هيساعدك و كمان علشان حرارتك عالية لازم تاخديه !
وضع يديه أسفل جسدها ، رفعها بسهولة نظرا لصغر حجمها و وزنها .. ساعدها علي الجلوس فوق السرير و جلس بجوارها .. أمسك ذراعها ، رفع كم الثوب ، مسح بالقطنة فوقه ثم أنزل يده
شعر بساءل دافئ فوق كفه الذي أنزله في الحال .. أتسعت عيناه بصدمة و نظر لها سريعا !
أنها تبكي .. ظهرها منحني و دموعها تتساقط فوق يده ، أستقام سريعًا يشعر بالقلق عليها فأنحنت علي نفسها أكثر ، أمسكت معدتها ، أرتفع صوت بكاءها و علت شهقاتها ..
_ كفاية بقي كفاية .. أنا تعبت ، أقتـ.ـلني بس كفاية اللي بتعملوه فيا ده !
لم يفهم مقصدها فعدل جسدها و نظر لها يسأل :
_ في إيه اللي حصل فهميني !
نظرت مباشرة في عينيه ، صفاء لونهما الذهبي يخترق بأشعته عتمة سوداويته .. كلما نظر في شعاعيها شعر بالضعف الشديد
عيناها تستغيث ، هي متألمة و ضعيفة لدرجة أنها لا تريد البقاء علي قيد الحياة
أهتز قلبه في صدره ، أرتجف بقلق من نظراتها الغريبة ، رغم ذالك أنها تشعره بحنان و رفق لا مثيل لهما .. يشعر بأنه يغرق في أشعة شمس دافئة تحيطه من كل إتجاه !
مد يده و أزال دموعها برفق ثم سألها بحنان :
_ أهدي ما تخافيش .. أهدي خالص أنا جمبك و مش هأذيكي صدقيني !
_ أنا عايزة أروح ، أنا تعبت و الله .. عايزة أشوف سام
تنهد بثقل ، مسح دموعها مرة أخرها ثم أخبرها بهدوء :
_أنا أسف بس مش هينفع أخرجك من هنا
_ خلاص أقتـ.ـلني لأن أنا مش هقولك حاجة
_ أهدي طيب مش عايز أعرف منك حاجة !
أطرقت بعينيها للأسفل ، بقي محتفظا بكتفيها بين يديه يدعمها للجلوس مستقيمة ، ظلت تشهق لبعض الوقت حتي توقف بكاءها .. أعطاها منديلا ورقيا لتمسح أنفها فأخذته دون جدال
دقائق من الصمت حتي أستعادت هدوءها ، ترك كتفيها و جلس بجوارها فوق الفراش يسألها بغرابة :
_ تعرفي أننا بقالنا أسبوع بنجادل في بعض و لحد دلوقتي معرفتش أسمك !
نظرت له بطرف عينيها ، مسحت أنفها و قالت بإيجاز :
_ أماليا !
_ نعم ؟
_ أسمي .. أماليا
أتسعت إبتسامته بسعادة و قال :
_ و أنا يوسف !
أماءت بهدوء و هي مطرقة الرأس تنظر للأسفل ، مد يده ليرفع وجهها من أسفل ذقنها ، سألها مجددا :
_ أنتي بتخبي عينك مني ليه ، مش عايزة تبصيلي !
نفت برأسها عدة مرات فأبتسم برفق و قال :
_ تعرفي أني مشوفتش في حياتي كلها عيون بجمال عيونك !
أبتسمت برقة ، وهمست بخجل :
_ بابا كان بيقولي كده !
_ صحيح أنتي بتتكلمي مصري حلو أنتي مصرية ؟
قالها و ترك ذقنها ، نفت برأسها عدة مرات و أجابته :
_ ماما بس اللي مصرية ، بابا كان من هنا !
_ و أنتي بتتكلمي ليه مصري مش لغة أهل البلد !
_ أتعودت أتكلم مع ماما بلغة بلدها و كانت أسهل بالنسبالي ، علشان ماما كانت مصرة تعلمني العربي و أنا صغيرة .. كانت شايفاه أصعب لغة و الأولي في التعلم
أعجبه حديثها عن أمها فرفع حاجبه بثقة و أماء :
_ معاها حق فعلا .. مامتك بتفهم !
أماءت له بصمت فسألها :
_ و فين مامتك و باباكي دلوقتي ، أنتي توهتي منهم في الغابة ؟
_ لا .. ما.تو من زمان !
خيم علي وجهه الحزن و هتف يواسيها :
_ البقاء لله .. ربنا يرحمهم
هزت رأسها برضوخ ثم نكستها ، أنحنت قليلا من الألم ، تفحصها لبعض الوقت ثم سأل :
_ أنتي ليه مش عايزة تاخدي المسكن ، صدقيني الوجع هيروح !
أخجلت مرة أخري و أحمرت وجنتيها بشدة .. حمحمت بأحراج و همست :
_ أحم .. أنا .. متعودة علي كده .. أحم .. مش عايزة
_ يعني إيه متعودة علي كده .. الطبيعي لما بتكون في حاجه بتوجعنا في جسمنا بناخدلها دوا .. و أنا بقولك المسكن هيريحك !
رفعت نظرها له ، لاحظ الدموع تتجمع في عيناها .. شعر بالألم الشديد في قلبه أثرها ، ثم سمعها تقول :
_ أنا .. دراعي ورم .. بجد كفاية أنا تعبت ، البتاعة اللي معاك دي بتوجع أوي و أنا أيدي وجعتني .. و كمان أنا مش عارفة أنتو بتدوني إيه و لا بتحطولي فيها إيه .. فبجد كفاية حرام عليكم أرحموني !
ضيق ما بين حاجبيه بعد فهم ، أمسك بيدها ، رفع كم ثوبها و صُدم من شكل ذراعها من الأعلي .. هناك ورم يبدو واضحا و علامات زرقاء تتناثر بعشوائية أعلاه .. لم يلحظ هذا منذ دقائق حين مسح بالقطن فوقها
أمسك بيدها الأخري و رفع الكم فتفاجئ بهيئة مماثلة لما عليه الأخر !
أتسعت عيناه من شكلهما و سألها :
_ دراعك عامل كده من أمتي ؟
_ من يومين
شعر بالألم من شكلهما ، نظر لها بأسف فبادلته بعينان مغيمتان بضبابة الدموع .. تنهد بثقل و أمسك يدها برفق قائلا :
_ أنا أسف .. سامحيني معرفش أن دراعك أتأذي كده !
إنها في مرحلة من الشهر تزداد فيها الهرمونات و تجعلها علي استعداد دائم للبكاء ، لهذا أنفجرت الدموع من عينيها مرة أخري ، تعالت شهقاتها و أخبرته كطفل صغير شاكٍ :
_ بيوجعني .. دراعي بيوجعني أوي .. أنت السبب
أغمض عينيه بندم حتي لا يواجه خاصتهل القنّاصة و يغرق في سحرها للمرة التي لا يعرف عددها .. زفر بألم ثم فتح عيناه ، نظر لها
هيئتها الباكية ، وجهها الأحمر ، عيونها اللامعة ، أنفها المنساب ، و فمها المرتجف .. كل هذا أشعره أنه أمام طفلة ، و كأنه يجلس أمام ابنة أخته ، داهمه شعور بتقبيل رأسها و إحتضانها حتي تتوقف عن البكاء !
تنهد بشدة ، منع نفسه مجبرا كي لا يفعل ، أمسك يدها ، باليد الأخري ربت علي شعرها برفق و قال بحنان :
_ خلاص متزعليش أنا أسف .. مش هديكي حقن تاني !
مسحت أنفها بكم الثوب و سألته بعدم تصديق :
_ بجد ؟
_ بجد و متمسحيش مناخيرك في الهدوم .. ما المنديل هناك أهي و لا هي عفانة و خلاص !
قالها بتقزز .. عبست بشدة و زجته بكلتا يديها فسقط من فوق السرير علي الأرض .. ضحكت و أشارت عليه ، نهض بألم و نظر لها متوعدا
لكن ضحكتها أنسته ما توعد لها به ، أنها المرة الأولي التي يري فيها ضحكتها ! .. بسمة جميلة شقت وجهه أثناء النظر لها .. عيناه بحثت بتلقائية عن شعاعي شمس دافئين يخصانها !
تمعن بها و لم يتخيل أبدا أنه سيحبها دون قيد أو شرط في غضون أسبوع ! .. لم يدرك أن شرارة الحب قد أندلعت منذ أول نظرة في ظلام الليل الدامس !
