رواية لعنة الضريح الفصل العشرون بقلم منى حارس
أخذت هناء تصرخ وتبكي بقهر ولا تدري ماذا تفعل في تلك المصيبة ولا كيف تتصرف ، فكيف يختفى زوجها وابنتها والغرفة من شقتها كيف تبتلع الشقة المشؤمة كل ذلك وتحدِّث نفسها قائلة:
معقول اكون كنت بحلم، الأوضة كانت هنا، وأسرعت إلى مكان غرفة ابنتها وهي تصرخ برعب :
لاااااااا أينور بنتي، فهمي انتوا فين رحتوا فين؟
وفي تلك اللحظة دخل الطفلان الشقة بفزع و أسرع إلى الأم وهما يتساءلان عن مصير والدهما بقلق ، وصرخت هناء قائلة:
مش عارفة.
فقالت إيناس من بين دموعها:
ياماما بابا راح يرجّع أينور. وانفجرت الطفلة بالبكاء الهيستيري الشديد.
هناء بتوتر:
يرجعها منين يا إيناس، إنتي تعرفي إيه ومخبية عنِّي، إنطقي، إتكلمي يا إيناس متخافيش من حاجة
فردت إيناس منهارة:
يرجّعها من عند الشيطان ياماما.
هناء برعب:
إيه اللي بتقوليه دا يا إيناس... انطقي.
رد إيهاب قائلًا:
هي دي الحقيقة يا ماما... وانفجر إيهاب هو الاخر بالبكاء والنحيب على والده، وتكلِّم الأم نفسها وتقول:
أكيد كلام الولاد صح والأوضة اختفت ازاي، معقول كنا بنحلم كلنا، أنا لازم اشوف حد بيعرف في الحاجات دي، لازم الالقي حد يساعدني اني ارجّع فهمي وأينور بنتي لحضني من تاني..ممكن الجن خطفهم لعالمه ولازم يرجعهم لازم وأطلقت صرخة عالية.
&&&
اخذت تصرخ برعبٍ قائلة:
قوم يا بابا بسرعة، إيه اللي جابك المكان دا يا حبيبي .. وتحاول هز فهمي بقوة ليستفيق، وهنا يفتح الأب عينيه ببطءٍ ...
وهو يتمنى ان يكون كل هذا مجرد كابوس مزعج وسيستفيق منه سريعًا وسيفتح عينيه ليجد نفسه وسط أسرته في شقته
الصغيرة ، وسط أولاده وزوجته ، ففتح عينيه ببطءٍ فشاهد كائن غريب الهيئة اسود اللون يمتلك قرون سوداء مثنية للخارج ، وعيون حمرا وفم رفيع يشبه الممصّ الطويل ، و له أيادٍ كثيرة تشبه الأخطبوط في هيئتها ، ولونه أسود كلون الفحم ومظلم جدا ، ونظر الكائن بعيونه الدموية بشراسة لعينيْ فهمي، وكأنه يسأله من أين سأبدأ في إلتهامك يا أحمق فقام الأخير مفزوعًا يردد:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. أخذ يحوقل ويبسمل.. وركض مسرعًا لنهاية الممر ، أخذ الكائن يزمجر بغضب كبير ويصدر همهمات عاليه غير مفهومة .
أسرع فهمي يركض وقلبه سيتوقف عن التوقف من شدة الفزع والتوتر والخوف ، لنهاية الممر ومازالت زمجرات ذلك الشيء عاليه جدا والبرودة شديدة من حوله .
اخذ يتلفت حوله يريد الهروب والفرار من كل هذا ومن ذلك الشيء البشع الذي ينظر له بتحفز ، وهنا وجد أمامه ثلاثة أبواب حمراء اللون مشعة ، يشع لونها بطريقة غريبة تثير الأعصاب وتوترها بشدة وكانت الأبواب الثلاثة مغلقة وإحتار فهمي بشدة ، أيًّا من الأبواب الثلاثة سيختار ، وأي باب سيوصله لابنته أينور..
فكر بجدية إنه أحد الأبواب الثلاثة هو يعرف ذلك ، وصرخ فهمي ينادي على ايشتور لكي تدله على الطريق الصحيح وأي الأبواب يدخل ، ولكنها لم تأتي بل هو من حاول الأقتراب منه ببطىء وهو يزحف كالافعى على الأرض ببطىء شديد ..
شعر باقتراب الكيان المرعب منه والبرودة تذداد كلما أقترب الشيء منه وصوت فحيح الأفعى يعلو بشدة ، شعر فهمي بالعجز الشديد والحيرة فصرخ بقوة قائلًا:
أختار أي باب من الأبواب مين فيكم اللي هيوصلني لبناتي مين؟
لم يرد عليه أحد ولكن الكيان كان يقترب أ كتر فأكتر منه ، وشعر فهمي بالاختناق والحيرة بالعجز والضياع فهو لا يعرف أيَّ الأبواب سيختار سيختار الآن .
&&&
سمع فتحي المصري صريخ ونحيب هناء من شقتها بالدور الذي فوقه فشعر بالتوتر والحيرة ، فقال محدثًا نفسه أمام أحد الجدران:
أكيد حصل، لازم اتحرك بسرعة قبل الكارثة ماتحصل وتعرف الحقيقة دلوقتي ، لان وقتها كل حاجة هتبوظ سيبوني اتصرف الاول .
وبعدها غادر الغرفة مسرعا ، تاركًا الجدار خلفه فكانت هناك دائرتان حمراوان تشبهان العينان ولكنهما اكثر دموية ، فهل اختل عقل الرجل ام هو من هواة الحديث مع الجدران ، من يدري فهي من الهوايات الممتعة حقًّا..
&&&
كانت هناء مازالت تصرخ بهستريا شديدة، وفجأة تذكرت شيئا هامًا فقالت:
أكيد هو دا الحل الوحيد مفيش غير كدة ..
وبعدها نظرت الى طفليها طويلا وأخذتهما من ايديهما وغادرت المنزل مسرعة، وهنا تساءلت إيناس وهي تبكي:
إحنا هنروح فين يا ماما ؟
فردَّت هناء:
هتروحي انتي واخوكي عند خالتك كام يوم لغاية ما ارجعلكم تاني يا حبيبتي.
وهنا تساءل إيهاب:
هتروحي فين يا ماما وتسبينا مش كفاية بابا وأينور راحوا بعيد للشيطان .
فقالت هناء:
متخفوش أنا هرجعلكم تاني وبسرعة، أنا عرفت مين اللي هيقدر يساعدنا نرجّع بابا وأينور،
ولازم اكون مطمنة عليكم قبل ما اعمل أي حاجة يا حبيبي انا هرجع وهرجعهم ونرجع كلنا بخير .
علشان كدة عيزاكم تقعدوا عند خالتكم كام يوم لغاية ما ارجع ، وارجّع ابوكم واختكم ..
فردَّت إيناس بفزعٍ:
هتروحي للشيطان ترجّعي بابا وأينور مش هيسيبك يا ماما ، بلاش تروحي انا حاسة اني مش هشوفك تاني أبدًا يا ماما وبعدها انفجرت بالبكاء الحار
فردَّت هناء وهي تحتضنهم بقوة :
قولتلكم متخفوش، أنا مش هروح أي مكان بس اعرف اللي ممكن يساعدني بخبرته وبقدراته ومعارفه الكتير يا اولاد .
وبعدها تركت هناء اطفالها عند أختها ولم تقل شيء ، ورحلت ذاهبة إلى من تعتقد بأنه يستطيع مساعدتها في إرجاع زوجها وابنتها.
&&&
وقف فهمي محتارًا بشدة ؛ لا يدري يختار أي من الأبواب الثلاثة والفزع يملأ قلبه وكيانه من ذلك الكيان العملاق الذي كان يقترب منه..
وأخيرًا اختار أحد الأبواب وتوكل على الله وفتح فهمي الباب ودخل إلى ما خلف الباب ، وشعر بالمغص الشديد والألم في معدته ، وصرخ فهمي رعبًا عندما شاهد غرفة عمليات أمام عينيه ، وشاهد زوجته هناء نائمة على فراش ، وبداخل الغرفة وقف الطبيب شهاب وكان يقوم بإجراء عملية جراحيه ، فشقَّ بطنها بالمشرط ثم أخرج جنينين من رحم هناء، وقام بوضعهما في محلول مائي وكان الجنينان شكلهما غريب لا يشبهان البشر وصرخ فهمي قائلًا:
إتنين اتنين.. كرر فهمي الكلمة كثيرًا "إتنين أينور وايشتور" ، وهنا صرخ رعبًا عندما شاهد ابنتيه داخل المحلول المائي وهم يحاولان التنفس ويسارعان الحياة ، وحاول الركض مسرعًا لإنقاذ بنتيه ..
وحاول أن يمد يده ليمسك البنتين من مصيرهما المحتوم والموت المحقق ، ولكنه لم يستطع عمل شيء ؛ فعندما اقترب أكثر ومد يديه ، لقد تغيَّر المشهد من أمام عينيه ، واختفت غرفة العمليات وتغيَّر المشهد..
وظهرت هناء في غرفة النوم بشقتهم القديمة وهي تحمل أينور وهي طفلة صغيرة عندها خمسة شهور وتبتسم له قائلة:
شوف يا فهمي البنت جميلة ازاي وضحك فهمي بسعادة قائلًا:
جميلة زي امها يا حبيبتي ..
وفي تلك اللحظة حاول فهمي أن يتذكر أين وُلِدت ابنته أينور ومتى ولدت ؟
لم يستطع التذكُّر أبدًا أين وُلِدَت ابنته و مع من تابعت زوجته الحمل زوجته ، وكيف ومتى ولدت الفتاة ، فصرخ فهمي بتوتر:
معقول مش فاكر حاجة خالص، أنا كل اللي فاكره هو يوم العملية اللي سقطت فيها هناء البنت التانية ايشتور، ومش فاكر أي حاجة بعدها غير يوم واحد لما صحي من النوم لقى هناء شيله البنت الصغيرة وبتقوله شوف يا فهمي البنت جميلة ازاي شوف يا فهمي أينور جميلة ازاي شوف شوف .
&&&
لقد تكلم الحظرد الشاعر اليمني المجنون عن عشرين شيطان في كتاب العزيف ، وقال بأن العشرين شيطانًا اتخذوا هيئة البشر وتزوجوا وعاشوا وسط البشر ، وأنجبوا واندمجوا معنا، لانستطيع تميزهم أو معرفتهم إلا من خلال بعض العلامات المميزة لهم، ومن العلامات الهامة التي تميزهم ، الشامة أو الوحمة السوداء الكبيرة ، قطع لحمية زائدة في اجزاء متفرقة من الجسد ، وهذه علامة هامة تميزهم وبشدة ..
فاحذر ممن يمتلكون قطعة لحم ذائدة في اجسادهم سوداء اللون مشعرة ربما كان احد نسل تلك الذرية من يدري ؟
وقف فهمي يحاول أن يتذكر أين وُلِدَت ابنته أينور ومتى ، حاول كثيرًا لكنه في النهاية لم يستطع وأغمض عينيه وحاول أن يتذكر، وحاول جاهدًا..
وهنا وجد نفسه أمام الثلاثة أبواب مرة أخرى من جديد ، فاختار نفس الباب الذي قام بفتحه من قبل حتى يعرف ماذا حدث لابنتيه بغرفة العمليات ، بعد أن أخرجهما الطبيب من رحم زوجته وأغمض عينيه من جديد محاوِلًا التركيز والتذكر .
ولكنه لم يتذكر شيئًا أبدًا عن ابنته وكأن هناك من محى تلك الفترة من حياته بممحاة وفتح عينيه من جديد ، وشاهد زوجته في غرفه العمليات وشاهد البنتين موضوعتين في وعاءٍ زجاجي، وكان بالغرفة فراش آخر ينام عليه مخلوق اخر ولكنه كان بشع أو بمعنى أصح كان أبشع كائن ممكن أن يراه في حياته، فنظر فهمي برعبٍ كبيرٍ لذلك المخلوق، وكان يشعر بالاشمئزاز والرعب معًا من تلك الخلقة البشعة...
وهنا رأى الطبيب، شهاب يقوم بوضع البنتين داخل ذلك الكائن البشع بعد قيامه بأبشع شيء ممكن أن يقوم به طبيب عنده ضمير في حياته، لقد قام شهاب بخنق البنتين وصرخ فهمي برعبٍ قائلًا:
لا بناتي أينور ايشتور.
وحاول دخول الغرفة وحماية البنتين من ذلك الطبيب المجنون، واقترب وهو يمد ذراعة ليحمي طفليتيه ولكن اختفى المشهد من أمام عينيه، وظهرت أينور وهي طفلة صغيرة عمرها خمسة أشهر وتحملها هناء من جديد وهي تقول:
شوف يا فهمي أينور جميلة ازاي..شوف شوف
و هنا حاول ثانية أن يتذكر أين كانت الصغيرة إلى أن أكملت الخمسة أشهر وأين ومتى وُلِدَت بالظبط ، حاول كثيرًا وجاهد لكي يتذكر وعصر تلافيف مخه أكثر وأكثر لعله يتذكر..
أين كان هو وزوجته ولماذا لا يتذكر شيئًا؟
وفكر فهمي كثيرًا بعد كل ما شاهده، وقال لنفسه:
معقول تكون أينور مش بنتي طيب دي مين..مش فاهم وصرخ بصوت عالي :
أنا عايز اعرف الحقيقة كفاية كدة كفاية يا ايشتور... وهنا سمع صوتًا يأتي من مكانٍ بعيدٍ يقول له: - عشان تعرف لازم تقدم القربان الأول ..
فيتساءل بدهشة قائلًا:
قربان إيه مش فاهم حاجة انا عاوز بنتي عاوز اينور ..؟
فيرد عليه الصوت قائلًا:
قربان الولاء والطاعة العمياء انك تكون موافق تقدم اي حاجة من غير ما تسال وبعدها تغيَّرت الصورة من أمامه وشاهد أينور ابنته نائمة على سرير أبيض والورد يحيط بها من كل مكان كانت كالملاك الصغير في نومتها فقال الصوت:
اذهب واذبح تلك الطفلة ايها الانسي ، وضحك الصوت بقوة ونظر فهمي فوجد سكّينًا في يده لا يعرف من أين أتت ولا متى، فصرخ فهمي:
أينور بنتي.. وأسرع باتجاهها يحاول حمايتها من ذلك الصوت البغيض العالي وسقطت السكّينة الحادة من يده وتحولت صورة أينور الملائكية إلى كيان أسود عملاق بغيض الهيئة والخلقة ، ووجه بشع مدمم تملئه البثور ذات خمس عيون حمراء، وقام الكائن يحاول مسك فهمي بأياديه الطويلة التي تتجاوز المترين، وصرخ فهمي برعب إمتزج بالألم الشديد ، وسقط على الأرض فاقد للوعي من شدة الرعب والإنفعال، لم يكن قلبه يتحمل كل هذا الضغط والمجهود الذهني ولا حتى سنه ..
&&&
ذهبت هناء إلى قسم الشرطة للرائد محمود المسئول عن القضية والتحقيقات والتحريات، وعرفت أنه دخل مستشفى العباسية لعلاج الأمراض النفسية والعصبية بعد مقتل قائده وتشويه جثته.. و
اتهام الشياطين بقتله، فقررت زيارته في المستشفى ومحاولة معرفة الحقيقة منه، وطلبت من المسئول إذنًا بالزيارة ، لانها تشعر بأنه الوحيد الذي سيساعدها وفي حجرة الرائد محمود بمسشفى المجانين ، كانت تجلس هناء أمامه..
فقالت هناء بتوتر:
إزيك يا حضرة الظابط أخبارك إيه وإيه اللي حصل بالظبط..؟
فيرد عليها محمود بسخريه قائلًا:
إنتي شايفة اني لسه ظابط هنا يا مدام هناء ، وتتساءل هناء بحيرة وهي ترفع يدها معبِّرة عن انفعالها وتأثُّرها:
إيه اللي حصل وليه دخلت المستشفى مش فاهمة وايه اللي حصل لمديرك في الشغل فهمنى قتلته ليه ، وهنا ينظر لها محمود وهو يقول:
مش عارف، كل اللي اعرفه ان ...
وقطع محمود كلامه برعب كبير وذعر ، عندما شاهد كفَّ هناء، وسكت وهو ينظر برعبٍشديد لكف هناء وإلى تلك الوحمة اللحمية الكبيرة السوداء المشعرة بطريقة مقززة في كف يديها، وقال محمود برعبٍ حقيقي:
أكيد انتي أكتر واحدة عارفة إيه اللي حصل يا هناء ، وهنا تنظر له هناء بدهشة وتتساءل:
إنت بتقول إيه وهعرف منين بس؟
فشاور محمود على كفها:
إيه العلامة اللي في كفك دي ؟
ردت هناء باستغراب:
دي؟
ونظرت إلى كفِّ يديها وقالت:
دي وحمة..
فتساءل محمود:
والوحمة دي طلعتلك إمتى؟
نظرت له هناء باستغراب وقالت:
وعرفت منين اني مش مولودة بيها؟
وهنا اخذ ينظر لها كثيرا برعب كبير وعيونه تكاد تخرج من مقلتيها بشدة ، وبعدها قام محمود من على السرير واقترب منها قائلا:
إنتي السبب في كل دا وصرخ بهيستيريا ولازم تموتي