رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثالث والعشرون
وصلت السيارة بترنيم الحارة، وترجلت منها بخفة، بينما تحركت باتجاه المنزل، كانت الحارة تنبض بالحياة، حيث استمع الناس إلى أصوات الأطفال يلعبون في الشوارع وشم رائحة القهوة من المقهى المجاور، عرفت ترنيم أنها محاطة بأحبائها، فكان الشعور بالأمان يملأ قلبها، رافقها أحد رجال غريب إلى الباب، حيث وقف بالخارج، وصعدت هي على الدرج، وهي تحمل في جعبتها الكثير من الأفكار والمشاعر المتناقضة، في تلك اللحظة، كان سلطان يهبط إلى الأسفل، وعندما رأته، ابتسمت له بشكل تلقائي، كأنما كان يشعل في داخلها شعلة من الطموحات والأمنيات.
"صباح الخير يا سلطان."
نظر لها بشوق، وكأن عيونه كانت تروي قصة حب غير مكتملة، وقال:
"صباح النور يا بنت قلبي."
ابتسمت له، ثم قالت بنبرة شقية:
"بقالك كتير أوي يا سوسو، مقولتش الكلمة دي ليا."
اقترب منها وتنهد بحزن، كأن كل كلمة كان ينطق بها تحمل عليه آلام الأيام التي عاشها، وقال:
"أنا اشتقت لأيامنا يا ترنيم، مش ماشي معايا موضوع الأب وبنته، آه، انتي بنت قلبي بس اللي بعشقها و نفسي أخدها في حضني وأخبيها من العلم كله."
تنحنحت بتوتر متفاقم في مشاعرها، وابتسمت له، متحدثة بتلعثم، وكأن الكلمات كانت تتراقص على طرف لسانها:
"سلطان، احنا اتفقنا على إيه؟ خلي علاقتنا في حدود القرابة وبس، علشان خاطر بنتك، وعلشان خاطر الراجل اللي متجوزاه، انت أغلى حاجة في حياتي، أغلى من نفسي كمان، وليك النصيب الكبير في قلبي، بس فيه ناس تانية متستحقش مننا الغدر."
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنما كانت تحاول استجماع قوتها، وأكملت:
"يلا، أنا هطلع فوق، وانت حاول متتأخرش علشان الحق أقعد معاك شوية قبل ما أمشي."
أنهت كلامها وصعدت إلى الأعلى، وتركته في حالة من التأمل العميق.
نظر سلطان إلى أثرها، وقال بصوت مختنق، يحاول كبح ألم افتقاده لها:
"مهما حاولتي تداري وجعك عني، مش هتقدري يا ترنيم، انتي تربيتي أنا وفهمك أكتر من نفسك."
أنهى كلامه، وهبط إلى الأسفل، محملاً بأفكاره المشتتة.
وقفت ترنيم أمام باب الشقة، أخذت نفسًا عميقًا كأنها تستعد لمواجهة تحدي جديد، وأخرجته بحزن، محاولة تهدئة حالها حتى لا يرى أحد حزنها الدفين، ثم ضغطت على زر الجرس، ففتحت لها سمية، احتضنتها بابتسامة متألقة، محطمة لحظة الصمت:
"سلام حاير طاير لأحلى وأوطى بنت خالة، فيكي يا بلد اللي مبتسألش وخايفة على رصيدها ليخلص."
ابتسمت سمية على كلماتها، وقالت بتوضيح ودود:
"يا ستي بتحرج، اتصل عليكي، يكون الوقت مش مناسب ولا حاجة."
رفعت أحد حاجبيها بمزاح، وتكلمت بتهكم، ودموع الضحك تملؤ عينيها:
"تصدقي صح، أصل احنا عندنا الوقت كله مش مناسب، يا شيخة، اتنيلي على عينك اللي ميعرفش يقول عدس."
ثم دفعتها بعيدًا عنها، وقالت، مزيج من الضحك والمزاح في صوتها:
"اوعي كده من وشي، أنا أصلاً مش جايه علشانك، أنا جايه علشان فوفة وصبوحة."
ابتسمت سمية على حركاتها، ثم أغلقت الباب ودلفوا إلى الداخل، حيث كان الضحك يملأ المكان.
تكلمت ترنيم بصوت مرتفع بطريقة كوميدية، داعية لمزيد من الأجواء المرحة:
"يا لهوي يا ناس، الدنيا كلها عندها قمر واحد، وأنا اللي عندي قمرين، صبوحة وفوفة، وحشتووني يا ولاد الأية."
احتضنتها وفاء بأشتياق، وكأن الدماء التي تجمعهما قد أثبتت أهميتها العميقة، وقالت:
"وحشتيني يا ضي عيني، وحشتني شقاوتك ودمك الخفيف."
تمسكت بها بقوة وتكلمت بسعادة:
"يا أختى، وأنا جايبة خفة الدم دي من مين؟ ما منك انت يا جميل يا طعم."
ثم ابتعدت عن والدتها واحتضنت خالتها صباح، وقالت، مقدمة لها تحية محبة:
"صبوحة يعني العسل كله، يعني الطيبه والحنان، يعني الوجه الحسن والبشوش، يعني صبح الصباح فتح يا عليم، يعني زقزقة العصافير بتظهر أول ما تفرض سيطرتها على السما."
تعالت ضحكات الجميع وسط الأجواء الدافئة، بينما تمسكت صباح بها بقوة، وربتت على ظهرها بحنو، مبرهنة على مشاعرها الصادقة:
"وحشتيني يا قلب خالتك، كده برضه يا ترنيم، شهر بحاله تحرمينا منك."
ابتعدت عن حضنها، وتكلمت بمزاح، مظهرة روح الدعابة التي تميزها:
"أعمل إيه مع الكائن اللي عايشة معاه ده، حبسني في البيت ومش راضي يخرجني منه، ده أنا عملت بهلاونه دلوقتي علشان أخليه يوافق."
ردت عليها بنبرة حنونة، مؤكدة أنها تقدر صراحتها:
"معلش يا بنتي، الرجالة كلها كده، وهو من كتر حبه فيكي مش عايزك تبعدي عن عينيه لحظة."
ردت عليها بمزاح، محاكية المشاعر بين الأجيال:
"العمر لحظة، والحلوفة مش ملاحظة."
حركت وفاء رأسها بنفاذ صبر، وتكلمت بابتسامة، وكأنها تحاول توجيهها:
"يا بنتي، مش هتعقلي أبداً، ده انتي كلها شهور وربنا يرزقك وتبقي أم."
نظرت لها باستغراب، والأفكار تتزاحم في ذهنها، وقالت:
"إيه ده يا فوفه، هو أنا حامل وأنا معرفش؟"
نظرت سمية لها باستغراب، مؤكدة أنه يجب أن تكون مدركة:
"بت أنتي عبيطة!"
حركت رأسها بالرفض، مبدية عدم فهمها:
"لا، بس عندي بنت خالتي هبله شويه، بس بتسألي ليه؟"
وضعت سمية يدها على وجهها وتكلمت بنفاذ صبر:
"الله يكون في عون جوزك منك، أنا لو منه، أسربك كل يوم من البيت علشان يقعد في روقان شوية."
رفعت أحد حاجبيها إلى الأعلى، موافقة على عرضها لكن بلهجة مرحة:
"يسربني!! ليه هو مربي قطة عنده؟ جاتك البلاوي، وانتي شبه مرات عمي الصفرا."
تكلمت صباح بنبرة حنونة، تأكيدًا على أهمية التواصل والمشاركة:
"هتتغدي معانا النهاردة بقى، انتي وحشاني أوي يا ضي عيوني."
ابتسمت لها بحب، وقلوبهم ممتلئة بالمودة:
"والله يا صبوحة، أنا معنديش أي اعتراض، ده أنا هتجنن عليكم، بس يعني لو تعملوا معايا واجب وتتصلوا بالكائن الموجود في البيت ده وتقولوا ليه تبقوا عملتوا أحلى واجب."
ردت وفاء عليها باقتراح، يحمل في طياته أملاً:
"أنا هكلمه وبالمره أعزمة يجي يتغدى معانا."
ردت عليها ترنيم بطريقة مرحة، مضافة جو من الدعابة:
"هتعزمي غريب على الأكل، يبقى اعملوا حسابكم على محاشي وكوارع وفشه، ده مدمن محشي، والأكل اللي شبه كده والشعبي جداً، اللي يشوفوا وهو بيطلب الأكل ده، وياكلوا يقول متربي في حواري إسكندرية."
تعالت ضحكات الجميع، وتكلمت وفاء، محملة بكلمات تشجيع:
"اعمله كل اللي بيحبه ده يوم المنى، لما أعمل لجوز بنتي الغالي الأكل اللي بيحبه، روحي غيري هدومك يلا."
حركت رأسها بالرفض، وعلت على تعبيراتها الرائعة:
"لا، هلبس أي حاجة من عند البت سمية، بقالي كتير أوي ملبستش حاجة من هدومها."
ثم وضعت ذراعها بذراع سمية، داعية إياها لمشاركتها:
"تعالي يا أختى، وقوليلي وصلتي مع الشباك لإيه."
اتسعت عين سمية بصدمة، وتكلمت بصوت هامس:
"منك لله يا بعيدة، انتي لسه فيكي خصلت الفضايح دي، مش هتعقلي أبداً."
تعالت ضحكات ترنيم، زادت من روح الاثارة والمزاح في أجواء اللقاء بينما أرغمتها على التحرك معها، وتحركوا نحو غرفة سمية، ودلفوا إلى الداخل، أغلقت الباب خلفهم، وارتمت ترنيم على التخت، وضعت يدها تحت رأسها وتكلمت بأشتياق، وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة:
"ياا يا سوسو، وحشتني أوي أوضك وقعدتنا سوا فيها، ونقعد نرغي مع بعض بالساعات."
جلست سمية بجوارها وتكلمت بصوت مختنق، كما لو كانت تعبر عن أمنيات مشتركة:
"ياريت الزمن يرجع بينا تاني يا ترنيم، كنا غيرنا حاجات كتير أوي علشان نتجنب أخطاء دلوقتي."
نظرت لها بعدم فهم، وكأنها تدرك شيئًا غامضًا في الماضي، وقالت:
"انتي لسه علاقتك وحشة مع حسام؟"
حركت رأسها بالرفض، وتكلمت بشجاعة، مؤكدة على وجود مشاعرها:
"لا طبعاً، علاقتنا زي أي اتنين، شويه نزعل، شويه نتصالح، شويه نبقى حلوين مع بعض، ونقول أخيراً لاقينا الونس اللي يستحق نكمل حياتنا معاه، وساعات بنحس أننا اتسرعنا، والعلاقة دي فاشلة من قبل ما تبدأ، بس شهادة لله، حسام جدع ووقف مع سلطان أخويا كتير أوي من لحظة ما دخل الحبس لحد ما خرج، ووقت اللي حصل حريق الشركة دي وأهو بيحاول يرجعها تقف على رجليها من جديد، أما علاقته معايا، هو عمال يلح عليا علشان أوافق ويجي يتقدم ليا، علشان تبقى علاقتنا في النور، ومتبقاش خيانة لسلطان، بس أنا خايفة أخد الخطوة دي، خايفة لو وافقت عليه تبقى بداية فراقنا، ومنقدرش نكمل مع بعض، أنا بحبه أوي، بس الخوف مسيطر عليا."
اعتدلت ترنيم بجلستها، وعمق التجربة أضافت لها أبعاد جديدة، وتكلمت بنبرة هادئة:
"بصي، هو طبيعي تكوني خايفة، وطبيعي جداً تكون علاقتكم تبقى متوترة ما بين عدم الفهم والتفاهم ده، لانكم خارج العلاقة لسه بتتعرفوا على شخصيات بعض، الأول كنتوا بتحبوا بعض من بعيد، وكل واحد فيكم راسم شخصية في دماغه لتاني، وأكيد الشخصية دي بتكون مثالية علشان كده لما اتقربتوا من بعض، اتصدمتوا بالواقع، وإن الشخصية دي فيها تناقضات، عادي جداً، لأن ما فيش حد كامل، كلنا فينا مميزات وعيوب، إنتوا من بعيد كنتوا شايفين المميزات بس، لكن لما عرفتوا بعض، شفتوا كمان العيوب، علشان كده رأيي أنك توافقي تتخطبوا وتحفظوا بعض أكتر، ولازم كل واحد فيكم يتغاضى عن عيوب التاني، مدام بتحبوا بعض، كل واحد فيكم يغير من نفسه علشان التاني، الحب الحلال يستاهل أنكم تغيروا من نفسكم علشانه."
ابتسمت سمية، وتكلمت بمزاح، كأنما كانت تعبر عن فرحة العودة للذكرى الجميلة:
"سيدي يا سيدي، ده احنا عقلنا اهو، وبقينا نقول نصايح، بركاتك يا عم غريب."
ابتسمت بحزن، وكأن كل كلمة كانت تعبر عن تجاربها، وتكلمت بصوت مختنق، وكأنها تحاول الشفاء من جراح الماضي:
"مش غريب اللي غيرني يا سمية، الدنيا هي اللي غيرتني، عمالة تديني دروس، آه دروسها صعبة، بطريقة توجع القلب، بس النتيجة في الآخر طلعت إنسانه ناضجة."
أمسكت يدها، وتكلمت بقلق، كأنها تحاول أن تصل إلى قلب ترنيم:
"مالك يا ترنيم، من ساعة ما جيتي، وأنا حاسة بوجعك، رغم أنك بتحاولي تداري ده بضحكك وهزارك، هو بيعاملك وحش؟"
ابتسمت لها بدموع، وحركت رأسها بالرفض، منازلة في معركتها الداخلية:
"بالعكس خالص، بيعاملني بكل حنية، طيب أوي معايا، مش بيحاول يجبرني ولا يغصب عليا في حاجة، نظرت عيونه، واضح فيها عشقه ليا، سايبني أعمل اللي عايزاه، حتى لو هو مش راضي عنها، المهم يسعدني بيها، بيحاول طول الوقت يحتويني، بيعمل حاجات كتير أوي علشاني، وأنا في المقابل مش بقدم ليه أي حاجة، بسببه على طول بحس بالذنب، بحاول أدي قلبي فرصة يحبه زي ما الكل قالي، بس للأسف، حب سلطان مرض أبدي مش هيخرج من قلبي غير بموتي، حسنت علاقتي بغريب، وغيرت طريقة معاملتي معاه، بحاول طول الوقت أضحك وأهزر معاه، مش برفض حضنه لما يقرب مني، بس قلبي بيصرخ وقتها من الرفض والنفور، كأن قلبي وعقلي وجسمي اتفقوا على شخص واحد بس، ورافضين غيره، مهما حاولة، أنا تعبت يا سمية، بحاول والله العظيم، بس للأسف مش قادرة أحب غير سلطان، طيب أقولك على حاجة، أنا اللي بعد الشهر ده، بإرادتي، كنت بحاول متقابلش مع سلطان فترة طويلة علشان زي ما بيقولوا، البعيد عن العين بعيد عن القلب، بس للأسف، معايا حصل العكس، اشتقت ليه أكتر، وتفكيري انشغل بيه أكتر وأكتر، أنا والله العظيم عايزة أنساه، عايزة أدي فرصة لغريب، وأحبه، عايزة أعيش حياة طبيعية زي أي بنت في سني، بس مش قادرة، قوليلي، أعمل إيه يا سمية."
أنهت كلامها، وارتمت داخل أحضان سمية، وسمحت لدموعها بالانهمار كرمز لما تحتويه من مشاعر مختلطة.
ربتت سمية على ظهرها، وتكلمت بأسف، محملة بمسؤوليتها كصديقة:
"للأسف يا ترنيم، لأول مرة مش قادرة أخد قرار وأقولك رأيي، أنا لو عليا، عايزاكي ترجعي تاني لسلطان، وقتها كنتي سعيدة، ضحكتك بتطلع من قلبك بجد، شقاوتك وهزارك كان ليهم طعم تاني، وفي نفس الوقت، شايفة أن رأيي ده بيظلمك، لأن أخويا اللي غدر بيكي من الأول، وراح اتجوز واحدة غيرك، وخلف منها، وعلى كلامك على غريب بيقول إنه بيحبك بجد، ورجل شاريكي، خايفة أقولك، اديلوا فرصة، عمرك كله يروح، وانتي بتدي في فرص وقلبك مكسور ورافض غير سلطان، حياتك للأسف معقدة، وصعب القرار فيها."
ابتسمت من بين دموعها، وكأنها تحاول إيجاد يسار لهذه الدوامة العاطفية، وتكلمت بصوت مختنق:
"على رأيك، شكلي كده عمري كله هيروح ما بين إدي فرصة لده، وأحاول أكره وأنسى ده، وفي الآخر، الله أعلم النتيجة هتكون إيه ولا لصالح مين."
ثم استقامت بوقفتها، وكأن الإرادة تجتذبها صوب المستقبل، وقالت:
"هروح اشوف خالتوا وماما بيعملوا إيه."
وخرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفها، تاركة وراءها شعوراً بالأمل والتردد.
نظرت سمية إلى أثرها، وتنهدت بقلب موجوع على حال ترنيم، مدفوعة بالتفكير في الخيارات القادمة والقرارات التي قد تغير مسار حياتها.
**************************
تحرك غريب بجسمه الرجولي وهيئته الخاطفة للأنفاس نحو إحدى المكاتب، حيث كان يبدو كأنه يحمل عالماً من التحديات في عينيه. دلف إلى الداخل وجلس على المقعد دون أن يلقي السلام، غير عابئ بما إذا كانت هناك تفاعلات مطروحة لدورة الحياة اليومية أو حتى الاحترام المتبادل، ثم تكلم بنبرة تحذيرية، وكأن الكلمات كانت تحمل وزن الموقف:
"لو مبطلتيش شغل الحموات ده هتشوفي وش مني تاني، مليون مرة اقولك أنا بحب ترنيم ومبسوط معاها."
كان صوته يتردد في المكان وكأنه يتحدى جدران الغرفة لتقبل تحديه.
نظرت له سيدة في العقد الخامس من عمرها، وجهها عابس وعيناها تحملان نظرات القسوة وكأنها تحاول حماية ابنها من مصير مشؤوم، وتكلمت بنبرة صارمة، تصلح لأن تكون قاضية في محكمة عائلية:
"وانا مش متقبلة البنت دي في حياتك، مش دي اللي تليق بأبني غريب ضرغام."
كان حديثها يفوح برائحة الأعراف الاجتماعية والتقاليد القاسية التي كان من المفترض أن ترسم على جدران أسرته، كانت على استعداد للقتال من أجل ما تعتقد أنه الأفضل لمستقبل ابنها، حتى لو كان الأمر مكلفاً.
ابتسم لها بتهكم، في مزيج من الاستهزاء والاحتجاج، حيث وضع قدمه فوق الأخرى وتكلم بنبرة ساخرة كأنه يستمتع بتحديها:
"ومين بقى اللي تليق بغريب ضرغام؟ سوزي ولا مهيتاب ولا نهى؟ أكبر عدوى لمراتي، وهي اللي ماليه دماغك من ناحيتها علشان رفضها هي واتجوزت ترنيم اللي طول عمرها كانت بتغير منها؟"
كانت لهجته تحمل قصصاً من الغضب والسخرية، وكأن الماضي يراوده ويذكره بخياراته، وبأن الضغوط النفسية عائلية قد باتت تسجل عداءً بينه وبين والدته.
طرقت بيدها على سطح المكتب الخشبي المصنوع بدقة، وكأنها تشير إلى خطوط حمراء لا يجب تجاوزها، وقالت:
"ولد، أتكلم بأسلوب كويس، متنساش أن أنا مامتك، وبعدين، اللي مش عاجبينك دول بنات ناس، وعلى مستوى، مش حتة بنت جايه من حارة شعبية."
كانت كلماتها تضرب بوضوح كأنها أحكام قضائية تعلق في الأجواء، تركز على أهمية النسب والمكانة الاجتماعية في اختيار شريك الحياة، وفي تلك اللحظة، كانت الفجوة بين الأجيال تتسع، وتتحول إلى حلبة مصارعة لم يحسم فيها النمط الجديد للحب والتعاطف.
استقام بجسده، مال به، وأسند ذراعه على سطح المكتب حتى اقترب بنظراته لها، عينيه مشتعلة بالغضب، وكأن النار تشتعل داخله:
"بنات ناس زيك بالظبط كده، بعد الجواز اتخلت عن ابنها وسابته لابوه، علشان مكانش عندك استعداد تشيلي مسؤولية طفل صغير، سبتيه يواجه مصيره بعيد عن حضنك، وعن بلدك، علشان مصلحتك، بنات الناس اللي زيك، ميصلحوش يكونوا أمهات، علشان هيطلعوا أولاد متعقدين من الحب والجواز والخلفة، علشان ميجبوش أولاد في الدنيا، ويحصلهم نفس اللي حصلهم، ترنيم اللي مش عجباكي دي هي الوحيدة اللي كسرت الرهبة والخوف اللي في قلبي، أديتني دافع أخد خطوة الجواز، هي الوحيدة اللي قدرت تخلي قلبي يحبها من غير أي مجهود منها، علشان كده بقولك، لو فكرتي تمسي شعرا منها، هنسى الصلة اللي ما بينا نهائي، لأنها من الآخر، هي عندي أهم منك مليون مرة، وأه، الراجل اللي كنتي بعتاه علشان يقتلها، جثته عندك في عربيتك يا سيمون هانم."
أنهى كلامه، وتحرك باتجاه الباب، ثم استدار لها، نظراته تحمل حدة التحدي، كالجمر المتوقد:
"الحسنة الوحيدة اللي في حياتك كلها هو أبوكي، سيادة المستشار، أنا لسه جاي من عنده وعرفته اللي كنتي ناوية تعمليه مع ترنيم مراتي، وهو وعدني أنه هيتصرف معاكي."
أنهى كلامه، وخرج من عندها، ودفع الباب خلفه بقوة، تاركاً وراءه أجواء مشحونة بالتوتر، وكأن الهواء بينهما قد تحول لبرود جليدي لا يحتمل، كان يشعر بأن كل كلمة قالها قد زلزلت أركان العلاقة التي تجمعهما، وجعلت الهواء معبئ بعواصف من الغضب والتحدي.
***************************
خرجت ترنيم من غرفة سميه ورأت غرفة سلطان مفتوحة، تحركت ببطء نحوها، ودلفت إلى الداخل، حيث نظرت إلى المكان بأشواق، تذكرت طفولتها وأجمل الذكريات التي عاشتها في هذه الغرفة، تحركت نحو السرير وجلست عليه، وظلت تحرك يدها بلطف على سطحه، مسترجعة تلك الأيام حين كانت تنام طيلة الليل في أحضان سلطان، تذكرت تلك الليالي البعيدة، وفي مرحلة الثانوية، كيف طلب منها عدم الدخول إلى هذه الغرفة لأنها أصبحت أنيسة. وبعد تخرجها من الجامعة، كانت تدخل لتبقى بالقرب منه.
انفجرت الدموع من عينيها بغزارة، ورمت بنفسها على السرير، باكية حتى شعرت بيد تربت على ظهرها، انتفضت في مكانها، اعتدلت بسرعة، ومسحت عبراتها بظهر يدها، نظرت إلى الأعلى، وتنحنت بتوتر، وقالت:
"س سلطان! أنت إيه طلعك دلوقتي من تحت مش لسه بدري على الغدا؟"
جلس بجوارها على السرير، محتضنًا إياها بقوة، وتكلم بصوت مختنق:
"ولما انتي بتتعذبي من بعدي كدة، ليه قابلة على نفسك تعيشي مع واحد مش بتحبيه."
أغلقت عينيها، محاولة حبس الدموع داخلها، ثم تمسكت به بقوة، وتكلمت بصوت مختنق:
"ارجوك يا سلطان بلاش تفتح كلام في الموضوع ده، ساعدني أنساك لو بتحبني بجد، بلاش نفكر في اللي راح، خلينا نفكر في الناس اللي حوالينا، هما يستحقوا أننا نضحي بأي حاجة عشان خاطرهم، بترجاك."
أبعدها عن حضنه، ونظر في عينيها بشغف مستدعي، وتكلم بصوت مختنق:
"واحنا يا ترنيم فين من كل ده؟ حرام قلوبنا تتعذب بالشكل ده، هما اللي دخلوا علينا وسرقوا مننا سعادتنا. آه، غلطنا لما سمحنا ليهم يدخلوا حياتنا، بس احنا مش ملايكة، احنا بشر، وبما أن الغلط من سمات البشر، يبقى الصح أننا نصحح الوضع ده، ومنظلمش نفسنا أكتر من كده، كفاية اللي راح مننا."
ابتلعت ريقها بصعوبة، والدموع تتدفق على خديها، وحركت رأسها بالرفض وقالت:
"مش هينفع صدقني يا سلطان، لو انت هتقدر تعيش ظالم، أنا لا، مش هقدر أظلم حد وأتحمل تأنيب الضمير، غريب، شخص كويس وبيحبني بجد، ميستحقش أعمل فيه كده وأوجعه."
ضغط على أسنانه بغضبٍ عابر، وقال:
"مش هتقدري توجعيه، هو بس تقدري توجعيني أنا، صح، مين أهم عندك يا ترنيم؟"
ردت عليه من بين شهقاتها، قائلة:
"قولتلك مليون مرة، انت أهم حاجة عندي في الدنيا كلها، أنت غير أي حد، وخارج أي مقارنة، بس فيه ناس تانية، ليهم حق فينا، ومن واجبنا حتى لو مش قادرين نحبهم، نحترم وجودهم في حياتنا، وبلاش نخذلهم فينا، لأن الخذلان صعب أوي، وأنا جربته بسببك قبل كده."
اقترب منها مقبلاً وجينتها بهدوء، ثم أسند رأسه عند رأسها، وقال:
"بلاش تقطعي الأمل جوايا أننا في يوم هنتجمع تاني مع بعض، إنتي صحيح بنتي وبنت قلبي، بس برضه حبيتي، وعمري كله اللي عايش علشان خاطرها."
أغلقت عينيها، والدموع تتساقط بغزارة، وتكلمت بألم:
"أنا مبقتش عارفة حاجة ولا فاهمة حاجة يا سلطان، مش عارفة أهرب منك ومن حبك، واروح فين، كفاية، ارجوك، أنت كده بتعذبني."
أنهت كلامها واستقامت بجسدها، وخرجت تركض من عنده، كانت لحظة مؤلمة، حيث أحست بقلبيهما يتراشدان مثل سحب مظلمة تغطي سماء أيامهما الجميلة، كل خطوة كانت تأخذها بعيدًا عنه، كانت بمثابة طعنة يمكن أن تشعر بها في كل خلية من خلايا جسدها.
نظر سلطان إلى أثرها وتنهد بحزنٍ عميق، ثم خرج من الغرفة وصعد إلى شقته بالأعلى، تجول بخياله في كل ثانية مرت بينهما، متساءلًا هل سيخرج من سجنه العاطفي أم سيظل دائم البحث عن الظلال المنسية في حب رحل.
**************************
اجتمعت العائلة حول طاولة الطعام التي أُعدت بعناية، حيث كانت الأطباق الشهية تتراقص بألوانها المتنوعة، ورائحة الطعام تملأ الأجواء، جلس غريب بجوار ترنيم، حيث كان يراقب نظراتها القلقة بينه وبين سلطان، الذي كان على رأس الطاولة، برفقة فريدة وابنته، وكل منهم كان له نظراته الخاصة التي تعكس حالة التوتر في ذلك الجو العائلي المشحون، كانت نظرات الغضب من سلطان نحو غريب واضحة للجميع، حتى أن ترنيم كانت تشعر بضغط تلك النظرات الحادة وكأنها خيوط رفيعة تقيد قلبها، وضع غريب يده على يد ترنيم بلطف رغم التوتر، واقترب من أذنها، متحدثًا بهمس مقلق:
"مش بتاكلي ليه؟"
ابتسمت له بتوتر، متمنية أن تستر عواطفها المتناقضة، وقالت:
"ها م ما أنا باكل أهو، أجبلك حاجة؟"
كانت قد أعدت نفسها لمواجهة الأجواء المتوترة، لذا حاولت الحفاظ على ابتسامتها، حتى وهي تشعر بالقلق يعتريها.
ابتسم لها غريب برغبة في تهدئة الأجواء، فقال:
"هاتي طبق المحشي ده كله، الأكل طعمه تحفة."
ضحك، محاولًا إضافة لمسة من المرح في لحظة توتر ثقيلة، بينما كانت ترنيم تشعر بقلق شديد.
ابتسمت له وأعطته ما يريد، محاولة تخفيف التوتر حتى تعيد الأجواء إلى طبيعتها، وقالت:
"خده كله بألف هنا."
طرق سلطان على طاولة الطعام بغضب قائلًا:
"ممكن تراعوا أن فيه طفلة، وبلاش شغل المسخرة ده على الأكل."
كان صوته يعكس قلقه من موقف غريب، وكأنما يذكر الجميع بأنهم يجب أن يحترموا قواعد اللباقة، لكن كلمات سلطان كانت بمثابة شرارة اشعلت التوتر.
اتسعت عينا ترنيم بصدمة، حيث شعرت بأن الوضع قد يتدهور بسرعة مقلقة، وقبل أن تتكلم، وضعت فريدة يدها على يد سلطان، متحدثة بنبرة ساخرة:
"سيبهم براحتهم يا سيد المعلمين، عرسان جداد بقى، ما احنا كنا عرسان وعارفين إحساسهم إيه دلوقتي."
كانت فريدة تحاول أن تهدئ الأجواء، لكن كلماتها كانت تحوي استهزاءً يخفي قلقها الداخلي عن تلك الأجواء المشتعلة.
تحدث غريب بنبرة رجولية ثابتة وكأنه يتحدى الموقف:
"أممم... وانتي عايزة تقارني نفسكم بينا؟ على ما أعتقد فيه فرق ما بين السما والأرض، وأنا وترنيم حالة خاصة واستثنائية، محدش شبهنا في أي حاجة."
قد بدت كلماته بمثابة جرس إنذار.
رد سلطان عليه بغضب، وكأنما يتحداه أيضًا:
"لو سمحت متتكلمش مع الجماعة بتاعتي، بدل ما أكسرك صف أسنانك."
كانت تحدياته واضحة، وكأنما أراد أن يضع حدًا لأية تصرفات غير مقبولة في نظره،
كاد غريب يرد عليه، لكن ترنيم تكلمت سريعًا، محملة بمزيج من الشجاعة والخوف:
"على فكرة هو مغلطش ومراتك اللي أدخلت يا سلطان في حاجة متخصهاش."
ارتجفت كلماتها في الهواء، محاكية لوعة الفراق وعدم القدرة على الفهم.
تكلمت صباح سريعًا:
"وحدوا الله يا جماعة وكملوا أكل."
كانت تحتاج إلى استعادة الوضع لطبيعته، وكأنما تسعى لمنع الانفجار في قلب العائلة.
نظر سلطان إلى غريب بغضب وبدأ يتناول طعامه بصمت، مأخوذًا بالتفكير في صمته. وبعد وقت انتهوا من طعامهم، جلس سلطان على المقعد المقابل لغريب، وضع قدمًا فوق الأخرى، معلنًا عن عدم استسلامه في تلك المعركة اللفظية، أحضرت ترنيم القهوة وأعطتها لغريب بخفة، أخيرًا وجد طريقة لتلطيف جو النقاشات المضطرب، أخذها منها وأمسك يدها قبلها بحب، قائلًا:
"تسلم إيدك يا حبيبتي."
كانت تلك اللحظة بمثابة شعاع من الأمل بين ركام الصراعات المتصاعدة، محاولة جسدية لتعزيز الرابط الذي كان يحتاج إلى الدعم في وجه التحديات.
نظرت له بتوتر، وتحركت سريعًا من أمامه، متجنبة نظراته الحادة وأجواء التوتر التي خيمت على المكان، اقتربت من سلطان، وهو جالس على مقعده بنظرة مظلمة، وأعطته قهوته، أخذها منها بغضب، وضغط على يدها بقوة دون أن يلاحظه أحد، أغلقت عينيها بألم، لتخفي من عينيها دمعة كادت تنهمر، لكن إحساسها بالخوف من غضبه جعلها تتحرك سريعًا من أمامه، وقبل أن تغادر، أمسك غريب يدها وأرغمها على الجلوس بجواره، وكأنهم قد وقعوا في دوامة من التوتر التي لا مفر منها، وأمسك يدها بقوة، مما جعلها تشعر بالضياع بين مشاعر الحماية والقهر. نظر إلى سلطان بتحدي، وقد خطط في ذهنه كلماته بعناية، قائلاً:
"والله أحب أشكرك على تربيتك لحبيبتي، ما شاء الله عليها، تربية تشرف بجد."
كان صوته يحمل مزيجًا من التهكم والإصرار، كأنه يريد أن يبرز تمامًا القلق الذي يعيشه سلطان.
رد عليه بغضب متفجر:
"والله مش مستني رأي واحد زيك في تربيتها، أنا عارف مربي ترنيم إزاي، واللي يقول غير كده أقطعله لسانه."
كانت كلماته تحمل وقار القائد الملتزم بحماية ما يدعونه ملكه، ولكن بداخلها كان هناك ضوء لوهلة ما يظهر شبح عدم الارتياح، نظر لها والشرار يتطاير من عينيه، وكأن كل نظرة له كانت قادرة على التسبب بحريق في أعماق المكان، حاولت أفلات يدها من غريب لكنه كان ممسكًا بها بقوة، كأن تلك اليد هي ما يجمع بين الصراع والمشاعر القوية، تنحنح سلطان بقوة مما جعلها تنتفض مكانها، وكانت المفاجأة أن صوتها خنق في حلقها، في ذلك الوقت، جاءت رنيم، الطفلة التي كانت تمثل براءة هذا العالم، وتكلمت بنبرة طفولية:
"ممكن تيجي تلعبي معايا يا أبلة ترنيم."
كانت المنقذ لها في هذا الوقت، تبحث عن مخرج من هذه الديناميكية المزعجة، نظرت إلى غريب مستغيثة، وقالت:
"ممكن يا غريب؟"
كانت نظرتها تحمل في طياتها أمل وأمنية. ترك غريب يدها وأومأ برأسه بالموافقة، وكان ذلك بمثابة الطوق الذي يمد لها يد العون في بحر من الهموم.
نهضت سريعًا وتحركت مع الطفلة بعيدًا عن توتر سلطان وغريب، وكأنها تجد في الفكاهة والغضب توازنًا للموقف المشتعل عندما ابتعدت عنهما، نظر سلطان لغريب وتكلم بنبرة غاضبة، وكأن الهواء قد بدأ يثقل في صدره:
"اوعى تكون فاكر أنك كده أخدت ترنيم مني؟ ترنيم بتاعتي أنا، دلوقتي ولا بعدين هطلقها غصب عنك يا ضرغام."
كان صوته عميقًا، محملاً بكل الصراعات الداخلية التي دفعته للخروج في تلك المعركة.
ابتسم بثقة، كأنه يشم رائحة الانتصار في الأفق، وتكلم بهدوء حذر، لكنه يحمل في كلماته قوة وعزم:
"والله عندك هي أهي، لو قالتلك عايزة أطلق، هطلقها حالًا، أنا واثق ومتأكد من رأيها، ترنيم مستحيل تبعد عني لو عملت أيه، يكفي أنها في آخر اليوم بتنام في حضني."
كان التحدي مسيطرًا على الموقف، وكأنهما يتصارعان على أرض معركة مشاعر أدت إلى انقسام بين الحب والتملك.
استقام سلطان بغضب، واقترب منه، وأمسك به من تلابيبه، متحدثًا من بين أسنانه:
"بلاش تختبر صبري عليك، علشان أنا ممكن ادفنك مكانك، وبدل ما ترنيم تبقى مطلقة، تبقى أرملة، وفي تلك الحالتين، هتجوزها، وهترجع لحضني اللي هو بيتها."
وقد ازدادت نار العداء حدة، وتربعت نظرات كلاهما على عذابات الحب والتعلق الذي يجعل من العلاقة مزيجاً من المشاعر المتضاربة.
أبعد يده عنه بغضب، ونظر بعينه مباشرة وقال بوضوح وقوة:
"وأنا أوعدك أنها عمرها ما هتكون ليك يا سلطان، لأنها هتفضل بختم غريب ضرغام مهما عملت. مهما حاولت اسمها مرات غريب ضرغام أما أنت مجرد ظل في حياتها."
كان صوته يعبر عن جراح عميقة، بينما خلف عينيه تكمن ذكريات مؤلمة عن الحب والتفاني، والشعور بالخيبة الذي يجتاح القلب عند رؤية شخص تحبه متمسكًا بشخص آخر. كان يعرف أنه يواجه عدوًا ليس فقط في سلطان بل في كل العواطف والمشاعر المعقدة التي تأتي مع ما يجمعهم.
في ذلك الوقت، جاءت ترنيم مع الطفلة ونظرت لهم باستغراب، طرقت عينيها عليهما في محاولة لفهم التوتر الذي يملأ الجو، قالت برفق، محاولة أن تخفف من حدة الموقف:
"سلطان، انت واقف هنا بتعمل إيه؟"
كان لديها فضول خاص لمعرفة ما يدور من نقاش حاد بين الاثنين، لكنها لم تكن تريد أن تأخذ جانب أحدهم على حساب الآخر.
أمسك غريب يدها وربت عليها بحنان يختصر مشاعره، قائلًا بنبرة عاشقة، مشبعة بالحب والطمأنينة:
"متقلقيش يا حبيبتي، ده المعلم سلطان كان بيتكلم معايا في شغل هيكون مشترك ما بينا في المستقبل."
كانت تفاصيل الحديث كالموسيقى الهادئة التي تحاول إراحة القلوب المتعبة، لكنه كان يعرف في داخله أن الأمور ليست بهذه السهولة.
نظرت ترنيم بسعادة، عينيها تتلألأ بالأمل، وسألت بفضول:
"بجد يا سلطان؟"
كان يهمها أن ترى إلى ماذا سيؤدي هذا التعاون، وماذا يمكن أن يقدم لها من فرص جديدة، مما جعل سلطان يبتسم بخفة رغم حدة الموقف، وأومأ برأسه لها وهو ينظر إلى غريب بغضب مكبوت، قائلًا بتأكيد:
"أيوه طبعًا يا بنت قلبي، هيكون فيه شغل ما بينا بس على الكبير."
تنحنحت بتوتر وابتعدت عنه، محاولة تجنب الإحراج، وتوجهت بسرعة خلف الطفلة لترتبط ببراءة الأطفال، بينما كانت تجرى، تعثرت بالسجادة وسقطت على الأرض، وهو ما دفع كل من سلطان وغريب للركض نحوها برعب، مال سلطان عليها وتكلم بصوت قلق:
"انتي كويسة يا ترنيم؟"
كان رعبه واضحًا في عينيه، إذ أنه كان يعلم حجم المخاطر التي قد تنجم عن الانسكابات غير المتوقعة.
أومات رأسها بتوتر، محاولة أن تبتسم رغم الألم الذي شعرت به، وقالت:
"ك كويسة الحمدلله."
مد سلطان يده حتى يساعدها على النهوض، لكن ذراع غريب كان الأسرع، مال بجسده وحملها برفق من على الأرض، وتحرك بها اتجاه المقعد، وضعها عليه برفق، وأمسك رجلها ودلكها قائلًا بنبرة مفعمة بالحنان:
"حاسه بحاجه، أخدك لدكتور؟"
حركت رأسها بالرفض، قائلة بحزم:
"ل لا مش محتاجه والله، مافيش حاجة، أنا كويسة."
كانت متعاطفة مع قلقهم، لكنها لم ترغب في أن تعتبر ضعيفة.
دفعه سلطان بعيدًا عنها، لكن بنبرة حازمة، وأمسك يدها قائلًا:
"ترنيم، أنا عارف أنك عنادية، تعالي أخدك لدكتور يطمني عليكي."
كانت كلماته مشبعة بالعاطفة والقلق.
ابتلعت ريقها بتوتر، انتابها الإحساس بأنها تحت المجهر، وقالت:
"والله العظيم أنا كويسة ومافيش حاجة، انتوا أوفر أوي كده ليه؟"
دفعه غريب بعيدًا عنها بحزم، عاقدًا العزم على التركيز عليها، وقال:
"سيبك منه، وردي عليا يا ترنيم حاسه بأي ألم؟"
كانت لهجة غريب قوية، تجسد مدى استعداده للاهتمام بها واستعدادته للقتال من أجلها.
رفعت عينيها بملل واستقامت بجسدها، وتكلمت بنفاذ صبر واختناق:
"قولتلكم أنا كويسة يا جماعة، بلاش أفورة، أنا هروح ألعب مع رنيم عند الحريم هناك أحسن."
وتحركت سريعًا من أمامهم تجاه منطقة الألعاب، مختارة أن تنسحب من المشاحنات العاطفية، محملة بذكاء سليم ورغبة في الاستمتاع باللحظة البسيطة بعيدًا عن التعقيدات.
نظر سلطان إلى غريب بنظرة تحمل نذرًا من الغضب، وكأن الصراع النفسي بينهما قد بدأ للتو، فغريب لم يكن ليقبل التحدي بسهولة، رد غريب عليه بنظرة تحمل الكثير من التحدي، كأنه يقول له:
"إذا كنت تعتبر هذا الأمر مشكلة، فأنا هنا لأبرهن لك العكس."
ثم جلس مرة أخرى، مرخيًا جسده على المقعد، مما أعطى انطباعًا بأنه ليس لديه أي مخاوف، وضع قدمًا فوق الأخرى بطريقة تعكس الثقة، وابتسم له ابتسامة تحمل خلفها الكثير من المعاني الغامضة، وكأنها كانت فخًا مثيرًا للجدل، كانت الابتسامة مزيجًا من اللامبالاة والثقة بالنفس، وكأنها تشير إلى أنه على الرغم من التوتر السائد، فهو لا يأبه بالعواقب، حيث كان كلاهما يدرك أن ما بينهم ليس مجرد نقاش عابر، بل كان بداية لمواجهة تحتاج إلى الانتباه.
