رواية الراتل الفصل السادس عشر بقلم اسماء ايهاب
_ الحق يا راتل، الظابط صادق جاي على المخزن مع رجالته .
ما أن انهى الشاب حديثه حتى أغلق الباب مجددًا وذهب من حيث أتى هاربًا من أمام صادق ورجاله، أما بالداخل فقد ظهر الارتباك على وجهه حمزة الذي نظر إلى داوود منتظر منه أي ردة فعل ليخرجون من هذا المأزق، بينما عينا داوود كان تمر بسرعة في أرجاء الغرفة مع سماعه صوت أقدام تكاد تصل إلى باب المخزن، تبادلوا النظرات ببعض التوتر تزامنًا مع صوت صادق من الخارج الذي يقف أمام الباب وكاد يمد يده نحو مقبض الباب .
وقف صادق أمام باب المحزن ينظر إلى رجاله بتحذير من اقتراف أي خطأ قد يكلفهم فشل تلك المهمة، ينتظر بكل شغف أن يلقي القبض على داوود ومن معه بالجرم المشهود، ارتسمت ابتسامة سعيدة على ثغره وتفاقم الحماس داخل صدره متخيلًا لحظة ارتفاعه رُتبة عن مركزه في الشرطة، وبعض الصلاحيات التي ستتيح له في ذلك .
ادار المقبض بابتسامة شامتة، وكأنه يرى ردة فعلهم أمامه بظفر، لكن سرعان ما تلاشت تلك الابتسامة السعيدة وحلت محلها الصدمة والذهول حين وجد الغرفة خالية تمامًا .
هرول الغضب يظهر على تقاسيم وجهه، وتقدم من الداخل يتفحص المكان حوله بعدم تصديق، كانت معلوماته من مصدر موثوق به تؤكد أنهم بالداخل، يتجهزون لتسليم شحنة جديد من الأسحلة كيف أختفوا تمامًا ولم يعد لهم أثر .
جذب خصلات شعره بعنف حتى كاد يقتلعهم من شدة غضبه، دار بالمكان وكأنه يريد حفر الأرض والبحث عنهم، وعندما تخلل اليأس قلبه أمر رجاله بالتحرك إلى الخارج سريعًا وهو من خلفهم يتوعد للراتل بأشد الوعيد .
بينما بالأسفل .. أسفل أرض المخزن تنفس حمزة الصعداء حين أُغلق الباب وعلم أن صادق قد رحل، يتذكر تلك اللحظات الفارقة في مصيرهم، حين كان صادق أمام الباب وهم بالداخل ينظرون إلى بعضهم بقلق، حينها تحرك داوود إلى أحد زاويا المخزن وأدار مقبض صغير بالحائط مع ضغطه على زر أحمر كبير، وبلحظات انقلبت الغرفة رأسًا على عقب أصبحت الأرض تتحرك من أسفل أقدامهم حتى وجدوا أنفسهم ورجالهم والأسلحة يختفون تحت الأرض ويغلق عليهم السقف، وكأن الأرض ابتلعتهم للتو .
استند على الحائط خلفه بارتياح، ثم وكز داوود بذراعه متسائلًا :
_ عرفت حركات العصابات دي منين
تحرك داوود نحو أحد الزوايا الأخرى يعيد ما فعله حتى ابتلعت الجدران ذاك السقف، وارتفعت الأرض بهم حتى استقرت الغرفة من جديد، ثم نظر إلى حمزة قائلًا بسخرية :
_ أفكار ابوك، اللي مورثتش انت منها حاجة
ظهر الغيظ على وجه حمزة، وتقدم منه يتحدث بتفاخر :
_ خد بالك ذكائي كله ورثته من بابا
كاد أن يرد داوود بردًا لاذع يلزمه الصمت لشهرًا كامل إلا ان قطعه صوت عزيز متسائلًا بحيرة :
_ صادق بيعرف خطواتنا منين ؟
انتبه إليه داوود، ليتذكر شخص خائن كاد أن يقدمه وجبة دسمة لضرغام يومًا ما، ليهمس بأسمه من بين أسنانه متسائلًا :
_ فايز ؟
نفى عزيز برأسه، وهتف بجدية أثناء مراقبته لسير العمل أمامه :
_ لا، فايز تحت عيني ملوش دعوة
شتت الحيرة أفكاره، ليتنهد بقوة قائلًا بتحذير :
_ خد حذرك اليومين دول على ما نعرف مين بيوصلوا المعلومات دي
أومأ إليه عزيز، ليحاول حمزة حث الرجال على عدم التباطؤ بالعمل قائلًا بجدية :
_ يلا يا رجالة شدوا حيلكم شوية خلينا نخلص
_ انا رايح الفيوم النهاردة
كان هذا صوت داوود الذي ألقى بجملته بعد أن اطلق تنهيدة قوية، ليتلقى الرد منهما معًا على هيئة سؤال متعجب :
_ لية ؟
أجاب بهدوء وبصوت لا يصل إلى رجاله، قائلًا :
_ رايح عشيرة رحيل، مش معقول هسكت اكتر من كدا، انا كدا كدا عارف ان حد من عندها هو اللي عمل السحر دا لان محدش يعرفها في القاهرة
اعترض عزيز على ذهابه بمفرده، قائلًا بهدوء :
_ مش هتروح لوحدك، كلنا رايحين معاك، و اللي غلط هيتحاسب
دعمه حمزة في حديثه، فأومأ داوود إليهما بسكون، وقد أخذت الأفكار تعصف بعقله، كلما حاول الهدوء والتصرف بتعقل تأتي صورتها المنهكة أمامه ليشتد غضبه أكثر فأكثر، يود لو يفتك بسعدون أو غيره أن كان قد تسبب في الأذى لها، ليصك على أسنانه بحقد يعتصر قبضة يده بقوة وكأنه يطبق على عنق سعدون قائلًا بشرود :
_ و مش هيبقى أي حساب
************************************
_ انتي جايبة عسل !، انتي عارفة انا جايبه بكام دا عشان تفطري بيه
كان هذا صوت والد مايان الذي خرج للتو من المرحاض، فوجد مايان تخلص على طاولة الطعام تضع أمامها صحن من العسل الأبيض تتناول منه بتلذذ، فقد استيقظت اليوم تشتهي العسل بشكل غير طبيعي لتحاول التهام بعض منه قبل استيقاظ والدها، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ها هي ستلقى تقريعًا عنيفًا على تناولها هذا العسل .
انتفضت من محلها بقوة، تنظر إلى والدها بتوتر الذي تقدم ينتشل صحن العسل من أمامها بعنف، يهتف بحدة غاضبًا :
_ هو انتي قاعدالي بقى في البيت تلهفي كل اللي قدامك و انا اصرف، انا معنديش اللي اصرف بيه على الهانم طول الشهر و الله
شعرت بغصة مريرة تحتل حلقها، وتلألأت الدموع بعينيها تشاهد بحزن هجوم والدها عليها، وازداد ألم قلبها حين أمسك بمرفقها يجذبها لتقف عن المقعد واستطرد حديثه :
_ روحي ياختي دوري على شغل تاني، تصرفي على نفسك منه
دفعها نحو غرفتها غير مراعي لحالتها ابدًا، سخرت من نفسها منذ متى وهو مراعي بالأصل، حدقته بنظرات تحمل الكثير من اللوم التي تريد أن تبوح به، لكن بالتأكيد هذا ليست فكرة سليمة وبالأخص مع والدها، لتتنهد بثقل، وتمحو تلك الدموع التي هبطت إلى وجنتيها تحرق داخلها بلا رحمة .
توجهت إلى غرفتها، وأبدلت ثيابها سريعًا لتخرج من هذا البيت على الفور، تبحث عن عمل آخر بعدما تركت العمل مع إلياس، هاربة من ذلك الخداع مجددًا لا تريد أن تقع في ذلك الفخ مرتين، لا تريد لنفسها ان تكون أداة لتسلية هذا وذاك وبالنهاية تُترك في منتصف الطريق تتألم دون أن يأبه لها أحدهم .
خرجت من المنزل تغلق الباب خلفها، تنهدت بقلة حيلة وهي تنظر إلى قدميها، لا تعلم من أين تبدأ دون مساعدة شقيقها، لكن في النهاية استسلمت للواقع وقررت خوض هذه المعاناة في البحث عن عمل بمفردها .
_ اخيرًا خرجتي من البيت
اجفلت حين أتى صوته من خلفها، التفتت إلى الخلف حيث مصدر الصوت بدهشة ظهرت جلية على وجهها، لم تتوقع أن يأتي أمام بابها بعد أن تركت العمل معه، فتحت فمها عدة مرات في محاولة يائسة منها للحديث دون فائدة، ليتقدم إلياس منها خطوة أخرى قائلًا :
_ كل يوم استناكي تيجي المحل و مبتجيش، جيت قدام البيت و مبتخرجيش
غلفت الصدمة ملامحها تمامًا، هل اتى إلى منزلها بالفعل، كانت تعتقد أن شخص مثل إلياس لن يفكر بها حتى بعدما تركته ورحلت، لكن تعتقد أنه من الشخصيات العنيدة التي تريد ان تنال ما تريد وحسب وفي النهاية النتيجة واحدة .. وحيدة مرة أخرى تعاني الأمر مجددًا .
استعادت السيطرة على نفسها وأحضرت ثباتها بصعوبة حتى تقدر على التحدث معه، لتتنحنح قائلة بصوت خافت :
_ انا افتكرت حضرتك عرفت اني سيبت الشغل، مكنش فيه لازمة تيجي
تنهد بقوة ونبرتها الجامدة كانت بمثابة حكم قاطع تخبره أنها لن تغير رأيها مهما حدث، ليتحدث بهدوء وعيناه كانت تجولان على ملامحها التي افتقدها في الاسبوعين الماضيين :
_ بس انا مش جاي عشان الشغل، انا جايلك انتي
استشعرت بصدق جملته الأخيرة، لتصيب الرجفة جسدها بقوة، لكن عقلها كان مستيقظ ينبهها من التصديق أو الانجراف وراء تلك المشاعر مجددًا، لتبتلع ريقها بصعوبة تهتف بجمود :
_ استاذ إلياس من فضلك الموضوع دا اتقفل
زفر بيأس، ورفع يده يمررها بخصلات شعره الأشقر، ثم أشار نحو سيارته المصفوفة بالقرب منهما قائلًا :
_ تمام مش هتكلم في الموضوع دا تاني، ممكن ترجعي الشغل عشان محتاجك
راوغ في نهاية جملته مع ابتسامة عابثة، لترمقه بحدة محذرة، فرفع كتفيه يصحح جملته ببراءة :
_ قصدي الشغل محتاجك
أخرجت تنهيدة حارة من صدرها، تنقل بصرها ما بينه وبين باب بيتها، ليس أمامها أختيار الآن عودتها للعمل معه ستكون أسهل بكثير من البحث عن عمل جديد، وستنتهي كلمات والدها اللاذعة لها كل يوم، ثبتت بصرها عليه قبل أن تتحدث بتردد :
_ انا هرجع الشغل
ابتهجت ملامحه على الفور، وظهرت ابتسامة لطيفة على ثغره رغم أنها رفعت سبابتها أمام وجهه تحذره بجدية :
_ بس كلامنا في حدود الشغل و بس و مفيش اي حاجة تانية
لم يبالي بتحذيرها ناويًا ألقاءه عرض الحائط حين تعود إلى العمل، فمنذ أسبوعين وهو يشعر بالضيق لغيابها ينتظرها بلهفة كل يوم، لا يصدق ما آل إليه حاله بتلك المدة القصيرة، ليدرك أن تلك الفتاة حكمت قلبه بين قبضتها وهو راضي تمامًا عن هذا .
أومأ إليها مؤكدًا أنه رضخ لطلبها، ثم أشار إلى السيارة مجددًا :
_ ممكن بقى تتفضلي معايا نروح المحل
نفت برأسها مرارًا وأشارت إلى السيارة قائلة :
_ لا طبعًا مش هينفع اركب معاك العربية، انا هركب توكتوك و اوصل
شكرته في نهاية جملتها والتفتت لتشير إلى عربة صغيرة تنقلها إلى محل العمل، لكنها شهقت بصوت مرتفع حين وجدته يصعد إلى جوارها بالعربة بعدما أحكم أغلاق سيارته بجهاز التحكم عن بُعد، يملي على السائق عنوان المحل، بينما حدقت به بعدم تصديق تخلى عن سيارته المريحة ليجلس معها بتلك العربة، انتشلتها ابتسامته من شرودها وجعلتها تلتفت برأسها إلى الجهة الأخرى مقررة عدم الاهتمام بتصرفاته أي كانت، يتردد في ذهنة شئ واحد "لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين" وهذا كان التنبيه الصارم لها ألا تستبعد إلياس عن دائرة اتهامها لجميع الرجال .
***********************************
استعدت يثرب لاستقبال خطيبها في زيارته المعتادة كل أسبوع، لكن هذه المرة مختلفة كل الاختلاف، أن كانت مرغمة سابقًا على الخروج لاستقباله فهي اليوم متحمسة لزيارته تعد الدقائق ليأتي، أصبحت علاقتهما أكثر سلاسة يسودها التفاهم .
علم كلًا منهما كل شئ تقريبًا عن حياة بعضهما، لم تنقطع إتصالاتهما رغم أنهما يعلمان أعتراض والديها على ذلك، لكن كان الحماس يأخذ اي منهما لفتح موضوع جديد مع الآخر، ربما أصبح تعلق أو بداية لمشاعر من الحب بينهما لا يمكنهما التحكم بها، لذا أخبرها أنه سيتحدث مع والدها اليوم لتحديد يومًا لعقد القران لأنهما تجاوزها كل الحدود .
خفق قلبها بقوة حين تذكرت ذلك، وزاد حماسها حين دق جرس الباب، أرخت النقاب على وجهها وتوجهت سريعًا لفتح باب الشقة .
فتحت الباب واستقبلته بابتسامة واسعة شعر بها حين ضاقت عيناها بشدة، لتظهر أخرى على ثغره، ومد لها يده بقفص صغير به عصفورين تختلف ألوانهما بطريقة مبهرة، شهقت بسعادة غامرة فقد أخبرته البارحة وسط كثير من الأحاديث أنها ترغب في شراء عصافير صغيرة بألوان زاهية، ليتحدث مبتسمًا وقد شعر بالرضا لرؤية سعادتها قائلًا :
_ عصافير صغيرة للعصفورة الكبيرة
أخذت منه القفص تنظر إلى العصافير داخله بأعين تلتمع بسعادة، تداعب بأناملها القفص حتى تسمع صوتهما المبهج فتزداد سعادتها، رفعت رأسها تنظر إليه بامتنان تشكره بنظراتها المصوبة عليه، لتتفاجأ به يمد يده لها بسلسال على شكل عصفور صغير، أخذتها منه بانبهار حقيقي تهمس شاكرة بصوت متحشرج وقد أصابتها نوبة بكاء :
_ شكرًا بجد يا صهيب، شكلها تحفة اوي
_ انتي موقفة خطيبك على الباب
جاء توبيخ والدتها من الخلف قاطعًا سيل تلك المشاعر التي فاضت بينهما تنصب في مسار واحد، لتتراجع يثرب إلى الخلف بخجل من والدتها التي أشارت إلى بالدخول قائلة بترحاب :
_ اتفضل يا بني بيتك و مطرحك
تقدم صهيب من الداخل بهدوء، حتى وصل إلى الردهة متحدثًا :
_ تسلمي يا ست الكل، اومال الحاج محمد فين ؟
خرج السيد محمد من غرفته يستقبل صهيب ببشاشة كعادته قائلًا :
_ انا هنا اهو، نورت يا صهيب
_ بنورك يا عمي
جلسا سويًا يتبادلان أطراف الحديث، في حين توجهت يثرب مع والدتها إلى المطبخ، لم تقدر على كبح سعادتها لتخرجها أمام والدتها على شكل عناق دافئ تهمس بنبرة مرتعشة من فرط ما تشعر به :
_ انا فرحانة اوي يا ماما، فرحانة اوي
ربتت والدتها على ظهرها تضمها بحنو، سعيدة لسعادتها الواضحة ووقعت عيناها على قفص العصافير لتبتسم برضا، فقد كانت تظن بصهيب خير ولله الحمد أثبت لها ذلك، وتلاشى رفض ابنتها ونفورها من تلك العلاقة في مدة قصيرة .
ابتعدت عنها يثرب تتنفس بعمق، لتسأل والدتها بهدوء :
_ انتي عارفة انه جاي يحدد مع ابوكي ميعاد كتب الكتاب ؟
أومأت يثرب إليها بحرج دون النظر في وجهها، لتحيط والدتها وجهها بين كفيها تحاول أن تستشف ما بداخلها قائلة :
_ يعني موافقة مش كدا ؟
ابتسمت بخجل، لتضحك والدتها بفرحة، وتربت على كتفها قائلة بحب :
_ ربنا يسعدكم يا حبيبتي
وضع الطعام على الطاولة بشكل راقي وشهي، ودعت والدتها صهيب إلى الطعام قائلة :
_ اتفضل يا صهيب، الغدا
جلس الجميع على الطاولة وبدأوا تناول الطعام بهدوء، لكن قطع ذلك صوت والدها الذي صوب بصره نحوها بطريقة اربكتها :
_ صهيب طلب مني نحدد كتب الكتاب يا يثرب انتي مستعدة للخطوة دي دلوقتي ؟
شعرت والدتها بها لتنظر إلى زوجها قائلة بلوم :
_ اية يا حاج سيبهم ياكلوا الاول
ابتسم السيد محمد قبل أن يقول بنبرة هادئة :
_ ما هي لو موافقة اقولها اننا حددنا الميعاد بعد أسبوعين
تسارعت دقات قلبها حين رن بأذنها ذلك الموعد الذي حدده والدها، أصابة البرودة أطرافها بارتباك، وهي تنظر إلى والدها، وعندما لم تجد مفر من الإجابة عليه همست بخجل وصوتٌ خافت :
_ اللي حضرتك تشوفه يا بابا
ابتهج وجه صهيب واتسعت ابتسامته، واطلقت والدتها الزغاريد فرحًا رغم نظرات زوجها المحذرة، ليتنهد السيد محمد قائلًا بهدوء وارتياح لوصول ابنته لبر الأمان :
_ على خير يا ولاد ربنا يتمملكم بخير و يسعدكم
***********************************
في المساء بسيارة داوود المنطلق في طريقها إلى الفيوم حيث عشيرة رحيل، كان يجلس مشدود الأعصاب يظهر عليه الغضب جليًا يشدد قبضته على المقود في محاول لتفريغ غضبه قبل الوصول حتى يستطيع الحديث بهدوء بينهم، رغم أنه لا يعلم كيف سيأتيه الهدوء في هذا الموقف وخصوصًا وذكرى ما حدث لزوجته يتردد أمام عيناه باستمرار .
زفر باختناق حين انتشرت رائحة المقبلات بالسيارة و من بعدها وجبة من الوجبات السريعة، التفت إلى مصدر الرائحة والذي كان حمزة كما توقع، ليصك على أسنانه بغيظ متسائلًا :
_ انت بتعمل اية ؟
تناول حمزة لقمة من الشطيرة التي بيده، يتحدث بلامبالاة للذي كاد ينفجر من شدة الغضب :
_ بدلع الروح قبل ما تروح
ابتلع ما بفمه، ثم أشار بجوار رأسه علامة الجنون قائلًا بهدوء :
_ اصل انتم عيلة مجانين و ممكن كبيرنا العاقل داوود باشا يقوم حرب مع عشيرة مراته، ادلع نفسي بقى قبل ما تطربق فوق دماغنا
انتهى حديثه، ومد يده برقائق البطاطس إلى داوود قائلًا بمزاح :
_ تاكل تايجر عشان تكبر و تسيطر
صرخ به داوود على غفلة بحدة جعله ينتفض وتسقط رقائق البطاطس من يده :
_ حمزة انا على اخرى و عندي استعداد ارميك من العربية و اكمل طريقي عادي
رفع حمزة يده إلى الأعلى باستسلام، وقد قرر الابتعاد عن بطش ابن عمه قائلًا :
_ لا يا عم مليش دعوة بيك انا صاحب عيال
جاءت ضحكة عزيز الساخرة لتثير حنق حمزة وتلاها كلماته المتهكمة :
_ عيال !، دا هو جنين لسة بيتكون يا حمزة، فوق
دفع حمزة كتفه لكي يلتفت إلى الطريق قائلًا بغيظ :
_ بس يالا يا فاشل، ياللي مش عارف تقول بحبك حتى لحد دلوقتي
تنحنح عزيز بحرج ناظرًا بطرف عينه إلى داوود الذي كان في عالم آخر بعيدًا عنهما يخطط لما سيفعل، وللحق أنه يحمد الله أنه لم ينتبه إلا أن إلياس الصامت منذ البداية نهر حمزة بحدة، ليكمل حمزة طعامه بهدوء غير مبالي بكلمات إلياس .
مر الطريق بملل عليهم إلا أن قاطعه صوت حمزة من جديد يسأل بجدية :
_ محدش عارف حفلة هيفا الجديدة امتى ؟
صرخ إلياس بضيق :
_ حــمــزة
لوح حمزة بيده، ينظر إليه بغيظ، قائلًا :
_ خلاص يا عم، كنت هحجزلكم معايا بس انتم عيال فقر، خسارة فيكم هيفا و الله، دي عليها واحدة رجب بتخليني عايز اغير اسمي
التفت إليه عزيز قائلًا :
_ نفسي كنزي تسمعك مرة و تعرفك على حقيقتك
عدل حمزة من ياقة قميصه بثقة قائلًا :
_ لا يا حبيبي متحاولش، كنزي عارفة من زمان اني نسوانجي، هي حبيبتي خلاص اتقبلت الوضع
مال إلياس إلى الأمام حيث يجلس عزيز وهمس بسخرية على ثقة ابن عمه :
_ بيقولك اتقبلت الوضع، و هو ماشي بتوقيت الشبشب هناك
تعالت أصوات ضحكتهما حتى ايقظت داوود من شروده، كاد شروده أن يلغي عقله ولا ينتبه إلى الطريق، التفت إليهم بنظرة كانت كافية لأخراسهم تمامًا، يكتفي حمزة ببعض الهمسات الغاضبة منهم .
وصلت عصبة الراتل إلى الفيوم بل وتوقفت السيارة ببداية حدود العشيرة، ترجل داوود أولًا يدخل بخطى هادئة وثابتة، مع نظرات التعجب من أهل العشيرة التي تعرفت على داوود زوج ابنة العشيرة رحيل .
و دون لحظة تفكير توجه إلى خيمة الريس عمران مع أخوته، أمر بحدة الشاب الواقف أمام الخيمة لابلاغ الريس أنه يريد مقابلته، ولبى الشاب طلبه وتوجه نحو الداخل يخبر الريس، وبعد لحظات خرج يخبرهم أن الريس بأنتظارهم .
رغم تعجب الريس عمران من وجود زوج رحيل إلا أنه استقبلهم بترحاب شديد، أشار إليهم بالجلوس متسائلًا بتعجب من وجودهم دون رحيل :
_ خير يا جماعة، بنتنا حصلها حاجة ؟
وبصعوبة شديدة أحضر هدوءه وثباته لكي يتحدث بتعقل مع الريس عمران قائلًا :
_ رحيل معمولها سحر يا ريس، وعايزين نعرف هو مين
عقد الريس عمران حاجبيه بتعجب، يتحدث بحدة :
_ سحر؟، ازاي يعني مين هيكون عملها
قبض داوود على يده يمنع كلماته اللاذعة من الخروج مؤقتًا، فقال بهدوء مصطنع كي تسير الأمور كما يرغب :
_ دي عندكم انتم يا ريس محدش يعرف رحيل عندنا
ظهرت الحيرة جلية على ملامح الريس عمران، ثم نادى على الشاب الواقف أمام الخيمة والذي دخل فورًا ينتظر أمر الريس :
_ روح نادي على الست جليلة
قالها الريس عمران بجدية، وعلى الفور توجه الشاب لينادي على والدة رحيل، وحين خرج من الخيمة كانت تنتظر أحدى فتيات العشيرة وركضت سريعًا نحوه تسأل بفضول :
_ هو في اية، جوز رحيل جاي هنا لوحده لية، طلقها ؟
_ معرفش
نطقها باختصار قبل ان يتركها ويغادر، لكنها لم تستسلم وركضت خلفه تمسك بذراعه متسائلة ببعض الدلال التي تعلم أنه سيؤثر عليه :
_ يعني مسمعتش حاجة خالص جوا، قولي في اية هتخبي عليا بردو
و بالفعل رأت تأثره جليًا على ملامح وجهه، ونظر إلى كف يدها الملامس لجلده بنعومة، ثم همس بارتباك :
_ رحيل معمولها سحر وعايزين يعرفوا مين
اتسعت عيناها بصدمة، وابتعدت كالملسوعة تهمس بدهشة :
_ سحر !!
***********************************
اجتمع باقي افراد العشيرة ووالدة رحيل في مجلس العشيرة الذي غاب عنه سعدون قاصدًا الاختفاء، وهذا ما اشعل نيران داوود أكثر، كان يود أن يراه ليرمي بكل التعقل الذي استجمعه عرض الحائط وينقض عليه يلقنه درسًا لا ينساه .
مرر عيناه عليهم بما فيهم والدتها التي يراها هادئة إلى أبعد حد تسمع النقاش دون المشاركة به وكأن رحيل لا تمت لها بصلة، وكلما أراد الصراخ بهم وتصريح ما يعلم ينكزه شقيقه ليصمت إلى أن يأتي الوقت المناسب .
ولم يكن يعلم أن الوقت المناسب أتى له على طبق من دهب كما يقولون، استأذنت أحدى فتيات العشيرة والتي كانت تتحدث مع الحارس منذ قليل، تطلب الدخول إلى المجلس لمعرفتها شيئًا هام يستطيع مساعدتهم .
دخلت إلى المجلس بتردد تقدم قدم وتؤخر الأخرى، تعلم أن حديثها لن يمر على خير، ستنال جزاءها بعد مغادرة الغرباء، لكنها أصرت على الإفصاح عما تعلم لتنتقم أشد الانتقام لصديقتها العزيزة "نورا" التي توفت غدرًا على يد سعدون الجبان .
_ خير يا مسعودة، قولي اللي عندك
اجفلت حين أمرها الريس عمران بصوت الأجش الذي أرسل في قلبها الرعب، ارتجفت أوصالها وهي تتقدم منه بخطوات مرتجفة، تهمس بصوت متحشرج :
_ انا شوفت مين دفن وشاح رحيل، بس مكنتش اعرف أنه سحر
ساد الصمت بينهم، وقد كان يرغب الريس عمران في اسكاتها فقد كاد يمر بالأمر بسلام، وسيجد حُجة واهية ليغادر بها داوود وصحبته دون الحاجة للبحث عن الفاعل، وقطع ذلك الصمت داوود الذي هب واقفًا يقترب من تلك الفتاة متسائلًا بهدوء ما قبل العاصفة :
_ مين هو اللي عمل كدا، و دفنها فين ؟
_ سعدون
كلمة واحدة خرجت مترردة مرتجفة من بين شفتي مسعودة، جعلت داوود يبتسم بخبث جاءت فرصته وأمام الجميع، التفت إلى الريس عمران يشير إلى الفتاة قائلًا :
_ اية قولك يا ريس
بهت وجه الريس عمران، وظهر الخزي جليًا بعينيه دون أن ينطق بكلمة واحدة، لكن من نطق هي والدة رحيل مدافعة عن الريس وابنه الذي تخطى كل الحدود مع ابنتها الوحيدة ولازالت تدعمه دون ابنتها :
_ ازاي تتهمي ابن كبير العشيرة من غير وجه حق
نظر إليها داوود متعجبًا منها ومن أفعالها التي لا تليق بأم، ثم قال بتهكم :
_ شافته بعنيها، في اكتر من كدا وجه حق
أشار إلى الفتاة بيد وبعض من رجال العشيرة باليد الأخرى قائلًا بجدية :
_ البنت هتيجي معانا نطلع العمل، وبعدها الريس يشوف حل مع ابنه و لا اية ؟
أومأ بعض الرجال باستحسان مستعدون للذهاب مع داوود لإخراج السحر المدفون، في حين قال عزيز بجدية وهو ينظر إلى الريس عمران بعدم ارتياح لشخصه :
_ انا قاعد هنا مع الريس لحد ما يجي ابنه
أومأ إليه داوود ورحل مع بعض رجال العشيرة وخلفهم إلياس تاركًا حمزة يجلس مع عزيز حتى لا يكون بمفرده مع هؤلاء الرجال الذين يظهر بأعينهم الغدر واضحًا كوضوح الشمس .
وقفت مسعودة أمام أحد الأشجار القديمة، تشير بأنامل مرتجفة إلى أسفلها قائلة :
_ كان بيحفر هنا
جثى داوود أمام الشجرة، يحفر بيده الأرض سريعًا، وتوقف تمامًا حين وجد بالفعل وشاح أحمر مطرز معقود بطريقة غريبة تملئه المشابك المعدنية بكثرة، انقبض قلبه حين أمسكه بين يديه، ووقف عن الأرض يخط الغضب على ملامحه الحادة لتكون أكثر حدة وشراسة، لوح بالوشاح أمام أعينهم المتسعة الغير مصدقة يهتف بنبرة قوية حادة :
_ شاهدين
تبادلوا النظرات فيما بينهم قبل أن يهتف أحدهم بقلة حيلة :
_ شاهدين
توجه بخطوات سريعة يطوي الأرض أسفل قدميه من شدة الغضب نحو الخيمة من جديد، ليجد سعدون يقف أمام والده ينظر إلى الأرض دون النطق بحرف، ليلقي الوشاح أمام الريس عمران قائلًا بتهكم :
_ أحكم بالعدل يا ريس العشيرة، واحد عمل سحر لبنت عشيرتكم اية جزاءه ؟
نظر الريس عمران إلى ولده بخذلان وكان لديه القليل من الأمل ألا يكون قد فعلها، ليلتفت سعدون إلى داوود قائلًا بانفعال :
_ انت بتتهمني على أساس اية، و انا هعملها عمل لية اصلًا انا معملتش حاجة
_ لا عملت
كان هذا صوت مسعودة التي سبقت داوود في الحديث، ليلتفت إليها يحدجها بنظرات متوعدة، ورغم الرعب الذي دب بأوصالها من نظراته لها إلا أنها منعت نفسها من التراجع، لتشير إليه بخوف تتحدث بصوت مرتجف :
_ انا شوفتك بعيني و انت بتدفن وشاح رحيل وكنت شاكة فيك
صك سعدون على أسنانه بغيظ وكاد يتقدم منها لينال منها متناسيًا اين هو أو ما سيحدث بعد ذلك، لكن منعته قبضة داوود القوية حين قبض على ذراعه حتى لا يتحرك خطوة إتجاه تلك الفتاة التي يأكل الخوف بينهم، دفعه بعنف إلى الخلف يهتف متسائلًا بحدة :
_ حكمك اية يا ريس
نظر الريس إلى الأجواء المتوترة بالخيمة وإلى نظرات داوود القوية التي ترسل له تهديدات مبطنة ألا يحكم بشريعة العشيرة على أبنه، ابتلع ريقه بصعوبة لا يقدر على النطق بشيء لتسرع والدة رحيل تقول بضيق حتى تخرجه من ذلك المأزق :
_ انا بعفي الريس عن الحكم، حق رحيل انا مسامحة فيه
إلى هنا وقد فاض بداوود من تجبر تلك السيدة، ليتقدم منها يقف أمامها ينظر لها بنظرات تحمل من التهديد والوعيد ما تحمل، وتحدث من بين أسنانه بعصبية :
_ انت ملكيش الحق انك تعفيه من الحكم، انا جوز رحيل و اللي اقرر اعفيه و لا لا
التفت إلى الريس عمران الذي لازال صامت وكأن الطير يحلق على رأسه، يهتف بغضب :
_ اتكلم، ياما هحكم انا بطريقتي
نظر الريس عمران إلى ابنه بيأس من الإفلات بفعلته هذه المرة، تنحنح ليخرج صوته المتحشرج قائلًا :
_ بصفتي ريس العشيرة وحسب الشريعة بنا، حكمت على سعدون ابن عمران بالنفي من العشيرة دون عودة، وتأديب ٥٠ ألف جنية
اتسعت أعين سعدون بصدمة من الحكم عليه بتلك البساطة، ونظر إلى والده بحقد، بينما تنهد داوود بارتياح يسأل بابتسامة لا تبشر أن القادم خير أبدًا :
_ يعني سعدون دلوقتي مش من العشيرة
التفت إلى سعدون بنظرات خبيثة يضع يده على كتفه قائلًا :
_ دا عقاب اهل العشيرة، و انا بصراحة مليش دعوة بيه، انا بقى هاخد حق مراتي على كيفي
وما أن انتهى من الجملة حتى لكمه لكمة قوية تراجع على أثرها خطوتين، لتتسع ابتسامة سعيدة على ثغر داوود وقد بدأ الارتياح يتسلل إلى قلبه، ولكمه مرة خلفها أخرى حتى سقط أرضًا، لكنه لم يكتفي إنما جثى فوقه يشدد قبضته أكثر لتتعالى أصوات ألمه تطربه وتعدل من مزاجه كما تفعل قهوته الصباحية .
كان رجال العشيرة يحاولون الفصل بينهما، لكن كان عصبة الراتل يقفون حول قائدهم يمحون أي محاولة لفض الاشتباك حتى يهدأ داوود ويفض كامل غضبه وتلك الأيام العصيبة التي مرت عليه في جسد ذلك المدعو سعدون .
************************************
كان تجلس بالشرفة وقت بزوغ الفجر تنتظر زوجها الذي ابلغها أنه في الطريق إلى القاهرة، لم تكن تريد أن يذهب إلى العشيرة بمفرده كانت تود لو تذهب معه، لكن قضى على أصرارها بكلمات قصيرة لكن حنونة، جعلها تسكن تلغي فكرة ذهابها إلى العشيرة، لكن قلبها كان يشتعل قلقًا منذ خطت قدمه خارج القاهرة كانت تخشى عليه من أهل عشيرتها، ولم يهدأ لها بال حتى وصولها اتصاله يخبرها أنه بخير والآن هو في طريقه إليها .
تنهدت بقوة، ترتشف من كوب الاعشاب الخاصة بها لكي تهدأ بعد حرب الأعصاب التي كانت بها طوال الوقت، وأثناء استرخاءها اشتمت رائحة قوية تأتي من الخارج، وقفت تستند على سور الشرفة لترى ما يحدث بالخارج، وجدت دخان أسود يخرج من الشقة التي أسفلها، لتتسع أعينها بخوف هاسمة :
_ حريقة !
هرولت سريعًا إلى الداخل تأخذ غطاء سميك وتقوم بوضعه في الماء، ثم اخذته تضعه على جسدها وتخرج من الشقة سريعًا إلى الطابق الأسفل .
وصلت أمام الشقة ووجدت بعض الجيران المتجمعين حول رجل مصاب بحرق في ذراعه، وبالداخل ينبهون على وجود سيدة كبيرة بالعمل، كادت أن تدخل ليمنعها رجل كبير بالعمر حتى لا تتأذى، ليبعد الغطاء عن جسدها تمده إلى أحد الشباب الذين يحاولون إنقاذ السيدة، و توجهت هي إلى ذلك الشاب ترى يده المصابة، وقد كان الحريق ليس ببالغ بذراعه، ربتت على كتفه وقالت :
_ متقلقش بسيطة، ثواني و جاية
لم يكن ذلك الشاب معها بالأساس كان قلق بشأن والدته التي لازالت بالداخل، بينما صعدت رحيل إلى شقتها وتوجهت سريعًا إلى المطبخ لتعد خلطة من الأعشاب المفيدة للحروق كي تلحق بذراع الشاب .
بعد عدة دقائق انتهت فيها رحيل من الخليط وأسرعت بالصحن إلى الأسفل من جديد، وجدت السيدة العجوز تجلس على أحد المقاعد تحاول استجماع نفسها مما حدث لها ولله الحمد لم تتأذى، لتسرع نحو الشاب تجثو أمامه تمسك بذراعه ترى الحرق، ثم قالت بهدوء :
_ معلش استحمل
بعد تلك الكلمات بدأت بوضع الخليط على ذراعه وسط تأوهاته المكتومة بألم، وسط اندماجها في معالجة ذاك الشاب جاء من الخلف صوت حاد تعلم صاحبه جعلها تنتفض بارتعاب وكأنه على وشك قتلها :
_ رحــيــل .
