رواية الراتل الفصل الرابع عشر بقلم اسماء ايهاب
عاد مع زوجته إلى المنزل صباحًا، بعد أن خضعت لكل الفحوصات الطبية اللازمة لتحديد سبب إغمائها،
لكن النتائج جاءت مفاجئة؛ لم يظهر عليها أي مرض عضوي، بل اثبتت الفحوصات أنها تتمتع بصحة جيدة للغاية، مما أثار حيرة داوود وقلقه .
وجهها الشاحب، وبشرتها التي مالت إلى الأصفرار، لم يكونا ليخدعاه، ثمة شيء يؤلمها بلا شك، لكنه لا يُرى بالعين المجردة .
جلست على الأريكة تريح رأسها الذي يداهمه الدوار إلى الخلف، بينما وضع هو اوراق الفحوصات على الطاولة وتوجه نحو المطبخ .
تنفست بقوة وكأن الهواء في وجوده معدوم، مررت يدها على وجهها تستغفر الله عدة مرات، تكاد تصرخ غاضبة من ذلك الشعور الذي يغمرها، لم تعد راغبة في وجوده كالسابق، فقد كانت سابقًا تتمنى فقط لو يمر أمامها لتنال عيناها نظرة في طلته البهية .
تساقطت دموعها قهرًا، تشعر باختناق يكاد يفتك بها.
شعرت بخطواته تقترب، فمسحت دموعها بكفي يدها سريعًا حتى لا يراها باكية، وقف أمامها يمد يده إليها بكوب من عصير الليمون قائلة بهدوء :
_ خدي اشربي دا
أخذت منه الكوب تشكره بخفوت، وجلس هو إلى جوارها يراقبها بقلق يظهر جليًا على ملامح وجهه، حاولت هي التخفيف من حدة الأجواء حين قالت :
_ مش قولتلك اني كويسة
ابتسم بخفة، ومد يده يمسد على خصلات شعرها الغجرية، يتمتم بارتياح :
_ الحمد لله
رفع خصلات شعرها لكي تظهر تلك الوحمة إليه، وسأل بهدوء :
_ طب انتي نفسيتك تمام، مضايقة من حاجة زعلانة من حاجة ؟
التفتت تنظر إليه، تجول بعينيها على ملامحه الوسيمة، وقد خنقتها عبراتها مجددًا، فهمست بحيرة :
_ مش عارفة
لمعت الدموع بعينيها، واقتربت منه كقطة صغيرة تتمسح في صاحبها، تردف بصوت متحشرج :
_ داوود ممكن تحضني حتى لو غصب عني
رحب بطلبها، وأحاطها بذراعيه، يضم جسدها برفق إلى صدره، وخرجت تنهيدة حارة من بين شفتيه يخرج بها ثقل قلقه وخوفه من هيئتها، انحنى يقبل قمة رأسها متسائلًا بحنو :
_ طيب حاسة باية ؟، قوليلي
ساد الصمت بينهما لدقائق قبل أن ترفع رأسها تنظر إليه بتيه، ضمت شفتيها المرتعشة تكبح دموعها، وتحدثت بيأس :
_ انا عايزة ارجع العشيرة يا داوود
ظهرت الصدمة جلية على وجهه، اتسعت حدقتيه بذهول، صدق حدسه فقدت أمانها معه، وأصبحت تبحث عنه في عودتها للعشيرة، كاد أن يعنفها إلا أنه تراجع متذكرًا جملتها منذ قليل أن يرغمها على أحتضانه، تنهد بقوة حين اخرجته من ضجيج أفكاره تهمس بصوت مختنق :
_ انا آسفة اني ورطتك في كل دا بس انا مخنوقة هنا و مش عارفة انا مالي، انا محتاجة ارجع العشيرة، ارجوك
لم يتأثر برجائها إنما أراد أن يقفل باب النقاش بهذا الموضوع، فجذبها من رسغها إلى أحضانه مجددًا :
_ انا مش هرد على كلامك دا نهائي، هعتبر انك مقولتيش اي حاجة، وهطبق اللي قولتي عليه من شوية وكل حاجة هتبقى بالغصب .. زي ما طلبتي احضنك غصب، هتقعدي معايا غصب لحد ما نشوف اي اللي حصل لكل اللي انتي فيه دا
رغم نفورها من لمسته لها إلا أنها أرادت تجاوز ذلك الشعور ، لذا نكزته بصدره، تسأل بضيق :
_ يعني انا لو كنت كويسة و قولتلك عايزة ارجع هتسيبني ارجع مش كدا ؟
نفى برأسه، وقرص أنفها يقول مازحًا :
_ لا بردو، مباخدش على كلام الحريم عمومًا
ضحكت بخفة، ومالت تضع رأسها في حنايا صدره المرحب بها.
ساد الصمت بينهما، كلاهما غارقًا في ضجيج أفكاره ويبحث عن تفسير، التعجب يسود تفكيرهما كيف أصبحت هكذا بين ليلة وضحاها، قاطع سيل أفكارهما المبعثرة رنين هاتف داوود .
ابتعدت عنه بينما أخرج هو الهاتف ليرى أن المتصل شقيقته نغم، زفر بثقل ورفض الإتصال واضعًا الهاتف على الطاولة.
نظرت رحيل إلى ملامحه المكفهرة التي تبدلت حين رأى أسم المتصل، وسألت بفضول :
_ مين؟
اجاب باقتضاب :
_ نغم
تعجبت من نبرته الحادة في نطق أسم شقيقته، لكنها أشارت إلى الهاتف تقول :
_ طب ما ترد يمكن حاجة مهمة
زفر بضيق، وتراجع إلى الخلف يتكأ بظهره على الأريكة، قائلًا بنفس النبرة الحادة :
_ مش عايز ارد عليها
ازداد فضولها، فهو عندما كان يتحدث معها عن شقيقته، كانت الابتسامة لا تفارق محياه الآن تراه غاضب لذا سألت بتوجس :
_ هو حصل حاجة ؟
نطق باختصار :
_ مقفول منها شوية
فضلت الصمت بعد أجابته المختصرة التي تدل أن شقيقته قد أخطأت بشيء ما، وحتى لا تقتحم خصوصية شقيقته أومأت بتفهم وسكنت محلها.
التفت إليها بعد أن هدأ غضبه الذي تفاقم حين رأي أسم شقيقته، وجد وجهها يزداد شحوبًا وأصفرار، فأمسك بيدها يجذبها برفق لتقف عن الأريكة قائلًا بهدوء :
_ قومي ارتاحي
أومأت إليه بصمت بعدما شعرت بالدوار يداهمها بقوة، تكاد تسقط مغشي عليها من جديد، توجه معها إلى غرفتهما وساعدها على التسطح بالفراش، وجلس إلى جوارها يمرر يده برفق على خصلات شعرها يقرأ ما تيسر له من القرآن الكريم لعلها تستكين وتغرق في النوم .
***********************************
صرخت كنزي بأسم صديقتها بصوت مرتفع رج المكان، تحركت اتجاه الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، وهي تصرخ بتوعد .
لم تستوعب تلك الرسالة إلا بعد دقائق طويلة، عادت بها قراءة الرسالة مرارًا، لا تصدق ما تراه ولا يتسوعب عقلها خيانة صديقتها المقربة لها، لكن حين ضربها الإدراك ركضت لتنال منها ما يكفيها .
وقفت أمامها مباشرةً ترفع الهاتف أمام وجهها الذي شحب حين رأت الرسالة، وصرخت كنزي بالمتواحدين بصوت حاد غاضب :
_ مش عايزة حد في الدور دا
بهمهمات خافتة ونظرات متعجبة انسحبت العاملات والزبائن إلى الأسفل، وحين خلى المكان حولهما، اقتربت كنزي منها بملامح مشمئزة، تسأل بقهر لثقتها بها يومًا ما :
_ لية يا نهال ؟، لية تخوني ثقتي فيكي، دا مصدقتش لما شوفت المسدچ
رفعت نهال عيناها تنظر إليها بارتجاف، قبل أن تهمس بتلعثم :
_ انتي اكيد فاهمة غلط يا كنزي
ثارت ثائرة كنزي، وتأجج الغضب داخلها من كذب الأخرى حتى بعد أن رأت الرسالة بعينيها، صكت على أسنانها من شدة ما تشعر به من غيظ، وألقت الهاتف على الأرض وقبضت على خصلات شعر نهال بقوة حتى كادت تقتلعه من جذوره، تصرخ بغضب :
_ فاهمة غلط !، دا انا شايفة بعيني، خطتكم اي بقى طلاقي ؟
تأوهت نهال متألمة، تحاول أبعاد قبضة يد كنزي على شعرها، تهتف بصوت مرتفع يصرح عن ما تشعر به من ألم :
_ حمزة عمره ما هيفكر يطلقك
كشفت نفسها في ثوان، ألمها جعلها تنطق بما تكنه داخل قلبها، فزادت جملتها من نيران كنزي، لتدفعها بعنف من يدها حتى سقطت على الأرض وقالت بأنفعال :
_ اه عشان كدا اتفقتي معاها عليا يا صاحبة عمري، منك لله ربنا ينتقم منك كنتي هتخربي بيتي
تحشرج صوتها بنبرة باكية، تستطرد حديثها :
_ دا انا لحقته على أخر لحظة قبل ما ينطقها، عملتلك اية عشان تعملي فيا كدا
صرخت في نهاية جملتها متسائلة، لتتفاجأ بنهال تهب واقفة عن الأرض، وتقف أمامها بملامح جديدة عليها لم ترها من قبل، يمكنها القول أن هذا وجهها الحقيقي الذي كانت تخفيه عنها لسنوات، ملامح شيطانية وعينان تقدحان شرًا، دفعتها بكتفها بقسوة قبل أن تهتف بغضب :
_ متعمليش نفسك ملاك يا كنزي، انت عارفة اني معجبة بداوود ومحاولتيش حتى تقربينا من بعض، و لما جت الست رحيل عرفتي توفقي رأسين في الحلال و تجوزيهم
ظهرت الصدمة جلية على ملامح كنزي، وسألت بعدم تصديق :
_ عشان كدا، عشان كدا بجد ؟!
أشتعلت عينا كنزي بغضب، وأخرجت ما كانت تكتمه عنها منذ فترة :
_ دا انا عرضت على داوود موضوعك مليون مرة، حتى عرضته على إلياس .. بس الاتنين رفضوا
تبدلت ملامحها إلى خيبة الأمل، وأشارت إلى نفسها تقول بحسرة :
_ و انا عشان مجرحش مشاعرك مرضتش اقولك، خوفت عليكي تتجرحي، انتي عملتي اية فيا، روحتي بعتيني لواحدة عايزة تخرب بيتي و تاخد جوزي مني
استجمعت كنزي شتات نفسها، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجذبها من مرفقها إلى الدرج المؤدي إلى الأسفل قائلة من بين أسنانها بغيظ :
_ اطلعي برا
حاولت نهال التملص من بين يديها، فأحكمت قبضتها عليها، تصيح بصوت مرتفع، تدعو بحرقة :
_ اطلعي برا السنتر و على الله اشوفك هنا تاني، ربنا ينتقم منك انتي وهي و يتردلكم مكركم دا اضعاف مضاعفة
راحت النظرات على نهال التي تحاول دفع كنزي عنها بقوة، وصوتها المرتفع بذم كنزي بأبشع الألفاظ والصفات، حتى دفعتها كنزي خارج المكان تمامًا، والتفتت إلى العاملات ترفع سبابته أمامهم تهتف بتحذير :
_ البت دي لو حد دخلها السنتر، ملوش شغل عندي
جلست على أحد المقاعد تستريح، تلتقط أنفاسها اللاهثة من شدة الإنفعال، ما هي إلا دقائق حتى شعرت بالألم يزحف بخبث إلى بطنها، قبضت على كف يدها بقوة تتأوه بخفوت متألمة .
تقدمت منها أحدى العاملات تربت على كتفها متسائلة بقلق :
_ مالك يا كنزي، انتي كويسة
نفت برأسها تطلب منها أن تأتي بحقيبتها، نفذت العاملة ما طلبته وأتت إليها بالحقيبة والهاتف الذي كان يرن برقم زوجها، فتحت الإتصال بعدما كبحت ألمها تهتف بصوت هادئ قدر الإمكان تأخذ خطواتها إلى الخارج :
_ الو، حمزة، انا رايحة للدكتورة
استمعت إلى صوت حمزة القلق يهتف :
_ لية، حاسة بحاجة، مالك ؟
أشارت إلى سيارة الأجرة التي تمر أمامها، وقالت بنبرة خافتة تمنع تأوهها من الخروج رغمًا عنها :
_ متقلقش فحص عادي
_ طب استني اجيلك و نروح سوا
نطق على عجل، لتصعد سيارة الأجرة متحدثة بهدوء :
_ لا مش هقدر استنى، انا وقفت تاكسي ورايحة
_ طب ابقي ابعتيلي اللوكيشن عشان احصلك
وافقت على الفور، وأغلقت الهاتف تملي على السائق عنوان الطبيبة، تدعو وترجو الله طوال الطريق أن يكون جنينها بخير حال .
وصلت السيارة إلى العنوان، وترجلت منها تدفع المستحق للسائق، صعدت سريعًا إلى العيادة، وأرغمت الممرضة على إدخالها إلى الطبيبة بشكل مستعجل قلبها يخفق بقوة تريد الاطمئنان على جنينها في أسرع وقت .
بعد ترحاب شديد من الطبيبة والتي تعرفت عليها منذ فترة عن طريق محل عملها، أخبرتها بما تشعر لتفحصها سريعًا قبل أن يأتي زوجها .
خلعت الطبيبة قفازاتها الطبية وألقتها بسلة المهملات، وجلست على مقعد المكتب متنهدة بقوة، قائلة بهدوء :
_ انا مش قولتلك بلاش انفعال يا كنزي، حبيبتي انتي حملك خطر ولو حصل حاجة لا قدر الله صعب يحصل حمل تاني
تنهدت كنزي تعيد خصلات شعرها إلى الخلف، وقد ارتاحت داخليًا حين علمت أن وضع الجنين مستقر، نظرت إلى الطبيبة تتحدث بنبرة واثقة وابتسامة هادئة تزين ثغرها :
_ عارفة كل الكلام دا، بس انا واثقة في ربنا ان مش هيحصل حاجة للبيبي، زي ما كنت واثقة اني هخلف ... ربنا اكرمني بعد اربع سنين، و انا متأكدة ان هيكمل الحمل دا على خير وربنا هيتمم نعمته عليا
ابتسمت الأخرى على ثقتها، والأمل الذي يتدفق من بين كلماتها، لتهمس سريعًا حين وجدت طرقات على باب الغرفة :
_ ياريت متقوليش حاجة لحمزة لو سألك، قوليله ان كل الامور ماشية تمام
أذنت الطبيبة للطارق بالدخول، فكانت الممرضة تخبرها بوجود حمزة الذي لم ينتظر لحظة واحدة إنما اندفع إلى الداخل يقترب منها، يجثو إلى جوار مقعدها يحاوط وجهها بين راحتي يده متسائلًا بتلهف :
_ انتي كويسة، اية اللي حصل ؟
ابتسمت بلطف، ومسدت على كفيه المحاطة لوجهها، وقالت :
_ انا كويسة يا حبيبتي و الله حتى اسأل "سما"
التفت إلى الطبيبة يحثها بنظراته أن تخبره بما أصابها، ابتسمت "سما" ووقفت عن المقعد للحظات قبل أن تعود وبيدها صورة فوتوغرافية للجنين في رحم أمه، مدت يدها بها إلى حمزة قائلة :
_ كنزي زي الفل ما شاء الله، و البيبي بخير و ادي صورته
ارتجفت أصابع حمزة وهو يأخذ الصورة من يدها، خفق قلبه بقوة ينظر إلى الصورة بتيه، ايمكن أن يكون هو ذلك القطعة الصغيرة، زادت دقات قلبه اضطرابًا حين تخيل ملامح الصغير، اغرورقت عيناه بالدموع من فرط مشاعره، ولاحت ابتسامة مشتاقة على ثغره، يراوده شعور غريب لذيذ يشهده لأول مرة، لم يكن يعلم أن شعور الأبوه يفوق أي شعور آخر قد يصادفه، فهمس بصوت متحشرج :
_ بنت و لا ولد
تأثرت "سما" من فيض مشاعره الواضحة، واجابت قائلة :
_ مش هيبان دلوقتي، انتوا عايزين ولد ولا بنت
رفع حمزة رأسه ينظر إلى زوجته، عيناه تلمعان بسعادة، مد يده واضعًا كف يده على وجنتها اليمنى، قائلًا بحب :
_ بنت قمر شبه أمها
وضعت كنزي يدها على بطنها تمسد عليها بحنان، تهتف بحماس شديد :
_ انا حاسة أنه ولد، بس مش مهم ولد او بنت اللي يجيبه ربنا كويس
أخذ حمزة يدها الأخرى يقبل باطنها قبلة حانية، يهمس بتمنى وحب :
_ ربنا يكملك على خير يا حبيبتي
***********************************
فتح إلياس باب الغرفة التي يقطن بها بكر بعنف فأنتفض الأخير من مضجعة بفزع، وازداد جزعه حين رأى إلياس يغلق الباب خلفه بإحكام .
تقدم نحوه بخطى ثابتة حتى وقف إلى جواره، وعيناه تتفحصان جسد بكر، ذراعاه مكسورتان، وقدمه ملفوف برباط ضاغط، وجهه ممتلئ بالكدمات والتجمعات الدموية .
اتسعت ابتسامته برضا، يربت على كتفه بقسوة قائلًا :
_ تسلم ايده عزيز و الله
تأوه بكر بألم، ينظر إلى إلياس بارتباك تجلى على ملامحه، همهم إلياس بضيق واستطرد :
_ عارف المشكلة الوحيدة ان مسابش مكان اقدر اكمل عليك فيه
أكل الخوف قلب بكر وتحرك بصعوبة بعيدًا عن يد إلياس، ونظر إليه بأعين مذعورة يهتف بتلعثم :
_ انتوا عايزين اية تاني، صاحبك كسرني و اديني متلقح في المستشفى، واخوك ضيع الشبكة اللي جايبها بفلوسي
زمجر إلياس بغضب، وقبض على فكه بعنف تحت صرخاته المتألمة، يهمس من بين أسنانه المطبقة بعصبية :
انت ليك عين تتكلم يالا، احمد ربنا ان لسة فيك نفس دا كان رحيم معاك، لو كان داوود كنت زمانك ميت
ابتسم بخفة وترك فكه، يتخيل ردة فعل أخيه أن رأى بكر بتلك الحالة، بالتأكيد هذا سيخفف من حدة غضبه ولو قليلًا، فمد يده إلى جيبه يخرج هاتفه قائلًا :
_ و بمناسبة داوود، فهو اكتر واحد هيحب يشوفك بالمنظر دا
التقط صورتين له، وبعثهما إلى شقيقه ووضع الهاتف مجددًا بجيب بنطاله، ثم انحنى نحو بكر الذي انتفض مرتعبًا، يهمس بجوار أذنه بصوت خافت لكنه مخيفة بالنسبة له كان كافيًا ليرسل الرعب إلى قلبه :
_ فكر بس حد فينا يشوفك صدفة، ساعتها متلومش إلا نفسك
وضع يده على عينه المتورمة المحاطة بكدمة زرقاء يضغط عليها بقوة، فتعالت صرخات الآخر المستغيثة، يستأنف حديثه بحدة :
_ وخلي اخوك ميهددش بحاجة انتوا مش قدها يا زبالة
استقام بوقفته ينظر إليه باشمئزاز، يمر على عقله تخيلات لصغيرته الصماء التي كانت لا تقدر على أخراج صوتها للاستنجاد بأحدهم لإنقاذها، لتتأجج النيران بصدره ويشتعل الغضب أكثر وأكثر، فلم يمنعه نفسه من أخراج غضبه .
مد يده يكمم فاهه، وأخذ يسدد له اللكمات بوجهه وصدره بقسوة، يكتم صرخاته المتألمة بكف يده ليجعله يجرب بنفسه كيف كان شعور شقيقته حينها .
انتهى من أخراج جم غضبه به، وتراجع إلى الخلف خطوة يرى ما اقترفته يداه الملطخة بالدماء بفخر، ثم تحدث بأسف :
_ يلا انا راضي بـ كدا بس
التفت يغادر الغرفة تاركًا خلفه صوت بكر الباكي الذي يتعالى مع كل خطوة له نحو الخارج، يثلج قلبه الذي امتلئ بشعور الانتشاء، وتفاقم داخله الارتياح لأخذ جزء من حق شقيقته الحبيبة .
***********************************
تجرعت يثرب الكثير من الماء البارد، بعد أن عادت للتو من عملها وتعرضت لحرارة الشمس اللاهبة لفترة طويلة، تنهدت بارتياح بعدما ارتوت تمامًا بالماء، ومدت يدها تخلع عنها النقاب قائلة بارهاق :
_ الجو حر اوي بجد
ربتت والدتها على كتفها برفق، تشير بعينها نحو باب المطبخ قائلة :
_ طب ادخلي غيري على ما احضرلك الأكل
كادت يثرب أن تتحدث إلا أن قاطعها صوت رنين جرس الباب، زفرت بضيق ووضعت النقاب على وجهها مجددًا، قائلة :
_ هروح اشوف مين
أسرعت نحو الباب بعدما أرخت النقاب على وجهها، فتحت الباب لتتفاجأ بخطيبها صهيب يقف أمامها وبيده ألواح خشبية سميكة .
ابتسم ببشاشة بوجهها، وقال :
_ ازيك يا يثرب
استحوذ التوتر على جسدها الذي أصابته رجفة، وأخافت تعجبها من وجوده دون أن يخبرها أبويها، وقالت بهدوء اجادت صنعه بصعوبة :
_ بخير الحمد لله، اتفضل
أشار نحو الداخل بيدها، لينفي برأسه قائلًا :
_ لا شكرًا، ناديلي بس والدك يطلع معايا
زادت جملته من تعجبها، لتنظر إلى تلك الالواح الخشبية متسائلة بفضول :
_ يطلع معاك فين؟ انتوا رايحين تعملوا اية ؟
تنحنح بجرح، واحاد بنظرة عن عينيها، قائلًا :
_هعملك كام قفص تحطي فيهم اللي هتربيه
لمعت عيناها بسعادة غمرتها، وتسارعت دقات قلبها بفرحة عارمة :
_ بجد !، بس ماما دبحتهم
داعبت قلبه نبرتها المتحمسة كالأطفال، لتفرض ابتسامة واسعة نفسها على ثغره، وأشار إلى قفص الحمام الموجود جواره، وقال :
_ مانا جبتلك غيرهم و اكتر منهم
ودون وعي منها قفزت في الهواء مرة، وأسرعت نحو القفص ترى الحمام المحبوس داخله، تردد بامتنان :
_ شكرًا، شكرًا شكرًا بجد
ازدادت ابتسامته اتساعًا، لم يكن يعلم أنها ستكون بكل تلك السعادة لمجرد قفص من الحمام !، كان يود لو يعوض حزنها على الحمام التي فقدته المرة السابقة عندما أعدته والدتها على الغداء، شعر بالرضا لردة فعلها وسعادتها بفعلته، قاطع سيل تفكيره بها ونظراته الحانية عليها صوت مرتفع :
_ مين يا يثرب؟
كان هذا تساؤل والدتها من الداخل حين غابت لفتح الباب، استقامت بعد أن أخذت حمامة وأغلقت بعدها القفص، تتحدث بصوت مرتفع لتسمعها والدتها :
_ دا صهيب يا ماما
مسدت على الحمامة بحنو، ورفعت رأسها تنظر إليها بامتنان يظهر جليًا بأعينها اللامعة التي أصبحت أكثر فتنة، همست تشكره من جديد بصوت خافت خجلة، وما كاد أن يرد عليها أوقفه خروج والدها يستقبله بحفاوة :
_ تعالي يا صهيب اتفضل
كان والدها يعلم مسبقًا ما ينوي صهيب فعله، فقد أخذ الأذن منه قبل الأقبال على فعلته، ووافق بترحاب كون هذا سيسعد ابنته .
ابتسم صهيب، وقال بهدوء مشيرًا برأسه إلى الأعلى :
_ معلش يا عمي اعفيني المرة دي، عايز حضرتك بس تطلع معايا عشان مش هينفع اطلع لوحدي
أشار السيد محمد إلى الدرج يحثه عن الصعود قائلًا :
_ اطلع يا حبيبي دا بيتك، اتفضل
انحنى يحمل القفص، وقال :
_ حضروا الأكل يا يثرب على ما ننزل
وضعت يثرب الحمامة البيضاء بالقفص واحكمت أغلاقه، وأسرعت نحو الداخل تزف لوالدتها شعورها بالسعادة الذي لا يضاهيه شيء الآن، تؤكد لها أن حديثها كان صحيحًا، صهيب هو أفضل شخص قد يدخل إلى حياة أي فتاة، هي فقط كان تشعر بالخوف ويسيطر عليها هواجس قديمة، أساسها يكمن في خطأ قد اقترفته في مراهقتها وتندم عليه حتى تلك اللحظة .
***********************************
وصل إلياس إلى محل الملابس الذي أصبح شغله الشاغل، تاركًا عمله الأساسي خلف ظهره، كان فقط يريد التواجد إلى جوارها لعلها تحتاج شيء ما بوقت ما ويكون هو أول يد تمتد لمساعدتها .
استقبلته مايان بلهفة جعلته يبتسم رغمًا عنه، لكن سرعان ما انمحت ابتسامته حين وجدها تتحدث على عجل :
_ استاذ إلياس، لو سمحت كنت عايز إذن هخرج بس خمس دقايق هنا جنب المحل
شعر بالغيظ يمتد إلى صدره، فلهفتها جعلته يعتقد أنها تريد مقابلة ذلك الشاب الذي كان يقف معها صباحًا لذا تحدث برد قاطع :
_ لا
صك على أسنانه يحاول أخفاء شعور الغضب الذي يتفاقم داخله دون أن يعلم سببه، أشار بسبابته نحو مقعدها، قائلًا بحدة :
_ مفيش خروج من المحل أثناء ساعات العمل
صرخ بصوت مرتفع يُسمع الباقين عندما شعر بحرجها وسط زميلاتها :
_ الكلام دا للكل، اتفضلي شوفي شغلك
همست معترضة بصوت خافت مختنق :
_ بس يا استاذ إلياس انا ...
توجه ليجلس على مقعده، وانهى ذلك النقاش بينهما قائلًا بجفاء :
_ قولت لا يا مايان، اتفضلي
تحركت هي نحو مقعدها، وبدأت في كتابة قطع الملابس التي انتهت من المحل، بينما ظل ينظر إلى ملامحها التي تخللها الحزن فورًا وعيناها التي فاضت بالدمع .
ظل صراعه الداخلي قام حتى أعلنت حنيته فوزها الساحق على غضبه، ليتأفف بضيق من نفسه، ووقف عن مقعده متقدمًا منها حتى وقف جوارها، تنحنح ينتبهها لوجوده، فتركت ما بيدها ورفعت رأسها إليه باستفهام :
_ كنتي عايزة تروحي فين ؟
سألها يقمع نبرة الفضول في حديثه، لتقف مبتسمة تجيبه بهدوء لعله تراجع عن قراره وسيجعلها تخرج :
_ هقابل عمر بس اديله حاجة
كانت تريد أن تخرج لتقابل شقيقها حتى تُعطي له بعض المال من راتبها التي أخذته اليوم، لكي يحضر لهما الطعام بخفاء عن والدها قبل أن يستولى على كل ما معها من أموال .
ضيق عيناه بضيق، ونطق متشككًا :
_ عمر؟
أومأت برأسها، تجيبه بصدق :
_ أيوة
وبتحدي واضح بنظراته لكشف كذبها قال :
_ طب انا عايز أسلم على عمر، هاجي معاكي
تراجعت عن مقابلة شقيقها حتى لا يُحرج أمام إلياس، فتحدثت بتوتر كاذبة :
_ لا خلاص اصلي قولتله ميجيش
رأى توترها وتلعثمها، ليعلم بكذبها واشتعل النيران بصدره يغلي كالمرجل، ليشير بسبابته نحو تلك السيدة التي تدخل من باب المحل، قائلًا بتهكم :
_ اه، طب روحي شوفي الزبونة دي
***********************************
انتفضت صارخة حين راودها حُلم أكثر بشاعة من سابقه، استيقظ داوود على أثر صرختها وجدها تحارب بيديها شيء خفي لا يُرى، حاول أحاطتها حتى تهدأ إلا أنها دفعته عنها بعنف أصابة معدته بمرفقها.
تحامل على ألمه حين خرجت من الفراش تركض سريعًا نحو الخارج، أسرع خلفها بخطى واسعة ليلحق بها حتى وصلت إلى باب الشقة، فتحت باب الشقة لكن يد داوود كانت الأسرع حين أغلقه مجددًا، أمسك بذراعها يجعلها تلتفت إليه، يصرخ بها حتى تهدأ :
_ أهدي دا مجرد حلم
لكن لم يقل جنونها إنما ازدادت هياجًا وأخذت تلوح بيديها بعشوائية لكي تبعده عنها، ترى وجهه وكأن شبحًا يود التهامها، صرخت بفزع حين اقترب منها يود احتضانها، دفعته بصدره ليبتعد وصرخت بخوف يأكل قلبها :
_ ابعد عني، انا معملتلكش حاجة، ابــعــد
اتسعت عينا داوود بذهول لحديثها، حبس ذراعيها بين قبضتيه يتحدث بقلق من حالتها الغير طبيعية :
_ رحيل اهدي انا داوود
قاومت بكل ما أوتيت من قوة حتى ضربت ظهرها بالباب، تصرخ بصوت مرتفع كاد أن يسمعه الجيران قائلة :
_ انا عايزة اروح عايزة اروح، سيبني ارجع بيتي
كأنها لا ترى أمامها أصاب العمى عيونها، أخذ تصرخ وتترجى أن يتركها لتغادر هذا المكان الذي كاد يخنقها و يزهق روحها، لم يجد سبيل لتهدئة انفعالها قيدها بيده اليسرى، ورفع اليمنى بحذر يضغط بأصابعه برفق على موضع العُقدة السُباتيه في رقبتها، الذي يعرفه جيدًا وقد لجأ إليه حين لم يجد حل سواه .
خفت همسها بتنهيدة مرتجفة، ثم تراخت أطرافها شيئًا فشيئًا، كأن الحياة تنسحب منها ببطء حتى استسلمت ذراعاها للسكون، وغابت عن الوعي في لحظة خاطفة .
تلقفها بين ذراعيه يحملها سريعًا قبل أن تهوى، شدها نحو صدره بقوة، وقلبه يضج بالقلق عليها .
وضعها على الفراش بحنان، وأخذ هاتفه يجري اتصالًا بصهيب وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب، وحين جاء صوت صهيب المتعجب من إتصاله بهذا الوقت، قال سريعًا بنبرة لم يخفي فيها قلقه وخوفه :
_ صهيب تعالالي بسرعة على شقتي
