رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني والعشرون


بالمساء...
جلست ترنيم أمام المدفأة، تتأمل اللهب الراقص في الوهج الدافئ، بينما كانت الدموع تتسابق على وجنتيها، كانت تشعر بثقل الأفكار التي تعصف برأسها، تتذكر حالتها وما وصلت إليه، ومدى الألم الذي كتمته في قلبها، ظلت على هذا الوضع لبعض الوقت، كأن الزمن توقف حولها، تجذب أنفاسها القاسية، وتختزن الشعور بالخذلان في صدرها، وفجأة، شعرت بقبلة دافئة على رأسها، مما ساعد على إزالة دموعها سريعًا، رفعت رأسها لأعلى، لتجد غريبًا يقف بطلته الرجولية أمامها، ساعداه معقودان على صدره، وهو ينظر إليها بنظرات مليئة بالشغف والاهتمام، كما لو كان يحاول أن يقرأ أعماق روحها المعذبة، ابتلعت ريقها بتوتر، شعرت بدقات قلبها تتسارع، قبل أن تستجمع شجاعتها وتقف. جلس بجوارها، ولكنه لم يقطع صمتهم، بل استمر في متابعة النيران وهي تلتهم الحطب، بينما يعبر شذاها الغرفة برائحة الخشب المحترق، وكأن هذا الهدوء كان يمنحهم فرصة لمشاركة لحظات حرجة دون الحاجة للكلمات، ظل صامتًا، يشاركها لحظاتها دون أن يزعجها، مدركًا أن أحيانًا يكون الوجود بجوار شخص ما هو كل ما يحتاجه المرء في لحظات الشدة.
تكلمت ترنيم بصوت مختنق، قائلة: 
"غريب، انت أيه يغصبك تحب واحدة قلبها مع راجل غيرك؟ مع أن لو شاورت لأي واحدة هتيجي جرى عليك، أنت وسيم، جسمك طويل وعريض، غني، شخصيتك مميزة، يعني المفضل عند بنات كتير، ليه أنا؟" 
كان صوتها مليئًا بالشكوك والقلق، في النهاية، كانت تشعر وكأن حبه لها غير منطقي في وسط كل هذا الضياع.
ظل ينظر أمامه، وأخذ يتحدث بصوت هادئ، يقطعه دفء اللهب: 
"لأن بختصار، قلبي مش عايز غيرك إنتي يا ترنيم، بنات كتير هتموت عليا، بس أنا محتاج وجودك إنتي جنبي." 
كانت عبارته بمثابة اعتراف لم تكن تتوقعه، حيث كانت تعرف أنها لن تتخلى عن حبها لسلطان بسهولة، وهو ما جعلها تشعر بالارتباك أكثر.
زفرت بضيق، قائلة: 
"انت عارف، بعد ما عرفت بجواز سلطان وأنه عنده بنت، اتمنيت أنساه، عملت بكل الطرق اللي تخليني أبطل أحبه، بس النتيجة كانت بتيجي معايا بالعكس، حبي كان بيزيد أكتر في قلبي، اللي حصل ده، أقوى حبي ليه أكتر من الأول، الكل مفكر أن حبي ليه مجرد تعود، علشان مكانش في حياتي راجل غيرة، بس علاقتي بسلطان أكتر من مجرد حبيب؛ ولا راجل رباني، علاقتي بيه أنه هو العالم بتاعي، أنا وبس، شايفة فيه كل حاجة نقصاني ومكملاني، علاقة مش جسدية، علاقة روحانية، عارف يعني إيه واحدة تحس أن الراجل اللي بتحبه هو العالم بتاعها؟ بحس أنه أبويا وإخويا وجوزي وابني، وكل راجل يقربلي في حياتي بحسها فيه، تفتكر يعني مافيش ولا شاب حاول يتقرب مني أيام الدراسة؟ كان فيه كتير أوي، كلهم كانوا هيموتوا عليا، وكانوا فارس أحلام لبنات كتير، لكن أنا عيني كانت مستكفية برجل واحد بس. أحلام مراهقتي كانت ليه هو، أنا مهما وصفتلك سلطان بالنسبالي إيه، مش هقدر أوصلك اللي جوايا ليه، أنا بقولك الكلام ده علشان لو معرفتش أحبك، متلومش عليا، لأن قبل منك حاولت كتير، وكان كل مرة النهاية أني أحبه أكتر." 
تحول لون عينيه إلى إحمرار عميق نتيجة مشاعر الغضب المتزايدة التي كانت تتصارع بداخله، لكنه ظل محتفظًا برباطة جأشه، مما أضفى على الموقف جدية غير مسبوقة، تحدث بنبرة جادة، محملة بمعاني الخوف والقلق: 
"انتي معندكيش خيار تاني يا ترنيم، لازم تحبيني، أنا بحاول ألتزم معاكي بأقصى حدود ضبط النفس و الثبات الانفعالي، اللي يعرفني كويس يعرف أن عمري ما كان عندي صبر، اللي عايزة بيكون وقتي، مش من طبيعتي الهدوء، أو إن أتحايل على حد، بس معاكي، أنا مختلف، معاكي قلبي بيجبرني، أصبر عليكي، أتعامل معاكي بهدوء وحكمة، علشان متخافيش مني، وتبعدي عني أكتر، أنا عايز أبقى الراجل اللي في حياتك وبس يا ترنيم، الراجل اللي مالي قلبك وعقلك، بس خلي بالك، لأن الهدوء ده، مش عرف المده بتاعتة قد أيه، بس اللي أعرفه، لو انتهى وشوفتي غريب الحقيقي، مش هتحبي ده، وهتحبيني غصب عنك؟"
نظرت له بعيون مليئة بالدموع، وكأن كل مشاعر القلق والحيرة تجسدت في تلك النظرة، وتكلمت بصوت مختنق يملؤه الوجع: 
"ياريتتي ما قابلتك في المستشفى، ياريت."
أنهت كلامها واستقامت بجسدها، مشاعر الفوضى تتضارب داخلها، وتحركت باتجاه الدرج، لكنها توقفت عندما سمعت صوت غريب وهو يتحدث بطريقة هادئة لكنها حاسمة: 
"أنا عرفت مين وراه حريق الشركة."
استدارت له سريعًا، ونظرها كان مليئًا بالقلق وعدم التصديق، وقالت بتساءل: 
"م مين؟"
نهض من مقعده، وتحرك نحوها ببطء حتى اقترب منها، مما زاد من حدة التوتر في الجو، وقال بجدية: 
"أخوكي ورجب، وشخصية تالتة." 
عينيه تتفحصان كل انفعال على وجهها، بحثًا عن أي بارقة للتفهم أو الرفض.
تجمعت الدموع في عينيها، وحركت رأسها بالرفض وكأنها لا تستطيع تصديق ما سمعته، وقالت بصوت ضعيف: 
"مستحيل، تامر يعمل كده! إمتى كبر وبقى بالشر ده؟ ليه الحقد اللي في قلبه عاميه ليه؟" 
كان صوتها يتلاشى مع كل كلمة، مخلفًا خلفه فراغًا كبيرًا.
وضعت يدها على وجهها، وظلت تبكي بحرقة، وكأن دموعها تعبر عن كل عذابات الحياة التي واجهتها، اقترب غريب منها، واحتضنها بهدوء وحب، ظل صامتًا، يعطيها المجال لتخلص ما بداخلها دون إزعاجها بكلمات لن تخفف من وجعها. أراد أن يكون السند الذي تحتاجه في تلك اللحظات العصيبة.
حركت يدها ببطء، وتمسكت به مثلما تتشبث الطيور بجذع شجرة في عاصفة، وظلت تبكي، وهذا ما جعل قلب غريب يتراقص بسعادة سرية، رغم أوجاع اللحظة، عندما لم تنفر منه أو تبتعد، بل بالعكس، أمسكت به أكثر، وكأنها تعبر عن خطوة من الخطوات الأولى نحو الأمان الذي تفتقده.
أخيرًا، ابتعدت عن حضن غريب، ووقفت لتجفف عينيها المملوءتين بالدموع. نظرت له بقلق، وكأن فكرة ما عميقة كانت تدور في ذهنها. وقالت بصوت منخفض متردد: "غريب، أوعى تأذي تامر، ده مهما كان شاب طايش ومش عارف هو بيعمل إيه، بس احمي سلطان منه وبس."
كوب وجهها بين يديه برفق، كما لو كان يحمل شيئًا ثمينًا يجب أن يعتني به، ونظر لها بحب عميق يظهر في عينيه. ثم قال بصوت يحمل الوعود والحنان: 
"مع إنك بتطلبي مني المستحيل، بس كل حاجة تهون علشان خاطر عيونك."
نظرت له بتوتر، حيث شعرت بثقل الكلمات على قلبها، وابتعدت عنه بخطوات حذرة:
"أنا هطلع أنام، تصبح على خير." 
أنهت كلامها، واستدارت سريعًا، كأنما كانت تحاول أن تترك وراءها كل تلك المشاعر المتراكمة، وركضت على الدرج إلى الأعلى، واتجهت نحو غرفتها، والتي أصبحت ملاذها في خضم كل تلك الفوضى من الأفكار والمشاعر المتضاربة.
ظل يتابعها حتى اختفت من أمام عينه، قلبه يشعر بفراغ غريب بينما تبتعد عنه. تحدث بصوت هامس متوعدًا، كأنه يتحدث إلى نفسه: 
"وعد مني، هخلص منه علشان أبقى أنا وبس اللي في حياتك يا ترنيم." 
كانت تلك الكلمات تمثل تعهدًا عميقًا، تصميمًا على أن يكون الحامي في عالمٍ يبدو فيه الجميع مهددين، معتقدًا بصدق أنه سيفعل ما يلزم لحماية من أحبه.
ثم صعد إلى الأعلى، واتجه إلى غرفته، حيث دارت في فكره الكثير من الخطط والأفكار، مدفوعًا بالعاطفة والرغبة في إيجاد طريقة لجعل ترنيم تشعر بالأمان من جديد.
              ***********************
في صباح يوم جديد استيقظ سلطان واكتشف رائحة ترنيم تتنقل في أرجاء المكان، انتفض في مكانه، يبحث بعينيه في الغرفة، لكن لم يجدها، وضع يده على وجهه وزفر بضيق، محاولاً أن يهدأ قليلاً قبل أن ينهض من على فراشه، نظر بحب إلى ابنته النائمة بجواره، ودسها برفق تحت الغطاء، ثم تحرك نحو الخارج، اتجه إلى غرفة فريدة، وفتح الباب ليجدها نائمة على السرير، غير مكترثة بشيء، نظر إليها بشيء من الاشمئزاز، وكأن مشاعره تجاهها لم تعد ذات معنى، فتح خزانة ملابسه، مستخرجاً الملابس التي سيرتديها، قبل أن يتجه إلى المرحاض.
بعد مرور بعض الوقت، خرج ووقف أمام المرآة، ليكتشف أن فريدة قد استيقظت وجلست على السرير، تنظر له بضيق، لم يستطع تجاهل وجودها تماماً، لكن بدا له كأن تلك اللحظة ليست أكثر من زوبعة في فنجان، وعندما انتهى، خرج من الغرفة دون أن يمنحها أي انتباه، هبط إلى الأسفل ليصطدم برؤية ترنيم، أغلق عينيه لبضع لحظات ليسكت نشيج قلبه، وهو لا يستطيع منع نفسه من التفكير في كيف تصبح لحظاته أكثر صدقاً في هذا العناق الذي يكتنز مشاعر الاشتياق، اقترب منها وجلس على المقعد، وضع قدمه فوق الأخرى، ولم يتحدث معها، محاولاً تجنب اللحظة الحرجة التي تأتي دائماً فيما بينهم.
تعالت دقات قلبها، ونظرت له بعشق واشتياق، مشاعر متضاربة احتلت نفسها، حتى تكلمت أخيراً قائلة: 
"عامل ايه يا سلطان؟"
نظر لها بضيق وقال: 
"كويس وزي الفل." 
كانت كلماته تعكس تلك اللامبالاة التي فقدت نكهتها، وكأنها مجرد كلمات تتكرر دون أي شعور حقيقي.
اقتربت منه، وضعت يدها على يده قائلة: "طمني عملت ايه امبارح في حريق الشركة." 
كان في صوتها ذلك الاهتمام العميق الذي اعتاد أن يشعر به، لكن تلك اللحظة بدت كمن يتحدث إلى جدار. 
أبعد يده عن يدها وقال: 
"حاجة متخصكيش." 
كلمات قاسية، لكن كان يشعر بأنها تفرض عليه، كأن كل شيء بينهما قد فقد حيويته.
نظرت وفاء إليهما بغضب وتكلمت بنفاذ صبر: 
"ترررنيم قومي معايا عايزاكي." 
كانت تلك لحظة توتر، كأنها قد وضعت الفتيل على بارود الجدل.
حركت رأسها بالرفض، وقالت: 
"لا يا فوفة أنا عارفة انتي عايزانى ليه." كانت عازمة على مقاومتها، وكأن تلك المواجهة هي ما تحتاج إليه لاستعادة بعض القوة.
ثم نظرت إلى سلطان، وقالت بتوسل:
"ممكن نتكلم أنا وأنت لوحدنا يا سلطان."
كانت تلك الكلمات ليست مجرد نداء، وإنما كانت طلباً عميقاً للاتصال يريد أن يقرب المسافات الفاصلة بينهما.
حرك رأسه بالرفض وقال: 
"لا يا ترنيم أنا عندي شغل مش فاضي." 
لم تكن هذه الكلمات مجرد اعتذار، بل كانت تعبيراً عن الإحباط الذي بدأ يتصاعد في داخله.
صرخت وفاء بغضب: 
"ترنيم مينفعش كده اعملي احترام لغياب جوزك." 
كانت تلك صرخات، تعكس عمق العلاقة المعقدة التي تداخلت فيها خيوط الأسرة.
نظرت لها بضيق وقالت: 
"وانا عملت ايه يقلل من احترامي ليه يا ماما؟ أنا بطلب أتكلم مع ابن خالتي اللي مربيني لوحدنا، ايه الغلط في كده؟" 
لكن الأزمة كانت أكبر من مجرد اعتذار، كانت تتعلق بالشعور بالخيانة والجروح القديمة.
ردت عليها بغضب: 
"فيه أن كلنا عارفين أن سلطان مش مجرد ابن خالتك واللي مربيكي بس يا ترنيم."
أسقطت هذه الكلمات كالصاعقة، أكدت عليها حقيقة مؤلمة كانت تحاول تجنبها.
زاغت ببصرها بعيداً بتوتر، وقالت: 
"كان الأول يا ماما، إنما هو دلوقتي مش أكتر من أنه اللي مربيني وليه فضل عليا."
كانت تلك لحظة قاسية، تزلزل كيان العائلة بأسرها.
استقام سلطان بجسده وتحرك تجاه غرفة مكتبه، وتكلم بنبرة جادة: 
"تعالي ورايا." 
في تلك الكلمات كانت تكتسي مجرد أوامر لكن بداخلها كانت خلفها رغبة في التواصل، رغم التوتر الذي يملأ الأجواء.
نهضت ترنيم من مقعدها، ونظرت إلى والدتها بتوتر، ثم تحركت خلف سلطان ودخلت إلى الداخل، مغلقة الباب خلفها. وقفت تفرك أصابعها ببعضها بتوتر، وعيونها تبحث عن العذر.
جلس سلطان على الأريكة، وضع قدمه فوق الأخرى، وتحدث بصوت مختنق: 
"عايزة ايه يا ترنيم، أنا عارفك لما تكوني عاملة مصيبة وجايه تقوليها ليا وأنتي خايفة." 
كان صوته يختفي تحت وطأة الكثير من المشاعر المتضاربة.
تحركت ببطء وجلست بجواره، ثم نظرت له بدموع، وقالت: 
"سلطان، أنا مش قادرة أتحمل أشوف نظرة اللوم والعتاب اللي في عيونك ليا دي، أنا كنت مضطرة أعمل كده علشانك، مش علشاني." 
كانت دلالاتها واضحة، تعبر عن جرح لم يندمل بعد.
ثم اقتربت منه أكثر، وأمسكت يده قائلة: "سلطان، أنت مش محتاج أقولك إن مافيش غيرك في قلبي، بس أوقات كتير الظروف بتجبر الواحد يعمل حاجة حتى لو مش على هواه، أنت كل حاجة بالنسبالي، ومش ندمانة على اللي عملته ده، مدام فيها حمايتك، ولو رجع بيا الزمن من تاني هعمل نفس اللي عملته ده، أنا أفديك بعمري كله يا سلطان."
تعالت دقات قلبه، وفي لحظة كاد أن يضعف لكلماتها، لكنه تراجع وأبعد يده عنها بصوت غاضب: 
"يعني جاية وعايزة ايه، أباركلك وأقولك شطورة اللي عملتيه ده عين العقل، عمل وطني وتستحقي التقدير؟" 
كانت كلماته تعكس الصراع الداخلي الذي يواجهه، على الرغم من مشاعره الحقيقية.
ثم اقترب منها، ممسكاً بذراعها بقوة، حدق في عينيها وهو يتمتم بصوت عاجز:
"انتي رحت اتجوزتي راجل غيري يا ترنيم، بقى هو اللي ليه حق فيكي، مش أنا، جسمك بقى ملكه هو مش ملكي، وجاية تضحكي عليا بكلمتين ملهمش تلاتين لازمة." 
كانت هذه الكلمات تخرج من قلبه وكأنها تعبر عن كل الألم الذي يشعر به.
تحملت الألم والدموع انهمرت منها بغزارة، و تكلمت بصوت مختنق من شدة البكاء: "قلتلك يا سلطان، كنت مضطرة أعمل كده علشانك." 
كانت تلك الكلمات تمثل اعترافاً بالغضب والعتاب، محاولة لشرح أفعالها بطريقة تبسط الأمور.
صرخ بغضب شديد: 
"وأنا وقتها قلتلك متعمليش كده، قلتلك هخرج من المكان اللي كنت فيه بأي طريقة، بس ازاي متبقيش ترنيم لو مكنتش تعندي وتنفذي اللي في دماغك؟" 
كان يحاول فهم الموقف، لكنه وجد نفسه محاصراً تحت ضغط المشاعر والأفعال المطلوبة.
حركت رأسها بدموع، وقالت: 
"علشان خاطري يا سلطان، متعملش كده، أنا مش قادرة أتحمل معاملتك دي، على الأقل اتعامل معايا على أني بنتك اللي كبرتها، وفضلت أربعة وعشرين سنة في حضنك، أنا محتاجة سند، محتاجة وجودك في حياتي، هتسيب بنتك تواجه الدنيا لوحدها من غير ما تسندها يا سلطان؟"
كانت تلك الكلمات تنبع من أعماق قلبها، تعكس الخوف والتحدي الذي تعيشه في تلك اللحظة.
نظر لها داخل عينيها وتكلم بنبرة موجوعة:
"بنتي خرجت من طوعي ومبقتش الطفلة اللي ربتها وكبرتها، انتي بقيتي مسؤولة من راجل غيري يا ترنيم، هو دلوقتي سندك، مش أنا." 
كانت هذه الكلمات تعكس حجم الأزمة التي يعيشها، التحولات التي لا يمكن الهروب منها.
ارتمت داخل أحضانه وتمسكت به بقوة مثل الطفل الصغير، وقالت: 
"متقولش كده يا سلطان، أنا بنتك أنت، مليش سند في الدنيا غيرك أنت، متقولش كده، يا سلطان، ده أنا بغير عليك لما بشوفك تلعب مع بنتك أو تخدها في حضنك، أنت كل حاجة حلوة في حياتي."
في تلك اللحظة، استشعر بها تماساً خاصاً، لكن الألم كان أكبر من أي حوار بينهما.
حرك يده ببطء، ثم أحاطها بقوة، أغلق عينيه، واستمر في استنشاق رحيق شعرها بشوق، مستذكرة تلك الأوقات السعيدة التي قضياها معًا. 
ابتسمت من بين دموعها وقالت: 
"وحشني حضنك أوي يا سلطان." 
كانت الكلمات رقيقة، لكن الأجواء كانت مشحونة.
أبعدها عن حضنه، وضع أصابعه أسفل ذقنها، ورفع وجهها إليه، اقترب منها ليقبلها، لكنها وضعت أصابعها على شفتيه، حاجزاً بينها وبينه، وتكلمت بصوت مختنق: 
"مش هينفع يا سلطان، أنا مش خاينة، أنا تربيتك انت، وعمري ما هقبل بده يحصل، زي ما ربتني." 
كانت المقاومات تتعزز، وكأن حبها ما زال موجوداً رغم العوائق.
نظر لها نظرة مطولة، ثم نظر في الاتجاه الآخر، حركت يدها وارغمته أن ينظر لها، وتكلمت بنبرة مختنقة: 
"سلطان، خلينا على الأقل نحافظ على الحب اللي ما بينا، بس حب أب لبنته وبنت لأبوها، حرام علاقتنا دي تنتهي بالشكل ده، انت كنت محور حياتي من وانا طفلة وما زالت كده برضه دلوقتي، بس الزمن بيتغير، وزي ما كنت كل حاجة في حياتي الأول، هتفضل كده برضه حتى لو أنت رفض ده، أنا من غيرك بضيع بترجاك، خدني في حضنك واحتويني، أنا من غيرك ولا حاجة." 
ضمها بقوة، أغلق عينيه كي لا تفضح الدموع مشاعره، وتكلم بألم وحزن: 
"وانتي كل حياتي يا ترنيم، بس مينفعش بعد ما كنت راسم حياتي معاكي في كل حاجة، فجأة أغير ده وأشوفك مع راجل غيري، ارجعيلي يا ترنيم لو بتحبيني بجد. أطلقي منه وتعالي نتجوز." 
كانت تلك اللحظة مليئة بالأمل والخيبة، تحمل أبعادًا أكبر من مجرد كلمات.
تكلمت من بين شهقاتها وقالت: 
"بحبك والله العظيم بحبك، بس صدقني مش هينفع خلاص، انت بقى ليك حياتك، وأنا ليا حياتي، كل واحد فينا بقى عنده عيلة صغيرة، بس زي ما قلتلك، أنا محتاجك جنبي، بنت محتاجة لأبوها، متتخلاش عني يا سلطان." 
وفي ذلك الوقت، فتحت فريدة الباب ونظرت لهما بغضب: 
"أجيب ليكم اتنين ليمون؟" 
وقد أضافت ثقلًا آخر إلى المشهد المليء بالتوتر، كأنها لم تدرك عمق المحادثة حينها.
ابتعدت ترنيم عن حضن سلطان سريعاً، ونظرت إلى فريدة بضيق، ثم نظرت إلى سلطان وأمسكت يده، قائلة: 
"خلاص يا سلطان، اتفقنا؟" 
كانت هذه كلماته تعكس إعلاناً عن أسئلة أكبر بدأت تنمو في ذهنها.
نظر سلطان إلى فريدة بغيظ، ثم نظر إلى ترنيم بحزن، وقال: 
"موافق على كلامك ده مؤقتاً، بس قريب أوي هرجع كل حاجة زي ما كانت الأول."
كان يضع لنفسه حدوداً صعبة، لكن تلك اللحظة كانت بمثابة خريطة جديدة للمستقبل.
استقامت بجسدها ونظرت له بابتسامة، قائلة: 
"هروح أقعد مع ماما وخالتوا شوية قبل ما أروح." 
تحركت باتجاه الباب، ونظرت إلى فريدة باشمئزاز، ثم دفعتها أمامها وخرجت بضيق، كانت كل خطوة تطلق نيران الصراع في قلوبهم، بينما كانت فريدة تنظر إليه بقلق.
تحركت فريدة بغضب إلى الداخل، وتكلمت بصوت مختنق: 
"مش المفروض تحترمونا ولا إيه يا سيد المعلمين؟ هي تخون جوزها معاك، وانت تخوني معها وحاجة أخر قرف." 
كلماتها تحمل طعناً، لكن سلطان كان مجبراً على الدفاع عن نفسه دون أن يجرح نفسه أكثر.
نهض سلطان من على مقعده، واقترب منها، وأمسكها من شعرها بقوة، وتكلم بنبرة همسة غاضبة بجوار أذنيها: 
"أنا أقطع لسانك، ولسان أي حد يجيب سيرة ترنيم بكلمة مش كويسة، ترنيم أشرف منك ومن عشرة زيك، أنا لو عايز أعمل حاجة هعملها، مش هخاف منك يا روح أمك، ولآخر مرة هحذرك يا فريدة، اسم ترنيم ميجيش تاني على لسانك علشان متشوفيش الوش التاني مني، فاهمة؟" كانت تلك الخطوة جزءًا من مواجهة أكبر تتجاوز مجرد لحظة غضب.
تألمت من مسكت شعرها، وتكلمت بدموع:
"انت جوزي يا سلطان، ومن حقي أغير عليك، ابعد أي حد يحاول يخرب بيتنا بكل الطرق المسموحة والغير مسموحة، بلاش تضغط عليا، علشان أنا بتحول لما حد يحاول ياخد حاجة بتاعتي." 
كانت هذه الكلمات تعبر عن قلقها، تشعر بأنها تدافع عن كل شيء تعنيه.
ضغط أكثر على شعرها، وتكلم بتحذير:
"وانا بتحول برضه لو حد فكر مجرد تفكير يأذي ترنيم، بلاااش تلعبي بالنار يا فريدة علشان متحرقيش." 
كانت أجواء الاحتدام تتصاعد، وكل كلمة تخرج منهما كانت كقبضات مشتعلة.
أنهى كلامه، ودفعها بقوة، فسقطت على الأرض، وخرج من الغرفة وتركها، كانت مشاعرها متضاربة، كأنها استشعرت النهاية لكنها أيضاً اعتادت التحدي.
نظرت إلى أثره، وتحولت نظرتها إلى توعد، وقالت: 
"ماشي يا سلطان، شوف كلام مين اللي هيمشي، وابقى وريني هتحميها مني ازاي."
كانت نار الغضب مشتعلة، تحت ضغط المواقف والصراعات المحيطة بها.
ثم استقامت بجسدها، وخرجت مسرعة نحو غرفتها، كأنها في صراع داخلي لم ينتهي بعد، بل بدأ للتو.
          ************************
وصل غريب إلى إحدى الأماكن العالية، حيث جلس على الأرض وامسك بسلاحه، وبدأ في تجهيز نفسه لحظة الحسم، كانت الأجواء حوله مشحونة بالتوتر، عندما انتهى، جثى على ركبتيه وبدأ يوجه سلاحه إلى أحد بوابات المستشفى، عازماً على تحقيق هدفه الذي أرهق جسده وعقله، ركز نظره على الهدف، بقلق متزايد وأفكار متضاربة تعصف برأسه، وضع أصابعه على الزناد وأخذ يحركه ببطء، الموقف كان متفجراً إلى حد كبير، ولكن، قبل أن يضغط عليه، تفاجأ بدخول ترنيم إلى الداخل، أنزل سلاحه ونظر إليها باستغراب، كمن رأى شبحاً، أغلق عينيه ليدفع عن نفسه مشاعر التوتر التي بدأت تكتسح كيانه، ثم بدأ يعيد أسلحته إلى مكانها مستعدًا لمغادرة المكان بروح مثقلة بالهموم.
اتجه نحو سيارته، وضع ما بيده داخل السيارة، ودفع الباب بعنف كأنه يريد أن يتخلص من الضغط الواقع عليه، قبل أن يتحرك باتجاه المستشفى مرة أخرى، دخل فجأة إلى الداخل وظل يبحث عن ترنيم حتى رآها تخرج من مكتب دكتور عصام، ذاك المكتب الذي يحمل في جدرانه العديد من الأسرار والقصص التي لم تحكى، اقترب منها وتحدث بنفاد صبر، قائلاً: 
"كنتي بتعملي أيه هنا؟"
نظرت له باستغراب ودهشة، وكانت عيناها تعبر عن قلق عميق، وقالت: 
"كنت جايه أكلم دكتور عصام علشان يرجعني الشغل، وانت أيه جابك ورايا؟"
صك على أسنانه بغضب وأخرج الكلمات من بين شفتيه بحذر، لكنه لم يستطع إخفاء معاناته: 
"وانتي ايه خرجك من البيت من غير ما تقوليلي؟"
حركت كتفيها بعدم اهتمام، وكأنها تحاول إخفاء مشاعرها، وقالت: 
"عادي يا غريب، أنا قلت انت نايم مرضتش أزعجك، رحت أطمنت على ماما وجيت أكلم دكتور عصام يرجعني أشتغل من تاني في المستشفى!"
اقترب منها ونظر إليها والشرار يتطاير من عينيه، وهذه المرة لم يكن التوتر فقط، بل قلق على سلامتها، وتحدث من بين أسنانه:
"رحت فين قبل ما تيجي على هنا؟" 
كانت نبرة صوته تظهر بأنه يراجع حساباته ويدرك خطورة ما قد يحدث.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ورأت في عينيه ذلك الغضب المشتعل، وتحدثت بتلعثم: 
"كنت بطمن على ماما." 
وكأن الكلمات عالقة في حلقها، لم تكن واضحة.
أمسكها من ذراعها بغضب، كما لو كان يحاول أن يحميها من شيء لا تدركه، وقال:
"وانتي ايه يوديكي هناك وأنا مش معاكي؟ قابلتيه، صح؟ قرب منك؟ حضنك قالك بحبك قالك ارجعيلي؟" 
وكأن هذه الأسئلة قدمت له كأدلة تدينه.
أغمضت عينيها بألم، حاولت أن تتلاشى كل ما يربطها بالماضي، وقالت: 
"غريب، دراعي يا غريب، انت كده هتكسر دراعي." 
ضغط بقوة أكثر، وتأجج غضبه، حيث أمضى زمنًا طويلاً يحمل همومه، واحمرت عينيه من شدة الغضب، ثم قال: 
"ردي عليا، قابلتي سلطان يا ترنيم." 
كان يتحدث وكأن كل كلماته تحمل ثقل عالمه، متحمساً وكأنه بصدد كشف لغز غير قابل للاكتشاف.
تجمعت الدموع في عينيها من شدة الألم الذي شعرته تحت قبضته، وتحدثت بصوت مختنق: 
"أيوه قابلته يا غريب، بس والله طلبت منه ينسى اللي كان ما بينا، قلتله تفضل علاقتنا ببعض أب وبنته، والله العظيم هو ده اللي حصل، ما بكدب عليك." 
كانت كلماتها صادقة، محملة بالألم وتبحث عن بعض التفاهم.
اقترب منها ونظر داخل عينيها حتى يبث الخوف في قلبها، وهو يعرف أنها ليست كالأخريات، وقال: 
"أول وآخر مرة رجلك تخطي هناك عنده وأنا مش معاكي، فاهمة؟" 
طاغيًا بشعور الحماية المفرط.
أومات رأسها بدموع، وتعكس ردود فعلها مدى تصدع نفسيته، وتحدثت بألم: 
"فاهمة، بس سيب دراعي يا غريب، حرام عليك بيوجعني." 
كانت كلماتها تحمل مزيجاً من التحدي والاستجداء.
ظل معلق نظره عليها، وكأنها جزء من قلبه، وبعد عدة ثوان ترك ذراعها وأمسك يدها برفق، لكنه لم يكن يعي أن هذا الفعل قد ألحق بها المزيد من الألم، وارغمها على التحرك معه خارج المستشفى، تكلمت سريعاً، وكأن الوقت ينفد، وقالت: 
"استنى يا غريب، مش هينفع أروح معاك، دكتور عصام وافق أن أرجع الشغل المرادي، ودي آخر فرصة، بترجاك يا غريب." 
وقف فجأة ونظر إليها بغضب، وهذا الغضب لم يكن موجهًا إليها بقدر ما كان نابعاً من القلق الذي يشعر به، ويتحدث: 
"دي لو أخر مستشفى، مش هتشتغلي فيها يا ترنيم." 
كانت لهجته واضحة، لكن قلبه كان يعتصر بألم.
صرخت في وجهه وقالت بغضب، وكأنها تبحث عن فهم مشاعرها: "ليه هو أي تحكم وخلاص، أنا حابه الشغل في المستشفى دي." 
ضغط على أسنانه بغضب وقال، وهو يحاول تقبل فكرة رفضها: 
"اسمعي الكلام وامشي احسنلك." 
كانت نبرة صوته تعكس حالة من اليأس.
عقدت ذراعيها على صدرها وقالت بنبرة صارمة: 
"لا يا غريب، مش ماشيه وهشتغل هنا يعني هشتغل هنا." 
حرك يده على وجهه بغضب، كان مشدوداً لعواطفه المتصارعة، وقال: 
"اسمعي الكلام من مرة واحدة يا ترنيم، وامشي معايا بقولك."
نظرت في الاتجاه الآخر، وكأنها تبحث عن أرضية توافق تتيح لها فرصة للنجاة، وقالت بتمسك: 
"قلتلك لااا، أنا هدخل جوة واشتغل هنا." 
مال بجسده وحملها رغماً عنها، وكأنها ضائعة في أعماقها، واتجه نحو السيارة. فتح الباب ووضعها داخلها، وأغلق الباب، ثم تحرك بالاتجاه الآخر وصعد أمام المقود. قبل أن يتحرك، سمع صوت شهقاتها وهي تقول، وقد اجتاحت مشاعرها: 
"على فكرة، بقى، بطريقتك دي هتكرهني فيك، مش هقدر أحبك وانت بتتعامل معايا كده، أنا واحدة عاشت عمرها كله وهي كل حاجة مجابه ليها، وانت في يوم وليلة عايز تتحكم فيا، وعايزني أحبك، طيب ازاي."
لمعت ملامحه المتجهمة بنور خافت، ونظر إليها بحنو، وهو يحاول أن يفهم تعابير روحها المتنازعة، وتحدث بنبرة هادئة: 
"أنا خايف عليكي يا ترنيم، المكان ده مش زي ما انتي مفكرة، المكان ده مقبرة." 
كان في صوته مزيج من القلق والحب.
نظرت له باستغراب، وكأنها تحاول فك رموز كلماتة، وتحدثت بعدم فهم: 
"يعني إيه مش فاهمة؟" 
كانت الكلمات تتعلق بخيوط الشك.
زفر بضيق، وهو يشعر بفقدانه الأعصاب يتجاوز الحدود، وتكلم بصوت مختنق: "مش هينفع أوضحلك أكتر من كده، بس علشان خاطري بلاش تشتغلي في المكان ده، أنا هشوف ليكي أحسن مستشفى أشغلك فيها، إنما دي لا."
ردت عليه بتساءل، لكن شغفها للمعرفة يعارض رغبته: 
"انت برضه اقتحمت المكان ده قبل كده، أنا عايزة أفهم إيه اللي بيحصل في المكان ده."
أخذ نفساً عميقاً، وكأن الكلمات خرجت بصعوبة مع كل زفرة، وأخرجه بهدوء، قال:
"المكان ده لتجارة الأعضاء، وأنا مطلوب مني أصفى دكتور عصام وأوقع فريقه كله، بس انتي جيتي دلوقتي ووقفتي كل حاجة زي ما حصل برضه يوم ما اقتحمنا المكان وكنتي السبب في إني أتراجع وانسحب."
اتسعت عيناها في صدمة، وكانت الدهشة تجلى في كل ملامح وجهها، وتكلمت بعدم تصديق: 
"لا، أنت بتهزر! صح قولي يا غريب إن الكلام ده مش حقيقي، ده سلطان جابني هنا علشان كان واثق في دكتور عصام."
ضغط على أسنانه بغضب، لكن عواطفه كانت تتضارب، وتكلم بتهكم: 
"وهو سلطان بتاعك ده بيفهم حاجة؟ المهم اسمعي الكلام وابعدي نفسك عن المكان ده." 
حركت رأسها بالرفض، وكأنها أشعلت نار التحدي داخلها، وقالت: 
"لا يا غريب، مش هبعد، وانت مش هتقتل حد، أنا هوقعه هو وفريقه لشرطة، مش ليك."
رفع أحد حاجبيه إلى الأعلى، ينظر إليها كما لو كانت قد فعلت شيئًا رائعًا، وقال: 
"والله! وأنا متجوز المحقق كونان؟"
نظرت له بضيق، وكأنها لا تفهم لماذا يأخذ كل شيء على محمل الجد، وقالت: 
"لا، مش المحقق كونان، بس أنا هعرف أكشفهم بطريقتي، مش كل حاجة قتل ودم، على فكرة." 
اعتدل على مقعده وأدار السيارة، ولازالت الأفكار تتزاحم في رأسه، وقال: 
"ولما ميكونش فيه قتل ودم، أنا هيكون لزمتي إيه، ده شغلي؟" 
كانت كلمات مفعمة باليأس والقنوط.
نظرت عبر النافذة، وكأنها تبحث عن شيء يبرر خيبتها، وتحدثت بتهكم: 
"اشتغل بتاع كشري."
ابتسم على كلماتها، كأنما حطمت جدار الغضب، وقال: 
"لو ده هيضمن وجودك جنبي، اشتغلها، معنديش مشكلة." 
تلك الإيجابية أعطت لمعة خافتة في عينيه، مما جعل الأمل يتسلل بينهما.
ابتسمت ابتسامة هادئة، لكنها لا تزال مرتبطة بمشاعر الخطر، وظلت تتابع الشوارع بصمت تام، كأنها تبحث عن مخرج من هذا الصراع روحي، مزيج من الحب والخوف يسيطر على خطواتها المقبلة.
         *************************
هبطت مريم من أعلى الدرج، وتلألأت عينيها بنور خاص، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة تحمل معاني عديدة، لقد كانت تنظر إلى تامر، الذي بدت على ملامحه دهشة خفيفة في تلك اللحظة. اقتربت منه بكل حماسة، جلست بجواره وعبرت عن فرحتها بوضوح، قائلة: 
"أنا جاتلي فكرة بمليون جنيه."
توجه رجب نحوها بنظرة فضولية، وقد بدا عليه الانتباه، متسائلاً بشغف: 
"فكرة إيه؟ قولي يا أم دماغ ألماظ."
ردت مريم بتصميم وثقة، فقد كانت عازمة على مشاركة خطتها: 
"أنا قررت اتجوز غريب ضرغام."
فوجئ الجميع، وارتسمت على وجوههم ملامح الصدمة، تكلم تامر بعدم فهم، محاولًا إدراك ما حدث للتو: 
"إزاي يعني؟ مش فاهم ده هيفيد بإيه؟”
أجابت مريم بثقة متجددة، وشفتاها تعكسان ابتسامة مليئة بالتشويق: 
"لما اتجوز غريب ضرغام، هقدر ألهي عن حماية سلطان، اللي هو فرض سيطرته عليها، ومحدش فينا هيقدر يقرب منه مدام بقى تحت حمايته، وفي نفس الوقت، هكون قهرت البت الصفرا اللي اسمها ترنيم، يعني حبيبها اتجوز غيرها وجوزها كمان اتجوز عليها، هتبقى ضربة معلم بجد."
نظر رجب إليها بسعادة، تتلألأ عينيه بإعجاب، مظهراً تأييده لفكرتها المبتكرة، فقال: 
"تسلم دماغك الألماظ دي، وأنا متأكد إنك تقدري تعمليها بسهولة، مين الأعمي اللي هيشوفك وميقعش في حبك؟"
ابتسامة غرور ساحرة ارتسمت على شفتي مريم، فأجابت بلطف يفيض بالثقة: 
"ما أنت قولتها يا رجب، أعمي اللي ميشوفش الجمال ده كله، وأنا واثقة إنه هيقع في حبي في أقل من شهر."
نظر تامر إليها بغيرة، وعيناه تتقدان بلهب الاحتدام، بينما أمسك بيدها برفق لكنه حازم، مكرهاً إياها على الوقوف والتحرك معه نحو الأعلى، دفعها داخل الغرفة، وقام بالتحدث بصوت غاضب متوتر: 
"عايزة تتجوزي راجل تاني يا روح أمك؟"
اقتربت منه بدلع، والحماس يزداد في عينيها، وقالت بلهجة مزدوجة بين الشغف واللعب: 
"بتغيري عليا يا بيضة؟ يا روحي، مافيش غيرك اللي في قلبي، بس ده شغل، حاجة مؤقتة، نخلص من سلطان، وكل حاجة تبقى تحت أيدينا، والشغل يرجع تاني زي الأول، وبعد كده أطلق من غريب، ونتجوز أنا وانت يا تيمو.”
أمسك بذراعها بغضب، متحدثاً بصوت مختنق كأنما يحاول كتم بركان من المشاعر: 
"وأنتي لما تتجوزي مش هيلمسك، ولا يقرب منك؟ انتي اتجننتي يا بت، مش شيفاني راجل في عينك ولا إيه؟"
حركت مريم يدها برقة على صدره، وكأن أناملها تحاوط دقاته، وتكلمت بإغواء ينطلق مثل نسمات الليل: 
"فشر، ده انت راجل وسيد الرجالة كمان، بس زي ما قولتلك يا تيمو، ده شغل وتكتيك، ولازم الخطوة دي مع ضرغام، مدام أدخل في حماية سلطان، محدش فينا هيقدر يمس شعرة واحدة منه، وكل اللي عملناه ده هيروح على الفاضي، شغلنا خلاص هيقف، لأن شغله اللي كنا بنستخدمه كغطى لينا، كشفه، وهتبقى عينه مفتحة علينا أربعة وعشرين ساعة.”
ثم اقتربت منه أكثر، متلاعبة بكل لحظة، وقالت بصوت هامس يحمل الكثير من الوعود: 
"وبعدين احنا مع بعضينا يا تيمو، حتى لو اتجوزت غريب، هبقى معاك في أي وقت تحتاجني."
أنهت كلامها بغمزة تحمل خلفها الكثير من الأسرار، وكأنها تدعو لأبواب جديدة تفتح، بينما الوسط من حولهما يغمرهما في سحر اللحظة.
         *************************
بعد مرور عدة أسابيع...

هبطت ترنيم من الأعلى، وكانت تعلو وجهها ابتسامة مشرقة تحمل الكثير من الأمل، وعندما وجدت غريب يجلس بشكل مريح، يضع قدماً فوق الأخرى بطريقة تعكس استرخاءه، كأنه في عالم خاص به بعيد عن هموم الحياة، شعرت بالراحة من مجرد عدم تواجد أي نوع من التوتر في تلك اللحظة. اقتربت منه وجلست أمامه على الأريكة التي كانت مريحة ودافئة، وكلماتها خرجت بابتسامة عاطفية: 
"باشا مصر، صباح الخير."
ابتسم لها، ونبرته كانت تحمل لمسة من العشق والشغف كأنه يستقبل شعاع شمس الصباح: 
"صباح النور، رايحة فين كده إن شاء الله؟"
ابتسمت له بتوتر، وكانت تسارعت نبضات قلبها كأنها على وشك الخروج من منطقة الأمان، وهي تقول: 
"إيه ده، هو أنا مقولتلكش؟"
رفع حاجبيه بأستنكار لعابثيتها، وكأنها أوقعته في حيرة أطلقت سراح التساؤلات في عقله: 
"لا، مقولتيش. خير؟"
ابتلعت ريقها بتوتر كان يدور في أحشائها، وأطلقت تنهيدة عميقة، كأنها تحاول تهدئة مزيج من الخوف والقلق قبل أن تقول: "أحم...طبعًا انت سمعت عن عقوق الوالدين، وربنا أمرنا بالود ونسأل عليهم، أمي غلبانة ويتيمة، والدنيا جايه عليها بالأوي، قوم إيه بقى، قولت بت يا ترنيم، كله إلا الأم، لازم تروحي ليها وتسألي عليها، بس كده قومت لبست هدومي، واخدت ديلي في سناني وقلت يا فكيك."
ابتسم على طريقتها، وتعبير وجهه أصبح جادًا، حيث كان يستشعر مشاعرها باهتمام عميق: 
"كل ده علشان تقولي إنك رايحة عندك أمك؟"
ابتسمت له وعينيها تتلألأ بمزاح، وكان هناك بريق من الشقاوة يضيء وجهها: 
"بس متنكرش إن المقدمة أثرت فيك، تراني تأثرت لحظة ابكي، أهئ أهئ."
قهقه غريب، وهو يستمتع بمزاحها ومشاعرها المتدفقة: 
"أنا موافق، عارفه ليه؟ علشان خفة دمك دي."
تعالت ضحكات ترنيم، وهي تقول بنبرة مرحة وتلعب بدلال: 
"اللهي يجبر بخاطرك، اللهي يكرمك بواحدة شبهي! ولا استنى، دي دعوة عليك مش ليك! بلاش يرزقك بواحدة شبهي!" 
ثم أضافت بتفكر: 
"ربنا يعلي مراكزك، ويبعد عنك ولاد الحرام، ويبعدك عن سكة الدم والقتل يا غريب يا ابن أم غريب، يارب." 
كانت جملتها الأخيرة مزيجًا من الجدية والمرح، تحاول أن توازن بين إظهار مشاعر الجد والدعابة، وكأنها تخشى أن يقول شيئًا يشبه الجدية، فتمزح لتخفف من انزعاج الموقف.
أمسك يدها بنعومة، ونظر في عينيها بصدق عميق، حيث كانت لحظة قريبة لدرجة أنه يمكنه أن يشعر بنبض قلبها:
"بلاش جو الشحاتة دي يا ترنيم، وبعدين يرزقني ليه بواحدة شبهك، والأصل اللي هو انتي معايا؟" 
كلماته كانت كفيلة بإشعال شعلة من الخجل في وجهها، حيث استشعرت ثقل العلاقة الجديدة بينهما ورغبتهم في أن تكون أقرب مما هم عليه الآن.
ابتلعت ريقها بتوتر، وأبعدت يدها عنه بحركة مفاجئة، وكأنها وجدت نفسها محاصرة في هذه اللحظة المثيرة: 
"ا أنا همشي ب بقى." 
اقترب منها، محاطًا بها بذراعيه، حيث جاءت نبرته هامسة تحمل الكثير من المشاعر: 
"تعرفي إن خفة دمك دي هي اللي وقعت قلبي فيكي؟" 
كان هناك شيء سحري في هذه الكلمات، شعرت برغبة في السقوط في هذا الجاذبية، ولكنها كانت تحاول مقاومة الاندفاع.
نظرت له في عينيه بلطف واحتياج، وكان الخجل يملأ وجهها أثناء قولها بتلعثم: 
"ها ي يقطعني، مكانش قصدي أوقع قلبك خالص والله." 
اقترب منها أكثر، حتى التصق بها، وشعر بأن نبضاتها تتسارع بينما كان يتحدث بلهجة تخترق صمت اللحظة: 
"أنا فرحان أوي إن علاقتنا بدأت تتغير للأحسن، ومبقتيش زي الأول معايا." 
كانت الكلمات تتدفق من شفتيه وكأنها موسيقى تعزف على أوتار قلبها، حيث بدأ الشغف يتسلل بينهما في دفء الجو المحيط.
أغلقت عينيها بتوتر، وكلماتها كانت متقطعة، وكأن الكلمات تتشابك في حلقها وهي تقول: 
"غ غريب، س سيبني، أ أمشي."
قالت ذلك وذراعها ترتعش قليلاً.
اقترب بوجهه أكثر، وهي شعرت بأنفاسه الساخنة تلهب وجهها، ثم قال: 
"أنا عايز أكون الوحيد اللي في قلبك يا ترنيم، عايز دقاته تدق بأسمي، صدقيني، لو سيبتي نفسك ليا مش هتندمي، وهتشوفي معايا عشق من نوع خاص." 
أنهى كلامه بوضع قبلة رقيقة على خدها، ثم ابتعد عنها، واضعًا ابتسامة هادئة على وجهه: 
"روحي يلا، ومتتأخريش، وطبعًا مش محتاج أقولك ملكيش دعوة بمين." 
كانت الابتسامة تعكس الأمل والتحدي، كأنما يعدها بأن الوعود التي قطعها لن تذهب سدى، وقفت هناك للحظة، تتوق إلى المزيد من الكلمات والوعود، لكن شعور الخجل كان قد جرفها إلى عالم من الأفكار المتضاربة.
أومأت رأسها بتوتر، ثم ركضت سريعًا إلى الخارج، صعدت السيارة، وتحرك السائق بها إلى الحارة، بما أن عائلة سلطان عادوا مرة أخرى إلى بيتهم، وبينما كانت السيارة تسير، شعرت كأنها تغرق في أحلامها، تقترب أكثر من قرار كان يمكن أن يغير الكثير في حياتها، ولكن عليها أن تكون شجاعة بما فيه الكفاية لتتخطى مخاوفها وتتقبل الفرصة التي قد تفتح أمامها أبواب السعادة الحقيقية.

تعليقات