رواية الراتل الفصل الحادى عشر 11 بقلم اسماء ايهاب

       


 رواية الراتل الفصل الحادى عشر بقلم اسماء ايهاب


حين حل وقت إستراحة الغداء في محل عمل مايان، تركت ما بيدها وجلست تنتظر شقيقها الذي وعدها بإحضار شطائر ساخنة.
لم تمض دقائق حتى دلف إلياس إلى المحل الذي أصبح ملكًا له الآن، بعد أن قام بتسجيل ملكيته منذ قليل بالشهر العقاري، يحمل في يده ثلاث حقائب بلاستيكية من أحد المطاعم الشهيرة.
ألقى عليهم السلام ثم توجه نحوهم يمد يده للعاملين بالحقائب قائلًا بهدوء :
_ الغدا يا شباب 

أخذت سهيلة حقيبة منهم وأعطت الأخرى لأحد  زملائها في العمل، قائلة بامتنان :
_ ربنا يكرمك يا أستاذ إلياس محدش فينا كان قادر يروح البيت و يرجع تاني 

ابتسم بخفة كرد صامت منه، ثم التفت إلى مايان الذي جاء بالطعام من أجلها، مد يده إليها بالحقيبة الأخيرة ينبهها له مناديًا :
_ مايان 

أخذت منه الحقيبة بحرج ، تهمس بصوت خافت :
_ شكرًا 

أومأ برأسه وتوجه نحو المكتب الموجود جوار باب الخروج، يتركهم لتناول الطعام دون خجل، عيناه رغمًا عنه تتابع حركتها بدقة، حتى أتاها إتصال من شقيقها، فتحت المكالمة تستمع إلى صوت شقيقها من الطرف الآخر قبل أن تقول بهدوء :
_ أيوة يا عمر، طب هطلعلك اهو 

أغلقت الهاتف وتوجهت نحو إلياس لأخذ أذنه للمغادرة مع شقيقها لفترة قصيرة :
_ ممكن اطلع لاخويا شوية وارجع تاني، نص ساعة بس 

رحب إلياس ووقف عن المقعد، يشير نحو الخارج قائلًا :
_ مفيش مشكلة، انا هطلع معاكي اسلم على عمر 

أومأت برأسها وخرجت من المحل تبحث بعينيها عن شقيقها، فوجدته يجلس لقيادة عربة ذات ثلاث عجلات "توكتوك"، تقدمت منه متعجبة وخلفها إلياس الذي وقف يلقي عليه السلام قائلًا :
_ ازيك يا عمر 

ترجل عمر يقف أمامه، وقام بمصافحته قائلًا بترحاب :
_ اهلًا، ازيك يا باشا، مبارك المحل ربنا يرزقك من وسع 

ربت إلياس على كتفه، ثم تحدث بهدوء يشير نحو المحل :
_ تسلم يا عمر، اتفضل نشرب شاي سوا

_ مرة تانية باذن الله، هاخد مايان نصاية كدا و ارجعها تاني 

قالها عمر شاكرًا، فراحت عينا إلياس تتباع جلوسها المقعد الخلفي للعربة، قائلًا :
_ براحتك مفيش مشكلة 

ودعه وغادر عائدًا إلى المحل مجددًا، وجلس عمر محله ليقود العربة، فأستمع إلى صوت مايان تسأل متعجبة :
_ اية التوكتوك دا، بتاع مين ؟

تنهد عمر بثقل، ثم أجابها بهدوء :
_ واخده لفة كدا من واحد صاحبي عشان مكنش معايا فلوس، هرجعه لصاحبه و نعدي نجيب حاجة ناكلها 

ابتسمت بحنو، تربت على كتفه قائلة :
_ لا اركن على جنب كدا، أستاذ إلياس جايب غدا لينا ناكل مع بعض 

راقب تلك الحقيبة التي تأرجحها شقيقته بين أصابعها في المرآة، ثم تحدث مازحًا :
_ مروق عليكم يعني

ضحكت بخفة، وتوقف هو على جانب الطريق، فأخرجت شطيرة من الحقيبة ومدتها نحو شقيقها، وأخرجت أخرى لكي تتناولها قائلة بمرح :
_ كُل دا سندوتش لو ابوك شافه، هيروح يبيعه و ياخد فلوسه 

ضحكا معًا بصخب قبل أن يتناولوا الشطائر بهدوء، انتهيا وأخرجت مايان زجاجة المياة المرافقة للطعام لتتناول منها القليل، ثم مدت يدها بها لأخيها .
تنحنح عمر وقد تذكر شيئًا عليه أخباره لشقيقته، فقال بهدوء :
_ انا هقولك على حاجة بس مش عايزك تضايقي 

انتابها القلق دون مبرر، ونظرت إلى عمر بانتباه متسائلًا :
_ خير في اية ؟

ساد الصمت هنيهة ، يضم عمر شفتيه بضيق، فنبهته مايان أن يتحدث وقد خفق قلبها باضطراب، فالتفت إليها يلقي عليها جملة واحدة :
_ صلاح رجع من السفر 

شحب وجهها بشدة، وأصابها الدوار في الحال، تغير كل شيئ أمامها إلى الرمادي، عاد إليها ذنبها الوحيد التي اقترفته في حق نفسها، بعد أن تعافت مما سببه لها من أزمات نفسية حادة، تجدد كل الألم والحزن بقلبها بل وأشد من السابق .

************************************
دلف حمزة إلى شقته وأغلق الباب خلفه بتنهيدة مرهقة .
كان قد قضى وقتًا طويلًا في جلسة مع عمته، يشكو إليها ما يعتمل داخله منذ أن قرأ تلك الرسالة، وقد حاولت تهدئته بكافة الطرق الممكنة، تحثه على الحديث مع زوجته بهدوء بعد المشادة الأخيرة التي كادت أن تُنهي زواجهما، كما أخبرتها كنزي .
فقد ألقت اللوم عليه، معتبرة أن تهوره وقتها أعطى الفرصة لمن أراد التفريق بينه و بين زوجته ليشعر بالانتصار، لكنها في الوقت ذاته لم تُبرئ كنزي وأكدت أن كلاهما أخطأ، وقد ترك نفسه لنيران الغضب تلتهمه ككل مرة، فلم يتحكم في نفسه وكاد أن يُنهي زواجه بكل بساطة .
مرر يده على جبهته بارهاق، وعيناه تبحثان عنها في الأرجاء، ولم ينسي لحظة أدركه لفداحة ما كان سيفعله غضبه وقتها، ومحاولاتها لارضاءه رغم حزنها الواضح منه .
توجه بخطى هادئة أتجاه غرفة النوم، وجد بابها مفتوح وصوت شهقات بكائها يتعالى مع أقترابه من الغرفة، توقفت قدميه أمام الباب يراها تحتضن قدميها وجهها متوهج من البكاء، وقع الضيق بصدره من مظهرها المنهار لذا تنحنح وتوجه نحوها بهدوء .
رفعت رأسها إليه بلهفة، واعتدلت بجلستها تمسح بكفيها دموعها :
_ حمزة 

جلس بهدوء على طرف الفراش، ولم ينطق بحرف ساد الصمت بينهما قطعته حين أقتربت منه تضع يدها على كتفه قائلة بصوت متحشرج :
_ حمزة أنا آسفة إني خبيت عليك، بس كنت خايفة صدقني

التفت إليها والتقت عيناها المتورمتان من البكاء، بعيناه الحمراء من قلة النوم في عتاب لا ينطق به لسان أي منهما إنما سأل بهدوء :
_ خايفة من اية ؟

أسرعت تفسر بسبب خوفها :
_ خايفة من شغلك اللي خلاك على كف عفريت، انت عارف اني بعدت عنك عشان تبعد عن الشغل دا، وعايزاك تبعد عشان خايفة عليك 

صمتت لثوان قبل أن تقترب منه أكثر ، تهمس راجية :
_ انا حاولت اقولك كذا مرة و الله 

_ اية اللي منعك؟

سأل بجفاء فلم يلقى رد منها، فالتفت بجسده نحوها، قائلًا بما يعتمل داخل صدره :
_ كل مرة كنتي مصرة فيها تروحي لدكتور عشان الحمل كنت ببقى نفسي نلاقي أمل اكتر منك، بس بعد كلام الدكتور بحاول احسسك ان مش فارق معايا و ان انا مش عايز عيال وكفاية عليا انتي 

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يستأنف حديثه بجدية أكبر :
_ كل مرة كنتي بتتقهري فيها لما تسمعي ان الموضوع صعب و احتمال يكون مستحيل، كنت انا بتقهر زيك و اكتر بس بحاول اهون عليكي .. و بعد اربع سنين في المرار دا فجأة يجيلي رسالة ان مراتي حامل بس مش عايزاني اعرف 

هز رأسه بيأس، فهب واقفة عن الفراش وصاحت تبرر موقفها بانفعال :
_ عشان خايفة ابني يشيل ذنب كل واحد مات بسبب سلاح انت بعته، و خايفة اتحرم منك فجأة، انت نفسك كنت عارف اني خايفة من الموضوع دا من اول ما عرفت 

كانت نظراته الهادئة، وصمته عن الرد يثير داخلها الريبة مما ينتوي فعله، لتتساقط عبراتها من جديد، تقترب منه تستند بكفي يدها على كتفه معتذرة :
_ أنا آسفة يا حمزة، مش عايزة ابعد عنك تاني

انحنت تستند برأسها على رأسه تعتذر له، عيناه لم تفارق بطنها وتضاربت مشاعره بشكل كبير، في تلقائية مد يده يضعها على بطنها يمسد عليها بحنان بالغ .
وقفت معتدلة تراقب نظراته الحانية نحو بطنها، ويده التي تمسد فوقها برفق، ولاحظت ابتسامة لطيفة لاحت على ثغره، لتمد يدها تكوب وجهه بين راحتيها تجعله ينظر إليها رغمًا عنه قائلة :
_ مش عايزين نبعد عنك يا حمزة، عشان خاطري حاول تقدر خوفنا عليك

أشارت في جملتها إلى جنينها، لتتسع ابتسامته عنوة وداعب قلبه شعور لذيذ كان يتمنى أن يشعر به منذ فترة .
انحنت كنزي تقبل وجنته اليمنى، ثم جلست إلى جواره مجددًا تحاوط خصره تجبره على أحتضانها رغمًا عنه، لم تكن تعلم أنه أكثر من مرحب بذلك العناق بعد معاناة طويلة مع غضبه لم يغمض له جفن ولم يذق للراحة طعم .

***********************************
اجتمع الراتل بغرفة مكتب داوود الذي أخذ يقص عليهم خطته لمهمة تسليم سلاح جديدة، شرح لكل منهم ما عليه فعله بالضبط .
تنهد بقوة وارجع ظهره إلى الخلف يتكأ على المقعد، متسائلًا :
_ كدا كل واحد فهم دوره اية ؟

أومأ إليه إلياس، وقال :
_ تمام يا داوود كلنا فهمنا

تسلطت أنظار داوود على حمزة حتى يستشف مدى استيعابه لما قاله، فوجده يسأل بحيرة :
_ هو حد عارف المانجا لسة مطلعتش لية ؟

ألقى داوود القلم من يده بعنف، وصرخ بغضب :
_ طلعوا برا، هيجبلي جلطة 

رمقه عزيز بضيق قائلًا :
_ مانجا اية يا حمزة دلوقتي

لكزه إلياس بكتفه، يتحدث بخبث :
_ لا طالما دور على المانجا يبقى اتصالح مع مراته 

أومأ برأسه مبتسمًا ببلاهة، لضرب داوود كف بالآخر، قائلًا بحسرة على الصغير الذي لم يولد بعد :
_ ربنا يكون في عون الطفل اللي جاي دا، هيلاقي عنده اب و ام مركز العته في مصر 

عدل حمزة من ياقة قميصه، وقال بفخر :
_ دا انا هبقى مربي فاضل

سخر عزيز منه قائلًا :
_ انت مربي فاضح يا حمزة 

ظهر الضيق على ملامح حمزة قبل أن يدفعه عنه قائلًا بتحدي :
_ طب دلوقتي تشوفه تربيتي يا صيع 

كاد داوود أن يتحدث إلا أن قاطعه طرقات على باب الغرفة، فأذن للطارق بالدخول، فدلف إلى الداخل شاب ضخم الجثة رغم قصر قامته.
اعتدل داوود بجلسته مشيرًا له بالدخول :
_ تعالي يا ممدوح 

تقدم منهم ممدوح بعد أن ألقى التحية عليهم، ومد يده لداوود بحقيبة قماشية، ليأخذها منه بصمت أثار فضول حمزة الذي ارتفع بجسده يراقب تلك الحقيبة قائلًا :
_ دا اية يا ممدوح 

التفت إليه ممدوح يجيبه بهدوء :
_حاجة خاصة بالباشا، بعد أذنكم 

خرج ممدوح غالقًا الباب خلفه، ليستند حمزة بمرافقيه على سطح المكتب، يسأل بغمزة خبيثة :
_ جايب هدية للمدام 

وضع داوود الحقيبة أسفل المكتب، وصاح بغيظ :
_ و انت مالك يا جحش

ثم أشار نحوه، صارخًا بغضب وقد استفزته ضحكة حمزة المشاكس :
_ حد فيكم يتحرك و ياخد الواد دا من قدامه 

فتحرك عزيز يسحب حمزة نحو الخارج لتفادي غضب داوود، فهمس حمزة بجانب أذن عزيز يقمع ضحكته بصعوبة :
_ خايف أقوله أنه خاب زي ما كان بيقولي، يفلقني نصين قد بعض 

***********************************
أغلق داوود باب الشقة خلفه بعد عودته من العمل، وفي قلبه شوق خافت لرؤيتها، ليتبادلا الحديث الهادئ كالليلة الماضية .
نادى عليها بصوت يحمل دفء الاشتياق ، فما أن سمعت صوته حتى أسرعت نحوه، تستقبله بابتسامة مشرقة ونظرة تمتلئ بالحنان قائلة :
_ حمد الله على سلامتك 

ابتسم بخفة على طلتها المريحة، وأقترب منها مجيبًا :
_ الله يسلمك 

مد يده نحوها بحقيبة قماشية، فأخذتها بفضول لمعرفة ما بداخلها، فتحت الحقيبة لتجد داخلها عُلبة كرتونية لهاتف جديد، ابتسمت وأخرجت العُلبة متسائلة :
_ دا عشاني 

أومأ برأسه وعيناه تراقب سعادتها الطفولية البريئة، أخرجت الهاتف ونظرت إليه بانبهار، ثم رفعت رأسها نحوه تشكره بامتنان ظاهر جليًا على ملامحها :
_ شكرًا بجد، دا تحفة 

أخذه من يدها حين وجدها لم تسطع فتحه والتعامل معه حتى لا تشعر بالحرج، وتحدث بهدوء :
_ استخدامه سهل جدًا ، جهزي الأكل على ما افتحه و احطلك الخط ، هيبقى تسلية ليكي وانا برا و كمان عشان تقدري تكلمي كنزي وقت ما تحبي 

أومأت إليه وتوجهت نحو المطبخ لتحضر الطعام، قلبها يخفق بقوة ليس لأجل تلك الهدية بل لأنه فكر بها واهتم لأمرها، هذا ما كانت تريد قبل أن تخبره عن حبها له بشكل واضح دون أن يعتبر ذلك جميل عليه ويرده بتعامله الحسن معها أو التظاهر بالاهتمام، ازداد حماسها بشكل كبير وتحركت أسرع حتى تصل لتلك اللحظة الحاسمة .
انتهيا من الطعام وسط حديث بسيط بينهما، لاحظ هو احمرار وجنتيها وارتجاف اطرافها، فاعتقد أن خجلها من هديته طغى عليها، ابتسم بهدوء وطلب منها بلطف :
_ كوباية قهوة لو سمحتي يا رحيل 

أومأت برأسها، فتوجه نحو الأريكة يجلس عليها في استرخاء وقام بتشغيل أغنية لعبد الحليم حافظ حتى يتناول قهوته بهدوء .
جاءت بالقهوة ووضعت القدح أمامه على الطاولة، ثم جلست إلى جواره على الأريكة تسأل مبتسمة :
_ شكلك بتحب عبد الحليم اوي 

أومأ برأسه وهو يرفع قدح القهوة بين يديه ، ثم التفت يجيبها بهدوء :
_ أمي الله يرحمها هي اللي علقتني بأغانيه و حببتني فيها من كتر ما كانت بتسمعها 

حاولت مشاركته الحديث حين قالت بهدوء :
_ الله يرحمها ، تعرف إني بحب فريد الاطرش اوي 

التفتت إليه وعيناها غاصتا في عينيه ، تهمس بنبرة خافتة ذات مغزى :
_ و خصوصًا و هو بيقول "يا حبيبي ياريت ابقى حبيبك و اكون من بختك و نصيبك" 

كان همسها هادئ يستهدف قلبه مباشرةً، ليضع القدح من يده، ومال نحوها قليلًا يسأل بمزاح :
_ هو دا تلميح ... و لا تلقيح ؟

ضحكت وهي تجيبه بصدق :
_ لا، دا تصريح 

أنطلقت ضحكته الرجولية تداعب قلبها،  واراح ذراعه خلفها على ظهر الأريكة، واقترب أكثر يقول بنظرة خاصة :
_ دي حاجة انا واخد بالي منها، دي مش دلقة واحدة اتجوزتني تهرب من جوازة غصب

أشار إلى نفسها، تسأل بذهول :
_ هو انا كدا مدلوقة ؟

ازدادت ضحكته رغمًا عنه، وقال بمرح متسائلًا :
_ هو انتي عندك اكتر من كدا؟ 

هدأت ضحكته، فدنى يقابل وجهها بنظراته المتفحصة :
_ تعرفي ان من يوم ما شوفتك و انا حاسس اني شوفتك قبل كدا 

رفع نظراته إلى عينيها التي جذبته منذ الوهلة الأولى للغرق بهما، تصرح بمنتهى الدفء أنها قد زارته قبلًا، فتحدث بنبرة خافت صادقة :
_ عينيكي دي مميزة بالنسبالي و حاسس اني شوفتهم قبل كدا 

اتسعت عيناها بذهول، ونظرت إليه بصمت متعجبة من ذلك، فقد كان فاقد للوعي لم يراها وقتها، طال صمتها فرفع يده يطرقع أصابعه أمام وجهها قائلًا :
_ مالك سكتي لية ؟

ردت ببساطة، رغم تجلي التعجب على ملامحها :
_ عشان انت مشوفتنيش انا اللي شوفتك

رفع حاجبيه متعجبًا، ثم التفت بجسده نحوها ليواجهها مباشرةً، متسائلًا بحيرة :
_ لا ثواني بقى ، يعني اية ؟

حاولت بث الشجاعة إلى نفسها عندما مررت يدها على وجهها وشعرها، ونظرت إليه بارتباك تهمس بنبرة مرتجفة :
_ في الفيوم من سنة، كنت مضروب بالنار سايح في دمك وسط الصحرا ... انا شوفتك و نديت على أمي و ساعدنا بعض لحد ما وصلناك دار الريس عمران 

أشارت إلى نفسها معرفة عن هويتها بين عشيرتها :
_ انا طبيبة العشيرة اللي عالجتك و انت مغمي عليك

مر سريعًا على عقله تلك الذكرى كوميض أنار عقله فجأة، حين فتح عيناه بصعوبة بالغة بعد أيام من الغيبوبة، قابلته تلك العينين المنهمكتين بعلاج جرحه، ومن بعدها فقد الوعي مجددًا .
وحين استفاق لم يجد أمامه سوى شاب آخر لم يتذكر ملامحه، ليعتقد أنها كانت وهم أتى إلى عقله المغيب، لكن حين رآها عندما ساعدها في الهروب لفتت انتباهه تلك العينين وكأنه رآها من قبل، وقد صدق حدسه وكانت ملاكه الحارس يومًا ما .
ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغره، وخفق قلبه بقوة بين جنبات صدره، وعلم مغزى كلمات التي كانت  تبدو له مبالغة، أقترب يقبل وجنتها بامتنان متسائلًا بدهشة :
_ متقولتليش لية من يوم ما شوفتك ؟

شرحت له الأمر بهدوء ولم تغب عنها تلك الابتسامة الهادئة :
_ عشان عندنا ممنوع واحدة تتجوز من برا العشيرة، وانت شوفت بنفسك و بعدين كنت هربانة و كنت هتضربني بالنار و حاجة نيلة خالص

أحاط كتفها يقربها إليه، قائلًا بهدوء :
_ و انتي فاكرة إني هعملها بجد دا كان تهويش مش اكتر 

ضمها نحوه أكثر، متسائلًا بحيرة :
_ طيب و بعد جوازنا مقولتيش لية 

ضغطت على شفتيها قبل أن تتحدث بصراحة مترددة :
_ عشان متتقبلش جوازنا رد جميل و...

عقد ما بين حاجبيه بتعجب تجلى على ملامحه، وقال :
_ بس انا قولتلك من اول يوم ان جوازنا هيكون طبيعي زي اي اتنين متجوزين 

رفعت كتفيها بحيرة طفولية، وقالت :
_ خوفت يمكن، مش عارفة بس انا حسيت إني مستعدة أقولك دلوقتي 

انهت جملتها بابتسامة بعثت في قلبه السكينة، فمال نحوها أكثر يتأمل وجهها لفترة، وأمسك بكف يدها متسائلًا ماكرة :
_ طب اية، مخبية عليا اية تاني ؟ عشان بس نبدأ على نور 

نفت برأسها، قائلة :
_ لا، هو دا السر الوحيد 

_ تمام 

قالها وأخذ يدها لتقف معه عن الأريكة، فسألت بتعجب :
_ رايح فين ؟

التفت إليها والابتسامة تلمع على محياه، وغمز بعينه اليسرى قائلًا بنبرة عابثة :
_ هنكمل كلامنا جوا 

تبعته طواعية حتى وصل إلى غرفتهما بخطوات هادئة خفيفة، وكأنها تساق بإحساس لا يُقال .
 أغلق الباب خلفهما، وفُتح باب آخر داخل قلبهما، وخطى القدر بأقلامه أول سطور الحكاية بصبر وصدق، و مشاعر تنضج بهدوء .

************************************
تسحبت على أطراف أصابعها، تحمل ثوبها الطويل الأسود اللامع حتى لا يعيق حركتها، تتحرك نحو الأسفل سريعًا قبل أن ترآها عمتها .
زفرت بارتياح حين خرجت من البناية، وتوجهت نحو سيارة خطيبها تتلفت خلفها، أستقبلها ترحاب بكر ومدحه لمظهرها المميز، ابتسمت تشكره بعينيها، فأنطلق بالسيارة على الفور حتى لا يرأهما أحد، متحدثًا بسعادة :
_ أخيرًا خرجنا مع بعض لوحدنا 

نظرت إليه حين أمسك بيدها يقبل باطنها بلطف يليق بنظراته، وساد الصمت بينهما حتى وصل إلى الفندق المُقام به عرس قريبه، خرج من السيارة وتوجه نحوها يساعدها بنُبل على الترجل من السيارة .
وضعت ذراعها على ذراعه تستند عليه حتى تسير براحة بكعبها العالي، ما ان خطت إلى باحة الفندق حتى أشار إلى الطابق العلوي قائلًا :
_ هطلعك أوضة العروسة تفضلي مع أهلي لحد ما يخلصه 

أومأت برأسها وعيناها تتحرك بهدوء في الأرجاء، وصل معها أمام غرفة ما مدون عليها رقم سبعة، طرق الباب وكاد أن يفتحه إلا أنها منعته بإشارة من يدها أن لا يصح أن يفتح الباب، لكنها تفاجأت حين فتح الباب ودفعها بغتة إلى الداخل، اتسعت عيناها بذعر وتجمدت محلها مرتعبة حين أغلق الباب خلفهما يهمس بمكر :
_ بس دي أوضتنا يا حبيبتي .

تعليقات