رواية الراتل الفصل السابع عشر بقلم اسماء ايهاب
أغلق باب سيارته بعدما ترجل منها، يتنهد بقوة لا يصدق أن الأمر قد مر بهذا البساطة، كان يتوقع أن يكون أكثر تعقيدًا، لكن الآن هدأ باله، وفرضت الراحة نفسها بقوة على نفسه، وقد أفرغ كامل غضبه بجسد ذلك الحقير "سعدون"، صعد بخطى هادئة إلى شقته لينعم ببعض الراحة بعد هذا الإرهاق الذي أصاب جسده .
لكن تجمدت أقدامه، وتسمرت عيناه على مشهد زوجته التي تجثو أمام جارهم، تمسد على ذراعه بحنو وترسل له ابتسامة مطمئنة، غلت الدماء بعروقه واشعلت نيران الغضب مجددًا بل وأشد من السابق، وكأنه سينقض عليهما يفصل رأسهما عن أجسادهما ، قبض على كف يده الذي لازالت عليه أثار دماء سعدون لكي يتحكم في نفسه، وهتف أسمها بحدة :
_ رحـيـل
استقام جسدها ببطء، تتخبط بارتباك بعدما سمعت صوت الحاد الذي ارجف قلبها رعبًا، وتراقص الذعر بنظراتها وهي تراقب تقدمه السريع منها وملامحه لا تبشر بالخير أبدًا لذا أسرعت تبرر له بتلعثم مشيرة إلى ذاك الشاب :
_ دراعه اتحرق و انا عملت خلطة يحطها على الحرق عشـــ
بُتر حديثها وشهقت حين انتشل الصحن منها بحدة، وألقاه إلى الشاب الذي لحق به سريعًا مندهشًا من تصرف داوود، دنى منها يهمس بالقرب منها من بين أسنانه المتلاحمة بغضب يعصف بخلاياه :
_ على فوق
_ بس انا كنــ
حاولت التبرير مجددًا، لكنه قاطع حديثها حين أمسك بكتفيها يجعلها تلتفت نحو الدرج مكررًا بحدة :
_ قولت فوق يا رحيل
هرولت إلى الدرج فور انتهاءه من جملته، بينما تابع هو صعودها بأعين مشتعلة، ثم التفت إلى الشاب الذي كانت حالته يرثى لها، ولا مجال لالقاء اللوم عليه فهي من انحنت وجلست أسفل قدميه، شدد أكثر على أسنانه حتى كادت تتحطم، ومد يده يربت على كتف الشاب بعنف لا يناسب حالته قائلًا بغيظ :
_ ألف سلامة يا "سيد"
تأوه "سيد" بألم واضعًا يده على كتفه، ليتجاهل داوود تألمه ونظرات بعض الجيران المتجمعين أمام الشقة المتحرقة بل انحنى هامسًا بالقرب من أذن سيد :
_ لو عندك اختيار بين تعالجك و بين تموت، اختار الموت .. تمام
انهى حديثه ونظر إليه بابتسامة سوداوية بعثت الرعب في نفس الآخر، فأومأ إليه مرارًا متعجبًا شراسة داوود في الحديث معه رغم أنه مصاب وزوجته كانت تعمل عمل أنساني لا أكثر، هو حتى لم ينتبه إلى ملامح زوجته تلك بل يفكر في مصيبته الأكبر .. حريق شقته .
أكتفى داوود بذلك وصعد إلى الأعلى دون حتى أن يقدم المساعدة كعادته، غضبه يدفعه لأجتماعه بها وكأنه سيحطم رأسها عند رؤيتها، ولسوء حظها وجدها لازالت تقف أمام الباب المغلق، لينظر إليها بنظرات حارقة استشعرت هي خطورتها عليه لتهمس بتلعثم مشيرة بعينها إلى الباب :
_ نسيت المفتاح جوا
أخرج المفتاح من جيب بنطاله يفتح الباب، ثم دفعها إلى الداخل غالقًا الباب خلفهما، التفتت تنظر إليه بقلق من مظهره الغاضب وكل ما جال بعقلها وقتها أن من الممكن أن يكون حدث شيء بالعشيرة استطاع أخراجه عن طوره، لتسأل بتوجس وعيناها تراقب ردة فعله :
_ انت متعصب لية طيب، حصل حاجة في العشيرة ضايقتك ؟
لم تتخيل أن النيران المستعرة بقلبه والذي يكاد يخرجها كدخان من أنفه بسبب غيرته عليها، لكنها استوعب ذلك أخيرًا حين اندفع نحوها يقبض على ذراعها الأيمن بقوة يهتف بصوت مرتفع ونبرة غاضبة :
_ متعصب لية؟، انتي بتستعبطي قاعدة تحت رجله و عمالة تملسي على دراعه و تقولي متعصب
رغم السعادة التي اقتحمت صدرها من غيرته عليها التي لم تتوقعها، إلا أن خوفها من غضبه وصوته الأجش سيطر عليها، لتهمس مبررة له الأمر :
_ انا كنت بعالجه والله
جذبها أكثر إليه حتى ارتطمت بصدره، وقد أثار هدوءها جنونه ليصرخ بنبرة أقوى :
_ ما ان شاء الله عنه ما اتعالج
قدرت حجم الخطر الذي وقعت به الآن، نظرت إلى عينيه التي يسودها الأحمرار لا تعلم من الغضب أم من قلة النوم، ابتلعت ريقها بصعوبة تهمس بصوت خرج مرتجف :
_ انا مقدرتش اشوف حد محتاج مساعدة و مساعدش
طفح الكيل تتمادى في أثارة غضبه، ليبتعد عنها قبل أن يتحكم به غضبه ويدفعها من جديد أو في أسوء الحالات سيصفعها، وارتفع صوته أكثر جعل معدتها تنقبض بقوة من شدة ما تعانيه من توتر :
_ وساعدتي و كتر خيرك عملتي دهان للحرق، مكنش له لازم انك انتي اللي تدهنيه بنفسك، اية المنظر دا اصلا .. ازاي سمحتي لنفسك تعمل كدا وسط كل الجيران توطي تقعدي تحت رجليه و معملتيش احترام لا ليا و لا لنفسك
أشار فيما بينهما بسبابته، لتتسع أعينها نافية برأسها، ورفعت يدها تمسد على ذراعه برفق قائلة :
_ لا طبعًا بحترمك يا داوود، من غير قصدي و الله
حاولت تهدئته وتمرير الأمر بهدوء، فاردفت :
_ طيب خلاص الموضوع عدى و...
قطعها بعنف حين رفع سبابته أمام وجهها محذرًا :
_ لا معداش و مش هيعدي بالسهولة دي
صمت هنيهة، لكن كانت صوت أنفاسه اللاهثة بغضب تخبرها عما يريد قوله، وبعد لحظات الصمت المُربكة أزاحها من أمام بضيق متوجهًا نحو الشرفة، ليتلقط أنفاسه التي سُلبت منه عنوة، قائلًا :
_ ابعدي من قدامي
نظرت في أثره بحيرة، تذهب خلفه أم تسكن بمكانها حتى يهدأ، حتى لا يصيبها أعصار غضبه مرة أخرى، بينما داخل الشرفة جلس على المقعد وأشعل لفافة تبغ يفرغ بها غضبه ككل مرة، يكاد يشعر أنها ستشتعل دون الحاجة إلى قداحة، تتأجح بأوردته نيران أقوى مما مر عليه بحياته، لا يعلم كيف تحكم في نفسه حتى ابتعد عنها دون خسائر .
تصاعد الدخان أمامه يحمل معه عصبيته لينال قليل من الهدوء، وحين شعر بخطواتها المترددة خلفه قبض على لفافة التبغ يطفئها بين كف يده، ثم ألقاها من الشرفة .
جلست على المقعد المجاور له، ليلتفت برأسه إلى الجهة الأخرى، ضمت شفتيها بضيق ومد يدها تمسد على كتفه برفق قائلة :
_ أنا آسفة، عندك حق مكنش لازم اقرب منه بشكل دا
مرر يده على عينه، وكأنه يزيح ذلك المشهد من أمامه، ولم تتلقى منه إجابة، لترفع يدها تداعب خصلات شعره بابتسامة واسعة وقد راقت لها غيرته، لتهمس بمشاكسة حتى ينقشع قناع الجمود المرتسم على محياه :
_ على فكرة شكلك حلو و انت غيران عليا
واجهته بحقيقة ما يشعر، لينظر إليها بتفاجأ لكشفها له أمام نفسه، لكنه لم ينفي بل أصر أن يخبر نفسه أنها محقة وهذا الغضب نابع من غيرته عليها، فقال بجدية :
_ ايوة غيران، و مش عارف ازاي مسكت نفسي و مكسرتش دماغك لما شوفت المنظر دا
ازدادت نبرته حدة مع كل كلمة، حتى انتهى يلهث بقوة، واستطرد :
_ و دا حقي
أمسكت كف يده تحتويه بين كفيها، تهمس بصدق :
_ طبعا يا حبيبي، هو في غيرك ليه حق، انا ليك وبس
جملة واحدة كانت كافية لتطفئ تلك النيران بل واثلجت صدره أيضًا، لتظهر الراحة على محياه ويسكت قناع الغضب والحدة عن وجهه، ويحتل ثغره ابتسامة صغيرة، أحاطت وجهه بين كفي يدها، واقتربت تستند بجبهتها على جبهته تقول مبتسمة :
_ اتأكد اني بحبك انت و بس
ابتعدت عنه تنظر إلى عينيه، تنتظر رد فعله على حديثها، لتتفاجأ به يطبع قبلة حانية على جبهتها، اتسعت ابتسامتها بحب ومسدت على وجهه بحنو قائلة :
_ ممكن بقى نبعد عن الموضوع دا و تقولي عملت اية في العشيرة
أومأ إليه بعد تنهيدة حارة، يتحدث بهدوء :
_ ماشي هنبعد عن الموضوع يا رحيل، بس اتأكدي لو اتكرر اي تصرف ميعجبنيش هنروح لحتة انا مش عايز نروحلها
رسمت ملامح البراءة على وجهها، وأشارت إلى نفسها متسائلة :
_ انا بردو اعمل حاجة تضايقك ؟
ابتسم بسخرية وحرك ذراعه الأيسر، كأنه لا يستطع تحريكه بسهولة قائلًا بتهكم :
_ لا خالص، كان فيه اعراض جلطة بس
ضحكت بخفة ومالت برأسها على كتفه، ليحيط هو كتفيها بذراعه يسرد لها ما حدث معه بالعشيرة، وما انتهى عليه ذلك الأمر جاعلًا من بسمتها تتسع وسعادتها تتفاقم كونه أصبح درعًا حاميًا لها، بعد أن كانت عزلاء وسط بطش عشيرتها .
************************************
كانت تباشر عملها بصالون التجميل الخاص بها، وتراقب سير العمل في هدوء، حتى جاءت إليها أحدى الفتيات التي تعمل معها، وقفت جوارها تتأفف بضيق قائلة :
_ كنزي .. احنا كدا عايزين واحدة معانا بدل نهال، انا مش لاحقة لوحدي
صمتت لثوانِ، ثم سألت بتعجب وكأنها تذكر هذا للتو :
_ اومال فين البنت اللي اسمها رحيل اللي جت معاكي هنا فترة ؟
تنهد كنزي وهي تنهي وضع مادة فرد الشعر على شعر تلك السيدة التي تجلس أمامها، ثم التفتت تخلع عنها القفازات المتسخة قائلة :
_ اتجوزت، بس انا هشوفها كدا لو عايزة تشتغل معانا تاني
أومأت إليها الفتاة، وما كادت أن تتحدث حتى استوقفها صوت صاخب من داخل الصالون :
_ هي فين، فين اللي اسمها كنزي
اوقفتها أحدى الفتيات التى تعمل بالصالون تتحدث بهدوء :
_ في اية يا فندم، بتزعقي لية ؟
ارتفع صوت تلك السيدة أكثر تهتف بحدة :
_ انا عايزة اللي اسمها كنزي اللي بوظت شعري تيجي تشوفلي حل
أسرعت كنزي نحوها ترى ما المشكلة التي تواجهة تلك السيدة، لتنقل بصرها بينها وبين العاملة متسائلة :
_ خير في اية ؟
صرخت السيدة بعنف تُسمع الجميع صوتها :
_ انت بوظتيلي شعري، شعري اتحرق و اتقطع خالص بعد الصبغة اللي عملتيهالي
شهقت بعض السيدات التي تقوم بصبغ شعرها، وبدأت الهمهمات تتعالى بين الجميع، لتشعر كنزي بالتوتر وتهتف بصوت مرتفع مدافعة عن نفسها :
_ يا فندم الصبغة اللي عندي مستوردة ونظيفة و كمان خالية من الأمونيا، اكيد مش الصبغة اللي عملت كدا
هللت السيدة بصوت مرتفع، وأخذت تُشهد الحاضرات عليها لتنسحب بعض السيدات التي لم تقم بفعل شيء إلى الخارج، ينظرن إلى كنزي بضيق وغضب، مما جعلها بالارتباك وتحاول إيقاف تلك السيدة عن حدها فقالت :
_ لو سمحتي اقفي كلميني بهدوء، اية اللي انتي بتعمليه دا
أمسكت بخصلات شعرها تريها ما حدث بها، وتحدثت من جديد مقتربة منها بعنف :
_ بحذر الناس منك يا نصابة، و بعرفهم انتي بتعملي اية
وقبل أن تتحدث كنزي، وقفت أحدى عميلات المحل الدائمة تصيح مدافعة عنها :
_ انتي واحدة كدابة انا زبونة قديمة عند كنزي و كل شوية بعمل شعري بالصبغة عندها و شعري محصلوش حاجة
بعد إنتهاء جملتها ازاحت المنشفة عن شعرها، تفرد شعرها المبتل أمامها، لكن هذا لم يغير شيء في الأمر بل أخذت السيدة تصرخ وتحرض الجميع على كنزي، بينما كنزي تنظر إليها بذهول لما تفعله وقد تساقطت دموعها بقلة حيلة، ولم تجد أمامها حل غير دعوتها إلى المكتب للحديث بهدوء، وأخرجت الهاتف تُحدث زوجها حتى يكون إلى جوارها في ذلك المأزق الذي وضعت به .
**********************************
انتهت نغم من طعام الفطور مع عمتها، ووقفت تأخذ حقيبتها لكي تذهب إلى جلسة "اليوجا الهوائية" التي تفضلها، وقفت تشير عمتها أنها ستغادر، لكنها قالت شيء لم تستطع فهمه، حينها دخل حمزة شقة السيدة لقاء يلقي عليها التحية قبل ذهابه إلى العمل رغم تأخره، لتوقفه مشيرة نحو نغم متسائلة :
_ حمزة اختك بتقول اية ؟
التفت حمزة نحو نغم، لتشير إليه بما تريد قوله، أومأ إليها وأخبر عمته قائلًا :
_ راحة كلاس يوجا هوائية يا عمتو
عقد السيدة لقاء حاجبيها باستغراب متسائلة :
_ يعني اية يا حبيبي ؟
ابتسم حمزة بسخرية، وأشار بيده إلى سقف الشقة يشرح لها الأمر :
_ يعني قماش ليكرا متعلق في السقف، وهي هتفضل تتلولو عليها ياما تقع تتفتح دماغها و يبقى طاقة سلبية و عاهة مستديمة، ياما تنزل على خير و ترجعلنا بالسلامة بص هتكون عندها رعشة كدا من خوفها لتقع
كان حديثه ساخر متهكم عليها، لتضرب بقبضتها كتفه بغيظ وتتوجه نحو الباب للخروج، لكنه أوقفها قائلًا بجدية زائفة :
_ نغم، انتي يا بنت تعالي هنا
التفتت إليه تسأل بعينيها عما يريد، لتتفاجأ به يتحدث بجدية :
_ رايحة فين لوحدك معندناش بنات تمشي لوحدها، استني هكلملك عزيز يجي يوصلك
نظرت إليه السيد لقاء بتعجب، ليغمز لها بعينه حتى تكون بصفه، كبحت ضحكتها على ما ينوي فعله وتحدث بهدوء :
_ ايوة يا حبيبتي استني عزيز
تحدثت نغم بلغة الإشارة أن يمكنه هو إيصالها في طريقه بالسيارة، لينفي برأسه ويجلس على طاولة الطعام، يبدأ في تناول الفطور قائلًا :
_ انا مش نازل دلوقتي، عزيز قريب من هنا هيجي يوصلك
تنهدت بضيق، وتوجهت تجلس على أحد المقاعد، في حين أخرج حمزة هاتفه ليخبر عزيز أن يأتي في أسرع وقت .
غمزت السيدة لقاء له بمشاكسة، وتقدم تقف جواره تهمس له بحماس :
_ يارب يتلحلح شوية بقى
وضع حمزة الهاتف على أذنه، قائلًا :
_ على الله يحفظ الجمايل دي بس
أخبره سريعًا أن يأتي ليأخذ نغم إلى حيث تريد، فوافق هو على الفور دون لحظة تردد واحدة مما جعل الخبث يتراقص في نظرات حمزة، أنهى الإتصال وما كاد أن يتحدث ليجد إتصال آخر من زوجته .
فتح الإتصال سريعًا بقلق، وحين سمع صوتها الباكي المترجي له أن يأتي على الفور، زاد قلقه أكثر وازدادت دقات قلبه بخوف عليها، وكل ما يفكر به أنه قد أصابها مكروه ما، انتفض من مجلسه وأسرع إلى الخارج دون الرد على نداءات عمته التي شعرت بالقلق عليه .
حاولت نغم تهدئتها، وأخبرها ان من الممكن أن يكون قد نال توبيخًا من شقيقها على تأخيره، حتى سكنت السيدة لقاء وذهبت لرؤية زوجها طريح الفراش .
وأثناء ذلك رن هاتف نغم برقم عزيز، لتتوجه سريعًا إلى الخارج، ثم إلى الأسفل حيث كان يقف عزيز يتكأ على سيارته في انتظارها، كانت لأول مرة تلتقي به منذ اليوم الذي انقذها به من براثن بكر خطيبها السابق لذا شعرت بالخجل يحتاجها، تقدمت منه بخطى مترددة حتى توقفت أمامه .
تسارعت دقات قلبه باشتياق، لم يراها منذ ذلك اليوم وهذه مدة كافية ليشتاق إليها، ابتسم باتساع حين استقرت خطواتها أمامه تلقي عليه التحية بلغة الإشارة، ليتحدث بهدوء :
_ الله يسلمك يا نغومة، انتي عاملة اية
أشارت له أنها بخير دون النظر إلى وجهه، ففتح له باب السيارة بنُبل، فابتسمت له بامتنان واستقلت السيارة، أغلق الباب وتوجه إلى مقعد القيادة سعيد كونها ستكون بجواره فترة لا بأس بها .
بدأ في قيادة السيارة متوجهًا حيث أرادت، وعم الصمت بينهما رغم أن سابقًا لم يكن ليصمت دقيقة وهي جواره، وهي أيضًا لم تصمت عندما ترأه مستغلة أنه يفهم لغة الإشارة وأيضًا أنه أكثر من يفهم ما يدور بداخلها لصداقتهما الطويلة منذ الطفولة، قرر هو قطع ذاك الصمت بعد أن قطع نصف المسافة حتى الوصول للنادي الرياضي لذا قال مبتسمًا :
_ ساكتة لية يا نغم مش عوايدك، انتي مضايقة مني في حاجة
التفتت إليه سريعًا، وأشارت بسبابتها نافية ما يقول، ثم بدأت في الشرح له أنها تخشى أن يكون قد غير نظرته لها بعد ما حدث، ابتسم لها بلطف وحاول أن يزيح ذلك التفكير عنها قائلًا :
_ لا طبعًا يا نغم، لو نظرتي في الدنيا كلها اتغيرت، نظرتي ليكي هتفضل ثابتة
لم يكن يريد مغازلتها، لكن الحديث انبعث بصدق من قلبه، مما جعل الحُمرة تزحف إلى وجنتيها، وتزداد وتيرة دقات قلبها، لتلتفت برأسها بعيدًا عنه تنظر إلى الخارج تتحاشى النظر إليه، مكتفية بكلماته التي بعثرت كيانها .
************************************
كانت مايان تجلس على المقعد في المحل، تتهرب من نظرات إلياس المثبتة عليها، وقد لاحظها أيضًا زميلاتها، لتغمز سهيلة بعينها بخبث، موضحة لها أنها ترى ما يدور حولها، لتتأفف مايان بضيق تزامنًا مع رنين هاتفها باشعار جديد، فتحت الهاتف لتجد رسالة مُرسلة منه محتواها :
_ شيلي الشعرة اللي هتدخل في عينك دي
رمقته بنظرة ساخطة، ورفعت خصلات شعرها إلى الأعلى، قبل أن تكتب في غرفة الدردشة الخاص بهما مستغلة شبكة الانترنت المجانية بالمحل :
_ أستاذ إلياس، التيم كله واخد باله من نظراتك مينفعش كدا
شاكسها إلياس حين بعث :
_ سمعتها بصوتك، بذمتك مش دي حاجة مميزة
صكت على أسنانها بعنف تكبح غيظها منه، وبعثت سريعًا :
_ لا حول و لا قوة إلا بالله، على فكرة انا وافقت ارجع المحل بشرط و انت قبلت بيه
سمعته يتنهد بقوة قبل أن تأتي لها رسالته التالية :
_ انا قبلت بشروط، هل انا رديت عليكي و قولتلك موافق ؟
حين لم يلقى منها ردًا، بعث من جديد :
_ محصلش، يبقى موافقتش
تركت الهاتف بعنف على العارض الزجاجي أمامها، والتفتت تنظر إليه بذهول غير مصدقة أنه خدعة بكل سهولة، ليأتيها أشعار آخر مع ابتسامة واسعة يرسلها لها، لتأخذ الهاتف ترى ما بعث من جديد، لتتفاجأ به كتب :
_ هخرج و هستناكي برا قريب من المحل، و لو مجتيش يا مايان هدخل اقولهم اني بحبك
تهديد صبياني راق لقلبها، ولكنها استعادة ثباتها حتى لا تنجرف نحوه، نظرت إليه بضيق تراقب خروجه من المحل وتضم شفتيها تكبح سبة من الخروج، وبعد دقائق من خروجه أخذت حقيبتها وخرجت خلفه بعد أن أستأذنت الفتيات، أخذت تبحث بعينيها عنه حتى وجدته يقف على بعد عدة أمتار منها، تقدمت منه بغضب وقالت حين وقفت أمامه :
_ يا أستاذ إلياس احنا مش عيال عشان التصرفات دي و الله
رد عليها متحدثًا بهدوء أثار حفيظتها :
_ بالظبط احنا مش عيال، يعني انا عمري ما هعمل معاكي حركات العيال دي، يعني احنا كبار كفاية اننا ندي بعض فرصة
ضربت كف بالآخر، ثم تحدثت بهدوء تحفظ أحترام رب عملها :
_ لو سمحت انا قولتلك رأيي في الموضوع دا، أنا مش عايز ارتبط
أجابها بحنق :
_ يا ستي انا عايز
وقفت أمام جملته لحظات قبل أن تنطق مشيرة إلى الفتيات العابرات في الشارع :
_ البنات كتير ارتبط بأي حد تاني غيري، انا منفعش
استشعر الحسرة في كلمتها الأخيرة، ليبتسم بمشاكسة في محاولة منه للتهوين عما تشعر به، ثم همس بعبث :
_ و انا مش عايز حد تاني غيرك يا جميل
صمتت ولم يلقى منها رد، ليشير إليها بسبابته قائلًا بمزاح :
_ السكوت علامة الرضا أو علامة انك بتشتمي في سرك، بس مش مهم انا مسامح يا ستي، وهعتبر أنك اديتينا فرصة بدل مسامحة
نظر إليه بذهول، وكادت أن تتحدث ليقاطعها على الفور قائلًا :
_ خلاص بقى و الله كلمتي ما هي راجعة، يلا نروح نتغدى سوا بالمناسبة الجميلة دي
لم تزيح بصرها عنه في حالة من الدهشة لتصرفاته، ليباغتها أخذًا بكف يدها يجذبها لتسير معه أتجاه أحدى المطاعم المتواجدة بالمنطقة، متجاهلًا محاولتها للتملص منه، مكتفيًا بأخذ تلك الفرصة عنوة لتتأكد أنه جاد لا يريد التلاعب بها كما تظن .
***********************************
جلست كنزي على مقعدها بغرفة المكتب، داخلها يرتجف بخوف منتظرة مجيئ زوجها، بينما تلك السيدة التي أمامها لم تتوقف عن الثرثرة تلقي اللوم عليها بعنف بما سببته لها من خسائر، بعض من العميلات القدامى جاءن لمواستها، لكن البعض الأخر فضل الانسحاب من المحل يلقن اللوم عليها .
تنهدت بقوة تحاول إزاحة شعورها بالاختناق، تنظر إلى الساعة مرة أخرى ترى كم تأخر زوجها، في حين تحدث تلك السيدة من جديد بحدة :
_ انت مقعداني كدا لية إن شاء الله، انا عايز تعويض عن اللي عملتيه في شعري
وقفت كنزي عن مقعدها، تتقدم منها قائلة :
_ طب اشوف بس الشعراية شكلها اية يا مدام "نجوى"، انتي مش عايزانا نيجي جنبك خالص
أوقفتها "نجوى" بإشارة من يدها، وصوتها المرتفع الذي صدح بأنفعال :
_ محدش له دعوة بشعري بعد اللي عملته فيا، عايزين تعملوا اية تاني ها، ابقى قرعة خالص عشان حضرتك ترضي ضميرك ؟
تراجعت كنزي بتفاجأ من ردة فعلها العنيفة، تزامنًا مع اقتاح حمزة غرفة المكتب، وتوجه نحو زوجته يحاول الاطمئنان عليها، ابتسمت كنزي حتى لا تثير خوفه عليها وربتت على كتفه قائلة :
_ متقلقش انا كويسة، اقعد ارتاح
جلس حمزة يلتقط أنفاسه اللاهثة من شدة اضطرابه وخوفه عليها، لتبتسم نجوى بسخرية قائلة :
_ اية يا مدام كنزي جيبالي جوزك يخوفني يعني
كادت كنزي أن تبرر لها، إلا أن ألقى حمزة عليها نظرة محذرة، فألتزمت الصمت، ليضع حمزة ساق فوق الأخرى وتحدث مباشرةً بهدوء :
_ مين اللي بعتك فيهم يا بت، ريهام ولا نهال
شهقت كنزي بتفاجأ، وتحركت حدقتي أعين نجوى بأرتباك، قبل أن تتحدث بحدة :
_ اية الاسلوب دا، انا محدش باعتني و لا حاجة و لا انتم عايزين تلغوشم على اللي عملته
أشار حمزة بسبابته على فمه كي تصمت، وقال بذات النبرة الهادئة :
_ انطقي مين بعتك بدل ما أخليها تجيبك من شعرك اللي الله أعلم حقيقي و لا عيرة
لم تتحمل كنزي، وتوجهت على الفور إليها في غضب، وعلى حين غرة جذبت شعرها ليخرج ذلك الشعر المستعار بيدها، شهقت نجوى بحدة واضعًا يدها على شعرها الحقيقي، ليضحك حمزة بصخب قبل أن يقول بتهكم :
_ ها مين فيهم يا عسل، ولا اروح اعملك محضر وتلبسيها لوحدك
تراقص الذعر بمقلتيها، ونفت برأسها مرارًا، وهمست تدافع عن نفسها :
_ انا نفذت اللي اطلب مني
استند حمزة بمرفقيه على المقعد، واتكأ بظهره إلى الخلف متسائلًا :
_ من مين بقى يا أمورة ؟
************************************
دخل سعدون الخيمة على والده، يضع حقيبته القماشية التي تحوي على ملابسه وأغراضه على الأرض، يتقدم من والده واقفًا أمامه، يرسل له نظرات قاتلة تخرج كالسهام إلى قلبه، يتحدث بحقد معتصرًا قبضة يده :
_ انا ماشي، هنفذ حكمك يا ريس و هسيبلك العشيرة ، طول عمرك مش هامك حاجة غير صورتك قدام العشيرة عشان تفضل الريس عمران صاحب الحق
أبعد الريس عمران نظره عنه يتفادى نظراته التي تمزقه، ثم قال بهدوء :
_ انا عملت دا عشانك و في مصلحتك
ضحك سعدون ساخرًا، ثم تحولت ملامحه تمامًا وأصبحت تحمل من الشراسة الكثير، ثم تقدم منه خطوة، وكأنه يمنع نفسه بصعوبة من الانقضاض عليه صارخًا به :
_ مصلحتي أنك تهني و تمشيني ذليل قدامهم
أخذ نفسًا عميقًا، ثم تراجع تلك الخطوة مجددًا، يضرب على صدره قائلًا بوعيد :
_ على العموم انا هعرف أخذ حقي بنفسي، و هخليهم يندموا أنهم سابوني عايش
التفت عنه، وأخذ الحقيبة وخرج، تاركًا والده يتمزق خلفه نادمًا أنه أختار حكم العشيرة على ابنه، صك على أسنانه بغيظ، وصرخ بأسم الحارس الواقف أمام باب الخيمة، ليصرخ به قائلًا :
_ في ظرف دقيقتين تجبلي فوزي هنا
أومأ إليه بطاعة وخرج ينفذ أمر سيده، وبخلال عدة دقائق كان يدخل فوزي بجثمانه الضخم الخيمة، وتقدم يجلس بالقرب من الريس عمران قائلًا :
_ خير يا ريس، أومر و انا أنفذ
ضغط الريس عمران على عصاه، ثم نظر إلى فوزي بتصميم، يأمره بصرامة وقرار لا نقاش فيه :
_ عايز رأس جوز رحيل المصراوي تحت رجلي
