رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الرابع والعشرون
في صباح اليوم التالي، استيقظت ترنيم من نومها بعد ليلة مضطربة، حيث كانت تتقلب في فراشها بين ذكريات وتجارب مؤلمة لم تفارقها، بدت مشوشة وهي تتململ على فراشها الناعم، وكان الضوء الصباحي يتسلل عبر النوافذ، مما جعلها تشعر بالقلق وعدم الراحة، وعندما حركت رأسها بتثاقل، أحست بنظرات غريب المليئة بالحب والاهتمام تتبعها، بينما كان يجلس على المقعد المقابل لها، يراقبها بقلق وحذر، تربعت أنفاسها في صدرها، وعند جلوسها المعتدل، شعرت يتسلل داخلها شعور بالارتباك، مما جعلها تسأل بتلعثم:
"غريب!! بتعمل ايه هنا؟"
وكان صوتها يتردد بصدى خفيف، كأنها تسأل عن شيء لا تستطيع فهمه بالكامل.
أجابها بنبرة هادئة وودودة، كأنما كان يتحدث إلى طفل:
"جيت أطمن عليكي، رجلك عاملة إيه دلوقتي؟"
كان واضحاً من نبرته أنه لم يكن فقط مهتماً بإصابتها، بل كان يهتم بها ككل، بجسدها وروحها، وكان هذا يضفي على حديثه طابعًا خاصًا.
حركت ترنيم يدها ببطء على ساقها المصابة، وقالت:
"يعني وجعتني بليل شوية، واخدت مسكن."
نهض غريب من على المقعد، واقترب منها بحذر، وكأنما يخشى أن تجرح مشاعرها، وجلس بجوارها على السرير. ببطء، حرك يده على ساقها، وتحدث بصوت هادئ يكاد يكون همسًا:
"قولتلك، أخدك الدكتور، لكن انتي اللي رفضتي."
وبدا له أن نقاشه معها حول صحتها هو أداة لتقريب المسافات بينهما، ولتخفيف حدة المشاكل التي تحيط بهما.
ابتلعت ريقها بتوتر، وأجابت:
"مفيهاش حاجة، على فكرة، هي بس وجعتني شوية عشان وقعت عليها جامد، وزي ما قولتلك، أخدت مسكن، والحمد لله أنا أحسن دلوقتي."
صعد غريب بيده إلى الأعلى تدريجياً، وتكلم بصوت هامس وحنون، كما لو أنه يتحدث إلى ملاك:
"تحبي أدعكهالك؟"
نهضت بسرعة وتحدثت بتلعثم، وكأنها تتجنب أن تظهر مشاعرها:
"ها... لأ، شكراً، أنا دلوقتي كويسة."
لكن جسده أقترب منها، وأحاط بها بذراعه، وتحدث بصوت مغوي يؤجج المشاعر المدفونة:
"رفضك ليا علشانه؟ ولا كسوف؟ ولا لسه مش متعودة عليا؟"
أغلقت عينيها بتوتر، وتكلمت بصعوبة، وكأنما كل كلمة كانت ثقيلة على لسانها: "أحم... لسه مش متعودة عليك ومكسوفة."
اقترب منها أكثر، وتكلم بنبرة شهوانية وحنونة:
"ما انتي بتنامي في أوضة تانية بعيد عني، من الطبيعي مش هتتعودي عليا، لازم تحاولي معايا، يا ترنيم، أنا عايز جوازنا يبقى رسمي، بس عمري ما هغصبك على أي حاجة مدام مش حباها، بس أنا بتمنى إنك تديني فرصة أقربك مني فيها."
كانت تعبيراته تحمل وعودًا وأماني، وكأنه كان يحاول رسم لوحة مستقبلية بألوان الأمل والحب، رغم الاضطرابات التي تحيط بهم.
اقترب من شفتيها حتى يقبلها، لكنه لاحظ التوتر الموجود في عينيها، أغلقت يدها بقوة على كتفه، وكأنها تحاول تهدئة حالتها المتوثبة، في تلك اللحظة، شعر غريب بقبضة يدها الممسكة به، وكأنها تعبر عن قلقها أو ترددها، بعد لحظة من التفكير، وضع قبلة صغيرة برقة على شفتيها، ثم ابتعد عنها، أخذ نفساً عميقاً ليهدأ، في محاولة لتغيير مجرى الحديث، قال بصوت يخرج بصعوبة:
"أنا شفت مستشفى كويسة علشان لما تبقي كويسة، تنزلي تستلمي الشغل فيها."
فتحت عينيها بسرعة، وفي صوتها كان هناك تأكيد لا يقبل الجدل:
"لا طبعاً، أنا هرجع المستشفى اللي كنت شغاله فيها، علشان زي ما قولتلك، أسلم دكتور عصام وفريقه لشرطه، حرام أسيبه يأذي الناس والأطفال وهم مش حاسين."
ضغط على أسنانه بغضب، وهو يحاول السيطرة على مشاعره المتناقضة، وتكلم بنفاذ صبر:
"وانا مستحيل هسمحلك تعملي كده، يا ترنيم، انتي عايزة ترمي نفسك في النار ولا إيه؟ ملكيش دعوة باللي هيحصل في المستشفى دي، واللي هيحصل لدكتور عصام، دي مهمتي أنا."
حركت رأسها بالرفض التام، عازمة على موقفها، وقالت:
"لا يا غريب، أنا اللي هعمل الشغلانة دي، عايز تساعدني، معنديش مشكلة، إنما قتل ودم لأ، فيه قانون وهو يحاسبه."
تكلم بغضب شديد ونفاذ صبر:
"ترنيم، متعصبنيش، بقوولك، أسمعي الكلام ومتبقيش عنادية."
اقتربت منه ببطء، وتكلمت باللهجة اللينة، مستخدمة بعض الدلع بالكلمات:
"علشان خاطري، يا غريب، وحياتي عندك، وافق وتعالى نكشفه سوا، وهو هيجر الباقي من غير دم وإجرام، وغلاوتي عندك."
ابتلع ريقه بصعوبة، وأغلق عينيه حتى يهدأ، وحاول أن يتجنب المزيد من الضغوط:
"ترنيم، بلاش تستخدمي أسلوبك ده معايا، علشان ما أضعفش ونندم بعد كدة."
ابتسمت له ابتسامة هادئة، تملكها شعور بالأمل:
"على فكرة، أنا بتعامل معاك على طبيعتي، مقصدش حاجة، يا غريب، وعموماً، براحتك."
وكادت أن تتحرك من أمامه، لكنها شعرت بيده الحازمة تمسك بذراعها بسرعة، لتهبط في أحضانه بشكل غير متوقع، لم يكن هناك مجال للرفض أو التراجع، قلبها بدأ ينبض بسرعة، وكانت الكلمات التي خرجت من بين شفتيه كقطرات مطر في صحراء، تلامس روحها برقة:
"مقصدش حاجة، على فكرة، بس دلعك حلو أوي وجنني، وأنا مانع نفسي عنك بالعافية، عموماً، أنا موافق."
كان في صوته شيء من الشغف والصدق، وهو يحذرها،
"وأوعي تستخدمي طريقتك دي معايا وتستغلي ضعفي قصادك في اللحظة دي."
ابتلعت ريقها بتوتر، وكأن كلماتها تتردد في حلقها، ثم قالت بخفوت:
"ماشي، سيبني بقى."
كان واضحاً أن كل كلمة كانت تقفز بين شفتيها وكأنها معركة داخلية.
ظل ينظر إليها، وكأن الزمن قد تجمد للحظة، ثم أرخى ذراعه عنها، وتركها تبتعد عنه كأنها كانت شعلة من النار لا يمكن لمسها، قال:
"هتنزلي تشتغلي في المستشفى دي بس بشرط، رجالتي هتفضل معاكي هناك وتحميكي لو حصل أي حاجة، فاهمة؟"
كانت كلماته تحمل ثقل الاهتمام والحماية، وهو يعتقد أنها قد تحتاج إلى الدعم في مواجهة عالم جديد عليها، مما أعطى لها شعورًا بالأمان وسط تلك الفوضى.
ابتسمت له وأومأت برأسها بالموافقة، وكانت تعكس بذلك ثقتها في قدراته، وقالت:
"فاهمة، ممكن بقى تخرج من أوضتي علشان أغير هدومي وأجهز."
كانت نبرة صوتها تحمل نوعًا من الدعابة، كما لو أنها تحاول إضفاء لمسة خفيفة على الموقف المنغلق الذي وقعت فيه.
نظر لها نظرة مطولة، كأنما يود أن يحفظ تفاصيل وجهها في ذاكرته قبل أن يتحرك باتجاه الباب، خرج، مغلقًا الباب خلفه برفق، تاركًا خلفه فوضى من المشاعر والذكريات التي ستبقى مدفونة في عقلها.
نظرت إلى أثره بضيق، وكأن تجدد المحادثة بينهما ترك جرحًا يتسرب منها، وأغلقت عينيها حتى لا تخدعها الدموع، ثم تحركت نحو المرحاض لتجنب الإفصاح عن مشاعرها، بعد عدة دقائق، خرجت وهي ترتدي برنس الاستحمام، اتجهت إلى خزانة ملابسها لتأخذ شيئاً ترتديه تليق بتحدي اليوم، وبعد فترة قصيرة، انتهت من تجهيز حالها وخرجت من غرفتها، كأنها تستعد لدخول غمار مغامرة ستغير حياتها تماماً.
هبطت إلى الأسفل، ووجدت غريب يعطي أوامر للرجاله بحماية ترنيم من أي خطر، وعدم تركها ولو لحظة واحدة، مما أبرز قلقه وتعلقه بها، كان يرى في عينيها شيئاً مميزاً يستحق الحماية، وكأن الدنيا بأسرها لا تعني شيئاً أمام هذا الرابط الخفي الذي ينشأ بينهما.
اقتربت منه، ونظرت إلى الرجال وقالت: "صباح الخير، يا رجاله، ايه فطرتوا كويس ولا شكلكم نفخ على الفاضي."
كانت كلماتها تحمل روح الدعابة، وكأنها تتحدى الموقف للتخفيف من حدة التوتر الذي كان يحيط بهم.
ابتسموا على كلماتها، لكنهم سريعاً اعتدلوا وأظهروا احترامهم لغريب، مما جعلها تشعر بشيء من القوة، نظر غريب إليها بضيق، وكأنه يتمنى لو أن بإمكانه أن يحميها من كل شيء حتى من مضى الأيام، ثم قال بصوت منخفض لكنه حازم:
"خفي ها."
تكلمت بنبرة طفولية، قائله:
"وأنا عملت إيه بس يا غريب؟ ده أنا فكهم شوية علشان يستعدوا للمدعكة اللي داخلين عليها."
كانت تعكس براءتها في هذا الموقف المعقد، مما جعل الجميع يبتسم بشكل لا إرادي، لكن غريب أغلق عينيه حتى لا يقترب منها ويلتقمها، كانت تتحدث بتلك الطريقة التي أعطتها جمالًا وجاذبية أكثر من الأول، مشاعرها تضاربت مع حاجتها للبقاء قريبة منه، مما تركه في حالة من الحيرة والعاطفة.
نظر الرجال إلى بعضهم البعض، وتبادلوا نظرات عميقة، حيث أدركوا جميعًا أن رب عملهم، غريب، يمر بتحول لافت أمام تلك الفتاة التي تحمل اسم ترنيم، كان هناك نوع من الفضول والاحترام في عيونهم، وكأنهم يتساءلون عن السر الذي يجعل غريب، الذي يعرف بقسوته وحزم شخصيته، يتأثر بهذا الشكل، لقد شعروا بأن هناك شيئًا استثنائيًا يجري، شيئًا يمكن أن يكون له تأثير كبير على ديناميكية عملهم ومستقبلهم ككل.
اقتربت ترنيم بخفة، وحركت يدها أمام عينيه المغلقة، كأنها تتحدى عالمه الصارم، قائلة بحماس طفولي:
"غريب، انت نمت وانت واقف ولا إيه؟ غريب يا ضرغام، نحن هنا."
كان صوتها كنسمة الصيف، تزيل بعض البرودة عن جو المنطقة المليء بالتوتر، لم تكن مجرد كلمات عابرة؛ كانت دعوة له لتفتح عينيه على عالم مختلف، عالم فيه اللعب والخفة بدلاً من الجدية الدائمة.
فتح غريب عينيه، ونظراته لم تكن مجرد نظرة عادية، بل عكست مشاعر متضاربة بين الإعجاب والحنان، وكأنه يشعر بأنه وقع في فخ سحرها، اقترب ثم همس في أذنيها بصوت مؤثر، قد يغلب عليه القلق والخوف، ولكنه في ذات الوقت حمل عمقًا من العاطفة:
"اتلمي يا ترنيم، ولمي الدور بدل ما أتهور وأخدك الأوضة فوق دلوقتي."
كانت كلماته بمثابة تذكير لها بواقع الأمور، ولكنه أيضًا كان توبيخًا خاصًا لها، فهو لا يريد أن يرى هروبًا آخر، كأنما يخشى فقدانها كما فقد أشياء كثيرة في حياته السابقة.
ابتلعت ريقها بتوتر، وابتعدت عنه، وكأنها تشعر بثقل تلك المسؤولية التي تلقى على عاتقها، وظلت صامتة لبضع لحظات، كان التوتر يملأ الأجواء كدخان كثيف، ولم يكن لديها الجرأة لتتكلم، ولكن مشاعرها بدأت تتضارب في داخلها، نظر غريب إلى رجاله، فوجدهم ينظرون إليهم بابتسامة على وجوههم، تكلم بصوت غاضب، محاولًا كبح مشاعره:
"خير، فيه حاجة؟"
كان سؤاله يحمل ثقلًا مختلفًا، وكأنه يسأل عن ولائهم وإخلاصهم، كما يسأل عن مشاعره تجاه ترنيم.
تنحنح الرجال جميعًا، واعتدلوا في وقفتهم، ونظروا إلى الأرض باحترام، وكأنهم يدركون أنهم أمام لحظة مهمة، تكلم غريب بأمر وصوته جاد، مضيفًا إلى حياته نوعًا من الجدية التي ترفض أن تأخذ أي عذر:
"مش عايز أكد عليكم تاني، ترنيم، تخدوها من هنا، تفضلوا معاها زي ضلها حتى لو هي رفضت ده، وترجعوها هنا زي ما أخدوها، محدش يمس شعرة واحدة منها، علشان لو حصلها حاجة، هدفنكم كلكم بأيدي بالحياة، فاهمين؟"
كانت كلماته بمثابة تعهد، وكأنه يحاول ضمان سلامتها بأي ثمن، ويدرك في أعماقه أن وجودها يضفي قيمة جمالية على حياته، ولهذا فهو مستعد لحمايتها بكل ما أوتي من قوة.
أومأوا رؤوسهم بالطاعة، وفي صوت واحد قالوا:
"فاهمين يا باشا."
كانت نبرة صوتهم تخلو من الشك، بدت كأنها تنقل التزامهم الدائم للدفاع عن تلك الفتاة، إنسانية عميقة ترتسم في ملامحهم، وليست مجرد كلمات تقال، هوى بصرهم على ترنيم، وكأن كل منهم يحمل عبء حمايتها كما يحملون مواقعهم في هذا الموقف الحرج.
نظر إليها، وقال بنبرة جادة باللهجة التي لا تقبل النقاش:
"هيفضلوا معاكي زي ضلك، يا ترنيم، حسك، عينك تبعدي لحظة عنهم ولا تتجنني وتهربي منهم زي ما عملتي قبل كدة."
كانت كلماته تحمل ثقل المسؤولية واهتمامًا عميقًا، وكأن كل كلمة كانت تحاول زرع الأمن في قلبها، في تلك اللحظة، أدركت ترنيم ما تتطلبه الأوقات الراهنة من قوة وشجاعة، وكم كانت تلك المهمة أكبر مما خططت له.
عقدت ذراعيها على صدرها، وتكلمت بتذمر طفولي:
"يووه، بقى يا غريب، ما خلصنا، أنا رايحة أشتغل، مش رايحة أحارب."
لم تكن تتأفف فقط، بل كانت تشعر باليأس من فهم الآخرين لحالتها، شعرت بأنهم لا يرون سوى الفتاة الضعيفة التي تحتاج إلى حماية، دون أن يلتفتوا إلى شغفها بالعمل والدفع بنفسها للأمام.
تحرك باتجاه طاولة الطعام، وأحضر لها ساندويتش، وأعطاه لها، قائلاً:
"خدي كلي."
كانت عبارات رعايته، رغم بساطتها، مليئة بالحب والتقدير.
حركت رأسها بالرفض، وقالت:
"لا، مليش نفس، هبقى أجيب أي حاجة في المستشفى."
ضغط على أسنانه، واقترب منها، وتكلم بهدوء حذر:
"هتخدي، تاكلي ده، ولا أحلف مافيش شغل."
كان تعبير وجهه يحمل القلق، وتظهر القساوة المتواجدة في حقيقته، لم يكن يريد فقط أن يتأكد من أنها تتناول الطعام، بل أراد أيضًا أن يدفعها لتفهم أن صحتها مهمة أيضًا، كمحاربة تحارب من أجل شيء أكبر من مجرد شغفها.
زفرت بضيق، وأخذته منه، وبدأت تأكل تحت نظرات الجميع لها، حتى انتهت منه، وتكلمت بتذمر:
"تمام كده، سيبني أمشي بقى."
أعطاها كوب العصير، وقال:
"واشربي العصير ده كمان."
كان الصوت يتحلى بالعاطفة، وكأنما لم يكن فقط مشروبًا، بل كان رمزًا للاهتمام والرعاية التي يوليها لها، رغم كل الفوضى المحيطة بهم.
هبدت بقدميها على الأرض، وتكلمت بغضب طفولي قائلة:
"والله العظيم، أنت غلس."
كانت كلماتها كالرعد وسط صمت الغرفة، في حين أن مشاعر الإحباط كانت تسيطر عليها، أخذت الكوب من يده، وارتشفته بسرعة، كما لو كانت تحاول ابتلاع توترها سوياً مع العصير الذي لم يكن سوى محاولة من جانبه لإشعارها بالراحة، بعد أن انتهت، أعطته الكوب الفارغ وعينها تلمعان بتحدٍ، وسألت:
"فيه حاجة تاني؟"
اقترب منها بحذر، ووضع قبلة رقيقة على خدها، في حركة لطيفة لم يعتاد عليها أحد في ذلك المحيط الخشن، وتكلم بابتسامة جميلة ونظرة حنونة، كأنما كان يشدد على أهمية رعايتها في مكان يفتقر للحنان:
"خلي بالك على نفسك يا ترنيم."
هذه الكلمات لم تكن مجرد تحذير، بل كانت وعدًا بأنه سيكون هناك من يهتم بها في خضم هذا العالم القاسي.
ابتسمت له بخجل، وظهرت على وجهها ملامح الامتنان، وقالت:
"ح حاضر."
برغم شعورها بالفخر، لم تستطع إخفاء استجابتها العميقة لطيبته، تلك اللحظة كانت توازنًا ناعمًا بين إحساسها بالعزيمة والرغبة في الضعف تحت رعايته.
نظر لرجاله الذين كانوا يشاهدون ما يحدث بأفواه مفتوحة من شدة الصدمة، فهم لأول مرة يروا غريب بهذه الهيئة وهذا اللطف مع النساء، لأنهم اعتادوا رؤيته يتعامل بقسوة مع الفتيات وأي شيء مؤنث، هذا التغير في سلوكه كان يثير تساؤلات كثيرة في عقولهم، وتحولت النظرات من الدهشة إلى إعجاب خفي، حيث أدركوا أن هناك جانبًا آخر له لم يكتشفوه بعد.
حرك رأسه لهم بتعبير تهكم، فقال:
"خير؟" وكأنه يطالبهم بتفسير واسع للتناقض الذي شاهدوه للتو، مستغربًا كيف يمكن أن تكون الرقة جزءًا من شخصيته القوية.
نظروا إلى الأرض باحترام، وظلوا صامتين، لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذا الجانب الجديد من قائدهم، كانت نظراتهم تفضح مشاعرهم المعقدة، بين الاحترام والتناقض. نظر إلى ترنيم، وقال بنبرة أكثر جدية:
"يلا، روحي، ولو عايزة حاجة، اتصلي بيا في أي وقت."
أومأت رأسها بتوتر، وتحركت سريعًا إلى الخارج، مغادرة المكان الذي شهد لحظات من التأثر والرقة، نظر إلى رجاله بتحذير، وقال بنبرة حازمة:
"مش عايز غلطة صغيرة، وترنيم ترجع ليا بأمان."
كان لديه خوف حقيقي عليها، وهو ما جعله يحذرهم بوضوح.
حركوا رؤوسهم بالموافقة، وعادوا إلى الهدوء الذي اعتادوا عليه، وخرجوا خلف ترنيم سريعًا؛ اثنان صعدوا معها بالسيارة، بينما تبعتهم بقية الرجال بسيارتين أخريتين، وكأنما كانوا هم الحراس المخلصين، يحاولون حمايتها من كل شر محتمل في الطريق، هذه اللحظات كانت نذيرًا لتغيير عميق قادم في حياة الجميع، حيث تتصارع القوة والحنان في عالم مزدحم بالتحديات.
**************************
استفاق سلطان من نومه على صوت ابنته تعبر عن قلقها عبر بكاء مؤلم، بسرعة، اعتدل في جلسته وأخذها في حضنه، محاولاً تهدأتها، لكنه أدرك أنها لا تستطيع التنفس، نهض متلهفًا وتحرك إلى الخارج، مجتازًا أرجاء المنزل الذي كان يكسر فيه الصمت ليلاً، مستهدفًا غرفة فريدة، كان التوتر يتصاعد في أعماقه، فابنته في حاجة ماسة لمساعدته، عندما دخلها، وجدها ما زالت مغمورة في النوم، كأنها طفلة تحمل أحلامها في عالم بعيد، رفع صوته الجهوري قائلاً:
"انتي يا هانم قومي بسرعه، رنيم مش قادرة تاخد نفسها."
انتفضت فريدة من نومها، وعينيها تعبران عن صدمة وقلق شديد، وكأنها تقف في عنق الزجاجة بين الليل والنهار، نهضت بسرعة، تتجه نحو مكان العلاج، لكن صدمتها زادت عندما اكتشفت أن الدواء قد انتهى، فتحت عينيها على وسعهما، وتحدثت بقلق:
"البخاخه خلصت، لازم تخدها المستشفى حالا."
دون تريث، خرج سلطان مسرعًا، هابطًا إلى الطابق السفلي حيث حرك رنيم للمقعد الخلفي للسيارة، وبسرعة ذكية انطلق بها متجاهلاً قواعد السير، كأنه يقودها صوب الأمل، بعد عدة دقائق، أوقف السيارة وخرج منها وهو يحمل ابنته بين ذراعيه، كأنه يحمل قطعة من قلبه، ليأخذ خطوات سريعة نحو الداخل بحثًا عن طبيب، عندما رأى ترنيم، ركض نحوها، يقول بصوت مليء بالقلق والإلحاح:
"الحقي رنيم، يا ترنيم، مش قادرة تاخد نفسها."
أخذتها منه بسرعة، ودخلت داخل إحدى الغرف، حيث شعرت بعبء المسئولية على عاتقها، ثم وقفت أمام رجال غريب، قائلة بنفاذ صبر:
"مش هينفع كده، لو سمحتوا، أقفوا على الباب بره، خليني اعرف أشوف شغلي."
عندما انسحبوا، أغلقت ترنيم الباب، وضعت رنيم على السرير، وبدأت تعمل بجد في مهمتها الحاسمة، وضعت المسك على فم الطفلة، وبدأت تمرر يدها بلطف على شعرها، وكأنها تخيط جروح الخوف بلمساتها، مبتسمة لها بدموع، قائلة:
"متخافيش يا روح قلب ترنيم، هتبقى كويسه وهنلعب كتير مع بعض."
نظرت الطفلة إليها بعينين متعبتين، وأومأت برأسها فقط ثم أغلقت عينيها بفعل السكون، كأنها تثير في نفسها شعور الأمان بوجودها، قبلت ترنيم يدها بحنان، وضعتها بجوارها، ثم نظرت إلى سلطان، الذي كان يتابعهم بنظرات مليئة بالحب، مختلط بالقلق والتوتر، استقامت في جلستها وتحدثت بصوت هامس:
"متقلقش، هتبقى كويسه دلوقتي."
احتضنها سلطان بقوة، بينما جسمه يرتعش من الخوف على ابنته، كأنه يشاركها كل لحظة صعبة تمر بها، ضمت ترنيم سلطان، تربت على ظهره، وتحدثت بصوت هامس، وكأن الكلمات تعيد تشكيل واقعهم الصعب:
"والله العظيم متقلقش، هي كويسه، بعد الجلسة هتبقى زي الفل."
ثم ابتعدت عنه، وضعت وجهه بين كفيها، نظرت في عينيه، وتحدثت بصوت هادئ وحنون، كأنها تسأل عن كل الأمل الذي يخبئه قلبه لها:
"رنيم تهمني، زي ما هي مهمة عندك، بحسها أنا وانا صغيرة، جزء مني و منك، من الآخر بحسها بنتي أنا، مش بنتها هي."
نظر إليها بحب، هامسًا وكأن كل هموم الدنيا قد أزيلت:
"ما قولتلك يا ترنيم نتجوز ونربيها أنا وانتي."
أنزلت يدها، مستديرة بتوتر، وكأنها تزيل جرحًا لم يلتئم بعد، وقالت بصوت مختنق، مثل زجاجة فارغة تنحبس داخلها الصوت:
"وانا قولتلك وقتها مش هينفع أبعد بنت عن أمها، واحرمهم من بعض، سلطان، علشان خاطري، ساعدني اننا نحافظ على الحدود اللي ما بينا، لإني غصب عني لسه بضعف قدامك، وانا مش عايزة أبقى خاينة، عايزة أكون تربيتك اللي تتشرف بيها قصاد أي حد، أرجوك يا سلطان."
اقترب منها، محاطًا إياها بذراعه بقوة، وكأن لا شيء في العالم يمكن أن يفصل بينهما، وقال بصوت هامس مغوي، كأنما يعيد الطلبات إلى أصوات القلوب:
"أساعدك على ده لو هقدر أعمل كده، لكن لا أنتي ولا أنا هنقدر نلتزم بده، لأن قلوبنا متعلقة ببعض، وفيهم مغناطيس بيسحب التاني ليه، الحل الوحيد هو أنك تطلقي منه ونتجوز أنا وانتي."
وضعت يدها على صدره، وتحدثت بأنفاس متقطعة وكأن الكلمات تخونها:
"مش هينفع أطلق منه، صدقني، اللي بيحصل بينا غلط يا سلطان، أنت الكبير، وأنت اللي لازم تتحكم في مشاعرنا أكتر من كده، ارجوك، ساعدني ومتخلنيش أعمل كده."
التصق بها بقوة، مال برأسه، وهمس أمام شفتيها، مضيفًا نغمة من اليأس إلى صوته:
"للأسف، يا ترنيم، أنا قدامك ببقى شاب مراهق، مقدرش أتحكم في مشاعري، كل اللي عايزه تبقى معايا وفي حضني على طول، والحل الوحيد هو أنك ترجعي تاني في حضني."
أنهى كلامه، واحتضن شفتيها بقوة كأنهما سيل يتدفق بالمشاعر، بينما كان العالم الخارجي غير موجود، تمسكت به، وتبادلت معه القبلة، لكن في تلك اللحظة، انفتح الباب ودلفت فريدة، فاصطدمت ترنيم به، وتنحت بعيدًا عن سلطان، بينما نظرت إلى الأرض بتوتر، تتلعثم بحلقها.
عقدت فريدة ذراعيها على صدرها، وغضبها يستشيط، وكأن البركان قد انفجر في قلبها:
"والله عال يعني مش همك بنتك اللي نايمة جنبك، نفسها مقطوع، وقاعد تحب في الست هانم وتبوس، انتوا ازاي قذرين كده؟ يعني لا أنت عامل حساب ليا، ولا لبنتك اللي معاكم في نفس الأوضة، ولا هي عاملة حساب لجوزها الخروف اللي مش حاسس بحاجة."
كادت ترنيم أن تتحرك، لكن سلطان أمسك ذراعها، مانعًا إياها من ذلك، نظر إلى فريدة، وتحدث بهدوء حذر، وكأن الكلمات تشكل سياجًا بينهما:
"كلمة تانية زيادة، وهتبقى طالق يا فريدة، واللي بيحصل بيني وبين ترنيم حاجة متخصكيش، أياكي تنطقي بحرف من اللي شوفتيه هنا، فاهمة؟"
أغلقت ترنيم عينيها بدموع، محاولة الابتعاد عن المكان، لكن سلطان تمسك بذراعها، متحدثة بصوت مختنق، مليء بالدفء الإنساني:
"سيبني يا سلطان، أرجوك."
حرك رأسه برفض، وكأنه يحاول مقاومة واقع مرير:
"لا، يا ترنيم، مش هتمشي من هنا، ولو فيه حد لازم يمشي، يبقى هي، مش انتي."
نظرت فريدة له بقهر وألم، متوعدة لهم بشدة عقابها، ثم تحركت نحو ابنتها وجلست بجوارها، ممسكة يدها في صمت، وكأنها تحاول تحويل هذا المكان إلى ملاذ آمن.
تكلمت ترنيم بصوت هامس مختنق، متأملة كل شيء حولها:
"أرجوك، سيبني يا سلطان، وحياة أغلى حاجة عندك."
أرخى سلطان قبضته عنها، وترك ذراعها ببطء، كأنما يتخلى عن جزء من هوى حياته، ركضت ترنيم إلى الخارج، ودلفت إلى أحد الغرف، أغلقت الباب، وأسندت ظهرها عليه، كأنها تبحث عن ملجأ، أرجعت شعرها للخلف، وانهمرت دموعها بغزارة، تتأمل ما حدث، وقلبها ينزف، هبطت ببطء إلى الأسفل، حتى جلست على الأرض، ضمة قدميها إلى صدرها، وأسندت رأسها عليهما، وظلت تبكي بحرقة وندم، حتى تقطعت أنفاسها، محاطة بصوت الذكريات ومشاعر الخذلان.
**************************
تحرك غريب بسيارته، مستهدفا أحد المقرات الخاصة بعمله الإجرامي، المكان الذي لطالما كان له فيه دور بارز في شتى الأعمال غير الشرعية، لكنه بينما كان يسير على الطريق السريع، فاجأته سيارة أخرى توقفت فجأة أمامه، مما اضطره إلى الكبح بحركة مفاجئة، خرج من سيارته بغضب، اقترب من السيارة الأخرى عابساً، وطرق على زجاج النافذة بدفعة قوية، لينفجر قائلاً:
"أنت أعمى مش بتشوف؟"
انفتح زجاج السيارة ببطء، ليظهر وجه مريم مبتسمًا بابتسامة عريضة، وكأنها لم تكن عالقة في أجواء من التوتر بل تعيش لحظة فرح، نظر إليها باستغراب عميق، وكأن عقله يحاول فهم سبب وجودها، وقال:
"انتي؟"
ردت عليه بنبرة هادئة مخلوطة بشيء من الدلال:
"وحشتني يا بيبو."
ضغط على أسنانه بغضب، تحدث بسرعة وتحذير:
"لو مبعديش عن سكتي أنا وترنيم، مش هرحمك يا مريم، وانتي عارفه أنا ممكن أعمل معاكي إيه انتي والاتنين التانين."
كان ذلك التحذير ملئ بالأسرار والتهديدات، مما جعل الأجواء تنذر بكارثة قادمة.
ترجلت من السيارة، تتمايل بدلع، ومتظاهرة بعدم الاكتراث بمشاعره، وقالت بوضوح:
"امم... طيب لو قولتلك إن في صفقة ممكن أسلمك رجب وابنه، وأعملك كل اللي نفسك فيه مقابل طلب واحد صغنون، إيه رأيك؟"
كان في عينيها لمعة غريبة تشير إلى غموض الصفقة التي تعرضها.
عقد ساعديه على صدره، ونظر إليها باهتمام، مردداً بتساؤل وتحليل معمق:
"وأيه هو الطلب ده إن شاء الله؟"
أجابت بتوضيح:
"تسلمني سلطان قصادهم، والشغل كله يرجع تاني مع الجماعة زي الأول."
كان صوتها ثابتًا، ولكن الكلمة الأخيرة أشعلت الشرارة في ذهن غريب، الذي كان على علم بحماية سلطان وبقدراته الغامضة.
رفع أحد حواجبه إلى الأعلى، مصدوماً: "أكيد انتي عرفتي أن سلطان بقى تحت حمايتي صح؟"
أومأت برأسها بتفهم، وقالت:
"صح، بس انت مضطر تعمل كده علشان وعد مراتك بده، بس بقى هل من مصلحتك وجود سلطان ما بينكم، خصوصاً إنهم يعني... عارف إن الأمور ممكن تخرج عن السيطرة في أي لحظة."
امسك غريب ذراعها بغضب، كانت حرارة كلماته تشتعل في مكانه:
"اياكي تجيبي سيرتها بحرف واحد فاااهمه. وبعدين هو أنا يعني مش عارف أوصل لرجب وابنه؟ أنا سايبهم بمزاجي، لو تحبي أقولك هما قاعدين فين دلوقتي وبيعملوا إيه، أقولك، أنا غريب ضرغام، مافيش حاجة بتصعب عليا، وسايب رجب وابنه عايشين بمزاجي، بس لو حبيت أخلص عليهم، هوصل ليهم بسهولة."
ثم اقترب منها وهمس بجوار أذنيها، وهذه المرة انخفض صوته إلى همس مثير:
"وبعدين مش عيب لما تبقى عايزه تخلصي من جوز بنت خالتك؟"
كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، وكأن كل كلمة تقال تعكس صراعات بين الولاء والخيانة.
أنهى كلامه مبتعداً عنها، ونظر إليها بابتسامة متوعدة، كأنما يخفي وراءها خطوطاً من الوعيد والإثارة، قائلاً:
"أعتقد إنها مش هتقبل بده، وهتخلص منك قبل ما تقربي من سلطان، بس دي أمور عائلية، مليش دخل فيها."
كان صوته يحمل نبرة من التحدي، وكأنما يستمتع بإثارة الخوف والشك في قلبها.
"أنا ليا مراتي، وهي أولوياتي، لو حد منكم فكر يمس شعرا منها، مش هرحمه، فاااهمه؟"
خيم صمت قصير بعد كلماته، وكأنما تجلى بينهما نوع من الفهم القاسي حول الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
ثم عاد مرة أخرى إلى سيارته، وصعد بها وتحرك سريعاً من أمامها، ترك وراءه سحابة من التوتر والقلق، كان هناك شعور بعدم الارتياح يسود المكان، وحده صوت محرك السيارة يتردد في الأجواء مثل نغمة تحذيرية.
وقفت مريم في مكانها، مصدومة، وشعرت بخوف شديد من معرفة غريب الحقيقة؛ إذ كان ذلك سيشكل خطراً كبيراً عليها، أفكارها كانت تتسابق في ذهنها، كيف يمكن أن تتعامل مع هذا الوضع؟ أي أبعاد جديدة قد تنشأ؟ صعدت سيارتها وانطلقت بها مسرعة، حيث كانت الأضواء الحمراء في الشوارع تشبه نذر الخطر، وقررت أنها لا يمكنها العودة إلى الوراء الآن، بل يجب أن تتحرك للأمام، مهما كان الثمن.
**************************
خرجت ترنيم من الغرفة بعد أن أخرجت ما يكن داخلها من مشاعر الندم والخذلان، جرت دموعها على خديها، لكنها تنفست الصعداء، عازمة على وضع الماضي خلف ظهرها، اتجهت بسرعة إلى غرفة رنيم، ولكنها توقفت فجأة عندما واجهتها فريدة، التي وقفت هناك كجدار من الغضب، عيناها تتأججان كعواصف في بحر هائج.
"رايحة فين؟"
نظرت ترنيم لها بضيق، متجسدة في مزيج معقد من القلق والإصرار، وأجابت بصوت يتأرجح بين القوة والضعف:
"داخله اطمن على رنيم."
عرفت بأن عليها أن تصر على موقفها، رغم كل التحديات التي أصبحت في طريقها. فكانت تلك اللحظة تحديًا، ليس فقط لفريدة بل لثقتها بنفسها.
عقدت فريدة ذراعيها على صدرها، ويبدو أنها اتخذت قرارًا واضحًا لا يقبل النقاش، حيث عبرت عن عنادها بوضوح:
"انتي لو أخر دكتورة على وجه الأرض، مش هخليكي تكشفي على بنتي، اتفضلي غوري من هنا."
كانت كلماتها كالسلاسل، تقيد ترنيم في مكانها، معبرة عن الحماية القوية التي تشعر بها تجاه ابنتها، ولكن في الوقت نفسه، كانت تعكس خوفها وافتقارها للثقة في كفاءة ترنيم.
اقترب سلطان، الذي كان يجسد الغضب في كل تفاصيله، وهو يتأمل التوتر المتصاعد بين السيدتين، ولكن قبل أن تنطلق الكلمات من شفتيه، أشارت له ترنيم بيدها بضرورة الصمت، إذ كان عليها أن تتحدث، ثم، تكلمت بنبرة تحذيرية تحمل في طياتها تهديدًا واضحًا، كما لو كانت مستعدة للدفاع عن حدودها المهنية بشدة:
"انتي لو مبعديش عن الباب وخلتيني اشوف شغلي حالاً، هخلي الأمن يرموكي بره، ولو عملتي أية، محدش هيدخلك تاني، فاهمة؟"
كانت كلماتها كالرصاصة، مهيئة لتسديد الضربة القاضية، واعدة بأن لا تتسامح مع أي محاولة لإزعاجها أو التقليل من مكانتها كطبيبة، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة الغضب الذي يتجلى في عيون فريدة،
أنهت كلامها ودفعتها بقوة، فابتعدت فريدة عن الباب وهي تشعر بتوتر يزداد مع كل لحظة تمر، كانت نظراتها مليئة بالقلق، فتسارعت ضربات قلبها وهي تفكر فيما قد يحدث، فتحت الباب، لكنها سرعان ما شعرت بصدمتها تتغلغل في أعماقها عندما لم تجد الطفلة في مكانها، انقبض قلبها بشكل مفاجئ، وضاقت عيناها مع شعور رهيب من الخوف، ثم نظرت إلى سلطان بحالة من القلق والارتباك، وسألته بقلق شديد: "هي فين؟"
رد عليها بصوت مختنق، وكأن الكلمات تجمعت في حلقه:
"اخدوها قالوا هيعملوا ليها فحوصات."
كانت الكلمات بمثابة صدمة، وكأن الارض تحت قدميها قد اهتزت، اتسعت عيناها بصدمة واسعة، وركضت سريعًا تبحث عنها، يسحبها خوف مرعب وأعصاب مشدودة، وعندما عثرت عليها، كان الطبيب يقوم بأخذ عينة منها للفحص، مشهد مأساوي جعل قلبها ينقبض أكثر، في لحظة من الغضب الذي لا يمكن ضبطه، تقدمت بسرعة وأخذت الطفلة بين ذراعيها بقوة، وقالت:
"انتوا بتعملوا ايه؟"
ارتبك الطبيب، وكأنه تاه في زحام احتياجاته المهنية ونسى إنسانية اللحظة:
"ها...أه، بنعمل فحوصات ليها علشان نعرف بتشتكي من أيه؟"
احتضنت الطفلة في أحضانها بحنان، وتكلمت بتحذير واضح في صوتها:
"إياكم تقربوا منها تاني، الحالة دي معايا وأنا عارفه بتشتكي من إيه وبعالجها بطريقتي."
كانت كلماتها مثل درع يحمي رنيم من أي إهمال أو سوء فهم.
ابتسم لها الطبيب بتوتر، وهو ينطق بكلمات اعتذار:
"ها، أنا آسف يا دكتور، معرفش أنها معاكي، ومدام حددتي حالتها، يبقى خلاص تمام."
لكن الابتسامة لم تكن كافية لتهدئة مشاعرها المتوترة، نظرت له ترنيم بغضب شديد، لا يمكن تجاهله، ثم خرجت بالطفلة وأعطتها لسلطان، متحدثة بصوت مختنق مليء بالقلق:
"خد رنيم وامشوا من هنا، ولو حصل لها حاجة لا قدر الله، اتصلوا بيا وأنا هاجي ليها البيت، بلاش تروحوا أي مستشفى ممكن؟"
كانت تحاول أن تبدو قوية، ولكن نبرة صوتها حملت كل وزن مشاعرها القلقة.
حمل سلطان ابنته وأومأ برأسه كعلامة على الفهم، ورغم ذلك، نظر إلى فريدة بغضب، قائلاً:
"أمشي." كانت تلك اللحظة مليئة بالدلالة على تصاعد الأمور بينهم، وبدا أن كل طرف يحمل آلامه الخاصة.
نظرت فريدة بكره شديد لترنيم، فقد كان ذلك الكره مزيجًا من الغضب والإحباط، ثم أخذت ابنتها وتحركت نحو الخارج، وقد ترافقها سحابة من التوتر والغضب، كأنها كانت تهرب من واقع لا يمكن تغييره.
اقترب سلطان منها وتحدث باعتذار صادق، وكلامه يحمل في طياته أعباء الذنب الذي يثقل قلبه:
"حقك على قلبي يا بنت قلبي، اندفعت بمشاعري ومحستش بنفسي."
كانت نبرته تحمل الندم، وكأن كل كلمة هي محاولة للتخفيف من وطأة الموقف، لكن هل ستعيد بناء الثقة المفقودة بينهما؟
نظرت ترنيم إلى الاتجاه الآخر، محاطة بمشاعر مختلطة من الخيبة والغضب، وقالت بصوت مختنق، يكاد يخفي داخله العواطف المتصارعة:
"ارجوك يا سلطان، قفل على الموضوع ده، وبعد كده الكلام ما بينا لازم يكون بحدود، أنا مش هسامح نفسي على اللي حصل ده."
تركت كلماتها أثرًا عميقًا في قلبها، كأنها تعيد فتح جراح قديمة ما زالت تنزف.
كاد أن يرد عليها بما يخفف من أعبائها، لكنه شعر أن العديد من الكلمات عالقة في حلقه، كان يحاول أن يجد الطريق الصحيح للتواصل بلطف، لكن ترنيم تحركت سريعًا أمامه، تاركة إياه مع مشاعره المتضاربة، كأنه يعيش في دوامة من الندم والتردد، عرفت بالضبط ما يفكر فيه، وقررت أن تتركه يتعامل مع مشاعره بمفرده.
نظر إلى أثرها بحزن، وهو يشعر بقلق يتدفق في عروقه، مثل نهر مضطرب، ثم خرج خلف زوجته وابنته، والقلق يعتريه من غموض ما سيحدث، كأن خيوط العلاقة التي تربطهم بدأت تتفكك، كانت قائمة الأسئلة تتزايد في رأسه: هل سيتمكن من تصحيح الأمور؟ كيف سيبدو المشهد بعد هذا الموقف المتوتر؟ ومع كل خطوة، كان يشعر بالحنين إلى تلك الأيام التي كانت فيها الأمور أكثر وضوحًا وبساطة، حيث كان بإمكانهم التحدث بدون حواجز، وبدون مشاعر متباينة تؤثر على حديثهم.
**************************
ارتدى غريب قفازة، بينما بدأ بالتجهيز لسلاحه بدقة، مراعياً كل تفصيل من تفاصيل العملية التي كان يخطط لها بعناية، صعد إلى قمة أحد المباني الشاهقة، حيث جثا على ركبتيه في وضع متمكن، مركزاً نظرة حادة على الهدف البعيد الذي كان مجرد نقطة صغيرة في الأفق، كان قلبه يخفق بسرعة، لكن عقله كان هادئاً، فقد مرت سنوات منذ أن تعلم كيف ينفصل عن عواطفه في مثل هذه اللحظات الحرجة، عندما أصبح الهدف في مرمى نيرانه، ضغط على الزناد برفق وثقة، واستقرت الرصاصة بدقة مميتة في رأس أحد الشخصيات المرموقة المطلوبة تصفيتها من الجهات المعنية، والذي كان يعتبر تهديداً متزايداً لأمن البلاد، لم يستطع إلا أن يلاحظ كيف استقر جسد الهدف على الأرض، مخلفًا وراءه سكونًا مثيرًا للقلق، وكأن المدينة بأسرها قد توقفت للحظة.
أعاد كل شيء إلى مكانه بعناية، هبط إلى الأسفل وكأنه لم يفعل شيئًا على الإطلاق، وكأن حياته السابقة كانت مجرد كابوس، وضع السلاح في سيارته بنظام، ثم صعد بها يشعر بالغرور من قدراته القتالية الفائقة. استشعر عدم الارتياح وهو يمسك هاتفه، متحدثًا بالتركية بجملة واحدة فقط:
"Görev tamamlandı."
(تم إنجاز المهمة).
أغلق الخط وألقى الهاتف بجواره في المقعد الأمامي كما لو كان عبئًا ثقيلًا، بينما أدار السيارة وتحرك بها بسرعة نحو المستشفى الذي تتواجد بها ترنيم، كلما اقترب من وجهته، كانت صورتها في ذهنه تزداد وضوحًا، وعندما وصل، وقف أمام البوابة، وترجل منها بحركة سريعة لكن متحفظة.
وعندما رأى سلطان يخرج من الداخل، ضغط على أسنانه بغضب مكبوت، وداخل صدره تتصاعد موجات من الريبة، تحرك مسرعًا إلى الداخل بحثًا عن ترنيم، حتى وجدها تخرج من أحد الغرف، وجهها يظهر عليه تعب اليوم، اقترب منها وأمسكها من ذراعها بغضب، وسأل بتساؤل حاد:
"سلطان كان بيعمل أيه هنا يا ترنيم؟"
كانت نبرته تهديدية، لكنه لم يكن يدرك أن السلسلة من التوترات بدأت للتو، وأنه قد دخل منطقة مظلمة من العلاقات والمشاعر التي سيصعب التحكم فيها.
ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بتلعثم:
"كان هنا ببنته علشان تعبانه، ومراته كانت معاهم، ده حتى اتفاجئ بوجودي هنا، مكانش يعرف إني رجعت الشغل والله."
رفع حاجبيه بعدم تصديق، وقال:
"يا سلام، يعني بنته سايبه الأيام كلها، وجايه تتعب النهاردة بالذات علشان تصادف نفس اليوم اللي رجعتي فيه الشغل؟ مش غريبة دي؟"
نظرت له بضيق وتكلمت بصوت مختنق:
"أنا مش بكدب عليك على فكرة، عندك رجالتك اهي، اسألهم كان جاي وبنته حالتها عاملة أزاي."
تأملت في عينيه، ولاحظت التناقض بين قلقه ورغبته في تصديقها، شعر بصدق كلامها، واقترب منها، وأمسك يدها، وتكلم بهمس:
"أنا مش محتاج أسأل حد علشان أصدقك يا ترنيم، أنا مكنتش بكدبك، أنا بس مستغرب الصدفة مش أكتر."
نظرت في عينيه وهي تشعر بتأنيب الضمير، ثم تنحنحت وقالت بتوتر:
"أنت جاي هنا ليه؟"
وضع ذراعه على كتفها وتكلم بنبرة هادئة:
"مافيش، كان عندي شغل خلصته، وجيت أخدك معايا على سكتي، انتي مش خلصتي؟"
أومأت رأسها بالتأكيد وقالت:
"أيوه خلصت، ولسه كنت بغير هدومي علشان أروح."
ارتسمت ابتسامة على وجهه بينما شعر بتحرر من التوتر بينهما، وقال:
"طيب يلا بينا."
تحركوا باتجاه باب المشفى، لكن وقفت أمامهم فتاة ملامحها ليست غريبة على ترنيم، لكنها لم تتذكرها، شعرت بنوع من الإرتباك، لكن الفتاة اقتربت من غريب لتقبله على خده، لكنه ابتعد برأسه للخلف وتكلم بنبرة جادة:
"خير يا نهى؟"
تكلمت بابتسامة هادئة، لكن عينيها كانت تعكس بعض التحدي:
"ماشي يا عم غريب، هعتبر طريقتك دي علشان مراتك معاك."
ثم نظرت إلى ترنيم وتكلمت بنبرة متعالية، محاولاتها لفرض قوتها واضحة:
"هاي يا ترنيم، إيه، مش عرفاني؟"
حركت رأسها محاولة استدعاء ذكرياتها المنسية، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى تلك اللحظة المراوغة التي احتفظت فيها بمكانها في زاوية عقلها، تكلمت باستغراب وقالت:
"أنا حاسه إن أعرفك، بس مش فاكرة مين."
ضحكت بهستيرية خافتة، كأنها تحاول جعل الموقف أقل إحراجًا، ثم أضافت بسرعة:
"أنا نهى، يا نيمو، الثانويه، حفلة عيد الميلاد."
أدركت فجأة أنها تزعج ذاكرتها النائمة بعيدًا في أعماق الماضي، فتوسعت عيناها بصدمة عندما وعت تلك الصلة القديمة، وقالت بعدم تصديق:
"نهى!! انتي فينك من وقتها، اختفيتي خالص."
نظرت لها بحقد مستتر، وتحدثت بصوت مختنق، يغلب عليه التأسي والمرارة:
"البركة في سي روميو بتاعك، سلطان، اللي نقلني مدرسة تانية في محافظة بعيد."
لكنها أكملت بإصرار:
"عموماً، اديني، اهو اتخرجت وكملت تعليم بره، واخد الشهادة، وبقيت دكتورة، وجايه أستلم أول يوم شغل في مستشفى بابي."
تركزت مشاعرها بين الفخر والمرارة، وكأن كل إنجاز حققته لم يكن كافيًا لتعويض فقدان الروابط القديمة.
أغلق غريب عينيه بغضب، وكأنه يظهر من خلال تلك الحركة عمق استيائه من أسم سلطان، ثم تحدث بأمر صريح، مشيرًا إلى ضرورة إنهاء هذه المحادثة الدرامية: "أمشي يلا يا ترنيم."
نظرت له، وعلامات الدهشة تكتسح وجهها، وكأنها تعيد تقييم الوضع بأكمله، قالت، محاولة فهم الأبعاد المتشابكة:
"استنى يا غريب بس، افهم."
ثم نظرت إلى نهى، كأنها تطلب مساعدتها في فك تلك العقدة العاطفية:
"أنا مش فاهمة سلطان هيعمل كده ليه؟ وبعدين إيه الصدفة دي، يعني دكتور عصام يبقى أبوكي؟ أنا حاسة إني توهت منك."
ابتسمت لها بثقة، محاولًة إضفاء بعض الهدوء على الموقف المتوتر، وقالت: "سلطان عمل كده علشان قال إيه خايف عليكي مني، وعقاب ليا علشان وقتها هربتي وجيتي عيد ميلادي، وأيوة يا ستي، دكتور عصام هو بابي، أصلاً سلطان اتعرف عليه من وقت المشكلة دي."
حركت رأسها بعدم فهم، وشعرت كأنها تتوه بين المعلومات المتعددة، وقالت:
"بس مش ده اللي سلمت عليه يوم عيد الميلاد، كان واحد تاني غير دكتور عصام."
أومأت رأسها بالتأكيد وقالت:
"أيوه، ده كان جوز مامي، لأنهم مطلقين، وكل واحد متجوز حد تاني."
أومأت ترنيم رأسها بتفهم، وقالت:
"تمام، بس انتي وغريب تعرفوا بعض منين؟"
نظرت نهى إلى غريب، وعندما ابتسمت له وأضاء وجهها ببراءة، أحست ترنيم بوجود شيء غامض يكمن في نظراتها، فقالت:
"مامي ومامته أصحاب، وكان فيه مشروع خطوبة قبل ما تتجوزوا."
نظرت إلى غريب باستغراب، وكأنها تسعى لفهم أبعاد العلاقة بينه وبين عائلتها، لكنه أجاب بحزم، مما جعل الجميع يشعر بنوع من التوتر:
"لا هو مكانش فيه موضوع خطوبة، هي مامتك عرضتك عليا، وانا رفضتك."
أنهى كلامه، وأمسك يد ترنيم، وأرغمها على التحرك معه إلى الخارج، مما جعل الحيرة تتزايد في ذهنها.
نظرت نهى بغضب على أثرهم، واشتعلت نيران الغيرة بقلبها، تحركت بمكر إلى الداخل، أشعرها الموقف بأنها فقدت شيئًا مهمًا في هذه العلاقة المتشابكة، مما جعلها تشعر بأن عليها اتخاذ قرار قريب.
صعدت ترنيم السيارة، ونظرت إلى غريب بضيق، وقالت:
"انت ازاي تجرني وراك شبه الخروف كده؟"
لكن رد فعل غريب كان جادًا، وبنبرة حاسمة، قال:
"البت دي ملكيش دعوة بيها، دي أكبر عدوة ليكي."
حركت رأسها بالرفض، حيث كان الرفض يترافق مع اتساع عينيها، وقالت:
"هو إيه اللي مليش دعوة بيها، انت عايز تتحكم فيا وخلاص، البنت دي أعرفها من أيام الثانوية، وكانت علاقتنا حلوة ببعض لحد ما سلطان اتدخل، زي ما انت سمعت."
وجدت نفسها تنفجر بتلك المشاعر، مضيفة:
"انتوا الاتنين عندكم مرض فرض السيطرة وخلاص."
تكلم من بين أسنانه، وقال:
"متجبيش سيرته قدامي أحسنلك، وبعدين، ده مش فرض سيطرة، بس أنا أعرفها من زمان، وكلامها على طول أنها بتكرهه بنت اسمها ترنيم، مكنتش أعرفك وقتها، بس اسمك مميز، وعلشان كده حافظته، ولما اتجوزتك، عرفت إنك انتي البنت المقصودة اللي كانت بتتكلم عنها على طول بغل وكره، أنا خايف عليكي يا ترنيم."
زفرت بضيق، ونظرت للاتجاه الآخر، وظلت صامتة، تتصارع أفكارها مع مشاعرها، حرك يده تجاه وجهها، وأرغمها على النظر له، وتكلم بنبرة هادئة، وقال:
"أنا مش عايزك تزعلي مني يا ترنيم، بس كل ده من خوفي عليكي، صدقيني، مشكلتك إنك طيبة أوي، وبتنخدعي في الناس بسهولة، ومعندكيش إدراك بالشر اللي حواليكي، قلوب الناس في الزمن ده بتكون متقلبة، ومش كل واحد يظهر ليكي الابتسامة يعني إنه صديقك، قلبك طيب ونضيف، وعلشان كده واجب عليا حمايتك."
أغلقت عينيها بدموع وهي تشعر بتأنيب الضمير، وأومأت رأسها له، وقالت:
"ماشي يا غريب، امشي يلا بينا."
اقترب منها، ووضع قبلة على خديها برقة، ثم اعتدل في جلسته، وأدار السيارة، وتحرك بها إلى الفيلا في صمت يعبر عن قلقه وشعوره بالمسؤولية، بينما كانت هي تفكر في كل ما قاله وفي عواقب الأمور.
