رواية قبلة على جبين الوهم الفصل السابع عشر
الغرفة هادئة إلا من صوت السيشوار. يجلس إبراهيم على طرف السرير، يتصفح هاتفه بفتور، يراقب ليان وهي تجفف شعرها دون أن تتبادل معه كلمة.
ينهض ويقترب منها بهدوء. يقف خلفها، يمد يديه ليحضنها، يضمها لصدره بحنان مكبوت، ثم يقول بنبرة دافئة ولكن مضغوطة إبراهيم:ليان إحنا بقانا لنا متجوزين فترة، وكل يوم بتحاولي تبعديني أكتر ليه؟ ليه مش عايزة نكمل جوازنا؟
تتجمد يدها، وصوته يدخل أعماقها. تنزل يداها بتردد. تهمس بصوت خافت:
ليان بقلق:مش عارفة جوازي منك حصل بسرعة وانا خايفة منك.
يتألم في صمت. لكنه لا يغضب. يشد ضمته أكثر، وكأنه يرد على الخوف بالحماية، لا بالغضب.
إبراهيم بهدوء ممزوج برجاء:خايفة مني؟ طب شوفيني كويس أنا يمكن أزعل، أصرخ، أتكلم بخشونة بس عمري ما فكرت أذيك. ولا هفكر. أنا معنديش غيرك.
تقف كأنها تسمع هذه الكلمات لأول مرة. قلبها يرتجف، لكنه لا يرفض الشعور. يلمس وجنتها بخفة ويُقبل عنقها، ليس شهوة فقط، بل بحثًا عن قرب غائب.
يرفعها بذراعيه بخفة ويضعها على السرير. عيناها تتسعان بالخوف، لكنها لا تقاوم، فقط ترتجف.
إبراهيم يتمالك نفسه، يقرأ قلقها، ويهمس بصوت يكاد يُبكي الحجر:لو خايفة قولي، وأنا هقف. بس لو سمحتِ خدي خطوة ناحيتي، حتى لو صغيرة.
ليان تغمض عينيها بقوة، ثم تهمس:أنا مش خايفة منك دلوقتي أنا خايفة من نفسي.
يبتسم لأول مرة منذ أيام، يلمس وجهها كأنها قطعة زجاج، ثم يبدأ في خلع قميصه، ويترك لها الخيار.
هي تفتح عينيها، تنظر إليه بخجل، ترفع يدها وتلمس صدره بخفة، كأنها تقول: أنا جاهزة مش للجسد للحب.
وبهدوء، تكتمل الليلة بينهما، لا بعنف، بل بتفاهم، ببطء، بشغف صادق، يترك وراءه بداية جديدة.
في الصباح، تستيقظ ليان وقد اختفت بعض الجدران داخلها. لكنها ليست كاملة بعد. يلاحظ إبراهيم ذلك، فيمد يده بقهوتها ويقول إبراهيم بنظرة كلها دفء:أنا مش عايز أمتلكك أنا عايز أحبك، وإنتِ تحبيني براحتك.
تبكي ليان لأول مرة منذ زواجهما، وتدرك أنه، رغم عنفه الظاهري، كان هو الوحيد الذي عامل قلبها بلُطف.
بعد أن تمم إبراهيم زواجه من ليان، بدأت حياتهما تبدو مستقرة أو هكذا ظنّت.
في البداية، كان إبراهيم حنونًا رغم حيرته من خوفها وارتباكها الدائم. كانت ليان تحاول التأقلم مع حياتها الجديدة، تحاول التقرّب منه، تحاول أن تحب، لكنها تظل خائفة، كأن في داخلها سرًا دفينًا لا تريد البوح به.
ومع مرور الوقت، يبدأ إبراهيم يسمع همسات في العائلة، وأحاديث مبهمة من زملائه في العمل:مراتك كانت بتكلم فلان قبل الجواز، مش كده؟
مش غريبة إنها وافقت تتجوزك فجأة؟
أنت أكيد مش عارف كل حاجة عنها؟
تسري الإشاعات كالنار في الهشيم، فيبدأ الشك ينهش قلب إبراهيم. يراقب ليان، يفسّر كل تصرّف بسيط منها على أنه دليل خيانة أو ماضٍ مشبوه.
يتحوّل من الزوج الحنون إلى الرجل القاسي البارد، يتجاهلها، لا يرد على محاولاتها للتقرب منه، يكسرها بكلماته، ويجعلها تبكي كل ليلة في صمت.
ليان، المكسورة أصلًا، تتفتت أكثر. تحاول التبرير، تحلف له، تبكي بين يديه، لكنه لا يسمع. وفي لحظة ضعف، تصرخ فيه بانهيار:أنا وافقت على الجواز لأن أهلي كانوا هيجوزوني لحد أكبر منك بـ20 سنة! وافقت لأنك كنت أحنّ واحد قابلته! أنا عمري ما خنتك، لكن إنت بقت تقتلني كل يوم!
في أحد معارض السفر حيث تأتي سهام بحثًا عن وظيفة، وتلتقي بعساف الذي يُبهرها بابتسامته وأناقة حديثه. يعدها بمساعدتها للحصول على وظيفة في شركته، ويطلب رقمها بحجة تنسيق موعد للمقابلة.
تمر الأيام ويبدأ عساف بإغراق سهام برسائل صباحية ومسائية، يرسل لها الزهور أحيانًا، ويُشعرها بأنها مختلفة عن كل الفتيات اللواتي عرفهن. تتعلق به بسهولة، خصوصًا أنه أول شخص يُشعرها بأنها مهمة في هذا العالم.
مع الوقت، تبدأ العلاقة بينهما تأخذ طابعًا عاطفيًا، رغم أنها غير معلنة. يُخبرها عساف بأنه يخفي العلاقة بسبب طبيعة عمله وغيرة الفتيات عليه، ويُقنعها أن السرية تحمي علاقتهما.
ولكن في الخلفية، كان يواعد أخريات، يخرج معهن، وينشر صورًا مزيفة توحي بأنه وحيد، بينما قلب سهام يتمزق شوقًا له كل ليلة.
في يوم ما، تصادف سهام حديثًا بين زميلتين في الشركة تتحدثان عن عساف الذي لا يكتفي بفتاة واحدة، فتبدأ الشكوك تتسلل إلى قلبها، لكنها تكذب إحساسها، وتُعطيه عذرًا بعد الآخر.
تحدث الصدمة عندما ترى عساف بعينيها في أحد المقاهي مع فتاة أخرى، يُمسك بيدها ويهمس في أذنها نفس الكلمات التي كانت تعتقد أنها تخصها وحدها:انتي غير، والله ما شفت زيك.
تصدمها الحقيقة، وتقرر مواجهته، لكنه ينكر ويقلب الطاولة، ويتهمها بالغيرة والتمثيل، ويقول لها ببرود:انتي اللي فهمتي غلط أنا ما وعدتك بشي.
تنكسر سهام تتحطم ثقتها بنفسها، وتدخل في حالة من الحزن الشديد، تبدأ تشك بكل من حولها، وتفقد شغفها بالعمل، وحتى بنفسها.
ولكن النهاية لن تكون بكاءً فقط.
بعد مرور فترة، تُقرر سهام أن تقف من جديد، تُغيّر مظهرها، تتعلم مهارات جديدة، وتنتقل إلى شركة أخرى، وهناك تلتقي بشاب مختلف، يُقدرها ويحترمها، ويبدأ بمداواة الجراح دون أن يطلب شيئًا منها.
بينما عساف، بعد أن ظن أن الفتيات لا تنفد، يجد نفسه ضحية فتاة مثله، تلاعبت به، ثم تركته محطمًا... لأول مرة يتذوق من نفس الكأس.