رواية الراتل الفصل الثانى عشر بقلم اسماء ايهاب
تراجعت إلى الخلف خطوة، وكأن جسدها سبق عقلها في إدراك الخطر .
ارتجفت قدماها بقوة، حتى شعرت بالأرض تهتز من تحتها، وكادت تسقط لولا أنها حاولت الصمود والتمسك بصعوبة .
عينها اتسعت بفزع، ترصد حركته وهو يغلق الباب خلفه بإحكام .
تسارعت أنفاسها، تصاعد صدرها يعلو ويهبط بوتيرة متقطعة، وتجمعت حبات العرق على جانب جبهتها .
شعرت بانقباض مؤلم في صدرها، وكأن قلبها يحاول الفرار من قفصه، ابتلعت ريقها وقد جف حلقها فجأة،
واختنقت باختناق صوتها، وشعرت بعجزها وقتها حين لم تستطع إخراج صراخها المكتوم بحنجرتها .
تقدم نحوها بخطوات مدروسة تعكس نواياه الخبيثة، فما كان منها إلا أن تتراجع تحاول الصراخ لينقذها أحدهم، لكن حال بين ذلك عجزها عن أخراج صوتها نهائيًا، فتساقطت دموعها بقلة حيلة وضعف .
وصل أمامها، ورفع يده يلمس بأنامله بشرة وجهها الناعمة، وأقترب منها أكثر يهمس مبتسمًا :
_ متخافيش مش هتتأخري على أخواتك اللي دايما واقفين على الواحدة
حاولت الحديث من جديد ترجو الله أن تحدث معجزة الآن، ويعود إليها صوتها لتظل تصرخ حتى تتخلص من هذا الحقير، ما زاد بكائها وشعورها بالخوف الذي التهم قلبها صوته الهادئ حين قال :
_ أهم حاجة انك هادية، و صوتك مبيطلعش
سخر في نهاية جملته، لتدفعه بصدره بقوة، وتتراجع إلى الخلف مبتعدة عنه، لكنه لحق بها وأخذ ذراعيها يعقدهما خلافًا حتى يتحكم بها قائلًا بنبرة متهكمة :
_ عشان أخواتك بيتلككوا كتير عشان يفسخوا الخطوبة، ويأجلوا في الفرح .. حابب استعجلهم يا حبيبتي مش اكتر
تراقص الذعر بمقلتيها حين قيد حركتها، وحاولت مرارًا انتشال ذراعيها منه، لكنه كان الأقوى وشدد أكثر على ذراعيها لتتألم بصمت .
ردد الندم صدى صوته داخل أذنها يجلدها بلا رحمة، وتخيلها لخيبة أخويها بها كانت ساحقة جعلت روح المقاومة تنطلق بقوة، فأخذت تدفع وتقاومه حتى خرجت من قيوده وهربت من بين يديه .
لكن سعادتها بذلك الهروب لم تكتمل حين انقض عليها من الخلف يكبلها من جديد، فراحت تتلوى بين ذراعيه بقوة ونفرت عروقها بشدة، وزاد هو من شراستها حين لف جسدها لتقابله، يهمس بشماتة :
_ صدقيني مش هتعرفي تهربي مني، و لا حد هيحس بيكي في الأوضة دي، وخليني اشوف وش اخواتك بعدها
وقعت الحسرة في قلبها على ما ستعانيه من بعد تلك الليلة، فحاولت مجددًا المقاومة وهي تتراجاه بعينيها وتعابير وجهها ليتركها، استفزتها ضحكته عليها وعلى مقاومتها له، ونظرات أخيها داوود تتمثل أمام عينها، تجعلها تعاني أكثر مما هي به، وبكل ما أوتيت من قوة رفعت قدمها لتسدد له ركلة قوية أسفل بطنه، تركها على الفور أثر ألمه الدامي، وفرت هي هاربة نحو المرحاض الذي كان اقرب لها من باب الخروج .
تحركت أناملة المرتجفة تغلق الباب بالمفتاح، تحاول التقاط أنفاسها اللاهثة، والتحكم في ضربات قلبها المتسارعة .
خلعت حقيبتها المعلقة بعنقها، وأخرجت الهاتف لتجري مكالمة هاتفية لأحد أخويها، لكنها تراجعت خوفًا من ردة فعل اي منهما، وقررت اللجوء إلى الوحيد الذي يتصرف بعقل وحكمة من بينهم وهو "عزيز" .
أجرت المكالمة التصويرية، و انتظرت حتى جاءها رد عزيز المتعجب من اتصالها بهذا الوقت، لكن سرعان ما ظهر الفزع على وجهه حين رأى ملامحها الذي يظهر بها الخوف، ودموعها التي لا تتوقف، ليسأل بقلق :
_ مالك يا نغم في اية ؟
وضعت نغم الهاتف أمامها على حوض المرحاض حتى تستطع التحدث معه بلغة الإشارة، أشارت إليها مرتعبة عما يحدث معها واين هي الآن، فتغيرت ملامحه على الفور، ونشبت النيران بصدره بغضب شديد يكفي لحرق الأخضر واليابس، فأنتفض يقف من محله متوجهًا نحو الخارج، يهتف على عجل :
_ انا جايلك متخافيش انا اصلًا قريب منك، خلي في اي حاجة في ايدك، لو حاول يفتح الباب اضربيه بيها
بحثت بأعين زائغة عن اي شيء يمكنها ان تحتمي به، فخلعت قطعة حديدية طويلة يُوضع عليها المناشف، وأمسك بها تضمها إليها حين تعالى صوت صياحه من الخارج، انتفضت بقوة وقد زاد ارتجافة جسدها عندما بدأ يطرق على الباب بكلتا يديه .
هتف بها عزيز أن تطمئن حين استقر بسيارته واضعًا الهاتف أمامه ليطمئن عليها حتى يصل، فأومأت برأسها سريعًا وعيناها لا تفارقان شاشة الهاتف، توعد بصوت مرتفع لذلك الوغد، يسرع من قيادته أكثر حتى يلحق بها .
ارتفع صوت طرقات الباب يلقي في قلبها الرعب، فتشير إلى عزيز أن يسرع، ارتج قلبها بقوة حين بدأ بكر في دفع الباب بكتفه صارخًا أنه لن يتركها، ابتعدت عن الباب عندما شعرت أنه على وشك أن ينخلع، وبالفعل ماهي إلا ثوان وفُتح الباب على مصراعيه وطل منه بكر وقد تجسد بهيئة شيطانية تثير الفزع بنفسها .
رفعت يدها بتلك القطعة الحديدية لكي تضربه بها، لكن سبقتها يده ينتشلها من يدها بقوة، وألقاها من يده على الأرض وباغتها حين جذبها من خصلات شعرها بعنف نحو الخارج قائلًا بغضب :
_ طب و الله ما هسيبك النهاردة
تلوت بين يديه من شدة الألم، وجذبها خارج المرحاض غير منتبه لمن يراقب خلف الشاشة بغضب لو طاله لرده قتيلًا .
ألقاها بعنف على الفراش وتقدم نحوها يحاول تكبيلها، لكنها كانت تتحرك بعشوائية تحاول بشتى الطرق الدفاع عن نفسها، حتى أصابت أظافرها الحادة عينه اليسرى، صرخ متألمًا تلقي بجسده على الفراش إلى جوارها، يضع يده على عينه الذي يكاد يجزم أنه لن يرى بها مجددًا، فأستغلت هي ألمه وركضت نحو الباب لتفر هاربة منه .
حين فتحت الباب تفاجأت بوجود عزيز أمام كاد أن يخلع الباب بكتفه، أسرعت نحوه واستقبلها هو متلهفًا لا يعلم كيف مر عليه الطريق حتى يأتي لها في أسرع وقت .
عيناها تحكي ما تشعر به وهو أكثر من يفهم عليها، أحاط وجهها بين راحتيه يهمس بنبرة هادئة رغم البركان الذي يثور داخله ليبث في روحها الطمأنينة لا أكثر :
_ متخافيش أهدي كله عدى، انتي كويسة مش كدا ؟
لم يقدر على اخفاء نبرة القلق في نهاية جملته، أومأت إليه تجيبه أنها بخير، فتنهد بارتياح وأطلع بعينه داخل الغرفة، فوجد بكر يحاول التحرك نحو المرحاض واضعًا يده على عينه، استشف ما حدث فاتسعت ابتسامته فخرًا بفعل حبيبته، ثم أزاحها عن طريقه برفق قائلًا :
_ انزلي اقعدي تحت، و انا شوية و جاي
لم تأبه لحديثه وانتظرت عند الباب، في حين دلف هو إلى الداخل يطلق وحوش غضبه وكل ما كان يعانيه طول فترة خطبته بنغم، جذبه بقوة من ملابسه قبل أن يدلف إلى المرحاض، ليلتفت بجسده مترنحًا وانقض عليه عزيز يكيل له من اللكمات ما يخرج ما يعتمل بصدره، وحين خرت قواه وسقط على الأرض جثى فوقه يشدد من قبضته حتى يتألم أكثر ينطلق لسانه بألفاظ نابية لم تخرج منه قبلًا .
ارتجف جسدها من عنف عزيز الذي تشهده لأول مرة، وقد التجأت له لأنه المتعقل الوحيد من بينهم، الآن هي ترى شخصًا آخر لا تعلم أن مستعد ان يحرق العالم من أجلها ولا يبالي .
***********************************
دلف إلياس إلى الشقة ينادي على شقيقته بصوت مرتفع، لكن قابله السكون أعتقد أنها قد نامت مبكرًا على غير العادة، فتوجه نحو غرفتها يطرق عليها الباب يدعوها للاستيقاظ .
حين لم يجدها تستيقظ فتح الباب لكي يدخل الغرفة، لكنه لم يجدها أيضًا، عقد حاجبيه متعجبًا وأخذ يبحث عنها في الشقة كلها، استغفر ربه وأخرج الهاتف من جيب بنطاله يهاتفها، فلم يلقى رد لذا هاتف عمته لعل شقيقته عندها :
_ ايوة يا عمتي، هي نغم عندك؟
ظهرت الحيرة على ملامحه حين نفت عمته وجودها، ليتحرك يبحث مجددًا بارجاء الشقة متسائلًا بتعجب :
_ مش في البيت، هتكون راحت فين ؟، يعني مقالتش لحد انها خارجة؟
زفر بضيق من تصرفها الغير مقبول فهي لم تخرج يومًا دون معرفتهم، لصعوبة تواصلها مع الأشخاص بالخارج، انهى إلياس المكالمة قائلًا :
_ طب يا عمتي هكلمها مرة تانية، و ارجع اطمنك
أغلق الهاتف وحاول مرارًا التواصل معها دون جدوى، وحين هم بالخروج للبحث عنها، استمع إلى صوت جرس الباب يدق، أسرع ليفتح الباب متوعدًا لها بالتوبيخ .
تفاجأ عندما فتح الباب أن شقيقته تقف إلى جوار عزيز، باكية مظهرها مزري لا يبشر بالخير ابدًا، نهش الخوف قلبه عليها وجذبها لتدخل إلى الشقة متسائلًا بقلق :
_ مالك يا نغم، اية اللي حصلك ؟
ارتمت نغم بين ذراعي شقيقها وشهقات بكائها تتعالى بنحيب صامت زاد من قلق إلياس عليها، ليضمها إليه يربت على ظهرها بحنو، ثم نظر نحو عزيز يستفهم عما حدث، لكن تهرب عزيز بنظراته بعيدًا جعله يشك أن قد مسها سوء .
انتفض قلبه بذعر، وابتعدها قليلًا عنه يرى وجهها المتوهج بالأحمرار، يسأل من جديد بحدة لم تستطع قمعها من شدة القلق :
_ ما تقولوا في اية ؟
حمحم عزيز، يغلق الباب من خلفه، ثم قص عليه ما حدث كله حتى أنهى الحديث قائلًا بنبرة حادة :
_ واحد من العاملين في الاوتيل انقذه من تحت ايدي قبل ما اخلص عليه
غلب حنانه على غضبه منها ومن فعلتها الجريئة، ليضمها بقوة مقبلًا رأسها عدة مرات يكرر عليها بعض الكلمات ليبث الطمأنينة داخل قلبها، متخيلًا ذعرها وعجزها بتلك اللحظات .
جذبها معه برفق لتجلس على الأريكة وجلس هو إلى جوارها يمرر يده على ظهرها حتى هدأت تمامًا، ليتنهد بقوة قائلًا بضيق :
_ اللي عملتيه غلط يا نغم، و انت اللي كنتي هتتحملي الغلط دا طول العمر
لم يقسو عليها، فملامحها كانت توحي بالندم والخجل بآن واحد، صك على أسنانه يمنع نفسه من الحديث موقتًا حتى لا يزيد عليها الأمر ويرهق روحها المنهكة .
نظر نحو عزيز بامتنان، وتحدث إليه شاكرًا :
_ مش عارف اقولك اية يا عزيز، شكرًا
كانت عينا عزيز لا تفارق مظهرها الذي يجعله يشعر بالألم والحزن، يود لو يمكنه محو كل ما حدث من ذاكرتها، وأن يخبأها بين أضلعه لتكون في مكان أمان حتى لا يمسها ضر، تنهد بحرارة يتحدث نبرة خافتة :
_ دا واجبي يا إلياس
***********************************
صباحًا، كانت رحيل تغسل وجهها بالمرحاض، ولم تسقط ابتسامتها عن محياها ابدًا، قلبها يدق بحماس لم تشهده من قبل، وسعادتها أنها أصبحت ملكًا له فعليًا تغطي عليها وبقوة، خرجت من المرحاض تلملم خصلات شعرها، تبحث عنه حتى وجدته يخرج من المطبخ يحمل بيده كوب من القهوة، وبالأخرى كوب من الأعشاب التي تفضل احتساءها صباحًا، تقدمت نحوه سريعًا تطبع قبلة لطيفة على وجنته، ثم حملت الكوب الخاص بها قائلة بحب :
_ صباح الخير جدًا
_ صباح النور
رد عليها مبتسمًا، وأحاط كتفها بذراعه متوجهًا معها نحو الشرفة، داخله شعور لا يوصف من السعادة التي تداعب قلبه، يبدو أنها ستتجاوز حصونه وتنفرد بقلعته قريبًا جدًا هذا ما كان يتردد في ذهنه طوال الليل وللحقيقة لم يزعجه أبدًا .
جلست إلى جواره بالشرفة وقام هو بتشغيل أغنيته المفضلة وحين أتت المقطع الذي يوصفها تمامًا، تطلع إليها يدندن بصوت خافت لكنه كانت كفيل ليجعل قلبها يرفرف كطير يتمتع بالحرية للمرة الأولى :
_ بحياتك يا ولدي إمرأة عيناها سبحان المعبود
فمهــا مـرسـوم كالـعنقـود
ضحكتها أنــغام و ورود
والشعر الـغجري المجنون يسافـر في كل الدنيا
التفتت إلى الجهة الأخرى، تحاول كبح ابتسامتها السعيدة، فضحك بخفة قائلًا بمزاح :
_ شايفك على فكرة
التفتت إليه ضاحكة، تشير إلى نفسها قائلة بفخر :
_ شوفتني و انا عاملة نفسي تقيلة
تعالت ضحكته بصخب، وقال بتهكم مازح :
_ تقيلة اية ؟، احنا علاقتنا مفيهاش ذرة تقل، ماشيين بمبدأ و تستنى بكرا لية ما يمكن ربنا ياخدك .
لم تستطع قمع ضحكتها، لتطلق ضحكة عالية مميزة تزامنًا مع جملة عبد الحليم "ضحكتها أنغام وورود"، فابتسم تلقائيًا لوصف ضحكتها المناسب، لكنه انتبه إلى وجودهما بالشرفة، نكزها بكتفها بخفة قبل أن يقول بتحذير :
_ احنا في البلكونة يا رحيل، ركزي
زادت نبضات قلبها باضطراب لسماعها نبرة الغيرة تقتحم حديثه، وأومأت برأسها معتذرة، كادت أن تتحدث فقطعها رنين هاتفه، تنهد بقوة وأخرج الهاتف من جيبه مجيبًا على إتصال شقيقه :
_ أيوة يا إلياس
صمت يستمع إليه وملامحه يبتلعها الغضب رويدًا رويدًا حتى هب من مقعده فسقطت الطاولة التي أمامه، وشهقت رحيل متفاجئة، وصرخ بغضب شديد :
_ ازاي يعني، هو فين دلوقتي؟
استمع إلى صوت إلياس من الطرف الآخر، ليتوجه نحو الداخل يلتقط المفاتيح قائلًا على عجل :
_ اقفل انا جايلك
أغلق الهاتف وفتح الباب لكي يخرج، فأوقفه صوت رحيل القلق :
_ في اية يا داوود، في حاجة حصلت ؟
وضع الهاتف بجيب بنطاله المنزلي، وقال بنبرة خرجت حادة رغمًا عنه :
_ لازم امشي حاجة ضروري، متستنيش ممكن مرجعش البيت النهاردة
خرج غالقًا الباب خلفه تاركًا القلق يأكل قلب رحيل، صعد سيارته يقود سريعًا اتجاه منزل العائلة، داخله نيران مستعرة لن تنطفئ إلا إذا رد الصاع صاعين لذلك الوغد .
ترجل من السيارة وركض نحو الأعلى متجاهلًا نداء عمته، فتح باب الشقة ليجد إلياس بانتظاره، بحث بعينيه عن شقيقته متسائلًا :
_ نغم فين ؟
أشار إلياس بهدوء إلى غرفتها، فتحرك داوود بخطى واسعة يقتحم غرفتها دون استئذان .
أجفلت مرتعبة حين وجدت داوود أمامها يرتسم على وجهه الغضب، كلما تقدم نحو فراشها انكمشت على نفسها أكثر بخوف، لكنه باغتها حين أمسك ذراعها يجذبها عن الفراش صارخًا :
_ قومي، اقفي
توقفت أمامه مرتجفة، دائمًا ما تخشى بطشه وقت الغضب، ضغط على ذراعها أكثر يهتف بغضب :
_ يعني انا اقولك متمشيش معاه لاخر الشارع حتى، تقومي تخرجي معاه من ورانا و تروحوا فندق و كمان تطلع معاه أوضة
ازداد اللهب بعينيه السوداوين ، وصرخ مجددًا :
_ قولت و لا مقولتش يا نغم ؟
رفع يده ليهبط بها على وجنتها في صفعة قوية مخرجًا غضبه بها، لكن قبل أن يفعل أسرع إلياس يمنعه ممسكًا يده بقوة، ثم دفعه بصدره ليبتعد عنها قائلًا بحدة :
_ خلاص يا داوود، أهدى
دفعه دفعًا إلى الخارج ما أن سمع طرقات على باب الشقة، أغلق الباب على شقيقته التي انهارت باكية، دفع داوود ليجلس على المقعد يحذره من إتخاذ خطوة نحو غرفة نغم .
فتح إلياس الباب ليتفاجأ بشقيق بكر يقف أمامه، والذي حين رآه داوود حتى هب واقفًا يهتف بصوت مرتفع :
_ ليك عين تيجي لحد هنا بعد اللي اخوك عمله
تقدم شقيق بكر إلى الداخل، يهتف بهجوم على داوود :
_ و الله اختك راحت معاه بمزاجها محدش ضربها على ايديها، وجيه عيل صايع ضرب اخويا واترمى في المستشفى
وقعت جملته على داوود بالخذلان أن يسمع ذلك على شقيقته، فتقدم منه يمسك بتلابيب ملابسه يتحدث بانفعال :
_ دا انتوا عيلة بجحة بقى، انت جاي تقولي انا الكلام دا بعد اللي اخوك عمله
شدد أكثر على ملابسه يستأنف بحدة :
_ و العيل الصايع اللي بتتكلم عليه، بعيلتك كلها يا "ناصف"
لم يتحمل ألا يخرج غضبه به، فلكمه بقوة تراجع على أثرها إلى الخلف متأوهًا، وضع "ناصف" يده على طرف شفتيه النازف، ثم توعد له قائلًا :
_ و ربي ما هسيبك يا داوود، و هعمل محضر باللي حصل لاخويا
ثم التفت إلى إلياس الذي يحرقه حيًا بنظراته، قائلًا :
_ انا عايز حاجة اخويا كلها، احنا مش عايزين الجوازة دي
زاد غيظ داوود منه، ليشير إلى إلياس بعينه نحو غرفة شقيقته قائلًا بغموض :
_ روح هات حاجات اخوه و حصلنا على تحت
رغم تعجب إلياس إلا أنه ذهب ليأتي بأغراض بكر وشبكته، بينما جذب داوود ناصف من ياقته بعنف يتحرك به نحو الخارج، ثم إلى خارج البناية وسط صياح الأخير به أن يتركه .
ضرب داوود ظهر ناصف بسيارته ولكمه من جديد، يخرج ما يعتمل داخله من حديثه اللاذع عن شقيقته .
خرج إلياس من البناية معه حقيبة مليئة بالهدايا، وعُلبة مخملية خضراء اللون بيده الأخرى، ليجذب داوود تلك العُلبة من يده وتخطى ناصف عابرًا الطريق .
اتسعت أعين إلياس بذهول حين وجد شقيقه يُعطي له العُلبة، ثم أوقف سيارة أجرة وجعله يغادر في سلام، وتوجه مجددًا نحوهما بدا عليه الارتياح قليلًا،
بهت وجه ناصف وتقدم نحوه يريد الانقضاض عليه قائلًا بذهول :
_ انت عملت اية، انت مجنون دي شبكة اخويا و حقه
ابعده داوود عنه يدفعه بعنف، ثم قال ساخرًا :
_ لو دكر اجري حصله، اجري يابا وريني عرض كتافك
وقف ناصف يناظره بغضب شديد، ثم التفت ليغادر غير قادر على مجابهة غضبه، ليبتسم داوود بتهكم وجذب حقيبة الهدايا من يد شقيقه مناديًا إسمه، التفت ناصف إليه ليلقى بوجه الحقيبة قائلًا بسخرية :
_ ناصف، نسيت هدايا اخوك يا حبيبي
***********************************
مسحت مايان دموعها التي سالت رغمًا عنها، وكأن ساعات الليل الطويلة لم تكفي لتخرج كل الحزن الساكن بقلبها، منذ أن علمت بعودته من السفر، وعادت الذكريات تداهمها بعنف تحرق روحها ببطء، لا يمكنها وصف ما تشعر به لأحد حتى شقيقها الذي يعلم كل شيء لا يمكنه أن يفهم ما تعانيه .
أخذت نفسًا عميقًا تكبح دموعها عندما وجدت إلياس يدلف إلى الداخل بملامح مقتضبة، ألقى التحية بهدوء وجلس على مكتبه يحاول الهدوء والابتعاد عن ضجيج عقله .
بدأ يراقب سير العمل حتى دلف رجل يبحث لزوجته عن هدية مناسبة، ساعدته مايان وقد لاحظ وجهها الشاحب وملامحها الحزينة التي لا تفسر .
أمسك ذلك الرجل الكنزة من يد مايان يتفحصها بإعجاب، فسألت مايان مستفسرة :
_ المقاس دا مناسب يا فندم؟
فرد الرجل الكنزة أمامه، يتحدث بهدوء :
_ هي مقاسك كدا، شوفي كدا
وضع الكنزة على جسدها، لتنتفض بقوة متراجعة إلى الخلف خطوة، وتفاقم داخلها الغضب بشكل لا يوصف، لترفع يديها بتلقائية تدفع ذلك الرجل بقوة تخرج به جم غضبها، فضرب رأسه بالرف الخشبي خلفه .
هب إلياس واقفًا وقد أثار ذلك الموقف غضبه يتقدم نحوها، بينما تحدث الرجل بحدة واضعًا يده على رأسه :
_ انتي عبيطة يا بت انتي و لا اية ؟، اقسم بالله طردك على ايدي النهاردة
وضع إلياس يده على صدره يصده عن الأقتراب منها قائلًا :
_ روق يا نجم
تحدث الرجل بانفعال مشيرًا نحو مايان التي انكمشت على نفسها بخوف من ردة فعل إلياس على ما فعلته :
_ انت عجبك اللي حصل دا يا استاذ
تفاجأت مايان حين وجدته يقول ببرود :
_ اه عاجبني، و جدًا و انا هعمل اللي المفروض يتعمل مع واحد زيك
رفع إلياس يده وضغط على رأسه المصابة أكثر، قائلًا بحدة :
_ تحب تشوف و لا تغور من هنا من سكات احسنلك
تراجع الرجل وغادر المحل بهدوء دون أن يتسبب لنفسه في فضيحة هو في غنى عنها تمامًا، ابتلعت مايان ريقها بتوتر وتحدثت هامسة :
_ انا آسفة و الله يا استاذ إلياس صدقني انا عمري ما عملت مشاكل بس
قاطعها إلياس حين قال بهدوء :
_ بس انتي كدا صح، اي كـ.لب يفكر يعمل كدا
نظر داخل عينيها يبث فيها الشجاعة، واردف :
_ تكسري ايده و ملكيش دعوة انا عليا اجبس
غمرها الأمان بجملته المشجعة لها، فتساقطت دموعها أكثر مما يتراكم داخل صدرها من حزن، لتهمس شاكرة إياه بنبرة ضعيفة تشف ما بها، وقد أصبح لديه فضول لمعرفة ما يحدث معها ومحاولة التخفيف عنها بأي وسيلة كانت، ليرى الابتسامة الهادئة تزين ثغرها من جديد تبث له الراحة والهدوء
