رواية الراتل الفصل الثالث عشر 13 بقلم اسماء ايهاب

         


 رواية الراتل الفصل الثالث عشر بقلم اسماء ايهاب


استعدت يثرب لاستقبال خطيبها في زيارته الأولى بعد الخطبة، تحاول جاهدة كبت توترها الذي يفضحه ارتجافة يديها الباردتين، لاحظت فرق كبير في شخصيتها بين الماضي والحاضر، أصبحت أكثر خجلًا وتعقلًا، ترجو من الله ألا تُفتح أبواب الماضي مجددًا فيصيب أهلها بخيبة أمل عنوانها ابنتهما .
عقدت نقابها بإحكام، وارخت القماش على وجهها، فلم يظهر سوى عينيها اللتين زادهما الكحل سحرًا وفتنة .
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتوجه نحو الباب للخروج حيث يجلس صهيب ينتظرها، ما أن وصلت إلى الردهة حتى وجدته يجلس على الأريكة وبيد مجلد للصور، يتفحصها بابتسامة هادئة، شعرت بالحرارة تغمر جسدها من شدة الحرج، فهو مجلد الصور الخاصة بها منذ أن كانت رضيعة حتى عمر خمس سنوات .
خفق قلبها باضطراب حين وصلت أمامه تلقي عليه التحية بصوت هادئ، فانتبه إلى وجوده ليغلق المجلد واضعًا إياه على الطاولة، ثم وقف يستقبلها ولم تنزاح ابتسامته البشوشة ، قائلًا :
_ ازيك يا يثرب

ابتلعت ريقها بصعوبة وقد جف حلقها من شدة الخجل، ترد بخفوت :
_ بخير الحمد لله، و انت عامل اية؟

ردت عليه سؤاله، ليجيب بنبرة يتقطر منها الرضا :
_ الحمد لله، اتفضلي 

أشار إلى مقعد بعيد نسيبًا لتجلس عليه، فأومأت إليه وتحركت لتجلس عليه بهدوء، وعينيها تمشط الإرجاء بحثًا عن والديها، حمحم بحرج يبدأ الحديث مشيرًا نحو المجلد :
_ بعتذر لو اضايقتي اني شوفت الصور، بس والدتك ادتني الألبوم اتسلى فيه على ما تطلعي 

نفت برأسها تجيبه بهدوء :
_ لا عادي 

تحركت عيناها مجددًا تبحث عن والديها، ليحمحم قائلًا :
_ لو بتدور على أهلك، فوالدك معاه مكالمة ووالدتك في المطبخ 

أومأت إليه رغم الخجل الذي نشب أظافره بجسدها بقوة، وازداد حين قال بنبرته الهادئ التي تبعثر ثباتها :
_ حابة تسأليني عن حاجة يا يثرب؟

نفت برأسها، وتسأل بداخلها هل أن قالت أنها تريد والدتها فقط ستكون محل سخرية له؟، ساد الصمت لثوان قبل أن يسأل صهيب من جديد، يحاول فتح مجال بينهما للحديث :
_ بتروحي الحضانة كل يوم و لا ليكي أيام معينة؟

_ لا بروح كل يوم

أجابته بنبرة خافتة، ليسأل مجددًا :
_ حابة المكان، و لا ممكن تنقلي مكان اقرب لبيتنا إن شاء الله 

ارتجف قلبها حين قال "بيتنا"، شعرت برهبة كبير جعلتها تبدو كطفلة صغيرة بعالم الكبار التي وقعت به، تماسكت واظهرت ثبات ليس لديها ذرة منه قائلة :
_ لا أنا حابة المكان هناك جدًا، مقدرش اسيبهم 

كاد صهيب أن يتحدث من جديد، لكن منعه خروج والدها من غرفته بعد أن انهى المكالمة، قائلًا بترحاب :
_ منورنا يا صهيب 

التفت إليه صهيب يجيبه بهدوء :
_ دا نورك يا عمي 

إنقذها من شعورها بالخجل الغير مبرر أمام والدها صوت والدتها تهتف بصوت مسموع :
_ يثرب، تعالي ساعديني نحط الأكل 

استأذنت سريعًا وركضت إلى والدتها المنهمكة في اعداد الطعام لخطيب ابنتها، احتضنتها دون مقدمات تهمس بصوت مرتجف :
_ الحوار كبير عليا اوي يا ماما، انا اتكسفت ان بابا شافني قاعدة معاه

ربتت والدتها على ظهرها، لتطمئن أن هذا أمر طبيعي :
_ طب اهدي يا حبيبتي، عادي تحسي كدا في الاول، بعدين كل ما هيجي احنا هنقعد معاكم او هنكون قريبين منكم و شايفنكم 

قبلت رأسها وابعدتها عنها ترتب هيئتها، لتظهر بأحسن صورة، ثم أخذت صحن كبير تضعه بين يديها قائلة :
_ خدي يا حبيبتي خرجي دا، و تعالي خدي الباقي 

تنهدت يثرب بقوة، وأخذت الصحن وخرجت تضعه على الطاولة، فوقف والدها يشير إلى صهيب بالتحرك قائلًا :
_ اتفضل يا صهيب، اتفضل دا بيتك 

وقف صهيب يتوجه نحو طاولة الطعام قائلًا :
_ تسلم يا عمي

اجتمعوا على طاولة الطعام، جلس هو قبالة خطيبته التي تعبث بالطعام دون أن تذوقه، تتأمل الصحن الكبير الذي وُضع به الحمام المحشو، وعيناها تغرورقان بالدموع رغمًا عنها، شجنًا على المساكين التي كانت تتولى عناء الاهتمام بهم .
لاحظ صهيب دموعها، فتملكه القلق من حالها، لكنه شعر بالاحراج أن يسأل عما بها، فتفاجأ بوالدتها تتنهد بضيق تربت على كف يدها تقول ساخرة :
_ متقلقش يا بني، العبيطة دي بتعيط عشان دبحنا الحمام اللي كانت مربياه

لوت شفتيها بحسرة على تفكير ابنتها، واردفت :
_ فاكرة ان الحمام للتربية بس، زينة يعني 

ألقى صهيب نظرة نحوها، ثم أزاح من أمام صحن الحمام، حتى لا يؤذي مشاعرها الحساسة، فما كان من والدتها ألا أن هتفت من جديد بضيق :
_ شوفتي خلتيه يسيب الحمام 

حمحم صهيب بحرج، وبرر امتناعه قائلًا :
_ اصل انا مليش فيه قد كدا يعني 

استغفر ربه في سره، فالحمام المحشو بالأزر هو أحب طعام إلى قلبه، لكنه لم يطق أن يأكله أمام عينيها المدمعتين، التي تبكي على كائنات ضعيفة ربتها بحنان ، شعر أن أكله أمامها سيكون نوعًا من الخيانة لمشاعرها الهشة .
بينما لفت انتباهها موقفه الإنساني، وقد راعى مشاعرها بشكل محبب، فانقبضت بمعدتها عندما داهمتها مشاعر لطيفة اتجاه فعلته، وتهربت بعينيها عنه في خجل يكاد يبتلعها حينما تنظر إليه .

***********************************
في المساء اجتمع داوود مع عائلته وعزيز في شقة عمته، لازال داوود يغلي كالمرجل من فعلت شقيقته حتى أنه منعها أن تتواجد معه بمكان واحد، لا يود رؤيته أمامه حتى يهدأ غضبه منها، وإلا كانت العواقب وخيمة، رغم حنانه الدائم عليها إلا أن هذا الموقف لا يحتاج لحنانه، لتعلم مدى خطأها في الخروج مع ذلك الحقير دون علمهم، شيطانه يوسوس له بأسوء السيناريوهات أن لم يستطيع أحد إنقاذها من بين براثنه .
تنهد بقوة يلقي ما بداخل قلبه من ثقل، ثم انتبه إلى حديث عزيز الواثق حين قال :
_ يا بني ميقدرش يعمل كدا و لا يبلغ، هيروح يقولهم اية ؟

اعتدل داوود بجلسته، وتحفزت خلايا جسده بانفعال، ثم صاح بنبرة حادة :
_ مش كفاية، إلياس هيروح يوجب معاه، عشان لو انا روحت هطلع جنازته 

ربتت السيدة لقاء على كتفه تحاول تهدئته، قائلة بهدوء :
_ صلي على النبي يا حبيبي و أهدى 

تنهد بثقل، وأراح ظهره على الأريكة قائلًا :
_ عليه الصلاة و السلام

مسدت على كتفه، واردفت :
_ هدي نفسك انت على اعصابك من الصبح، الحمد لله يا بني انها جت على قد كدا 

التفت إليها بعنف، يقول بنبرة غاضبة لم يقدر على قمعها :
_ يعني يرضيكي يا عمتي اللي حصل، طب يرضيكي ان عيل ملوش لازم يقولي اختك اللي راحت معاه ؟

ظهر الحزن جليًا على ملامح وجهها البشوش، ونفت برأسها تهمس :
_ لا يا حبيبي ميرضنيش، و كلنا طلعنا عنيها و الله 

أشارت نحو ساعة الحائط التي تدق العاشرة مساءً، ثم قالت بحنو مبتسمة بخفة :
_ قوم يا بني روح لمراتك، انت سايبها من الصبح قاعدة لوحدها 

قال إلياس يدعم حديث عمته قائلًا :
_ روح انت يا داوود، و لو في حاجة هقولك 

وقف داوود عن الأريكة، يرتب خصلات شعره، ثم أشار بعينه إلى شقيقه كي يتحدث معه على أنفراد، تبعه إلياس إلى الباب حيث توقف داوود ينظر إليه قائلًا بجدية :
_ ساعة واحد هطمن على رحيل، هتجيلي تحت البيت عشان نمشي 

طمئنه إلياس حين قال بصوت خافت :
_ متقلقش مجهز كل حاجة، و الساعة ١١ بالدقيقة هكون عندك بكل رجالتنا 

ودعه سريعًا وغادر متوجهًا إلى شقته، ليرى ما حل بزوجته بتلك الساعات، قاد السيارة حتى وصل إلى البناية التي يقطن بها .
فتح باب الشقة، وبحث بعيناه عن زوجته، ليجدها تتسطح على الأريكة بالردهة، أغلق الباب بهدوء، وتقدم منها يجلس القرفصاء أمامها، مد يده يمررها على خصلات شعرها الغجرية بحنو، يتأمل ملامحها الهادئة، لكنه لاحظ بهوت بشرتها واصفرارها، اعتقد أنه أخافها حين ذهب فجأة وبطريقة تثير الريبة، ليحاول جعلها تستيقظ همسًا بصوتًا هادئ :
_ رحيل ... رحيل قومي نامي جوا 

تلملمت في نومها تحاول فتح عيناها بصعوبة، وألم رأسها يتوغل من جديد بعد أن استكان قليلًا، فتحت عيناها أخيرًا بعد معاناة طويلة مع نفسها، لتقابل عيناه المتأملتان لها، لكن شعورها بالتعب طغى على سعادتها بوجوده، لتهمس بألم :
_ أنا تعبانة اوي، عندي صداع فظيع مش راضي يروح 

_ طب استني اجبلك مسكن

قالها بهدوء وهو يقف معتدلًا، لتمنعه بصوت خافت قائلة :
_ اخدت مرتين و شربت بابونج و عملت تدليك بزيت النعناع و مفيش فايدة 

نظر من جديد إلى وجهها الباهت، ثم قال :
_ كمان وشك أصفر، قومي نروح لدكتور 

اعتدلت جالسة تضغط براحتيها على رأسها بقوة لعل هذا الألم يسكن، وردت بهدوء :
_ دكتور اية بس يا داوود انا هاخد كمان مسكن و هدخل انام 

وقفت عن الأريكة، فترنحت وكادت تسقط، لكن أمسك بيدها على الفور حتى تتوازن، انحنى دون تردد يحملها بين ذراعيه متوجهًا بها نحو غرفتهما، وهو يتمتم بجدية :
_ لا احنا هنروح لدكتور 

لكنها شعرت أن لمسته لها كالشوك ينغرز بقسوة بجسدها، كأنفاسه كأنها لهيب حارق يزحف فوق جلدها، رفعت رأسها إليه، تحدق في ملامحه بدهشة مرتبكة، وعيناها تبحثان عن تفسير لما يعتمل في صدرها .
تسارعت دقات قلبها بخوف، هل تغيرت مشاعرها اتجاهه فجأة ودون مقدمات أو أسباب واضحة؟.
وزاد الأمر إربكًا حين تسلل إليها شعور بالارتياح الخفي، حين ابتعد عنها بعد أن وضعها فوق الفراش .
ابتلعت ريقها بصعوبة، ويداها ترتجفان فوق الفراش، بينما عقلها يضج بالأسئلة التي لم تجرؤ على طرحها، حتى على نفسها .
فاقت من شرودها، حين تحدث مخرجًا الهاتف من جيبه : 
_ و لا اقولك هكلم حد يجبلنا دكتور هنا

أوقفته عن الإتصال حين تحدثت بجدية :
_ الموضوع مش مستاهل دكتور، هنام و هبقى كويسة

نظر إليها بشك، وسأل :
_ متأكدة ؟

أومأت إليه بهدوء، ثم أخذت العقار المُسكن للألم وكوب من الماء من أعلى وحدة الادراج، تناولت العقار وتسطحت تحاول النوم الذي جافها بعد تلك الأفكار التي حصرتها بالزاوية، تستنزف طاقتها وقد تؤذيها بشكل ما .

***********************************
تحت إضاءة خافتة مرتعشة، توقفت سيارة داوود على مسافة غير بعيدة من الهدف .
يراقب وباقي أعضاء الراتل ذلك المكان أمامهم بأعين متربصة لأي حركة قد تلفت الإنتباه .
طرقع داوود أصابعه في إشارة واضحة لحمزة، ليترجل من السيارة منطلقًا نحو المخزن، يخفي السلاح في طيات ملابسه، وقف أمام البوابة الرئيسية التي يحرسها شبان ضخما الجثة، بملامح حادة مشدودة توحي أن المزاح محظور .
ألقى عليهما السلام بنبرة هادئة لا تخلو من لغم دفين :
_ سلام عليكم

رمقه أحدهما من أعلى إلى أسفل بنظرات متوجسة، وسأل بجدية :
_ خير يا ريس تؤمر بأية ؟

أقترب منهما بحذر، ويده تمتد بخفة على سلاحه قائلًا :
_ مش انا الوحيد اللي عرفت سر الجبنة الرومي، تحب تعرف 

ظهر التعجب على وجه أحدهما وكاد يتحدث، إلا أن باغته حمزة حين ضرب رأسه بقوة بكعب سلاحه ليخر ساقطًا على الأرض فاقد للوعي، هجم الآخر عليه يشهر سلاحه بوجهه، لكن حمزة رفع قدمه اليمنى يصيب بطن الآخر بقسوة، ثم ضرب رأسه بالسلاح، ليسقط إلى جوار صديقه .
نظر حمزة إليهما من أعلى، يعدل من ياقة قميصه بفخر مما عملت يداه، ثم لف يشير بيده إلى الباقين يراقبون ما يفعل .
ترجل داوود من السيارة أولًا، وترجل من بعده باقي أعضاء الراتل، أشار بيده إلى الاتجاه المعاكس لحمزة يتحدث بجدية :
_ في بوابة الجهة التانية .. عزيز هيعدي من البوابة التانية بعد ما يعمل الواجب 

أومأ عزيز بهدوء، وتوجه نحو الطرف الآخر من المخزن .
وأخذ داوود شقيقه وخطى بثبات نحو البوابة الرئيسية للمخزن، ثم التفت إلى السيارة الأخرى ولوح بيده عدة مرات في إشارة أخرى لرجاله، فتحركت سيارة نقل عام تعج بالرجال، حتى وقفت أمام المخزن، وتبعتها أخرى فارغ إلا من السائق .
أخرج داوود السلاح ودلف إلى الداخل، وتبعه إلياس والرجال من خلفه، أشهر السلاح يستعد لوجود أي هجوم، لكن المكان هادئ خالي من الرجال .
تنحى جانبًا وأشار إلى الرجال بالدخول، قائلًا :
_ هاتوا المانيكانات كلها على العربية

بدأ كل رجل بحمل هيكل والخروج به إلى السيارة، حتى فرغ المكان تمامًا.
ما كاد أن يغادر أعضاء الراتل المكان إلا أن نزل خمسة شباب من الطابق العلوي المخزن، تبادلوا النظرات فيما بينهم قبل الإسراع بالهجوم عليهم، و بدأ الاشتباك يحدد بينهم أكثر فاكثر، حتى أخرج واحدًا منهم مدية يحاول أصابت داوود بها، قاوم بكل ما لديه من طاقة حتى ابعده عنه بعنف، لكن طاله جرح صغير في ذراعه الأيسر، وسالت منه بعض قطرات من الدماء، ليقرر أخراج جم غضبه به وكل ما حدث اليوم .
أخذت خطوة أتجاهه، يمسك بتلابيب ملابسه، وانقض عليه يكيل له من اللكمات ما يريح داخله حتى لم يعد لديه القدرة على التحمل، فسقط من بين يديه على الأرض تغطي الدماء ملامحه كليًا .
تنفس داوود الصعداء، وكأنه ارتاح من ثقل كالجبال يجثو فوق صدره، ليركله بقدمه، يأمر رجل يعمل معه :
_ خده على العربية هو و اللي معاه، خلاص عرفونا 

التفت ليرى ما حدث مع الباقين، وجد رجاله المكلفون بحمايتهم قد انهوا العمل، وحمل كلًا منهم رجل على كتفه ليكون مصيره كرفيقه في سيارة من سيارات الراتل .
نفض إلياس كفي يده، وعدل من خصلات شعره المشعثة، ثم نظر إلى شقيقه قائلًا :
_ هروح امسح كل اللي الكاميرات سجلته 

أومأ إليه بهدوء حل عليه فجأة حين أخرج طاقته كلها بذلك الشاب، ثم توجه نحو عزيز وحمزة يتحدث بجدية :
_ انتم الاتنين هتاخده الحاجة دي تسلموها تمام

دس حمزة سلاحه في خصره، وقال بثقة :
_ اعتبره حصل 

صعد داوود مع إلياس إلى سيارته، بينما أخذ عزيز وحمزة يتولون مهمة أخرى، كان يريد أن ينتهي سريعًا ليذهب إلى شقته، ويطمئن على تلك المسكينة التي تركها مريضة تتألم وغادر .
يعترف أنه كان معجب بها منذ أن رآها أول مرة، وزاد الأمر حين علم أنها الطبيبة التي عالجت جرحه سابقًا، وأنها ذات العينين التي راودت عقله مرارًا، لكن ما يتعجب منه حقًا تطور الأمور بينهما بشكل سلس دون قيود أو تعقيد، أخذت علاقتهما مجرى طبيعي بشكل أثر قلبه، وجعله يأمره بترك الحرية له لكي يقع في حبها متى يشاء .

************************************
فتحت عيناها بفزع، بعدما استطاعت الخروج من قيود ذلك الكابوس الذي أثرها في نومها، تعالت أنفاسها اللاهثة بقوة، تبحث بعينيها عن زوجها، لكنها لم تجده، فقررت الخروج والجلوس معه حتى يهدأ خوفها قليلًا .
مسحت رحيل قطرات العرق عن جبهتها، تسعل بقوة من شدة الأختناق التي تشعر به دون سبب، بحثت عنه في كل مكان، فعلمت أنه قد خرج مرة أخرى، كادت أن تجلس على المقعد بالشرفة، لتجد الباب يُفتح وداوود يدخل الشقة بهدوء، تقدمت نحوه تشمله بنظراتها المتفحصة لهيئته المبعثرة بعض الشيء، حتى لاحظت تلوث قميصه الفاتح بدمائه، لكن هذا لم يحرك مشاعرها قيد أنملة رغم قلبها الذي ينبهها أنه كان في خطر .
أشارت برأسه نحو ذراعه متسائلة ببرود :
_ مال دراعك 

رغم تعجب من اللامبالاة التي تفرض نفسها بقوة على ملامحها، وعيناها الجامدتان التي اخفت منهما بريق الحب والحنان، إلا أنه أجابها بهدوء يمرر يده على خصلات شعرها :
_ اتجرح جرح صغير، انتي عاملة اية دلوقتي، احسن ؟

انتفضت مبتعدة عنه، وكأنه عقرب قد لدغها لتوه، مما أثار تعجبه أكثر، لتبتلع ريقها بصعوبة، ثم أشارت نحو المرحاض بارتباك قائلة :
_ الحمد لله، هروح اجيب حاجة لجرحك و جاية 

ركضت سريعًا إلى المرحاض تأتي بعُلبة الاسعافات الأولية، بينما هو أرتمى بثقل على الأريكة حتى جاءت وبدأت في تضميد جرحه بهدوء، شعر بالضيق من ذلك القناع البارد الذي غلف ملامحها المشاكسة، ليسأل مستفسرًا :
_ انتي كويسة ؟

أومأت إليه بايجاب تزامنًا مع انهاءها عملها، لينفي برأسه قائلًا بضيق :
_ لا مش كويسة خالص، احنا هنروح نعمل إشاعة و تحاليل 

لم تستطع الرفض، فيبدو أن لديه مشكلة بالفعل، ويجب عليها التأكد من صحتها، لتهمس بحزن :
_ ماشي 

حمحمت تخفي حزنها على ما آلت إليه بعد كل تلك المعاناة، وسألت بخفوت :
_ انت جعان ؟

نفى برأسه، وعيناه تراقبان ملامحها عن كثب، وقال :
_ لا مليش نفس، هدخل اعمل قهوة، اعملك معايا؟

وقفت عن الأريكة، وأخذت معها عُلبة الإسعافات قائلة :
_ لا خليك، انا هعمل عشان هعمل بابونچ 

ذهبت من أمامه سريعًا، وكأنها تهرب من مواجهة عيناه، تخشى تلك النظرات المتسائلة التي ليس لها إجابة عندها .
غابت بالمطبخ، بينما عقله يعمل بلا هوادة، يفكر فيما يكون قد حدث معها، تنهد بقوة يخشى أن تكون قد تراجعت عن وجودها معه وإكمال زواجهما، يخشى أن تفكر في العودة إلى عشيرتها بحثًا عن أمان قد ضاع منها في وجوده .
مر الوقت وهي لا تخرج مما زاد قلقه عليها، فوقف متوجهًا إلى المطبخ ليطمئن عليها، لكنه تفاجأ بها تفترش أرض المطبخ فاقدة للوعي، نهش القلق قلبه عليها، وأسرع نحوها يحاول افاقتها، لكن لم يجد منها رد، وكأنها جثة باردة بلا روح، فحملها بين ذراعيه وتوجه بخطى سريعة أقرب للهرولة اتجاه الخارج، ليذهب بها إلى المشفى دون تردد .

***********************************
وقفت العربة ذات الثلاث عجلات بالقرب من محل عمل مايان، التي ترجلت بهدوء منها تدفع المستحق للسائق .
التفتت لتتوجه إلى داخل المحل، لينتفض جسدها بصدمة حين وجدت صلاح يقف أمامها، تسارعت أنفاسها وكأنها في سباق لا ينتهي، ارتعشت أطرافها بقهر، يتردد في أذنها صدى صوت من بعيد يعيد عليها ما كانت تدثره خلف ابتسامتها الباهتة، تقدم منها بهدوء يقف أمامها مبتسمًا وقال بنبرة مبتهجة :
_ ازيك يا مايان

استجمعت شجاعتها، ولملمت شتات نفسها المبعثرة، تهتف بجمود :
_ خير، اية اللي رجعك يا صلاح ؟

اقترب أكثر، يقول مازحًا :
_ بدل ما تقولي حمد الله على سلامتك يا صلاح 

حين قابلت مزاحه بملامح مشمئزة، حمحم يتحدث بهدوء :
_ على العموم انا راجع عشانك انتي يا مايان، وحشتيني 

قال كلمته الأخيرة بشجن، فأتسعت أعينها من تبجه، وصاحت بحدة :
_ انت أكيد بتهزر مش كدا !

عقدت ذراعيها أمام صدرها، تهتف بتهكم :
_ اية يا صلاح، انت نسيت اني انا العاجزة الجاهلة اللي متناسبش واحد زيك في اي وقت من الأوقات 

لم تستطع السيطرة على تلك الدمعة، التي خانتها وفرت هاربة إلى وجنتها المتوهجة من شدة الانفعال، وقالت بغضب :
_ اللي انت تعرف واحدة أحسن منها مليون مرة 

مد يده ليمسح لها تلك الدمعة، لكنها ابتعدت عنه سريعًا تزيح يده عنها بعنف، واستطردت حديثها قهرًا :
_ بعد ما ساعدتك تقف على رجلك، وحوشتلك فلوسك اللي انت سافرت بيها دي، و شجعتك تكمل تعليمك 

ابتلعت باقي حديثها حين رأت إلياس يأتي اتجاههما، لتسنح لصلاح الفرصة للتحدث قائلًا :
_ انا عارف اني غلط في حقك يا مايان، انا آسف 

مرت عينا إلياس عليهما، وثبتت على عينيها الدامعتين حين سأل :
_ خير يا مايان في حاجة و لا اية ؟

رسمت ابتسامة هادئة غصبًا، واجابته بهدوء :
_ لا، ابدًا يا استاذ إلياس، دا قريبي و ماشي على طول 

التفتت إلى صلاح، وقد تبدلت ملامحها من جديد للغضب الشديد، وأشارت بيدها حيث الطريق قائلة بجدية :
_ خلاص يا صلاح، انت فهمت اللي قولته أكيد، مع السلامة 

تنهد صلاح بقوة، وقال باصرار :
_ هنتكلم تاني يا مايان، كلامنا لسة مخلصش 

غادر من أمامها، تاركًا قلبها يتمزق أثر تلك الذكرى الحزينة لروحها، لتهمس بخفوت ونبرة مختنقة :
_ بجح 

لم يستطع إلياس سماع همسها، لكنه كان يشعر بالضيق الشديد يفتك به، ورغمًا عنه أشهر سبابته أمام وجهها يهتف بتحذير حاد :
_ بلاش اشوفك واقفة الواقفة دي تاني، عايزك تكلمي قرايبك يبقى بعيد عن المحل .

احترقت وجنتيها من شدة الحرج، وأومأت بايجاب واضعة رأسها بالأرض، تهمس بخجل :
_ آسفة، مش هتتكرر تاني اكيد 

دلف إلى المحل سريعًا بعد أن أخرج ضيقه بها، وتبتعه هي بخطى هادئة يأكلها الخجل أكلًا، لم تتعرض لموقف مثل هذا من قبل، لم ينبهها أحد على تصرف خاطئ قد تفعله؛ لأنها كانت شديدة الحرص على عدم فعل اي شيء يغضب رب عملها، حتى لا تطرد من عملها وتلقى ما تلقاه من والدها .

***********************************
وقفت كنزي تتابع عملها بدقة، وإلى جوارها نهال تساعدها، وتتحدث معها في بعض الأمور بعد أن غابت عنها أسبوعًا كاملًا .
نظرت إليها نهال بفضول، وأعين متسعة تسأل بترقب :
_ خلاص اتصالحتوا يعني ؟

تنهدت كنزي بارتياح، وهي تصفف شعر المرأة الجالسة أمامها، وقالت بهدوء :
_ ايوة الحمد لله، رغم أنه متغير سيكا، بس هو حمزة كدا بيصفى مع الوقت 

همهمت نهال، وقالت :
_ بس كويس أنه تقبل الموضوع بسرعة 

نظرت إليها كنزي، نظرات توحي بما عانته بهذا الأمر قائلة بنبرة خافتة مرهقة :
_ بس كنت عايشة يومين، ربنا يعلم كنت عاملة ازاي 

ابتسمت نهال، وربتت  على كتف صديقتها، تقول بتمني :
_ ربنا يهديكم لبعض يا حبيبتي، انا هروح أشوف مدام أماني 

ذهبت لتباشر عملها في الطابق العلوي، بينما توجه عقل كنزي إلى تلك الفترة التي أصبحت ككابوس مزعج بالنسبة لها، لولا لطف الله عليها مر الأمر بسلامة، وانتهى قلقها وخوفها .
استمعت إلى رنين هاتف نهال، الذي تركته على طاولة الزينة، لتتأفف من عادة صديقتها فنسيان هاتفها بأي مكان، فهتفت بصوت مرتفع :
_ نهال، فونك بيرن 

لم تجد ردًا من نهال، وانتهت المكالمة ولم يرن مرة أخرى، لكن جاء صوت اشعار برسالة جديدة لها، استأذنت كنزي من السيدة التي أمامها حتى توصل الهاتف إلى صديقتها .
أمسكت الهاتف، وكادت تتحرك من محلها إلا أن لفت انتباهها أسم "ريهام" يزين شاشة الهاتف، ورغمًا عنها عيناها لقطت تلك الرسالة التي خفق قلبها بقوة عندما رأت محتواها :
_ طمنيني يا نهال، اية اللي حصل مع صاحبتك، خطتي نجحت ؟

تعليقات