رواية الراتل الفصل العاشر بقلم اسماء ايهاب
أغلق داوود الباب خلف آخر فرد من عائلته ، وقد انقضت الليلة على خير وبهدوء ، ثم التفت إلى زوجته ، فوجدها تجلس على الأريكة تتكأ بظهرها إلى الخلف بارتياح ، أقترب منها يجلس إلى جوارها بهدوء ، وحين شعرت به اضطربت دقات قلبها وشعرت بأنفاسها تنحسر داخل صدرها ، التفتت تنظر إليه بخجل ، وابتلعت ريقها بصعوبة حين مرر يده على خصلات شعرها برفق قائلًا :
_ مبارك يا رحيل
حاولت جذب أنفاسها المسلوبة حتى تجيب بنبرة مرتجفة :
_ الله يبارك فيك
حمحم بصوت مرتفع يجلي حلقه ، ثم أقترب منها أكثر حتى لامس ذراعه العضلي كتفها ، وكأن صعقة كهربائية أصابتها ، فارتجفت بقوة وضغطت على عينيها تكبح ذلك التوتر الذي فرض نفسه على الموقف .
مرر يده على فخذيه متسائلًا بهدوء :
_ جعانة ؟
هزت رأسها نافية ، تشير نحو الطاولة التي تناولوا عليها الطعام جميعًا ، قبل أن تجيب بنبرة خافتة :
_ ما احنا اتشعينا معاهم فشبعت ، انت جعان ؟
سألت في نهاية جملتها ، لينفي برأسه شاكرًا ، التفت برأسه إليها يتحدث بفضول يرمي إلى جملتها العفوية بعد عقد القران :
_ مش هتقوليلي احلام اية ؟
غمز بعينه اليسري حين التفتت إليه ، ليزداد توترها وخجلها ، وارتجفت اطرافها بارتباك ، فحاولت تغيير مجرى الحديث متسائلة بخفوت :
_ هو كل دول اخواتك ؟
ابتسم حين فطن أنها تتهرب من الحديث بتلك الجملة مجددًا ، ليجيبها بهدوء يعرفها على هوية كل المتواجدين :
_ نغم اختي من الاب و الام ، و إلياس اخويا الكبير من الاب ، صهيب و حمزة جوز كنزي ولاد عمي ، و عزيز صاحب عمرنا بس اللي اتربينا عليه ان كلنا اخوات ، فتقدري تعتبري انهم كلهم اخواتي
أومأت إليه ، ونهشت الغيرة صدرها من جديد لم ينطق بأسم "دهب" كفرد من عائلته ، وتسللت الحرارة إلى جسدها الذي ينفر كل خلية منه غضبًا ، فسألت بجدية :
_ دول بس ، ملكش ولاد عم تاني
هز رأسه نافيًا ، ولم تنبه إلى عينيها المتوجسة ، ليتملك منها الأختناق ، وضاقت عليها جدران المكان ، فوقفت عن الأريكة تشير نحو الشرفة قائلة بخفوت :
_ تحب نقعد في البلكونة شوية
وقف أمامها يخلع سترته الكلاسيكية السوداء ، قائلًا بهدوء :
_ ماشي ، بس معلش اعمليلي كوباية قهوة مظبوط
كان هذا أول طلب يطلبه منها وهي ستلبي على الرحب والسعى ، ابتسمت وأشارت بسبابتها نحو عينيها ، قائلة بحب :
_ من عنيا
ركضت اتجاه المطبخ بحماس ، فابتسم هو وتوجه نحو الشرفة الواسعة ، جلس على المقعد يرفع رأسه متأملًا ظلام الليل والنجوم التي تزين السماء ، المنظر الطبيعي المفضل لديه ، ويجعل السكينة تقع في صدره .
عقله يفكر في تلك الفتاة وكيف يمكنه التعامل معها ، وجملتها أنه هو أحلامها تتردد في أذنه بلا توقف تشغل عقله بمرحلة من الفضول لم يصل إليه من قبل ، خرج من شروده على صوتها الهادئ ، تضع قدح القهوة على الطاولة الصغيرة جوار مقعده قائلة :
_ اتفضل يارب تعجبك
ابتسم بخفة قائلًا :
_ تسلم ايدك
جلست إلى جواره على المقعد الآخر ، وساد الصمت بينهما لدقائق معدودة حتى قطعته هي تسأل بحرج :
_ هو انا ممكن اسألك سؤال ؟
أومأ إليها بترحاب وأخذ قدح القهوة عن الطاولة ، فتنحنحت هي تبعد ذلك التردد عنها قائلة :
_ هو اللي انت ضربته يوم ما شوفتك ، مات ؟
رمقها بنظرة سريعة قبل أن يضع القدح من يده ، مجيبًا بجدية :
_ لا ، إصابة مش قتل .. يعني انا اصيب مقتلش
تنهدت بقوة تميل إلى الأمام قليلًا حتى تقترب منه ، متسائلة بحيرة :
_ طب لية ضربته
_ كان عايز يغدر بيا ، و ضرب حمزة رصاصة في كتفه ، و طبعا انتي شوفتيه
أجابها يقتل أي سوء فهم داخل عقلها قد يُحدث فجوة في علاقتهما التي بدأت للتو ، فهمهمت متفهمة قبل أن تسأل مجددًا :
_ هو انت بتشتغل اية ؟
_ عندنا شركة شحن كبيرة و ليها اسمها في السوق
عقدت حاجبيها بتعجب ، ماذا كان يفعل بالفيوم وسط الظلام والسلاح ، وأصيب بطلق ناري يومًا ما علاقة ذلك بشحن الضائع ، لتسأل باستغراب :
_ بس انا شوفتك في الفيوم مرتين ، ضرب نار و شغل سيما
عقد ما بين حاجبيه باستغراب ، ثم سأل متعجبًا :
_ مرتين ؟!
اعتدلت بجلستها تلملم قماش الثوب من حولها بتوتر ، وقد ارتسم على وجهها التخبط قبل أن تقول سريعًا :
_ مرة ، قصدي مرة
ضاقت عينا داوود بشك ، لكنه أجاب بهدوء :
_ شغل شحن بردو بس ناس صعبة حبتين
ساد الصمت من جديد ، خشت هي أن تتسرع في حديثها مرة أخرى ، وهذا المرة قرر هو قطع ذلك الصمت حين أشار نحو عنقها متسائلًا بهدوء :
_ مفكرتيش تشيلي التاتو دا
وضعت يدها على عنقها ، ثم وضحت له بخفوت :
_ تاتو !! ، دا مش تاتو دي وحمة
كرهه لتلك الوشوم جعله لم يتحكم في نفسه حين ظهر التهكم واضح على ملامحه ، ثم سأل ساخرّا :
_ وحمة شكلها كدا ؟ ، وحمة على شكل الجُلنار ؟!
شعرت بسخريته ، ورأت نفوره من تلك العلامة التي خُلقت بها ، فتحدثت سريعًا :
_ اه و الله العظيم وحمة ، طب استني
هبت واقفة عن المقعد ، ثم ركضت إلى الداخل تبحث بحقيبتها القماشية عما تريد حتى أخرجت صورة فوتوغرافية ، ابتسمت بحب تقبل الصورة ، ثم توجهت نحوه من جديد ، مدت يدها له بالصورة قائلة :
_ شوف دي صورتي و انا عيلة ، كنت مع ابويا في مصر
عادت تجلس على المقعد ، لكنها قربته أكثر لترى ملامحه حين يعلم ان تلك العلامة ليست وشم .
نظر إلى تلك الصورة التي تُظهر رجل في بداية الثلاثينات من عمره يحمل فتاة صغيرة في الخامسة من عمرها يزين عنقها تلك الوحمة الحمراء المبهجة وهما بالطبع رحيل ووالدها ، رفع رأسه ينظر إليها وإلى عنقها هامسًا بذهول :
_ سبحان الله
وبتلقائية مد يده يتحسس عنقها برقة ، ارتفع صوت أنفاسها المضطربة وهي تنظر إلى يده ، وحين وجدته يقترب منها أكثر ، انسحبت إلى الخلف بخجل ، قائلة بتلعثم :
_ اليوم كان طويل ، و انا عايزة انام
لاحت على ثغره ابتسامة هادئة ، عندما غادرت الشرفة سريعًا متوجهة نحو غرفتها ، ارتشف أخر رشفة بالقدح ، وأخذ يتأمل السماء من جديد ، يعطي لها بعض الوقت للاستعداد للنوم .
وبعد أن مرت نصف ساعة تقريبًا ، دلف إلى الداخل غالقًا باب الشرفة بإحكام ، تنحنح بصوت مرتفع حتى ينبهها بوجوده ، ثم دلف بهدوء إلى الغرفة ليجدها قد استسلمت للنوم تضع على جسدها غطاء خفيف ، فتقدم من خزانة الملابس يأخذ منامة قطنية نظيفة ، وتوجه نحو المرحاض بالخارج ليغتسل ويبدل ثيابه .
حينها .. فتحت عيناها تراقب خروجه تحاول السيطرة بصعوبة على انفعالاتها حتى لا يكتشف أنها مازلات مستيقظة ، ظلت تراقب عودته متأملة الغرفة ، وحين شعرت بعودته إلى الغرفة أغلقت عينيها مصطنعة النوم ، وظلت على هذا الوضع حتى انتظمت أنفاسه مستسلمًا للنوم بعد يوم طويل مرهق .
التفتت ببطء تنظر إلى ملامح وجه الوسيم ، تمعن النظر في كل جزء من وجهه ، مدت يدها بتردد إلى خصلات شعره الكثيفة ، لكنها تراجعت عدة مرات ، وعينيها أعلنت تمرد بعض العبرات التي كانت تخنقها ، لم تصدق أنها أصبحت زوجته يتسطح إلى جوارها يسبح في ثبات عميق ، تحققت معجزة حين اجتمعا ، وكانت قدرة الله فوق العادات والاعراف ، ودون ان تعي نفسها زحفت بجسدها نحوه تحتضن جسده واضعة رأسها على صدره .
ولم تكن تعلم أنه يستيقظ من أقل حركة إلى جواره ، فتح عيناه سريعًا ليرى ما يحدث معه ، فوجدها تدفن نفسها بجسده بقوة ودموعها تبلل كنزته البيضاء ، رغم تعجبه من تصرفاتها وردات فعلها إلا أنه لم يقاطعها أو يمنعها من ذلك بل أحاطها بذراعه ، يضمها نحوه بحنو ، وحين شعر بانتفاضتها ربت بخفة على ظهرها يطمئنها .
رغم رجفة الخجل والحرج التي أصابتها حين وجدته قد أستيقظ إلا أنها لم تقدر على الابتعاد عنه ، واستحسنت ضمته لها تلف ذراعها حول خصره بقوة دون أن ترفع رأسها إليه ، تشعر بأنامله تعبث بخصلات شعرها الناعمة ، وصوته الهادئ يحاول بث فيها الطمأنينة والهدوء .
***********************************
عاد حمزة معهم بوجه مكفهر على غير العادة ، لم يشارك في الحديث ولو بكلمة ، نظراته الحادة تخص زوجته بشكل لفت الأنظار ، حتى أن الجميع انهال عليه بالاسئلة عن أن كان هناك ما يزعجه ، لكنه نفى ذلك بكل هدوء .
صعدا أمام الشقة وفتح هو الباب يشير إليها بالدخول دون النظر لها ، ورغم تعجبها من تبدل حاله تمامًا إلا أنها قررت التريث في سؤاله عما به .
ابتسمت كنزي باتساع تمرر عينيها على الشقة باشتياق قائلة :
_ شقتنا وحشتني اوي
لم ينبث ببنت شفة ، فأصابها التوتر من سكونه وتقدمت بخطى سريعة نحو المطبخ لتروي ظمأها ، لكنها توقفت تمامًا عن الحركة ويمكن القول على التنفس أيضًا حين قال بهدوء :
_ على مهلك عشان اللي في بطنك
علمت أنه الهدوء ما قبل العاصفة ، فانحسرت أنفاسها أكثر داخل صدرها ، وتزاحمت العبرات داخل أعينها ، ارتجف جسدها بقوة حين استمعت إلى خطواته الثابتة نحوها ، فالتفتت ببطء شديد إليه تراقب تقدمه نحوها بخوف شديد ، لتحاول الحديث بصوت مرتجف مبررة موقفها :
_ و الله العظيم يا حمزة كنت هقولك
حدث ما كانت تخشى منه ، تحول حمزة تمامًا وأخرج وحوش غضبه الضاري لتقضي عليها ، ابتلعت ريقها بصعوبة تبلل حلقها الجاف حين وقف أمامها يدس يديها بجيب بنطاله يرميها بنظرات ساخرة ، قائلًا بنبرة جافة :
_ كان عندي أمل أنك تكدبي الخبر ، و تقولي أنك معملتيش كدا ومخبتيش عليا حملك
اخذ مربع خزفي من اللون الأبيض والقاه بقوة على الأرض يخرج ما يكنه داخل صدره من غضب ، يهتف بحدة :
_ اربع سنين متجوزين ، و بنحلم باليوم دا اللي نخلف فيه ، جيتي انتي بكل أنانية وخبيتي عليا حملك
تساقطت العبرات من عينيها ، وتقدمت منه تمسد على ذراعه تحاول بث الهدوء داخله :
_ و الله العظيم حاولت اقولك قبل كدا مكنش فيه فرصة
ازاح يدها عنه ، وأمسك هو بذراعها بقسوة ، يصرخ بها بغضب استحال التحكم به وتلك الرسالة أمام أعينه تًغذي تلك النيران المشتعلة داخله :
_ فرصة اية اللي تتكلمي عليها ، الكلام دا مش محتاج استعداد ، كلمتين و بس انتي حامل
دفع ذراعها بقوة ، فعادت إلى الخلف خطوة متسائلًا بحدة :
_ محتاجة تخطيط دي في اية ؟
مسحت الدموع عن عينيها حتى تراه بشكل واضح ، ثم همست برجاء :
_ طب أهدي عشان خاطري و نتكلم
أطلق ضحكة ساخرة ، ثم أشار بيده نحو الخلف قائلًا بنبرة حادة :
_ لا ما خلاص الوقت فات ، كنتي هتخبي لحد امتي ، لحد ما تولدي ، و لا كنتي عايزة تجهضي الطفل
سأل بجدية في نهاية جملته والغضب يلتهم ملامحه التهامًا ، فاتسعت عينيها بصدمة ، تصرخ أمامه بذعر :
_ حمزة انت بتقول اية ، متخليش غضبك يعميك
ضرب الحائط بكف يده مرات متتالية ، ثم هتف بصوت مرتفع حين حركه شيطان الغضب :
_ كنتي عايزة اية يعني من اللي عملتيه .. عايزة تطلقي يا كنزي
أومأ برأسه قبل أن يستأنف حديثه :
_ طب انتي طا...
أسرعت نحوه تضع كف يدها فوق فمه ، تسكت لسانه عن نطقه لما لا يدركه الآن ، واستندت برأسها على صدره بقلة حيلة تكرر بهمس :
_ عشان خاطري ، عشان خاطري
استوعب للتو أنه كاد ان يلقي بوجهها يمين الطلاق ، وينتهي كل شيء ، نظر إلى رأسها المستقرة على صدره وكفها الذي قاطع حديثه المتهور ، دفعها برفق لتبتعد عنه ، لكنها تشبثت به أكثر تهذي بكلمات عديدة متداخلة ، لم يفهم منها سوى :
_ حقك عليا ، و الله كنت هقولك ، عشان خاطري متعملش كدا
لكنه أصر على ابعادها عنه ، فابتعدت بهدوء تنظر إليه بأعين حمراء دامية ، ودموعها تغرق وجهها ، ليبتعد هو خطوتين إلى الخلف ، قائلًا بنبرة قاسية لم تشهدها من قبل حتى في اعتى حالاته غضبًا :
_ انتهت يا كنزي ، ياما هتتحمل اننا ننفصل و احنا في نفس البيت ، ياما تتفضلي اوصلك بيت ابوكي و اللي بينا ابننا
انهى حديثه وتقدم نحو الباب ينوي الخروج ، فلحقت به تحاول إيقافه :
_ حمزة ، حمزة اسمعني
فتح باب الشقة ، ثم التفت إليها ينطق بكلمة واحدة فقط لكنها كانت كفيلة لتحطم قلبها :
_ انتهينا
أغلق الباب خلفه بعنف ، وجلست هي تنهار على الأرض ، تشهد نتيجة أفعالها المتهورة بشكل أسوء من كافة توقعتها ، استندت بظهرها على الباب تنفجر في بكاء مرير ، وقد ايقنت انها وضعت بنفسها نقطة تنتهي عندها قصتها مع زوجها .
***********************************
في غرفة نغم كانت تجلس على الفراش ، تمسك بيدها الهاتف تتحدث مع خطيبها عبر مكالمة فيديو ، يتحدث معها عن حفل زفاف شقيقها وما لاحظه من نظرات عزيز لهما ، فحاولت تفسير له الأمر أنه من الممكن أن يكون مشغول بأمور أخرى ولم يكن يقصد بذلك شيء ، تنهد بكر بقوة قبل أن يغير مجرى الحديث قائلًا :
_ فرح أسامة ابن عمتي يوم السبت ، و بصراحة انا عايز نروح لوحدنا زي اي اتنين مخطوبين
أشارت له نغم بأن أشقائها لم يقبلوا بذلك ، وارتسمت على ملامحها الأسف ، فصمت لثوان قبل أن يقترح بحماس :
_ خلاص تيجي معايا من غير ما يعرفوا
اتسعت أعين نغم من فكرته المتهورة ، ونفت سريعًا بذعر من ان يكتشف أشقائها خروجها من أذن مع بكر ، فتحل عليها لعنة غضبهما ، ونسج عقلها المشهد مكتمل حيث أن داوود لن يهدأ ويرضى عنها قبل أن يفض خطبتها بلا رجعة ، نفت من جديد تشير بيدها أن ذلك مستحيل ولن يخطر ببالها أن تفعل .
تغيرت ملامح وجه بكر ، وارتسم الغضب على وجهه ملوحًا بيده يهتف بضيق :
_ هو انتي كل حاجة لازم تعقديها ، انتي مش واثقة فيا و لا اية .. بقولك هنروح ساعة و هروحك و محدش هيعرف
لم يلقى ردًا منها إنما رأى النفور من أسلوبه في عينيها الضيقتين ، فحمحم يهدأ من غضبه ، وعاد يتحدث بهدوء :
_ يا حبيبتي احنا مش هنعمل حاجة غلط هي ساعة واحدة نحضر الفرح وسط عيلتي ، و هرجعك هنا قبل ما حد منهم يجي
تهربت بعينيها في كل مكان تفكر في الأمر بحيرة ، لتسمع صوته الهادئ يهتف برقة :
_ نفسي نحضر فرح مع بعض يا نغومة
ضمت شفتيها تفكر مرارًا قبل أن تهز رأسها موافقة ، اتسعت بسمته وارسل لها قبلة عابثة بالهواء ، قائلًا :
_ حبيبتي يا نغوم ، كنت عارف انك هتوافقي
أشارت بيدها له أن توفى بوعده ، أن يحضرها إلى المنزل قبل وصول أشقائها ولن تطول مدة خروجها معه سوى ساعة واحدة فقط ، أومأ إليها مؤكدًا على حديثه قائلًا :
_ يا بنتي وعد خلاص ، ثقي فيا
سمعت صوت إلياس من الخارج ينادي بأسمها ، فأغلقت المكالمة مع بكر ، وتوجهت نحو الخارج لتجلس مع شقيقها قليلًا قبل النوم كعادتهما .
***********************************
في صباح اليوم التالي ، استيقظت رحيل من نومها العميق لتجد الفراش خالي من داوود ، اعتدلت بجلستها تبتسم بخجل على ما فعلت البارحة أنها من عانقته بمحض إرادتها ، وظلت طوال الليل بين ذراعيه ، رغم سعادتها بقربه إلا أن سيطر عليها الخجل بشدة حتى أنها خجلت أن تخرج لتراه ، لكن إرادتها في الوصول إلى قلبه والاستقلال بحقها به دون أخرى ، دفعتها إلى الخروج ومشاركته صباح جديد .
خرجت بخطوات هادئة نحو الخارج فلم تجده بالردهة ، لكن صوت عبدالحليم حافظ يشدو بالشرفة أرشدها على مكانه ، تقدمت بهدوء نحو الشرفة ترتب خصلات شعرها لتظهر في أحسن صورة أمامه .
وجدته يجلس على المقعد بالشرفة يرتشف من قدح القهوة الساخنة ، ويدندن بصوت هادئ مع الأغنية ، ابتسمت وهي تدلف إلى الداخل هامسة :
_ صباح الخير
التفت إليها مبتسمًا ، ثم أشار لها أن تجلس بالمقعد المجاور له ، ففعلت برحابة صدر ، فمد يده نحو خصلات شعرها يمسد عليها برفق قائلًا بعبث :
_ اظن نمتي كويس
كان يرمي لنومها بين أحضانه تضمه بقوة ، فخط الخجل خطوطه الحمراء على وجنتيها ، ونظرت إلى الأسفل دون رد ، فمد يده يمسك بيدها يتحدث بهدوء ليزيح ذلك الحاجز القوي بينهما ولازالت الابتسامة تزين محياه :
_ من اليوم اللي ارتبط اسمي باسمك و حضني بقى مكانك
نظرت إلى ايديهما المتشابكة ، فزادت ابتسامتها ، ومالت برأسها نحو اليمين تدقق النظر بهيئته التي سلبت لبها منذ الوهلة الأولى ، ثم همست بصدق :
_ و دي احلى حاجة حصلتلي في حياتي
أومأ برأسه تزامنًا مع ارتفاع حاجبيه بمكر ، وهتف بمزاح :
_ يا ولاه ، بنعرف نغازل يعني
ضحكت بخفة ، والتفتت برأسها إلى الطرف الآخر ، ثم سألت حتى تخرج من بين نظراته الخبيثة :
_ فطرت ؟
أشار بعينه نحو القدح ، مجيبًا :
_ لا بشرب القهوة الاول ، و بعدين هبقى افطر
أومأت إليه وتوقفت عن المقعد قائلة :
_ هقوم أعمل فطار لينا
أومأ برأسه وأخذ القدح متوجهًا معها نحو المطبخ تحت تعجبها ، جلس على المقعد المرافق لطاولة المطبخ ، فالتفتت تنظر إليه بتساؤل عن وجوده ، ليستند بمرافقيه على الطاولة قائلًا :
_ بحب افطر في المطبخ عادي
أومأت برأسها ورفعت خصلات شعرها إلى الأعلى ، بدأت في تحضير الطعام ، ومن بعدها ذهبت لغرفتها واحضرت من حقيبتها حقيبة بلاستيكية صغيرة داخلها أعشاب طبيعية ، بدأت بأعدادها وسط تعجب داوود الذي سأل :
_ دا مش شاي ، دا اية ؟
وضعتها بزجاجة ووضعت عليها الماء المغلي ، ثم غطتها بغطاء خشبي حتى يصبح جاهزًا ، وقالت بهدوء مجيبة :
_ دي اعشاب مفيدة للجسم بحب اشربها الصبح و هتعجبك اوي
وضعت أمامه الخبز ، وكادت أن تلتفت ألا أنه أوقفها بجملته المتسائلة :
_ لية حاسس طول الوقت انك عايزة تقوليلي حاجة ؟
تنهد بقوة يمسك بيدها حتى تجلس ، فجلست على المقعد تنظر إليه باستفهام ، ليتحدث بجدية :
_ قولتلك اني عايز جوازنا يمشي طبيعي ، لو عايزة تقولي اي حاجة بلاش تردد
ربتت على كف يده ، تتحدث بهدوء :
_ مفيش طول الوقت عايزة اتعرف عليك اكتر ، بس كدا
أزاح تلك الخصلة المتمردة التي كادت أن تدخل عينها ، وقال بأصرار على أن تعطي لنفسها مساحة أكبر في حياته :
_ اللي عايزة تسأليه ، اسأليه على طول
كانت تود أن تسأل على تلك الفتاة التي تدعي دهب ، لتلتفت بجسدها نحوه متسائلة بفضول فاح من نظراتها المتوجسة :
_ كنت تعرف واحدة قبل جوازنا او بتحبها يعني
رفع كتفيه ، ونفى برأسه مجيبًا بصدق :
_ لا ، خالص
شعرت بالغضب كونه اخفى عنها علاقته بتلك الفتاة رغم أنه يريد لزواجهما أن يبدأ على صفحة بيضاء ، لتجد نفسها دون وعي تتهكم بضيق :
_ يا سلام ، و بالنسبة لاستاذة دهب ؟
عقد حاجبيه متعجبًا من معرفتها لشقيقته ، فسأل باستغراب :
_ انتي عرفتي دهب منين ؟
أغرورقت عيناها بالدموع ، تنظر إلى الأسفل لتخفي عنه بكائها قائلة :
_ انت ندهتني باسمها يوم ما جيت العشيرة و طلبت ايدي
_ و انتي افتكرتي أن ...
قطع جملته متنهدًا ، وأمسك بذقنها يرفع رأسها نحوه قائلًا بهدوء مفسرًا لها الأمر رغم الحزن الذي خط على وجهه :
_ لا دهب تبقى اختي اللى اكبر مني بسنة ، الله يرحمها
ظهر انفعالات متناقضة على وجهها ، سعادتها كون تلك الفتاة شقيقته ، وحزنها على شباب الفقيدة ، مدت يدها تربت على كتفه بأسف قائلة :
_ أنا آسفة مكنتش أعرف ، ربنا يرحمها
أومأ إليها ، وكاد أن يتحدث إلا أن قاطعه رنين هاتفه ، أخرج الهاتف وفتح الإتصال واضعًا الهاتف على أذنه :
_ أيوة يا إلياس ، صباح النور
صمت يستمع إلى صوت أخيه من الطرف الآخر ، يخبره بما حدث بالأمس بين حمزة وزوجته التي استنجدت بعمتهم لتحاول تهدئة حمزة ، زفر داوود بغيظ ، وسأل بحدة :
_ و حمزة فين دلوقتي
نفى إلياس معرفته بمكان حمزة الآن ، فرفع داوود رأسه نحو عينا رحيل الفضولية قائلًا بجدية :
_ طب هفطر وانزلك نشوف راح فين ، خطوبة صهيب بكرا و مينفعش حوارات خالص دلوقتي
أغلق الهاتف ووضعه على الطاولة ليستمع إلى صوتها الهادئ تسأل :
_ هي كنزي كويسة ، سمعتك بتقول حمزة
مرر يده على وجهه بغضب ، ثم أجاب بضيق :
_ حامل و مخبية على حمزة و عرف امبارح و الدنيا بايظة
شحب وجه رحيل بخوف على ما قد يحدث لكنزي ، وما حالتها الآن ، لتتقدم من داوود تتحدث بلهفة :
_ طب انا عايزة اروح لكنزي ضروري ، ممكن
أومأ برأسه موافقًا ، وتحدث بهدوء بعد تنهيدة قوية :
_ تمام ، هننزل سوا
************************************
نهش الخوف قلب يثرب مجددًا بعد أن حاولت مرارًا الهدوء ، وعادت الهواجس تطاردها تؤرق نومها ، حاولت التراجع عن موافقتها على الخطبة ، لكن والدتها كانت تعارض قرارها ولم تقبل ، لكنها أيضًا وعدتها أن أرادت الابتعاد عنه ستكون أول الداعمين لها .
طرقت والدتها الباب عدة مرات قبل أن تفتح الباب ، ابتسمت بسعادة تمرر نظرها عليها وعلى هيئتها المرتبة بشكل أنيق ، احتضنتها بقوة تربت على ظهرها بحنو قائلة :
_ مبارك يا حبيبتي ربنا يتمملك بخير و يسعدك
أمسكت يثرب يد والدتها تسأل بقلق :
_ ماما لو مش عايزة أكمل هتقبلوا مش كدا
بدأت والدتها في ترتيب هيئتها أكثر ، تقرعها بضيق :
_ يا حبيبتي متفوليش على نفسك ، دا ربنا هيكرمكم مع بعض إن شاء الله
أومأت إليها متنهدة ، ثم أشارت نحو الباب متسائلة :
_ هما جم كلهم ؟
_ ايوة و انا جاية أخذك و نطلع
أجابتها والدتها بهدوء ، لتتمسك يثرب بيد والدتها أكثر قائلة برجاء :
_ ماما خليكي جنبي انا متوترة اوي
طمئنتها والدتها وأخذت بيدها تخرج معها نحو غرفة الضيوف حتى تبدأ مراسم الخطبة .
قد حضر أفراد عائلة القاضي إلى منزل يثرب لإتمام خطبة صهيب ، بعد أن سيطر داوود على الوضع بين حمزة وكنزي مؤقتًا حتى تمر الخطبة بهدوء ، رغم ذلك لم يقترب حمزة منها ولم يستمع إلى كلمة قد تخرج منها ، كأن ابتعادهما واضح بشكل أثار الحزن على حالهما ، وإلقاء اللوم على كنزي .
كنزي التي كانت في حالة يرثى لها من الحزن والأسى ، وإلى جوارها رحيل والسيدة لقاء يحاولن التخفيف عنها حتى لا يصيبها مكروه من كثرة البكاء كلما نظرت إليه أو أقتربت منه فيواليها ظهره غير مهتم بها .
أطلقت السيدة لقاء زغاريد الفرحة عند دخول العروس إلى جمعهم ، وقامت بمصافحة النساء والتعرف عليهن ، جلست إلى جوار السيدة لقاء التي كان يجاورها من الطرف الآخر صهيب ، الذي كان ينظر بطرف عينه عليها وعلى ثوبها الوردي الرقيق ونقابها الأبيض الناصع ، فخفق قلبه بقوة بين ضلوعه ، سعيد بمنة الله عليه وهذا الهدوء الذي يسكن صدره في وجودها .
مدت السيدة لقاء وأخذت عُلبة مخملية كبيرة من اللون الأحمر ، تأخذ بيد يثرب تلبسها شبكتها ، دون أن يتدخل في ذلك صهيب ، ثم وضع حلقة فضية حول بنصره الأيمن .
انهالت عليهما التهاني و المباركات ، وبدأ الجميع بالتقاط صور للذكرى ، ابتعد فيها حمزة عن كنزي عن قصد ، فالتفتت رحيل نحو زوجها الذي يحاوط كتفها لالتقاط صورة فوتوغرافية ، تهمس برجاء :
_ داوود ، حنن حمزة على كنزي شوية ، دي منهارة خالص و انا خايفة يحصلها حاجة
ألقى نظرة سريعة نحو حمزة الذي يبتسم باقتضاب ، ثم عاد بنظره نحوها يجيبها بهدوء :
_ انا مقدرش اقوله متزعلش ان مراتك خبت عليك حملها ، بس اكيد هحاول اتكلم معاه
تنهدت رحيل بقوة ، تهمس بضيق :
_ ربنا يهديهم لبعض
***********************************
توجه سعدون متخفيًا نحو أحدى الخيم في أطراف العشيرة ، استأذن ليدخل وسُمح له بالدخول .
تقدم من ذلك الرجل الأشيب الذي تخط سنوات عمره السبعين على وجهه ، يمسك بكف الذي تجعد جلدها عصا قوية ، مرسوم عليها بعض الطلاسم الغير مفهومة ، جلس سعدون المرتجف أمامه ، يلقي عليه السلام ويعرفه بنفسه ، فتحدث ذلك الرجل بصوت أجش يلقي الرعب في قلب كل من يسمعه :
_ عرفتك من ساعة ما دخلت يا ابن الريس
ابتلع سعدون ريقه بصعوبة ، ينظر حوله إلى الخيمة المقبضة بخوف ، وازداد خوفه حين هتف ذلك الرجل فجأة :
_ طلبك اية ؟
انتفض سعدون ، ومد يده يمسح حبات العرق عن جبهته ، يهمس بارتباك :
_ انا عايز أعمل سحر
صمت الساحر ثوان قبل أن يحثه على استكمال حديثه ، فأخرج سعدون بعض الأموال من جيبه ، يضعها أمامه ، قائلًا بحقد :
_ انا عايز أعمل عمل لرحيل بنت جليلة ، عايزها تسيب جوزها و تيجي زاحفة تحت رجلي مذلولة
