رواية الراتل الفصل السابع 7 بقلم اسماء ايهاب

   


 رواية الراتل الفصل السابع بقلم اسماء ايهاب

 

دفعه شعوره بالمسئولية اتجاهها إلى أن يهرول لإنقاذها ، فيما كان شبح شقيقته الراحلة "دهب" يطارده ، يلهب قلبه بخوف مألوف . أسرع نحو السيارة بخطى متوترة ، يتبعه إلياس ، بينما كان حمزة الذي لا يزال منهمكًا في الهاتف ، يطمئن على زوجته المنهارة التي تروي له مرارًا تفاصيل اختطاف رحيل أمام أعينها .
استقر داوود على مقعد السائق ، وجواره استقر إلياس الذي يتابعه بصمت يهاتف عزيز بصوت خافت حتى يلحق بهم مع بعض الرجال .
ارتجفت يده قليلًا وهو يدير المفتاح ، تداخلت أنفاسه مع صوت المحرك ، بينما في أذنه لا زال يتردد صدى صرخة دهب الأخيرة ، تجعله يشعر بثقل الاغلال حول عنقه تكاد تزهق روحه ، رغم ذلك تحدى لحظات ضعفه التي لا تتكرر إلا وذكرى رحيل شقيقته تلوح في مخيلته ، وانطلق بالسيارة بأقصى سرعة ممكنة حتى وصل محل عمل كنزي في وقت قياسي .
ترجل حمزة قبل أن تتوقف السيارة ، يسرع بخطوات واسعة نحو زوجته التي تجلس أمام مركز التجميل المغلق تبكي بقوة واضعة يدها على صدرها ، وإلى جوارها تقف نهال تحاول تهدئتها حتى لا تؤذي جنينها .
جلس على ركبتيه أمامها ، يحيط وجهها بين راحتي يده ، يمسح دموعها بإبهامه يهمس مواسيًا :
_ خلاص يا حبيبتي أهدي انا معاكي اهو 

تحدثت بتلعثم من بين شهقاتها المتقطعة :
_ انا مش قادرة اتلم على أعصابي خالص 

أوقفها عن المقعد يحتويها بذراعه ، وأشار بعينه لنهال أن تفتح الباب ، في حين اندفع داوود إليهم يسأل بحدة :
_ اية اللي حصل ؟ ، اتخطفت ازاي ؟

زجره حمزة بنظراته حتى يصمت الآن حتى تهدأ زوجته ، بينما فتحت نهال الباب واشعلت الأنوار ، فدخل حمزة أولًا مع زوجته ، يجلسها على أقرب مقعد طالبًا من نهال أن تأتي لها بكوب من الماء ، وتبعه داوود إلى الداخل .
ذهبت نهال تلبي طلبه ، ليردف داوود بهدوء :
_ كانت حد تعرفه يا كنزي ، حد غجري و لا ناس تانية 

كان يريد أن يطمئن أن كان من اختطفها من عشيرتها أم أنه يبحث في الإتجاه الخاطئ ، ليأتي صوت كنزي المرتجف يثبت له صحة تفكيره :
_ تلت رجالة زي الباب ، اخدوها في اتوبيس صغير من قدام الباب هنا و احنا طالعين مروحين 

ضم حمزة كتفها بحنو ، يأخذ كوب الماء من نهال يقدمه لها يحثها على الهدوء ، بينما اقتربت نهال من داوود تتحدث بما لفت انتباهها :
_ بس كان في واحد لابس لبس غريب ، وعينه متكحلة بكحل اسود تقيل 

ازداد قتامة عينا داوود ، وقبض على كف يده بقوة قائلًا بحدة :
_ زي ما توقعت 

خرج بخطوات سريعة ، وقد اشعل اختطافها نيران مستعرة تلتهم روحه ببطء ، ليتقابل مع إلياس الذي كان يتحدث بالهاتف ، ليتخطاه متجهًا نحو السيارة ، قائلًا بصوته الأجش الذي زاده الغضب شراسة :
_ استعجل عزيز والرجالة ، هنطلع على الفيوم .

***********************************
كانت رحيل في سيارة نقل عام إلى جوار سعدون ، تبكي وتصرخ ، تتوسل له بصوت ضعيف مختنق أن يتركها وشأنها .
لكنه لم يأبه ، بل أحاطها بجسده كجدار ، و مد يده ليكمم فمها ، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة خبيثة ممتلئة بزهو الإنتصار .
كان يشعر بالفخر المريض ، كأنما استطاع أن يعيد فريسته إلى قفصها ، ووعد نفسه بأنه يصنع لها هذه المرة قفصًا من حديد ، حتى لا يسمح لها أن تنجو أو تُفلت مجددًا من بين قبضته .
التفت نحو أحد الرجال الثلاثة حين تحدث بجدية :
_ وعدنا و وفينا يا ريس سعدون 

ألقى نظرة خاطفة على تلك التي تتلوى بين يديه تحاول الابتعاد عنه قائلًا بامتنان :
_ و اتعبكم محفوظة يا رجالة 

ضمها إليه أقوى ليقمع مقاومتها ، قائلًا بنبرة تظهر مدى سعادته :
_ مش مصدق انكم وصلتولها بسرعة كدا 

أجاب آخر بفخر معتزًا بعمله :
_ احنا يا باشا علامة مميزة و لينا في كل خرابة عفريت ، و صورتها راحت لكل اللي تبعنا عشان نلاقيها بسرعة .. المهم نراضي حبايبنا 

انهى جملته محركًا سبابته وإبهامه في تصريح مباشر للأموال التي وعدهم بها ، ليغمز سعدون بعينه اليسرى قائلًا :
_ عيب عليك مش هنساكم ، بس نوصل الفيوم 

مر الطريق عليها طويل ، شعرت الإجهاد من مقاومتها الضاري له ، وصراخها المتواصل الذي استهلك كامل طاقتها ، لينخر الضعف بجسدها وجعلها تستكين حتى توقفت السيارة ، وأخذها سعدون منها جرًا كبهيمة .
كانا على مقربة من عشيرتهما لذا أوقف السيارة ، أحكم قبضته على ذراعها بقوة ، واليد الأخرى كان يخرج بعض رزم الأموال يلقي بها على الرجال الثلاثة ، ما أن أخذ الرجال حقهم حتى انطلقت السيارة على الفور ، فالتفت هو لها يخرج من جيبه مدية صغيرة يشهرها بوجهها ، وعيناه تقدحان الشرر بغضب شديد ، قائلًا بتوعد وتحذير :
_ لو نطقتي كلمة واحدة بس وسط العشيرة ، هكون قتلك بايدي يا رحيل 

قاومت من جديد لعلها تفلح هذه المرة في الهرب ، وانطلق لسانها يهتف بغضب شديد تخرج ما يعتمل داخل صدرها :
_ ابعد عني ، سيبني في حالي بقى ، مش عايزاك .. مش طايقة اشوف وشك و لا اسمع صوتك ، بقرف منك يا اخي 

تلقت منه صفعة قوية سقطت على أثرها بعنف على الأرض ، ثوان وانفجرت في البكاء ، تلتهم وجنتها نيران الألم ، ثم انحنى نحوها يأخذ يدها يجذبها بقوة لتقف على قدميها ، قائلًا بصوت خافت ارسل الرجفة بجسدها :
_ انتي كنتي عيانة و مرمية في المستشفى و طلعتي النهاردة ، كلمة تانية غير اللي قولته قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم 

سحب يدها خلفه في طريقه إلى داخل العشيرة ، يهمس بحدة :
_ أمسحي دموعك 

كبحت شهقاتها وأزاحت دموعها بظهر يدها ، وسارت خلفه تخنقها قلة حيلتها ، كان لديها أمل أن تتغير حياتها ، أن تبتعد عنه وعن عشيرتها إلى الأبد ، وجاء هو ليقتل هذا الأمل في مهده وايقظها على كابوس مروع .. هو زواجها منه .
وصلا إلى داخل العشيرة والبعض يهنئ رحيل على خروجها من المشفى بسلامة ، وكانت تقابل ذلك بسكون مريب حتى وصلا إلى منزلها ، انقبض قلبها بقوة ، وأصابتها رجفة تهدد بسقوطها أرضًا خوفًا من بطش والدتها ، تراجعت للخلف خطوة وتجلى على ملامحها الذعر حين سمعت صوت والدتها من خلف الباب ، تعالت دقات قلبها حتى شعرت بالألم عندما فتحت والدتها باب المنزل .
شهقت جليلة بحدة حين وجدت رحيل أمامها ، توجهت نحوها سريعًا تنتشلها بعنف من يد سعدون ، تدفعها بقوة داخل المنزل غالقة الباب بوجه سعدون الذي توسعت ابتسامته شامتًا بها ، ثم التفت ليغادر إلى مجلس والده يخبره بالمستجدات .
تعالى صياح رحيل بألم حين صفعتها والدتها بقوة لتشعر بتخدر بوجنتها التي تلقت صفعتين قويتين ، ارتفع صوت بكائها وشهقاتها التي تكبحها بصدرها عندما جذبت والدتها خصلات شعرها بقوة ، تصرخ بغضب يتأجج داخلها :
_ بتهربي ليلة فرحك يا رحيل ، عايزة تفضحيني 

حاولت رحيل دفع قبضة والدتها عنها ، تهتف بصوت متحشرج راجي :
_ خليكي جنبي مرة واحدة بس ، قولتلك مش عايزاه عشان خاطري اقفي جنبي 

كانت تأمل أن تؤثر كلماتها بوالدتها مقدار ذرة ، لكنها ذُهلت من جحود والدتها عندما شددت على خصلات شعرها حتى كادت تقتلعها ، تصرخ بغضب :
_ مش بمزاجك ، هتتجوزي سعدون و رجلك فوق رقبتك 

اندفعت لديها القوة لتفلت من يد والدتها ، تتحدث بانفعال مبتعدة عدة خطوات للخلف :
_ مش هتجوزه و لو موتيني

ابتسمت جليلة باقتضاب ، تتقدم نحوها خطى بطيئة لكي تبث الرعب داخل قلبها ، هامسة بنبرة حادة :
_ يبقى موتك قصاد جوازك من سعدون يا رحيل 

***********************************
كانت سيارة داوود تتسابق مع الريح ، يقودها بكل غضب قاصدًا الوصول في أسرع وقت لينقذها من بين براثن هذا الحقير ، وإلى جواره يجلس إلياس الذي يحاول تهدئته بكافة الطرق الممكنة ، لكنه كان كالأصم لا يسمع منه كلمة مكتفيًا بما يدور داخل رأسه من أفكار وذكريات تجعله يحرق الأخضر واليابس ولا يبالي ، لكم إلياس كتفه ليستفيق على نفسه صارخًا بحدة :
_ اهدي شوية وهدي السرعة ، العربية هتتقلب بينا 

خفف داوود سرعته قليلًا دون الالتفات إليه ، ليستطرد إلياس حديثه متأففًا :
_ انا فاهم انك عايز تساعدها و كل حاجة ، بس دا هيحصل بالعقل مش هنروح نضرب طلقتين في الهوا و ناخدها يعني

تنحنح حمزة الذي يجلس بالمقعد الخلفي بعد أن ترك زوجته في أمانة نهال ، وأصر على عدم تركهم ، ثم مال نحو مقعد داوود يقترح بحماس :
_ قولهم انك اتجوزتها و حامل منك هيسبوها تمشي معاك على طول 

دفعه عزيز بكتفه حتى يصمت عن الهذيان بحديث لا يعلم عواقبه ، و تحدث بضيق :
_ انت عبيط يا بني ، لو عمل كدا العشيرة كلها تنتقم منه لانه كدا اتعدى علي اعرافهم 

رمقهما داوود بنظرة حادة من خلال المرآة ، يصيح بغضب :
_ هو انتم بتقولوا اية ، جواز اية و حامل اية ، انا رايح انقذها عشان متكنش ضحية و بس

_ يعني انت مش رايح تطلبها للجواز ؟ ، رايح تقولهم جاي انقذها قبل ما تموت نفسها ؟!

قالها حمزة يرسم على وجهه التعجب ، ثم وضع يده على كتف داوود قائلًا بتهكم :
_ انت مين اصلا عشان تدخل على عشيرة تاخد بنتهم و تمشي يا عسل ، بصفتك اية يعني ؟

تحدث إلياس مويدًا حديث حمزة :
_ عنده حق بصراحة ، هتقولهم اية انا هاخد بنتكم و انزل بيها القاهرة عشان متتجوزش غصب عنها ؟

وكأنه يريد أن ينهي ما اراد فعله سابقًا ، وينقذ ما يمكن إنقاذه حتى لا تقع في بلاء لا تقوى على تحمله ، ويكون مصيرها المحتم هو الموت لذا هتف بصوت غاضب لا يتحمل النيران بداخله :
_ لو مأخدتهاش و مشيت بالذوق ، هاخدها بالعافية 

حاول إلياس أن يجعله يواجه الواقع حين قال :
_ مفيش حاجة اسمها عافية ، هي من بقية عيلتنا يا بني احنا نبقى ناس غريبة عنهم 

تجاهل حديث شقيقه وركز بصره على الطريق ، ثم أشار إلى حمزة قائلًا :
_ كلم مراتك كدا اسألها العشيرة فين بالظبط عشان خلاص قربنا على المكان اللي شوفتها فيه

ساد الصمت بينهم بعد أن أخبرتهم كنزي عن موقع العشيرة كما وصفته لها رحيل سابقًا ، وعندما وصل إلى اقرب مكان لها ، صف السيارة وترجل منها ينظر إلى سيارة رجاله التي أقتربت منهم ، وأشار إليهم بالتوقف ، توقفت السيارة الأخرى ، وخرج منها أحد الرجال يسرع إلى داوود قائلًا بطاعة ليتلقى الأوامر :
_ أؤمر يا راتل

أشار داوود إلى مدخل العشيرة ، يتحدث بجدية :
_ خليك هنا انت و الرجالة و على تليفون مني تدخلوا من هنا و معاكم سلاحكم 

أومأ الآخر واضعًا يده على رأسه قائلًا :
_ اعتبره حصل يا راتل

تركه داوود وتقدم مع إخوته إلى العشيرة ، وعندما أصبح بمنتصف الباحة الخاصة بهم بدأت الهمهمات المتعجبة تتصاعد من حولهم ، والنظرات تتفحصهم بدقة ، هيئتهم المختلفة لفت الأنظار إليهم حتى تقدم منهم أحد شباب العشيرة يسأل باستغراب :
_ انتوا جايين هنا لمين 

أسرع إلياس يتحدث بهدوء حتى لا يتسرع أخيه :
_ نلاقي فين كبير العشيرة لو سمحت

مرر الشاب نظره عليهم بريبة قبل أن يشير إليهم بيده ، قائلًا : 
_ اتفضلوا ، انا هوديكم 

ساروا خلفه وسط نظرات الفضول التي تقابلهم من أهل العشيرة حتى وصل أمام خيمة كبيرة من قماش زاهي ، طلب منهم الشاب أن يأخذ اذن الريس قبل دخول مجلسه ، وحين دلف الشاب إلى الداخل تحدث إلياس بتحذير :
_ داوود مش عايزين عصبية و لا تهور ، مش عايزين نعمل مشكلة ملهاش لازمة تمام 

وكأنه استعاد هدوءه وعقله مجددًا حين اطمئن أنه يمكنه إنقاذها في الوقت المناسب ، فأومأ إليه بهدوء منصاع لحديثه ، عندها خرج الشاب يأذن لهم بالدخول إلى المجلس .
كانت خيمة واسعة ، تنتشر فيها الوسائد المريحة بارجاء الخيمة ، ويجلس الريس عمران على وسادة مرتفعة ليكون في مكان أعلى من الجميع ، ألقوا عليه السلام وأشار لهم بالجلوس وسط كبار العشيرة وابنه سعدون .
ارتص اربعتهم جوار بعض ، وتنحنح داوود يبدأ الحديث على الفور وبشكل مباشر :
_ احنا جايين بخصوص بنت في العشيرة اسمها رحيل 

انتفض سعدون وهب واقفًا ، يصيح بغضب :
_ مالك و مال رحيل دي خطيبتي

رمقه داوود بنظرة حادة أثارت الرعب في نفس الآخر ، ليتحدث الريس عمران بهدوء ممررًا يده على لحيته البيضاء الطويلة :
_ اقعد يا سعدون ، خلينا نفهم منه مالها رحيل

بدأ داوود يقص عليهم ما حدث منذ استنجدت به رحيل حتى تم اختطافها اليوم لتجبر من جديد على الزواج محتفظًا ببعض التفاصيل لنفسه ، بدأ جميع كبار العشيرة بالثورة عليه ، يطلبون من الريس عمران التصرف معه بطريقة تليق بهم ، نظر الريس عمران إلى ولده بغضب ثم صرخ مناديًا على شاب يقف بالخارج ، وحين دلف يلبي طلبه ، فتحدث بنبرة هادئة تخفي خلفها الكثير :
_ عايزك تجبلي رحيل بنت الريس غياث و امها هنا دلوقتي

أنصرف الشاب ، والتفت عمران إلى داوود يتحدث بجدية :
_ تشكر ، احنا هنحل مشكلة بنتنا 

كانت دعوة صريحة بالانصراف ، لكن عقل داوود نبه ألا يتركها ويغادر تواجه نيران غضب عشيرتها بعد حديثه ، نبهه إلياس على الذهاب ، لكنه لم يطيعه ظل ينظر إلى سعدون بغضب يراه بهيئة ذلك الوغد "رؤوف" الذي كان السبب في موت شقيقته لذا انتظر حتى أتت رحيل ، وحين رأى وجنتها المتورمة يطبع عليها أثار أصابع غليظة ، هب واقفًا يتقدم منها ، لتتفاجأ هي من وجوده وابتهجت بسعادة رآها بوضوح بعينيها ، لم تكن تتوقع أن ترآه مجددًا وكأن حلمها قد انتهى على كابوس مزعج ، وطمئن قلبها صوته الهادئ حين همس :
_ متخافيش  

مسحت دموعها بكف يدها ووقع همسه بالاطمئنان بقلبها ، فأومأت إليه ووضعت ثقتها الكاملة بتصرفه ، لكنها لم تتوقع ابدًا أن يكون حل الأمر في جملته التالية :
_ أنا طالب ايد رحيل منك يا ريس عمران 

ثارت ثائرة سعدون ، وتوجه نحوه يحاول الهجوم عليه ، ليتصدى له عزيز قبل الوصول إلى داوود محاولًا تهدئة الأجواء التي اشتعلت فجأة بعد جملة داوود ، وكبار العشيرة الذين يتناقشون في الأمر مؤيدين ردة فعل سعدون في الدفاع عن خطيبته ، ليحسم الريس عمران الجدل حين أمر سعدون بالجلوس ، والتفت إلى داوود قائلًا :
_ منجوزش بنتنا عريس افرنجي 

عقد حمزة حاجبيه وتحدث بتعجب :
_ افرنجي اية ، هو لابس چيبة يا حاج 

ألقى عليه عزيز نظرة تحذيرية قائلًا بضيق :
_ اسكت انت كلامك بيعمل مشاكل ، افرنجي يعني من برا العشيرة 

ثم التفت إلى عمران يتحدث بهدوء :
_ هو بيتقدملها رسمي يا ريس ، و اعقد مجلس المغارمة هندفع الغرامة اللي المجلس يطلبها و هندفع مهرها اللي تطلبه 

أسرعت رحيل إلى الريس عمران تجلس أمامه ، تتحدث متوسلة ودموعها تتسابق على وجنتيها خوفًا أن يتلاشى أملها في الابتعاد عن هنا :
_ انا مغصوبة على الجواز من سعدون يا ريس ، هو ضربني و امي ضربتني ، و الريس غياث لو عايش مش هيجوزني غصب ، وغلاوته عندك ساعدني يا ريس 

نظر الريس عمران إلى ولده الغاضب ، أن لم يكن كبار العشيرة متواجدين وتحدث أمامهم كان قد أغلق الموضوع وطردهم مهانين لا وداع ولا اعتذار ، ابتلع غضبه والتفت إلى رحيل قائلًا بهدوء :
_ مش هنجوزك افرنجي يا رحيل ، بلاش سعدون بس هيكون حد من العشيرة 

أمسكت رحيل بيده تقبلها برجاء قائلة بصوت متحشرج :
_ عشان خاطري ابعدني عن هنا 

تقدم داوود بغضب ، يتحدث بجدية :
_ هدفع الغرامة اللي تطلبها و المهر اللي عايزه و ــ

لكن قطع جملته حين هتفت والدتها بحدة :
_ و انا مش موافقة يا ريس 

ازداد بكاء رحيل ، تنظر إلى والدتها بخيبة أمل كبيرة ، لتتوسل من جديد إلى كبير عشيرتها قائلة :
_ و رحمة صاحب عمرك ما تظلمني يا ريس 

صمت الريس عمران يستعيد ذكرياته مع صديق طفولته ووالدها الريس غياث الذي له فضل كبير عليه ، ضم شفتيه بضيق وكأنه وقع بين نارين ، نار ولده الذي يرغب في الزواج منها ونار اجبار ابنة صديقه على الزواج  قصرًا ، ساد الصمت لفترة قبل أن يتنهد عمران ، ويمد يده يربت على رأسها ، ثم أشار بيده إلى الاربع رجال الذين اقتحموا عشيرتهم بغتة ، قائلًا بجدية :
_ اقعدوا نتكلم و نشارك كبارنا

***********************************
أنتهى الأمر بعد مناقشات دامت ساعة ونصف تقريبًا ، قرر فيها الريس عمران وكبار العشيرة تغريم داوود الذي تعدي على أعرافهم خمسون ألف جنيهًا ، وطلب منه مهر للعروس مائتي ألف جنيهًا تُقدم لوالدتها ، ولعدم توافر الأموال معه الآن استضافهم الريس حتى الصباح ووقتها يمكن لأحد منهم أن يسحب الأموال من أحد البنوك داخل المحافظة .
وقف أمامها حين خرج من تلك الخيمة ، ينظر إلى أثار صفعات سعدون ووالدتها كما قالت ، ليدس يديه بجيب بنطاله قائلًا بهدوء ليطمئنها :
_ متخافيش محدش فيهم هيقدر يعمل حاجة بعد كدا

شرد بوجهها ، فارتسمت ابتسامة هادئة على ثغره ، هامسًا :
_ انا معاكي و مش هسيبك 

وضع يده على كتفها بتلقائية عندما تجلى وجه شقيقته البشوش بملامح رحيل ، يتحدث بجدية يبث في نفسها بعض القوة حتى يتلاشى ذلك الخوف الساكن داخل عينيها :
_ متخافيش من حاجة و انا معاكي يا دهب 

صدمة جمدت جسدها بتشنج ، وألم ساحق احتل قلبها حين نطق بأسم امرأة أخرى ، وخنقتها نوبة البكاء ، تحطمت الهالة البلورية التي أنشأتها حول قصتهما التي كانت لديها أمل ولو ضئيل في بدايتها ، والآن كتب هو النهاية بذكره أسم أخرى ، تبدو أنها تحتل عقله بشكل كبير حتى لا يميز بينها وبين أحد آخر ، تساقطت عبراتها واحدة تلو الأخرى تخط بحرارتها الحسرة داخلها ، وكأنها أصبحت من زجاج يمكن لدفعة واحدة أن يجعلها في عداد الأموات .

تعليقات