رواية الراتل الفصل الثامن عشر بقلم اسماء ايهاب
جلست ريهام تتناول الطعام مع خطيبها في أحد المطاعم الراقية، تتغاضى عن نظراته الحادة الموجهة إليها، وتأكل في هدوء أثار غضبه .
اجفلت حين ألقى الملعقة من يده بعنف، ورفعت رأسها عن الطعام تنظر إليه باستفهام، ترسم البراءة ببراعة على وجهها، تقدم بجزعه العلوي يستند بمرفقيه على الطاولة، ويسألها مجددًا بضيق :
_ بردو مردتيش عليا يا ريهام، مين الولد اللي كان واقف معاكي و بتديه فلوس دا ؟
رأى توترها الواضح بارتعاشة أناملها عندما تركت الملعقة، لكنها استعادة ثباتها على الفور، واتكأت بظهرها إلى المقعد، تتحدث بثقة :
_ دا واحد كان محتاج مساعدة، و انا ادتله اللي يكفيه
ارتفع طرف شفتيه في ابتسامة ساخرة، وقال بجدية :
_ و اللي يكفيه ٢٠ ألف جنية ؟
تجلى الارتباك على وجهها، وايقنت أنه قد سمع ما دار بينها وبين ذلك الشاب، ابتلعت ريقها بصعوبة، وأخذت كوب الماء الموضوع على الطاولة ترتشف منه القليل لتبلل حلقها الجاف، ثم وضعته متحدثة بهدوء حتى تستشف ما سمعه بالضبط :
_ دا غلبان و بيدور على حد يساعده في عملية أمه
كاد أن يتحدث ويسألها عن تفاصيل أكثر، لكن تفاجأ بوجود حمزة الذي سحب المقعد المجاور له يجلس عليه باريحية، ثم أشار إلى ريهام قائلًا بتهكم :
_ خيرة اوي خطيبتك دي يا ياسر
شحب لونها بذعر من وجوده، وهمست بدهشة :
_ حمزة !
تجاهل حمزة دهشتها، وربت على كتف ياسر بقوة قائلًا بسخرية :
_ اية يا ياسور، مش مالي عين خطيبتك و لا اية، مش تقولها تحترم نفسها بقى و تبطل خراب البيوت دا
تعجب ياسر مما يقوله، وعقد حاجبيه باستغراب متسائلًا :
_ مش فاهم حاجة، قصدك اية ؟
سحب حمزة صحن المعكرونة من أمام ياسر، وبدأ في تناول الطعام، يقول بذات النبرة الساخرة :
_ اه انت هناك و لسة مجيتش اصلًا !
ابتلع ما بفمه من طعام، وحدق بها بنظرات حادة، ارتجف قلبها على أثرها وأصابتها بالرعب، ليشير عليها بيده قائلًا :
_ الهانم خطيبتك، دفعت لواحدة عشان تيجي تعمل فضيحة لمراتي في البيوتي سنتر، و تسوء سمعتها
صرخت ريهام تقاطعه بخوف :
_ محصلش
ترك حمزة المعلقة من يده، وأشهر ثلاث أصابعه من يده اليمنى في وجهها بتوعد قائلًا :
_ أقسم بالله لولا ما انتي بنت، كنت نفختك
التفت إلى ياسر الذي مازال يغرق بصدمته، يرمقها بصمت، وكأنه لم يعد يسمع صوته بالأصل مكتفيًا بما سمعه منه، ليربت حمزة على ظهره قائلًا :
_ بقولك اية أنا كفيل بيها و بعشرة زيها، بس أنا جيت نتكلم راجل لراجل بدل ما ادخل في شغل الحريم دا، مش ياسورة راجل بردو ؟
سأل بتهكم في نهاية جملته، ولم يترك لهما فرصة للحديث بل وقف يستعد للمغاردة، وقال مشيرًا إلى الصحن الفارغ أمامه :
_ الأكل مكنش أحسن حاجة يا ولاد، بس أهو جيه في وقته
التفت يغادر المكان، تاركًا خلفه بركان على وشك الانفجار، كان يريد تهديدها فقط، لتعلم من تواجه، وما يمكنه أن يحدث لها أن أستمرت في لعبتها التي ستنتهي حين لا يراعي هو كونها أمرأة، ويتصرف كما يرغب .
***********************************
استعدت رحيل لحضور عقد قران صهيب، فارتدت ثوبًا فضفاضًا طويلًا من اللون الأزرق الداكن، تركت خصلاتها الغجرية خلف ظهرها، تمنحها مظهرًا آسرًا، زينت شفتيها بأحمر شفاه قانٍ، وأحاطت عينيها بالكحل الأسود كما المعتاد، فأبرز جمال عيونها اللافتة .
خرجت تستعرض حُسنها أمام زوجها الجالس منذ فترة ينتظرها، دارت حول نفسها بحيوية، متسائلة بحماس :
_ اية رأيك ؟، شكلي حلو ؟
خطف مظهرها أنفاسه للحظة، وزادت وتيرة دقات قلبها كأنها تعلن انبهاره، نهض وأقترب منها كالماخوذ، أمسك يدها برفق، وجعلها تدور من جديد أمامه، قائلًا بصدق وهو يتأملها :
_ زي القمر
ابتسمت بسعادة، واقتربت منه، ترتفع على اطراف أصابعها، تقبل وجنتيه امتنانًا، أحاط خصرها يحتفظ بها بالقرب منه، وعيناه تغوصان في عينيها كمن وجد وطنه بينهما .
وحين طال صمته، وتأمله الذي لم ينتهِ سألت مبتسمة :
_ في اية ؟
مرر إبهامه على وجنتها، يهمس بنبرة هادئة مُحبة :
_ العندليب بيقول كامل الاوصاف فتني و العيون السود خدوني .. عايز اعرف وصلت بعيونك لحد فين؟
صُدمت من حديثه ونبرته التي داعبت قلبها، لتخرج دهشتها بضحكة عالية مميزة صدح صداها في أذنه كنغمة مميزة لا يملها، ليبتسم باتساع، وأسند جبهته على خاصتها، وقال ممازحًا :
_ لا، انا كدا وصلت للقاع، و مفيش نجاة منك .
ازدادت سعادتها أضعاف، ولمعت الدموع بعينيها تأثرًا بحديثه التي لم تتوقعه يومًا، وبتلقائية ألقت نفسها بين ذراعيه تحتضنه بحب، وبادلها احتضانها يمسد على خصلاتها الطويلة بحنو .
ابتعدت عنه بعد ثوانِ معدودة، تعيد ترتيب خصلات شعره، وكادت أن تتحدث ليقطعها صوت رنين هاتفه، أخرج الهاتف من جيب بنطاله يجيب على إتصال حمزة، الذي كان يحثه على الأسرع قبل أن يبدأ عقد القران، زفر بضيق وقال :
_ خلاص يا بني ما قولت جاي
أغلق الهاتف دون سماع رد حمزة، ثم مد يده يأخذ بعض من خصلات شعرها يضعها على كتفها حتى تختبئ خلفها وحمتها اللافتة للانتباه، ابتسمت تراقب ترتيبه لمظهرها بعد ذلك، وسألت بهدوء :
_ لسة بتضايق من شكلها ؟
فهم على الفور أنها تقصد الوحمة، لينفي برأسه مجيبًا عليها بصدق :
_ انا مش مضايق من شكلها، انا اضايقت لما فكرتها تاتو و انا اكتر حاجة بكرهها هي التاتو
أومأت إليه بتفهم، ليمد لها كف يده يحثها على أمساك يده، قائلًا :
_ يلا يا قمر
أمسكت بيده وخرجت معه من الشقة، متوجهين إلى منزل السيد محمد حيث عقد القران .
بعد أقل من نصف ساعة كان داوود يصف السيارة أمام منزل العروس، ترجلت رحيل سريعًا حين سمعت أصوات الزغاريد، وأنطلقت إلى الداخل دون انتظاره، نظر في أثرها بدهشة حتى لم تلتفت إليه، سرعان ما أنمحت دهشته حين وجدها تعود تقف إلى جواره بسكوت كقطة وديعة، نظر إلى وجهها مستفسرًا :
_ في اية ؟
وضعت يدها بذراعه، تجيب بصوت خافت :
_ في رجالة كتير قدام الباب، و اتكسفت
أومأ إليها بتفهم، وتوجه معها نحو الداخل بهدوء، قيد خصرها بذراعه يقربها إلى صدره بحماية حتى تجاوز هؤلاء الشباب، ودلف إلى شقة السيد محمد، ما أن لمحت العروس وجوارها، نغم، وكنزي، أسرعت إليهن، تحتضن يثرب بود تبارك لها الزيجة .
ابتسمت يثرب بتوتر، تسألها بنبرة مرتجفة :
_ بجد شكلي حلو ؟
مررت رحيل عيناها على ثوبها الأبيض الفضفاض ونقابها المرتب على وجهها، ثم شددت على يديها البارتين المرتجفتين، تتحدث بحنو :
_ حلو بس، شكلك تحفة، بس أهدي ايدك زي التلج
ابتسمت لها يثرب امتنانًا، وعيناها تدور بالمكان بارتباك حين بدأت إجراءات عقد القران، ولم يمر الكثير من الوقت حتى أجفلت عندما ناداها والدها لتوقيع بعض الأوراق الرسمية، ومن بعدها انتهى الأمر سريعًا بشكل لم تتوقعه وأعلنت المأذون الشرعي زواجهما أمام الجميع .
استقبلت المباركات بارتجاف حتى وصلت إليها والدتها، ألقت نفسها بين ذراعيها تستشعر الأمان بدفء أحضانها، بينما والدتها تربت على ظهرها بحنو ودموعها لم تتوقف منذ البداية .
كانت أول من تأثرت بهذا المشهد هي رحيل، تتذكر يوم زفافها بالعشيرة لم تجد والدتها إلى جوارها، حتى أنها لم تودعها عندما غادرت، ودون وعي منها تسربت دموعها من بين أهدابها بقهر، ولم تعي لنفسها إلا حين وجدت من يمسح دموعها عن وجنتيها، انتفضت بذعر والتفتت لتجد داوود يقف إلى جوارها يمسح دموعها بسبابته، كأنه كان على علم بما ستشعر به بهذا الموقف، فتوجه نحوها على الفور ما أن بدأت دموعها تتساقط .
أحاط كتفها بحنو، ودنى يقبل رأسها، ومحاول ابعادها عن ذلك الحزن الذي استوطن عيناها، فهمس بعبث :
_ على فكرة انا كمان حضني دافي
ابتسمت رغمًا عنها، ورفعت كفيها تمحو دموعها برفق، ثم ربتت على صدره تجيبه بحب :
_ ربنا يخليك ليا يا حبيبي
بينما على الجانب الآخر، كان صهيب قد انتهى من استقبال التهاني وتقدم نحو زوجته، ورغم ما يشعر به من حرج قبل رأسها، وربت على كتفها بحنو قائلًا :
_ مبارك يا يثرب
حمحمت بخجل، وهمست بصعوبة :
_ الله يبارك فيك
حينها صاح حمزة من الخلف قائلًا :
_ الحضن يالا
التفت إليه صهيب يرمقه بنظرات قاتلة، يحثه على الصمت، فمال عزيز يهمس إلى حمزة بضيق :
_ اسكت يا بني، اخوك هيجي يقيم عليك الحد
لوح حمزة بيده، وقال باستهزاء :
_ دا غبي مبيستغلش الفرص زيي، دي فيها حضن مطارات دي
انتهى الحفل وذهب الجميع، حتى عائلة صهيب على أمل اللقاء بالغد، حيث أصرت السيدة لقاء أن تجتمع العائلة بشقتها على الغداء . جلسا متجاورين بالحفاظ على مسافة بينهما، كانت تنظر إلى الأرض تفرك يديها بتوتر، بينما يراقبها هو عن كثب، وقرر قطع الصمت السائد بينهما حين قال بمرح :
_ مش هترفعي النقاب و لا هو مكمل معانا للفرح
رفعت نظرها إليه، فرأى فيهما التردد، ليبتسم قائلًا :
_ بقيت جوزك و الله، المأذون لسة ماشي و معاه الحاجة الساقعة
أومأت إليه، ورفعت النقاب كاشفة عن وجهها المليح، لتزداد ابتسامته اتساعًا، وأمسك بذقنها يجبرها على النظر إليه قائلًا :
_ اللهم بارك، قمر
توهجت وجنتيها بالحُمرة من فرط الخجل، وابعدت نظراتها عنه تضم شفتيها بقوة، فترك ذقنها ووضع يده بجيب سترته الكلاسيكية يخرج منها عُلبة مخملية صغيرة، قدمها لها بلباقة قائلًا :
_ دي هدية كتب الكتاب
فتحت العُلبة التي كان بها خاتم أنيق يناسب ذوقها، لمعت عيناها بانبهار وهتفت بسعادة :
_ شكله تحفة، شكرًا يا صهيب
التفتت إليه شاكرة، كاد أن يتحدث فقاطعه صوت والدتها التي صاحت من الداخل قائلة :
_ يلا يا ولاد، العشا جاهز
رفع صهيب شفتيه بسخرية، ثم أشار لها نحو الخارج قائلًا بمزاح :
_ ست الكل قالتلنا هسيبكم براحتكم شوية، و راحت حضرت الاكل في تلات دقايق، اتأخرت علينا كدا لية؟
سأل بتهكم، لتصدح ضحكة يثرب عالية، بينما تتحرك إلى الخارج ملبية نداء والدتها سريعًا، ليضطر إلى الخروج خلفها بعدما تركتهما والدتها الكثير من الوقت .
************************************
اجتمعت العائلة في اليوم التالي، بشقة السيدة لقاء التي اعدت كل شيء بعناية، ولم تسمح لأحدى الفتيات بمساعدتها، عادت من المطبخ بعد أن اطمئنت على الطعام، وجلست على الأريكة جوار إلياس، تتحدث بترحاب إلى والدي يثرب الذين كانوا من ضمن الحضور :
_ أهلًا وسهلًا يا جماعة نورتونا و الله
ابتسمت والدة يثرب، وهي تعدل من خمارها، وقالت بهدوء :
_ تسلمي يا حبيبتي، دا نورك
التفتت السيدة لقاء حولها تبحث عن حمزة، وحين لم تجده قالت :
_ حمزة و كنزي فين حد ينادي عليهم
أجابها إلياس بهدوء، وهو يقف يتوجه نحو الشرفة، يضع الهاتف على أذنه :
_ عند الدكتور يا عمتو، زمانهم جايين
أغلق الشرفة خلفه، وتحدث حين جاء صوت مايان من الطرف الآخر :
_ اليوم ناقصه وجودك
قابلت جملته بالصمت، ليتنهد بقوة متسائلًا :
_ المحل عامل اية من غيري ؟
تحدثت مايان بجدية :
_ حلو، كله تمام
_ مبنقولش كدا، اومال فين المحل من غيرك نار وعذاب
قالها إلياس بتهكم، لتضع يدها على فمها تكبح ضحكتها، قبل أن تقول في محاولة منها لأثارة غيظه :
_ في تكييف يا فندم
ضرب بيده على سور الشرفة، قائلًا بتهديد مازح :
_ و الله اشيله و اسيبك تسيحي في الحر زي الآيس كريم
اصطنعت الذعر، وهتفت سريعًا :
_ لا، إلا التكييف، خلاص المحل مش حلو من غيرك تمام كدا، هتسيب التكييف؟
سألت في نهاية جملتها بلطف، ليضحك قائلًا :
_ و انا اقدر بردو اسيبك في الحر يا باشا
ومن جديد قابله الصمت، تزامنًا مع نداءات حمزة له من الأسفل، ألقى بنظره عليه وهو يغلق السيارة متوجهًا إلى الأعلى بعدها نبهه بحضوره، ليودعها بهدوء ويغلق الهاتف على وعد بالإتصال بها مرة أخرى .
دلف حمزة إلى شقة السيدة لقاء، مع زوجته يلقي التحية على المتواجدين :
_ السلام عليكم
تنقلت كنزي لمصافحة السيدات، في حين قالت السيدة لقاء بلهفة :
_ ها يا حبيبي طمنوني كله تمام
أجابها بابتسامة واسعة تزين محياه، وسعادة تطغي عليه :
_ الحمد لله، وعرفنا كمان نوع الجنين
ازداد حماس السيدة لقاء، فانتفضت واقفة تسأل بفضول :
_ بجد طب اية ولد و لا بنت
حينها جاء صوت كنزي المازح، تقول :
_ مش هنقول، الكل هيخمن
كانت أول المشاركين، هي رحيل التي صرخ بحماس :
_ حاسة هيبقى ولد
وتلاها تحدث إلياس بهدوء :
_ و انا بردو بقول ولد
و من بعدها خمن الجميع أن جنس المولود، أنها ستكون فتاة، ليجلس حمزة على الأريكة يريح ظهره إلى الخلف قائلًا بشماتة :
_ كلكم توقعتم غلط، ما عدا رحيل و إلياس، ولد إن شاء الله
تحدثت والدة يثرب قائلة ببشاشة :
_ اللهم بارك، ربنا يقومك بالسلامة يا بنتي
_ تسلمي يا طنط الله يخليكي
قالتها كنزي شاكرة، وبدأت في مشاركة الحديث معها عن مرحلة الحمل، وكم هي متعبة للغاية ومرهقة لها مع العمل .
خرجت السيدة لقاء لهم، تشير إلى طاولة السفرة التي وضعت عليها الطعام هي ورحيل، وقالت مبتسمة :
_ اتفضلوا يا حبايبي على السفرة، الأكل جاهز، وتعالي معايا يا داوود نطلع عمك عزت
***********************************
انتهوا من الطعام، وجلسوا بالردهة يحتسون الشاي، والبعض أراد القهوة، وضعت رحيل صينية معدنية يرتص عليها المشروبات على الطاولة، وذهبت لجلب قهوتها مع قهوة زوجها .
ارتشف حمزة من قهوته بعض الرشفات ووضعها محلها، بينما خرج داوود من الشرفة بعدما أنهى مكالمته، ليجلس إلى جوار حمزة ويأخذ القدح لكي يرتشف منه .
عقد حمزة حاجبيه متعجبًا؛ لأن داوود يشعر بالاشمئزاز ولا يشرب من كوب أحد غيره ، وقال :
_ مش بتاعتك دي يا داوود، مشروب منها
ابتسم داوود باقتضاب، ووضع القدح على فمه قائلًا :
_ ملكش دعوة، بشرب ورا مراتي عادي
أعاد حمزة ظهره إلى الخلف، يتابع ارتشاف داوود من القدح، وعلى محياه ابتسامة شامتة، وقال متهكمًا :
_ طب انت حُر بقى، اشرب يا حبيبي
حينها وصلت رحيل وبيدها صينية أخرى عليها قهوتها وقهوة زوجها، لتتفاجأ به يشرب قهوة حمزة بهدوء، لتسأل بجدية وهي تضع الصينية على الطاولة :
_ انت شربت قهوة حمزة لية يا داوود؟، قهوتك اهي
وعلى الفور بصق داوود القهوة على الأرض بتقزز، وقد شعر بالغثيان، ليلقي القدح على الطاولة بحدة حتى انسكب محتواه، ومسح فمه بعنف، قائلًا بغضب :
_ متقولتليش لية يا بغل ان القهوة بتاعتك، و شارب منها
ضحك حمزة بصخب، وتراقص حاجبيه بمكر، قائلًا :
_ ما انا جيت اقولك مش بتاعتك و مشروب منها، عملتلي فيها عم الرومانسي، و انا ضرتك اللي غيران من حبك لمراتك
كاد داوود أن ينقض عليه، ليفتك به إلا أن منعه صوت صهيب الخجل من والدي زوجته، قائلًا بجدية :
_ خلاص يا حمزة، معلش يا داوود ادخل اتمضمض
تراجع داوود عما يتنوي فعله، ومال يهمس جوار أذن حمزة بوعيد :
_ لما الضيوف تمشي، و انا هوريك هعمل فيك اية
ابتعد عنه حمزة بخوف، يلتصق بعمته لتحميه من بطش ابن عمه، بينما توجه داوود إلى المرحاض سريعًا، وسط تعجب رحيل من مدى شعوره بالاشمئزاز، لقد فرضت عليه عدة مرات أن يتذوق الطعام من بعدها، ولم ترى منه أي تعبير للاشمئزاز .
سألت السيدة لقاء بهدوء، مشيرة نحو الاتجاه الذي صار به داوود :
_ هو في اية ؟
شرحت لها السيدة لقاء الأمر بهدوء :
_ داوود بيقرف ياكل او يشرب ورا حد نهائي، و لو حصلت حتى لو صدفة يفضل قرفان يومين
ظهر التعجب جليًا على محياها، وتحدثت بتلقائية :
_ بس هو بياكل من ورايا عادي مبيقرفش
_ فرق قدرات بقى
هتف بها حمزة مشاكسًا كعادته، لتشتعل وجنتيها خجلًا من نظرات المتواجدين، لتحمحم بحرج ووقفت تأخذ معها قدح القهوة، متوجهة نحو الشرفة بعد أن أستأذنت منهم .
خرج داوود من المرحاض، يجفف وجهه من الماء، بحث عن زوجته بينهم، وحين لم يجدها بالوسط سأل بهدوء :
_ رحيل فين ؟
تحدثت السيدة لقاء مشيرة نحو الشرفة :
_ في البلكونة، خد قهوتك و روح وراها
ألقى نظرة نارية على حمزة، جعلت رعبه منه يتفاقم، وقال بضيق :
_ لا خلاص مش عايز
توجه خلف زوجته إلى الشرفة، ليجدها تجلس على الأريكة الصغيرة، شاردة في نقطة ما تحرك القدح بين يديها بهدوء، حمحم ينبهها بوجوده، فالتفتت إليه وابتسمت باتساع .
جلس إلى جوارها، يسألها باستفهام :
_ قاعدة لوحدك لية، حد ضايقك برا ؟
نفت برأسها، وهي تنظر إلى الأسفل بحرج، قائلة :
_ لا خالص، بس اتكسفت لما قولتلهم أن انت بتاكل و بتشرب ورايا عادي، وعرفت انك معملتهاش غير معايا
كشف عن تلك الوحمة بعنقها، بعدما أزاح خصلات شعرها إلى الخلف، رغم أنه هو من يحاول إخفائها دائمًا، لكن يبدو أنه يخفيها عن أعين الآخرين فقط، ثم قال بهدوء :
_ ما دي حقيقة، و مش حاجة تكسفك خالص، دي حاجة تخليكي مغرورة يا بنتي
أنهى جملته مازحة، ليزيح عنها ذاك الخجل والارتباك، لتميل برأسها على كتفه، تهمس بخفوت :
_ نظراتهم ليا هي اللي كسفتني، مع اني مبسوطة أوي اني مميزة بالنسبالك
تنهدت بقوة، ثم استطردت :
_ و نفسي أفضل مميزة على طول، نفسي يجي اليوم اللي تحبني فيه من قلبك
كاد أن يخبرها أن هذا اليوم قريب إلى حد كافي، لكنه فضل الصمت بالوقت الحاضر، وينتظر أن يتيقن من هذا الحديث أولًا حتى لا يتراجع تلك الخطوات التي تقدم بها في علاقتهما، التي أصبحت يملئها المودة والمحبة بشكل واضح، حاول تغيير مجرى الحديث حين أخذ القدح من بين يدها قائلًا بمزاح :
_ هاتي بس اضيع طعم قهوة حمزة المقرفة
ضحكت بصوت مرتفع عليه، وقالت بمرح :
_ لو كنت اعرف رد فعلك بعد ما تعرف أن دي قهوة حمزة، كنت صورتك و الله
التفت إليها وكاد يوبخها، لتقف سريعًا عن الأريكة قائلة بتهرب :
_ أنا هروح اناديلهم نقعد مع بعض هنا شوية قبل ما نروح
************************************
عاد داوود إلى شقته رفقة زوجته، بعد يوم حافل بالكثير من الضجة بمنزل العائلة، لكل شخص فيهم شخصيته المتناقضة مع الجميع، لكن الأجواء كانت تسودها الدفء والسكينة، وهذا ما جعل رحيل تشعر بالراحة بينهم دائمًا ما كانت تريد أن تعيش تلك الأجواء، وأخيرًا سنحت لها الفرصة أن تكون جزء منها .
فتح داوود باب الشقة، ودلف إلى الداخل بهدوء وهي إلى خلفه، متعجبين من الظلام الذي يعم الإرجاء رغم أنها كانت تترك ضوء خفيف ينير لهما وقت عودتهما .
همست بصوت خافت، تتمسك بذراعه بخوف :
_ انت متأكد أن كارت الكهربا مشحون
كاد أن يجيبها إلا أن أُغلق الباب بعنف من خلفهما، وأضاءت الردهة بنور قوي، ارتجفت مرتعبة وصرخت بذعر، ليجذبها داوود على الفور يضعها خلف ظهره، ينظر إلى ذلك الشاب ضخم الجثة بشكل مخيف، فسأل بصوت حاد وقد كشر عن أنيابه بلحظات :
_ انت تبع مين يالا ؟
كان يتوقع أنه مسلط من عدو يتربص به، لكنه علم أن الأمر غير ذلك حين همست رحيل من خلفه بخوف :
_ فوزي !!
أحاطت خصره بذراعيها تدفن نفسه بظهره أكثر، بينما هو علم هوية الماثل أمامه، بالتأكيد هو أحد افراد عشيرتها، احتد فك داوود بغضب وسأل بحدة :
_ عايز اية ؟
أخرج فوزي مدية من جيب بنطاله، يشهرها أمام وجهه قائلًا بثقة :
_ روحك
بعد كلمته نشب بينهما اشتباك ضاري، اضطرت رحيل على التراجع إلى الخلف من عنف هجوم داوود، تضع يدها على فمها تكبح شهقاتها من الخروج .
استطاع داوود الدفاع عن نفسه، ولكم فوزي بقوة عدة مرات، حتى ابتعد عنه خطوة متألمًا، وبكل عنف رفع فوزي ساقه وركل داوود ببطنه، فتأوه بقوة يتألم من قوة تلك الركلة .
وركضت إليه رحيل سريعًا كي تطمئن عليه، ليدفعها بحدة عنه بخوف من أن يصيبها مكروه، ووقف من جديد يتصدى إلى هجوم ذاك الشاب، لكمه داوود بوجهه بقسوة حتى نزف أنفه، فقبض داوود على تلابيب ملابسه قائلًا بشراسة :
_ و انا بقى هرجعك عشيرتك في تابوت
سقطت المدية من يد فوزي على الأرض، والتقطتها يد رحيل المرتجفة، ثم ابتعدت من جديد حتى لا يكون لديه سلاح يصيب به زوجها .
لكنها تفاجأت حين أخرج داوود من خصره سلاح ناري يشهره أمام وجه فوزي بتهديد، لكنها تعلم فوزي جيدًا لن تهتز به شعرة لذا تأهبت لحدوث أي شيء خطير بينهما .
ابتسم فوزي باستهزاء، وحاول أخذ السلاح من يد داوود بشتى الطرق، لكن داوود كان يكافح لينهي أمره تمامًا، إلا أن فوزي لم يكن خصم يستهان به، أدار يده حتى أصبح السلاح موجه على جسد داوود .
وقتها أصاب الذعر خلايا رحيل، ودون تفكير أو تردد أسرعت نحو فوزي وغرزت المدية بذراعه، فترك داوود والتفت إليها يصك على أسنانه من شدة الألم، وعلى حين غرة وقبل أن يستوعب داوود أو يتدخل كان ينتشل المدية من ذراعه ويغرزها بصدرها .
وصرختها الحادة المذبوحة دوى صداها بأذنه، تجمد جسده للحظات بصدمة، وعيناه لم تنزاح عنها وهي تسقط على الأرض .
وما كان منه إلا أنه يصوب سلاحه على فوزي يطلق عليه النار دون حتى أن يرف له جفن، وأسرع نحوها في لهفة، قلبه يتواثب بخوف عليها بين أضلعه، لا يريد فقدانها كما فقد أحبته من قبل، لا يريد فقدها هي بالأخص .
