رواية قبلة على جبين الوهم الفصل العشرون
كانت عيون إبراهيم تراقب المكان من نافذة سيارته، نظراته جامدة، كأنها تحمل شيئًا غارقًا في الظلال. لم يكن وحده، جسار كان بجانبه، يلتهم سجارته بنهم، وكأنها فريسة، بينما في المقعد الخلفي جلس ماهر بصمتٍ عميق، وعيناه نصف مغمضتين. أما مهاب، فكان يضحك وهو يتصفح هاتفه، إلى أن قطع إبراهيم الصمت:فاكرين لما كنا بننام على الأرض في العشة، ونضحك واحنا جعانين؟
ضحك مهاب:دلوقتي نايمين على فلوس ولسه جعانين، بس لدم مش لأكل.
جسار نفخ الدخان من صدره وقال بحدة:اللي حصل مع مراته مش سهل دي لعبت بنار ما تتحملهاش، وطيبتك دي يا إبراهيم هتغرقك، لازم تتعلم.
إبراهيم عض على شفته السفلى، يتذكر تلك الليلة حين عاد فوجدها ترتجف، ترفض الحديث، وعيناها تفضحان أنها كانت على وشك الانهيار. لكنه لم يشفق، بل قرر أن يجعلها ترى الوجه الآخر له.. الوجه الذي تربى مع الذئاب.
ماهر تكلم بهدوء، دون أن يرفع عينيه:الناس بتتغير لما تحس بالخوف إنت كنت بتحميها، بس ما كانتش شايفاك راجل، كانت شايفاك ظل ضعيف دلوقتي لما شافت الوحش اللي فيك، سكتت.
مهاب غمز مازحًا:بس ما تنساش، الوحش لو عاف، بيصير ملاك، والناس ما بترحمش الملاك.
سكت إبراهيم للحظات، ثم قال بنبرة فيها وجع دفين:أنا اللي نسي إننا مش في عالم طيب نسيت إني اتربيت على إيد جسار، واتعلمت الصبر من ماهر، واتضحكت على الدنيا مع مهاب نسيت إن الطيب هنا، إما يُستغل أو يُكسر.
جسار ضرب يده على المقود:وإحنا مش هنسيبك تتكسر إحنا معاك، زي دايمًا بس لازم نفهمك، إن اللي جاي مش رحمة.
ثم انحنى وقال له مباشرة في عينيه:الضبع لو مشي لوحده بيبقى فريسة.
إبراهيم ابتسم بخفة وقال:وأنا عمري ما مشيت لوحدي وعمري ما هسلم سلاحي لطعنات الضعف.
فُتح باب السيارة ببطء، وخرج الأربعة، يمشون كأنهم ظل واحد. جسار يمسك بخنجره، ماهر بعينين لا تنبضان بأي رحمة، مهاب يخفي ابتسامته الساخرة، وإبراهيم يقودهم نحو الليل حيث لا صوت يُسمع، سوى همسات الانتقام.
دخلوا لإحدى الاستراحات جلس إبراهيم على الأريكة متكئًا، عينيه شاحبتان، متوترًا وهو يراقب ملامح أصدقائه.
جسار كان أول من كسر الصمت، عينيه تشتعلان غضبًا جسار: أنت عارف ليه إحنا هنا يا إبراهيم مش هنسكت على اللي عملته، ومش هنبررلك ظلمك لمراتك بحجّة إنها طيبة!
إبراهيم ببرود مصطنع: إنت مالك؟ دي مراتي وأنا حر أنا كنت بعلّمها إن الطيبة مش دايمًا أمان، و...
ماهر قاطعه بصوت حاد نادرًا ما يستخدمه: تسمي ده تعليم؟ ده اسمه قهر!
لو كنت فاكر إن الرجولة إنك تروّع إنسانة ضعيفة، تبقى ما فهمتناش من الأساس.
إبراهيم حاول النهوض ليرد، لكن جسار تقدم نحوه، بعينين كأنهما عاصفة جسار: اسمعني كويس احنا معاك من سنين، شفناك وقت قوتك ووقت كسرك، بس عمرنا ما توقعنا توصل للدرجة دي.
إنت بدأت تبقى شبه اللي كنا بنحاربهم.
سكت إبراهيم، يحاول أن يبدو قويًا، لكن الكلمات اخترقت غروره.
مهاب، الذي عادةً ما يكون خفيف الظل، تكلم هذه المرة بصوت منخفض لكنه حاد كالسكين مهاب: فاكر لما قلتلي الرجولة حماية مش إذلال؟ أنت خنت الكلمة دي يا إبراهيم.
لو مش هترجع لرشدك، احنا مش هنكون شركاء في سكوتنا.
ساد الصمت، والأنفاس ثقيلة. كان الجو مشحونًا بالكلمات التي لم تُقل بعد. إبراهيم نظر في أعينهم، ورأى ما لم يكن يراه من قبل: خيبة، غضب، وألم.
إبراهيم بصوت مرتجف لأول مرة: أنا يمكن غلطت. يمكن الطيبة كانت أكبر مني، وأنا كنت خايف خايف أحبها وتكسرني.
بس ما توقعتش إني أوصلها لمرحلة تخاف مني أنا.
اقترب ماهر، ووضع يده على كتفه ماهر:الاعتراف أول خطوة بس الخطوة اللي بعدها أهم. لو ناوي تصلح، احنا معاك.
ولو ناوي تكمل في طريقك يبقى طريقك مش طريقنا.
وقف الثلاثة، وتركوه وحده وسط الاستراحة. إبراهيم جلس بصمت، يشعر أن كل ما بناه من قوة وهمية انهار دفعة واحدة. بقي صوت جسار يتردد في أذنه:الرجولة مش إنها تخوف، الرجولة إنها تأمّن.
جلست ليان على سريرها في غرفتها الصغيرة، تحدّق في الهاتف بيد مرتعشة، ووجهها الشاحب يحمل آثار ليلٍ طويل من البكاء والصمت والتفكير. لم تكن تصدق أن إبراهيم، الرجل الذي أحبّته وسكن قلبها، هو ذاته من حاول إيذاءها لا جسديًا فقط، بل نفسيًا أيضًا.
طرقات خفيفة على الباب. قامت بتردّد وفتحت لتجد أمامها شخصًا لم تتوقّع رؤيته بهذه السرعة: جسار.
كان واقفًا كعادته، كتفاه العريضتان مشدودتان، وملامحه كأنها منحوتة من جليد. لكن عينيه، رغم قسوتهما، كان فيهما رجاء خافت.
جسار:ليان أعرف إن اللي حصل مش بسيط، ومش هاجي أدافع عنه، بس لو سمحتي اسمعيني.
أشاحت بوجهها، لكنه تابع:إبراهيم انهار بيجلد نفسه على اللي عمله وكان لازم نتصرف قبل ما يتمادى، قبل ما يتحول لشخص مش مننا.
نظرت إليه أخيرًا، والدموع تلمع في عينيها:هو اللي حاول يأذيني يا جسار إنت متخيل؟
جاء ماهر ومهاب خلفه فجأة، وكأن اللقاء مخطّط له. وقفوا جميعًا في صمت أمامها، ثلاثتهم يجمعهم شعور بالذنب والتقصير.
ماهر بصوته الهادئ:إحنا عارفين إنه أخطأ، ومش جايين نبررله جايين نصلّح، نداوي، ونحاسبه كمان بس اللي بينكم يستاهل فرصة؟
مهاب بصراحة شديدة:إحنا كنا سايبينه يغلي في غضبه سايبينه يتهور. بس غلطنا لأننا نعرفه، نعرف إن الطيبة اللي فيه تكسرت، وبدأت تتحوّل لشر.
تنهدت ليان، ثم سألت:فين إبراهيم دلوقتي؟
جسار:في شقته، قافل على نفسه، رافض يأكل أو يشرب، بس طلب مننا نجيلك نطلب منك تقابليه، مش علشان تسامحيه، بس علشان تواجهيه.
تردّدت، ثم أومأت برأسها.
في منزل إبراهيم، دخلت ليان الغرفة فوجدته جالسًا في الظلام، شعره مبعثر، وجهه شاحب كأنه لم ينم منذ أيام.
رفع رأسه ببطء، ولما وقعت عيناه على ليان، هزّ رأسه بأسى:كنت فاكر إن الطيبة كفاية بس لما حسّيتك بتبعدي، فقدت نفسي.
اقتربت منه، نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بنبرة ثابتة:أنا مش هنسى اللي عملته بس عايزة أفهم ليه يا إبراهيم؟
انفجر في البكاء، لأول مرة، دون كبرياء:لأني كنت ضعيف خفت أفقدك خفت من نفسي، من الدنيا، من كل حاجة وضيعتك فعلاً.
سكتت للحظات، ثم قالت:أنا ماشيه دلوقتي، مش لأنك شرير لكن لأنك محتاج تتغير.
خرجت من الغرفة، بينما أصدقاؤه دخلوا عليه في صمت. كل واحد فيهم يعرف إن لحظة المواجهة دي كانت البداية بداية إصلاح الأمر.