رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس والعشرون 

جلست ترنيم في غرفتها، تنغمس في ذكريات تلك اللحظات الحرجة مع سلطان في المستشفى، انهمرت دموعها بغزارة، وشعرت بتأنيب الضمير يجثم على صدرها، وكأنها عالقة في دوامة من الألم وعدم المسامحة لنفسها على ما حدث في لحظة ضعف، استقامت في جلستها، ورغم ثقل قلبها، أخذت خطوات مترددة نحو باب غرفتها.
فتحت باب غرفة غريب، فوجدته متمدداً على فراشه، يده تحت رأسه، عيونه مسمرة على السقف، وعلامات الاستغراب تعلو وجهه عندما لمحها تدخل، اقتربت منه ببطء، والدموع تحدق في عينيها، ثم رقدت بجواره على السرير، وضعت رأسها على صدره، وكل شهقاتها تعبر عن وجع قلبها، على الرغم من استغرابه من اقترابها المفاجئ، شعر بسعادة عميقة لوجودها بجانبه، احتضنها بذراعه، بينما كانت يده تتنقل برفق على ذراعها، تاركاً لها الوقت لتخرج ما يكمن في أعماقها.
تمسكت به أكثر، وكلماتها تتصاعد من بين شهقاتها: 
"أنا مش وحشة يا غريب، حاولت كتير أنساه وأحبك بس مقدرتش، وجودي جنبه بيضعفني، أنا مش عايزة أغلط ولا أحس بالذنب، مش قادرة أتحمل تأنيب الضمير، أنا بتعذب يا غريب، ارجوك طلقني."
قبل رأسها بحب، وتحدث بنبرة هادئة: 
"وانا مش مستعجل على خطوة قربك مني يا ترنيم، أنا سايب ليكي الوقت والمساحة اللي تريحك وتكوني براحتك، طلبت منك تحبيني، لكن محددتش الوقت، عارف انك هتتعذبي شوية لحد ما تنسي التاني بس انا موجود وأنا مستعد أتجاوز عن أي حاجة إلا حاجة واحدة بس يا ترنيم، الخيانة!! دي مليون خط أحمر عندي، انتي مراتي، وتخصيني أنا، وكل حتة فيكي بتاعتي، فاهمة؟"
تزايدت دموعها، وتتحدث بترجي: 
"طلقني يا غريب لو بتحبني بجد، طلقني."
رد عليها بكل هدوء: 
"أنا عمري ما أطلقك يا ترنيم، اه، أصبر عليكي ومقربش منك، بس كل ده علشان بحبك ومش عايز اعمل كده غصب عنك. وعارف أن ده ليه وقته وهيحصل إنما طلاق ده مستحيل."
تعالت شهقاتها وصاحت: 
"انت مش فاهم حاجة يا غريب، انت طيب أوي، ومن يوم ما دخلت بيتك وانت بتعاملني بحنية. مشوفتش منك غير كل خير، بس غصب عني والله مش بأيدي."
اعتدل في جلسته، مجبراً إياها على الجلوس أمامه، وأخذ يجوب كفيه على وجهها بحنان، وتحدث بنبرة عاشقة: 
"ترنيم، أنا عندي استعداد أصبر عليكي العمر كله، الأهم تبقي جنبي ومعايا، مش عايز حاجة أكتر من كده، بس في حاجة واحدة بس هطلبها منك، اياكي والخيانة يا ترنيم، أنا ممكن أسامحك على أي حاجة إلا الحاجة دي، وانا هنا مش قصدي على التفكير ولا اللي في قلبك، لأن عارف ومتأكد أنك هتاخدي وقت علشان تنسي. أقصد خيانة جسدية، يعني قلبك يضعف وتفكري تسلمي نفسك، ده اللي مش هقبل بي، ولا حتى مجرد تفكير، علشان وقتها النتيجة مش هتعجبك أبداً."
ابتلعت ريقها بصعوبة ونظرت له بتوتر، والدموع تنجرف منها كالشلالات، وأومأت برأسها في صمت.
اقترب منها، وقبل خدها بحب، ثم ابتعد عنها مبتسمًا بسعادة: 
"تعرفي أحسن حاجة عملتيها دلوقتي لما جيتي نمتي جنبي على السرير؟ حاجة بسيطة عندك، بس كبيرة أوي عندي، وفرحتني كأني عيل صغير فرحان بلعبته الجديدة."
احمرت وجنتاها، وتحدثت بتلعثم: 
"أصل أنا كنت مخنوقة، وإنت أول حد جه في بالي، بس انا دلوقتي بقيت أحسن. هروح أنام بقى، تصبح على خير."
أمسكها بسرعة من ذراعها، ونظر إلى عينيها:
"خليكي قاعدة شوية معايا، أنا لسه كنت بفكر فيكي وكنت جايلك."
زاغت ببصرها بعيداً عنه، وبدأت تفرك أصابعها بتوتر، ثم أومأت برأسها.
تمددت على فراشه مرة أخرى، و أجبر ترنيم على التمدد بجواره، ووضع رأسها على صدره، وبدأ يحرك يده على ذراعها، وتحدث بحب: 
"تعرفي إني عمري ما لمست واحدة."
رفعت رأسها للأعلى، ونظرت له باستغراب: "خالص!! ولا حتى حضنت واحدة؟"
ابتسم بحزن، وحرك رأسه بالرفض: "مكنتش بسمح لأي واحدة تلمسني، ولا عمري فكرت أقرب من واحدة."
تحدثت بعدم فهم: 
"طيب ليه يعني؟ غريبه دي أن راجل ميلمسش ست ولا يسمح ليهم يلمسوا."
أغلق عينيه بحزن، وبقى صامتاً، حتى شعرت ترنيم بعدم رغبته في الحديث، فتحدثت بسرعة: 
"لو مش عايز تحكي بلاش."
قبل رأسها بحب، وتنهد بحزن: 
"وأنا صغير، كنت لسه بطلع لدنيا، بابا كان متجوز واحدة وكل يوم سهر وشرب، حياة زبالة مع كل راجل، كنت كل ما أحاول أقوله على اللي بيحصل، كانت تضحك عليه بكلمتين حلوين، وليلة من اللي متعودة عليهم الشمال، كان ينسى نفسه وينسى إني عايز أكلمه من أساسه، لحد ما في ليلة بابا كان مسافر، وهي جابت معاها واحد من اللي تعرفهم ودخلوا الأوضة، ولما شوفتهم، قررت أصورهم علشان أوريه الست اللي متجوزها بتعمل إيه من وراه، لكن للأسف الباب عمل صوت وشافوني."
تعالت أنفاسه، ونظرت له ترنيم بقلق: 
"انت كويس؟"
أومأ برأسه، ثم أكمل حديثه: 
"علشان وقتها كان جسمي ضعيف بالنسبة للراجل اللي معاها، أخدني معاهم الأوضة وقلعني هدومي، وهي عملت معايا حاجات قذرة، وكان الراجل ده بيصور اللي بيحصل ده، وكانت دي أول وأخر علاقة عملتها في حياتي، مسكت الفيديو ده عليا علشان مقولش حاجة لبابا، ومع الأيام، كانت بتعمل معايا حركات مش كويسة، جسمي كان بيرفضها، كنت بهرب من البيت علشان أهرب من لمستها المقرفة، وفي يوم، بابا رجع من السفر بعد ما اتلغت المهمة، وشافها مع الراجل ده في أوضة نومه، قتلها وقتله، ومسك تليفونها وشاف الفيديو اللي كانوا مصورينه ليا، ولما واجهني، حكيت ليه كل اللي حصل، وده كان إثبات للشرطة أنها ست شمال، ومن وقتها، وأنا رافض أدخل أي ست في حياتي، اتعالجت عند أشهر دكاترة نفسية، بس جسمي كان بيرفض أي لمسة لأي ست."
تذكرت عند أول كشف له بالمشفى، رفض أن تلمسه، فتحدثت بتساؤل: 
"علشان كده رفضت تخليني أكشف عليك في أول مقابلة؟"
أومأ برأسه بالتأكيد: 
"أيوه، بس الغريب بقى إن جسمي اتقبل لمستك أنتي يا ترنيم، يعني أنتي أنقذت حياتي من الموت، وكمان كنتي أول خطوة في علاجي في الموضوع ده، ومن يومها، أي لمسة منك ليا أو العكس، بحس بيها بشعور تاني خالص، علشان كده حبيتك، وصممت أن أتجوزك يا ترنيم، قررت أصبر عليكي رغم عارف إن قلبك مع حد تاني، أنا عمري ما هفرط فيكي، لأنك علاجي الوحيد."
شعرت بالأشفاق عليه، وسألته: 
"طيب فين مامتك؟ ليه لما حصل كده مرجعتش مصر تعيش فيها؟"
أجابها بتوضيح: 
"لأن الجنسية تركي، وكان لازم أرجع مع بابا تركيا، مينفعش أعيش هنا، بس كان مسموح ليها أنها تيجي تعيش معانا هناك، بس هي اللي رفضت وبقت نفسها عليا، وما صدقت لأني كنت عائق في حياتها."
اعتدلت في جلستها، وبدلت الوضع، وأخذت غريب داخل حضنها، وظلت تحرك يدها على شعره بحنو، وتحدثت بنبرة هامسة:
"انت اتعذبت كتير أوي يا غريب."
تمسك بها بقوة، كطفل صغير متشبث بوالدته، وتحدث بنبرة مختنقة: 
"اتعذبت كتير، بس أنتي مكافئتي في الآخر."
تنهدت بحزن وسألته: 
"طيب ليه يا غريب بتقتل في الناس وماشي في الطريق الغلط ده؟ مش بيصعب عليك أرواح الناس."
أدخل رأسه بحضنها أكثر، وقال: 
"طريق بدأت فيه وأنا صغير، كنت بطلع فيه طاقة الشر اللي اتولدت جوايا من اللي حصلي، بس للأسف، على ما كبرت وفهمت، كانت رجلي خلاص دخلت في الشغلانة، ومينفعش أبعد عنها غير بموتي، وبالنسبة ليا، بقت حاجة طبيعية، عادي مش بيفرق معايا، مهمة بنفذها، مش بتاخد مني ثواني، وأرجع أعيش حياتي عادي، بس عايز أقولك، أنا مش بأذي الناس المدنية، كل اللي بصفيهم بيبقوا يا مع المافيا أو أمر من الدولة بتصفيتهم عن طريق المافيا برضه، بصي، هي دايرة معقدة، مش هتفهميها، بس كل اللي عايزك تفهميه، أنا عمري ما صفيت حد مظلوم، كلهم مافيا وشياطين ويستاهلوا اللي بيحصل ليهم."
أومأت برأسها بتفهم، وتنهدت بتوتر: 
"أنا هروح أنام بقى."
رفع رأسه لها، وتحدث بترجي: 
"خليكي نايمة جنبي النهاردة يا ترنيم، أنا فتحت قلبي ليكي، وقولتلك اللي عمري ما قولته لحد، ولا حد يعرفه عني."
ابتلعت ريقها بصعوبة وأومأت برأسها بالموافقة، أخذها غريب داخل حضنه، وظل ينظر لها في عينيها، تعالت أنفاسه، اقترب ببطء من شفتيها ليقبلها، لكنها أنزلت رأسها وتحدثت بتلعثم: 
"غ غريب، أنت قولتلي مش هتغصب عليا في حاجة، وتسيبني براحتي."
حرك يده أسفل ذقنها، وأجبرها على النظر له، وتحدث بنبرة همسة شهوانية: 
"أنا عارف قولتلك إيه، بس عايز نقرب من بعض شوية بشوية، نشيل الحاجز اللي ما بينا واحدة واحدة، فاهمة قصدي؟"
أغلقت عينيها بتوتر، وأومأت برأسها بتفهم.
اقترب من شفتيها وبدأ يقبلها بهدوء، حتى عمقها أكثر، رغم النفور الذي تشعر به ترنيم، إلا أنها تحاملت على حالها، لم تتجاوب معه لكنها لم تبتعد، وعندما شعرت بيد غريب تأخذ منعطفاً آخر، أمسكتها ابتعدت عنه، وتحدثت بضيق: 
"بلاش، علشان خاطري."
ابتسم لها بحب، وضمها بقوة داخل أحضانه، مقبلاً رأسها، ثم أغلق عينيه وبعد وقت، ذهب في سبات عميق، شعرت بأنتظام أنفاسه، حاولت أن تنهض بهدوء، لكنه كان ممسكاً بها بقوة، حاولت الابتعاد كثيراً، لكنها لم تستطع، زفرت بضيق، وسلمت للأمر الواقع، وأغلقت عينيها وذهبت في النوم.
      **************************
في صباح اليوم التالي...

تململت ترنيم على الفراش بتكاسل، وفتحت عينيها على اتساعهما عندما وجدت نفسها نائمة داخل أحضان غريب، يحيطها بذراعه القوي، كما كانت تمسك بقوة بساقه، رفعت رأسها ببطء نحو الأعلى، فوجدت عينيه تراقبانها بشغف، وابتسامة دافئة مرسومة على وجهه، شعرت بانتفاضتها السريعة، وهو ما جعلها تجلس معتدلة، وتنحنحت بخجل، قائلة:
"احم...ص صباح الخير، شكلي قلقت نومك عشان بتحرك كتير وأنا نايمة."
حرك رأسه بالرفض، وأجاب بسعادة:
"بالعكس، متحركتيش غير مرة واحدة ساعة ما جيتي في حضني، ومن وقتها وأنتي ماسكة فيا كده."
وضعت يدها على وجهها بخجل، وقالت:
"ح حاولت أقوم بالليل وأرجع أوضي، بس أنت كنت ماسك فيا ومعرفتش أتحرك."
اعتدل بجلسته واقترب منها، أحاطها بذراعه، ووضع رأسه على كتفها، وتحدث بنبرة هادئة:
"أنا أول مرة في حياتي أنام وأنا مرتاح كده، كل حاجة فيكي جميلة ومختلفة، شعور أن أعيش معاكي كل حاجة لأول مرة ده حلو أوي، بلاش تحرميني من السعادة دي يا ترنيم."
أغلقت عينيها بتوتر، وأومأت برأسها بالطاعة، وتحدثت بصعوبة:
"م ممكن بقى تسيبني علشان أروح أجهز في أوضتي."
وضع قبلة على خديها ثم ابتعد عنها ببطء، ونظر لها بابتسامة جميلة على وجهه، وقال:
"روحي أجهزي، على ما أنزل أحضرك الفطار بنفسي."
نظرت له باستغراب، وتكلمت بضيق:
"متتعبش نفسك يا غريب، أنا مليش نفس للأكل."
استقام بجسده وتحرك باتجاه الباب، قائلاً:
"يبقى مافيش نزول لشغل، انتي حرة."
أنهى كلامه وغادر الغرفة، تاركًا إياها بمفردها.
وضعت وجهها بين يديها وزفرت بضيق، تشعر أنها تتحمل فوق طاقتها، كل خلاياه في جسدها كانت ترفض لمسته، لكنها كانت تجاهد حتى تعوضه عما حدث بالأمس، ستحاول مرارًا وتكرارًا حتى تعطيه فرصة للاقترب، تعلم أنها لن تستطيع نسيان سلطان، لكنها اتخذت قرار الابتعاد عنه حتى لا تنجرف خلف مشاعرها مرة أخرى ويحدث ما حدث بالمشفى مرة أخرى.
استقامت بجسدها واتجهت إلى غرفتها، أغلقت الباب، وأسندت ظهرها عليه، وارجعت شعرها للخلف، وزفرت بضيق، تشعر بالضياع، تتمنى أن ينتهي هذا الكابوس، تحركت نحو المرحاض، نزعت ملابسها، وألقتها على الأرض، وقفت أسفل المياه وظلت تدعك ذراعيها حتى تزيل لمسات غريب من عليها، شعرت بأنفاسها تختنق، وفجأة صرخت بحزن وألم، وانهمرت دموعها بغزارة، اندمجت عبراتها مع الماء، وظلت على هذا الوضع بعض الوقت، وأخيرًا، أغلقت الماء، وارتدت برنس الاستحمام وخرجت.
تفاجأت بوجود غريب، اتسعت عيناها بصدمة، وأغلقت البرنس عليها بأحكام، وتحدثت بتلعثم:
"غريب، أنت بتعمل إيه هنا؟"
نظر لها من الأعلى إلى أسفلها، وابتلع ريقه بصعوبة، نهض من مقعده، واقترب منها ببطء، نظر إلى هيئتها المثيرة وقطرات الماء المتساقطة من شعرها، أحاطها بذراعه، وتحدث بصوت هامس:
"انتي حلوة أوي كده، ازاي؟"
أغلقت عينيها بتوتر، وتحدثت بصعوبة:
"غريب، ابعد لو سمحت."
اقترب إليها أكثر، وتحدث بأنفاس لاهثة:
"هو فيه حد عاقل يبقى قصاده القمر والجمال ده كله ويبعد؟"
أنهى كلامه واقترب من شفتيها، والتهمهما بشهوة عارمة، ظلت تدفعه بعيدًا عنها، لكنها لم تستطيع، انهمرت دموعها بغزارة، وشعر غريب بطعمها المالح على شفتيها، ابتعد عنها سريعًا، وأنفاسه سريعة، ونظر لها بأسف، وقال:
"حقك عليا والله العظيم، مقصدش، أنا بس ضعفت لما شفت منظرك كده، ترنيم بصيلي."
نظرت له بدموع، وتحدثت بصوت مختنق:
"اطلع بره يا غريب."
اقترب منها لكنها تراجعت إلى الخلف، وقالت:
"متقربش مني."
وقف مكانه، وقال:
"طيب، مش هتحرك من مكاني، بس اسمعيني يا ترنيم، أنا مش عايزك تزعلي مني، أنا بحبك، أنا أول مرة أقرب منك غصب عنك، وصدقيني مش هيحصل تاني، أنا اندفعت بمشاعري، زي ما قولتلك، أنا بعيش معاكي كل حاجة لأول مرة، وده اللي خلاني أندفع بالشكل ده."
عقدت ذراعيها على صدرها، ونظرت للأمام، وقالت:
"خلاص يا غريب، اطلع بقى علشان ألبس هدومي."
تكلم بنبرة هادئة وهو يقترب منها:
"أنا هطلع اهو."
ثم قبل رأسها بحب وأسف، وخرج من الغرفة، تاركًا إياها.
نظرت إلى أثره بغضب، وظلت تزيل آثار قبلته من على شفتيها، ثم تحركت نحو خزانة ملابسها، وأخذت شيئًا وارتدته، ثم مشطت شعرها، ونظرت إلى انعكاسها في المرآة بإعجاب، ثم خرجت من غرفتها، هبطت إلى الأسفل، ووجدت غريب ينتظرها على مقعده أمام الطاولة، تحركت بضيق، وجلست على المقعد بصمت.
نظر لها نظرة طويلة، وبدأ يضع الطعام أمامها، وقال:
"كلي يا ترنيم، وانسي اللي حصل من شوية."
بدأت تتناول الطعام في صمت تام، وبعد عدة دقائق نهضت من على مقعدها، وقالت:
"الحمد لله شبعت، هروح أنا علشان متأخرش على شغلي."
استقام غريب بجسده، واقترب منها، وحرك يده على خدها، ونظر في عينيها، وقال:
"متزعليش مني يا ترنيم، وعد مني هتحكم في نفسي أكتر من كده."
نظرت له وأومأت برأسها بتفهم، وقالت:
"ماشي يا غريب، هعديها ليك المرادي، بس عارف، ولو عملت كده تاني هعمل فيك أيه."
ابتسم بحب، وقال:
"موعدكيش أن مش هعملها خالص، لأن أنا مستني اللحظة اللي انتي توافقي فيها نتمم جوازنا على الحقيقة، بس من هنا لوقتها، أوعدك مش هضايقك إلا لو بالرضا."
ابتسمت له ابتسامة هادئة، وقالت:
"ماشي، يلا بقى، اروح أنا اتأخرت على الشغل."
اقترب من خدها، وطبع قبلة رقيقة، ثم ابتعد عنها، وقال:
"خلي بالك من نفسك، ولو حصل أي حاجة اتصلي بيا على طول، الرجالة مستنيين بره، مرضتش أدخلهم عشان هيبتي راحت قدامهم، مش متعودين يشوفوني هادي ورومانسي أوي كده."
تعالت ضحكاتها، وقالت:
"اه، ما أنا أخد بالي، امبارح كانوا بيبصوا ليك باستغراب، مش مصدقين نفسهم."
داعب وجينتها بمزاح، وقال:
"جننتيني، وأكلتي عقلي بحلاوتك وشقاوتك دول، امشي بقى، بدل ما أكلك دلوقتي."
تحركت من أمامه سريعًا نحو الباب، رافقها عند السيارة، وتكلم بنبرة جادة حازمة:
"خلي بالكم منها كويس، مش عايز أي غلطة، يلا، روحوا."
ثم فتح باب السيارة الخلفي لها، صعدت، وقبل أن تغلق الباب، قبل رأسها بحب، ثم تراجع إلى الخلف، وأفسح لهم الطريق حتى يتحركوا، وبالفعل، غادروا المكان، واتجهوا إلى مقر عمل ترنيم.
      ****************************
هبط سلطان من شقته إلى والدته، ودلف إلى غرفة الجلوس حيث وجد والدته جالسة،و شعر بتغير وجهها، تكلم باستغراب، قائلاً: 
"مالك يا أما، أنتي زعلانة من حاجة؟"
نظرت والدته في الاتجاه الآخر ولم تجب. تأكد سلطان من وجود شيء غير طبيعي، ليجلس بجوارها على الأريكة، ويمسك يدها، متسائلاً مرة أخرى: 
"مالك يا حبيبتي، أنتي زعلانة مني في حاجة؟"
تحدثت بصوت مختنق، مملوء باللوم: 
"ليه يا ابني، ليه تعمل كده؟ كام مرة حذرتك وقلتلك ابعد عن ترنيم، سيبها تعيش حياتها مع جوزها بأمان، ليه مصر تهدم حياتك وحياتها؟"
نظر لها باستغراب، متحدثاً بعدم فهم: 
"أنتي بتقولي إيه يا أما، أنا مش فاهم حاجة."
أخرجت ظرفًا من جانبها، وأعطته له بغضب، قائلة: 
"اتفضل، شوف بنفسك." 
فتح الظرف ونظر في داخله، ليجد صورًا له مع ترنيم في المشفى وهما يقبلان بعضهما، اتسعت عينه بصدمة، ونظر إلى والدته التي كانت تتابعه بعينين غاضبتين، حرك يده على شعره وتحدث بصوت مختنق: 
"دي كانت لحظة ضعف، وأول مرة تحصل من يوم ما ترنيم اتجوزت، أنا عارف أننا غلطنا، بس للأسف، مشاعرنا وحبنا لبعض هما السبب في اللي حصل ده، بس مين اللي جاب الصور دي ليكي؟"
تكلمت بغضب: 
"هو ده كل اللي همك، مين اللي جاب الصور؟ أنت مش صغير يا سلطان، أنت راجل متجوز ومعاك بنت، وهي بقت ست متجوزة، المفروض تحترموا اللي معاكم، والمفروض أنت، يا كبير، اللي كنت تمنع ده، هي، مهما كان، لسه صغيرة، مربيها على إيدك، اخس عليك وعلى تربيتك يا سلطان."
أغلق عينيه بحزن، وقال بصوت مختنق:
"عندك حق يا أما في كل كلمة قولتيها، بس أنا بحب ترنيم، مش قادر أنساها ولا أتقبل فكرة أنها بقت ملك راجل تاني، أنا بتعذب لمجرد التفكير في أنه لمسها أو قرب منها، حبنا أنا وهي ملوش دوا، يا أما، والحال اللي احنا فيه يصعب على الكافر."
وفي تلك اللحظة، سمعوا صوت وفاء الغاضب تقول: 
"بقى كده يا سلطان بقى بتربي بنتي علشان تبقى واحدة شمال ليك؟ طيب راعي أنها بنت خالتك، اعمل حساب ليا يا أخي، ده أنا طول عمري مش بعتبرك ابن اختي، طول عمري بعتبرك ابني، اللي من دمي، صاحبي وراجلي اللي بعتمد عليه في كل حاجة، ده أنت كنت أول واحد بجري عليه علشان أشتكي ليك من ترنيم وهي مدوخاني ومش راضية تروح المدرسة، كنت بنام وأنا مطمنة، وهي نايمة معاك في نفس الشقة، وأقول سلطان ده يحافظ عليها من الدنيا كلها، حتى من نفسه، عمرى ما خوفت منك عليها، لكن انت عملت إيه؟ في الأول رحت اتجوزت واحدة وخلفت منها وكسرت قلب بنتي في أسعد يوم في حياتها، جبتهم هنا وبقت تشوفكم مع بعض وتتقهر، ولما ربنا عوضها بالراجل اللي هيقدر ينسيها كل اللي عملته فيها، رحت تلعب بعقلها وتقرب منها، لا يا سلطان، لا هسمحلك ولا هسمحلها تعملوا كده، انتبه انت لمراتك وبنتك، وبنتي ملكش دعوة بيها نهائي، أنا هعرف أربيها من أول وجديد، وأعرفها يعني إيه تصون شرف جوزها، لأن واضح أن تربيتك فاسدة يا سلطان."
أغلق عينيه حتى يهدأ، وتحدث بصوت مختنق: 
"وفاء، اسمعيني، أنا وترنيم بنحب بعض، انتي اللي غلطتي من الأساس لما رحتي جوزتي بنتك لراجل تاني، وانتي عارفة ومتأكدة أن أنا اللي في قلبها، وأنها مستحيل تحب غيري، آه، رحت اتجوزت من وراكم وخلفت، بس دي كانت غلطة مني، قولت اهرب من حبها وهي طفلة، معرفش أن كل ده هيحصل، أنا بحب ترنيم، ومستحيل أتخلى عنها مهما عملتوا."
وفي ذلك الوقت، كانت ترنيم تقف أمام الباب بعدما هاتفتها والدتها وطلبت منها ضرورة الحضور إلى المنزل، شعرت بقلق، وغيرت وجهتها، وجاءت على الفور، سمعت كلام سلطان وهو يعلن عن حبها وعدم التخلي عنه، انهمرت دموعها بغزارة، وتحركت إلى الداخل ببطء، نظرت إليهم باستغراب، لكنها قبل أن تتحدث، تفاجأت بصفعة قوية على وجهها من والدتها، مما صدم الجميع، اقترب سلطان سريعًا وأمسك يد وفاء بغضب، قائلاً: 
"انتي اتجننتي، إزاي تمدي إيدك عليها؟"
صرخت به بغضب، قائلة: 
"ملكش فيه يا سلطان، دي بنتي، وأنا بربيها من أول وجديد."
ضغط بقوة على يدها، وتحدث بين أسنانه:
"ترنيم بنتي أنا، أنا اللي كنت مسؤول عنها من أول ثانية جات فيها الدنيا، ومش من حقك ولا من حق أي حد يمد إيده عليها، فاهمة؟"
كانت ترنيم واضعة يدها على خدها أثر صفعة والدتها، والدموع تنهمر منها بغزارة، وأخيرًا استطاعت التحدث من بين شهقاتها: "انتي بتمدي إيدك عليا يا ماما؟ دي أول مرة تعمليها، أنا حتى معرفش إيه السبب وليه عملتي كده، بس مهما كانت الأسباب عمري ما كنت أتوقع انك تعملي كده."
انهمرت الدموع من عينيها، وتحدثت بغضب: 
"لما ألقى بنتي بتخرب حياتها بأيديها علشان حد باعها وراح اتجوز واحدة غيرها، يبقى ليا حق أعمل كده وأكتر كمان، لما أشوف بنتي بعيني في حضن راجل غريب وبتتباس منه وتخون جوزها، يبقى ليا الحق أن أكسر رقابتها وأعيد تربيتها من أول وجديد، غريب بيحبك بجد مش زي ده اللي راح اتجوز غيرك وخلف منها، وكان عايز يقضي وقت معاكي وخلاص، فرحان بعيلة هبله مبهورة بي وماسكه فيه كأنه لعبة خايفه تضيع منها."
صرخ سلطان بغضب، اهتز من خلاله جدران المكان، وقال: 
"وووفااااء."
ردت عليه بغضب، قائلة: 
"بلا وفاء، بلا زفت، ملكش دعوة ببنتي يا سلطان، وده آخر تحذير ليك، فاهم؟"
نظرت ترنيم إلى سلطان، ثم نظرت إلى والدتها، وحركت رأسها بالدموع، قائلة: "خلاص، خلصتوا كلامكم، شايفني قدامكم إيه؟ هااا لعبة بتلعبوا بيها، بتحدفوها لبعض، أنا مش صغيرة، ولا هستنى رأي حد فيكم، آه، بحب سلطان، وهفضل أحبه لآخر يوم في عمري، وأه، حصل ما بينا كده امبارح وقرب مني، أنا معترفة بكل ده، بس مفكرتوش في حالي عاملة إزاي من وقتها؟ مفكرتوش في عذاب قلبي اللي بيموت في اليوم ألف مرة، لا قادرة أبعد عنه، ولا قادرة أرجع تاني لحضنه، مفكرتوش في حالي إيه وأنا عايشة مع راجل المفروض أنه جوزي، وأنا قلبي مع غيره، أنتم كلكم بتفكروا في شكلكم بس، محدش فكر فيا وفي عذابي، أنا تعبت والله العظيم تعبت، الضرب في الميت حرام، كفاية بقى، حرام عليكم."
اقترب سلطان حتى يحتضنها، لكنها صرخت بغضب، قائلة: 
"ابعد عني، متلمسنيش، كفاية تستغل ضعفي قدامك، انت السبب في كل اللي أنا عايشة فيه دلوقتي، ضحكت عليا وعلقتني بيك لدرجة أنك بقيت حياتي كلها، وفي الآخر صحتني على كابوس طلعت متجوز وعندك بنت وعايش حياتك عادي جدًا، ولا كأن فيه واحده حبتك وكسرت قلبها، أنانيتك هي سبب كل حاجة بتحصل دلوقتي يا سلطان، ومع ذلك مش قادرة أكرهك، نفسي أنساااك، نفسي أخلص من حبك، نفسي أرتاح من تملكك وسيطرتك عليا."
أنهت كلامها، وارتمت داخل أحضان صباح، وتمسكت بها بقوة، وظلت تبكي.
اقتربت وفاء منها، بعدما كان قلبها يتقطع على ابنتها، وربت على ظهرها بحنو، قائلة:
"حقك عليا يا بنتي، أنا بعمل كده علشان مصلحتك."
أمسكت أكثر بصباح، وتحدثت بصراخ:
"ابعدوا عني، سيبوني في حالي، حرام عليكم."
وفي تلك اللحظة، استمعت إلى صوت ارتطام على الأرض، نظرت سريعًا خلفها، وجدت والدتها فاقدة الوعي، جلست ترنيم بجوارها، وظلت تربت على خدها وتتكلم من بين شهقاتها: 
"ماما، ردي عليا، ماما ردي عليا، أرجوكي."
ثم نظرت إلى سلطان وتحدثت بصراخ: "ماما مش بترد عليا يا سلطان."
اقترب منها، وقال بقلق: 
"طيب، اهدي، طيب، واكشفي عليها."
حركت رأسها بالرفض وتحدثت من بين شهقاتها:
"لا، لا، لا، مش قادرة، نروح بيها المستشفى بسرعة." 
استقام بجسده، وحملها بين ذراعيه، وهبط إلى الأسفل، ساعدت ترنيم صباح، وهبطوا إلى الأسفل، صعدوا السيارة بجوار وفاء، وتحرك سلطان بالسيارة بسرعة جنونية.
        *************************
جلست نهى على المقعد، وابتسامة شامتة ارتسمت على وجهها، لتضفي لمسة من الغموض على ملامحها، وجهها المشرق كان يعكس فرحتها، ومن عينيها المتلألئتين نظرت إلى رجب، ثم تحدثت بنبرة سعيدة وغامضة: 
"انت بس تأمر، وانا عليا التنفيذ، الدنيا بتطربق فوق دماغ سلطان أكتر وأكتر. الصور وصلت ليهم وفوقها مليون بوسة، والام يا عيني مستحملتش تشوف بنتها في المنظر ده يا حرام، صعبت عليا، والكل دلوقتي هيحمل الذنب على سلطان، وعلى ما أعتقد هيقعد مشغول أسبوع ولا حاجة." 
تحدث رجب بسعادة، وكأنه كان ينتظر تلك الكلمات: 
"انا خلصت الكلام الحلو كله في دماغك، انتي الشيطان ينحني ليكي احترام وتقدير لدماغك الألماس دي."
تعالت ضحكات نهى، وكأن صوتها كان يحمل جواً من التحدي، ثم قالت: 
"شكرا، بس كل ده تسخين، البداية، إنما الجد لسه مبدأش، اللي جاي هو الأهم." 
نظر إليها رجب بعدم فهم، وكأنه يحاول فك شفرة حديثها: 
"يعني أيه؟"
استقامت بجسدها وأخذت تتحدث بتوضيح، وكأنها تكشف عن تفاصيل خطتها الماكرة: 
"أخيراً فريدة وافقت تساعدني وتنقل أخبارهم أول بأول، وعدها هخلصها من ترنيم علشان يخلى ليها الجو مع جوزها، اللي أنا أصلاً بخطط علشان أخلص منه، المهم أي حاجة فريدة هتسمعها هتبلغها ليا على طول، كده هعرف خط سيره وأحدد الهدف، علشان لما أنشن أصيبه على طول." 
أبدى رجب دهشة، وقال بعدم تصديق: 
"تصدقي أنا لحد دلوقتي مصدوم انك انتي وفريدة بنات خاله."
ابتسمت له وكأنها تشعر بنشوة الانتصار، وقالت بتوضيح: 
"أنا أصلاً كنت قاطعة علاقتي بيها، ومصدقتش نفسي لما عرفت إنها متجوزة سلطان، ولما حصل اللي حصل، والبت دي مدت إيديها عليا، وهو لغى الشغل معايا بسببها، رجعت علاقتي بيها علشان أتابع كل حاجة بتحصل أول بأول، بس هي رفضت، قالت خايفة عليه وبتحبه، ولما داس على كرامتها، حبيبة القلب هي اللي كلمتني وقالتلي موافقة تساعدني مقابل إني أخلص على ترنيم، وأنا وعدتها، بس بدل ما هنخلص على واحد، هخلص على الاتنين، وهي اللي صورت ترنيم مع سلطان من غير ما يحسوا، وبعتت الصور ليا. كان واضح إن السحر اللي بينا هيستمر، لكن." 
أرجع ظهره إلى الوراء، مستنكراً: 
"إبليسه بنت إبليس."
ظلت تضحك بشر، ثم تكلمت بسرعة: 
"اوعى تتجنن وتقول لتامر على دخول أمه المستشفى، انت عارف إنه بيحن ليهم وهيجري عليها في المستشفى، وكل اللي بنخطط ليه هيضيعه."
حرك رأسه بالرفض، وأوضح: 
"لا طبعاً، مستحيل أعمل كده، ده أنا بعمل بكل الطرق علشان أكرهه فيهم." 
ثم سأل بتساؤل: 
"صح، عملتي أيه في موضوع جوازك من ضرغام؟"
جلست على المقعد، وقالت بتوضيح: 
"لا، ده بلعب معاه على الهادي يعني هشاغله بس واحدة واحدة." 
أومأ برأسه بتفهم، وقال: 
"ماشي، بس يعني في السريع برضه بدل حالنا ده اللي واقف ومش عارفين نشوف شغلنا."
اقتربت مريم من رجب، وحركت يدها على كتفه بتدلل: 
"إلا صحيح يا رجوبتي، فلوسك والبضاعة اللي خلعت بيهم من الجماعة، حطتهم فين؟"
ارتسمت ابتسامة لئيمة على ثغره بينما أمسك يدها ليبعدها عنه، قائلاً: 
"رجوبتك العظمة كبرت، وأنا مش حملك، وبعدين، هو مش تامر ابني قايم بالواجب ولا أيه؟" 
أنهى كلامه واستقام بجسده، وتحرك إلى غرفته دون أن يعطيها الجواب الذي تريده.
نظرت إلى أثره بغضب، وقالت: 
"ااه يا ابن الكلب، مش سهل برضه." 
ثم صعدت إلى غرفتها في الأعلى.
      ***************************
وصلوا بوفاء المشفى وتحركوا إلى الداخل. دلف سلطان أحد غرف الفحص ووضعها بها، ثم ذهب ليأتي بالطبيب، وقفت ترنيم، عيناها مليئة بالدموع ورجاؤها يتصاعد، وقالت بصوت مرتعش: 
"ماما، علشان خاطري ردي عليا، أنا آسفة، طيب، ومتزعليش مني، ردي عليا بقى."
ثم حركت يدها المرتعشة وامسكت بيدها، تبتلع ريقها بصعوبة، وبدأت تجس النبض، فوجدته ضعيفاً جداً، خرجت تركض بدموع هائلة، وصرخت: 
"الدكتور! بسرعة! ماما بتروح، النبض ضعيف جداً عندها!"
أتى سلطان بالطبيب، ودخلوا الثلاثة معه حيث بدأ الفحص تحت نظرات الخوف والقلق التي تعكسها عيون ترنيم وسلطان. انقبض قلب ترنيم عندما ترك الطبيب يد والدتها وسقطت بجوارها، حركت رأسها برفض، وتكلمت بين دموعها: 
"م ماما، ردي! فوفة، قومي يلا."
نظر الطبيب إليها بأسف قائلاً: 
"البقاء لله."
حركت ترنيم رأسها بصراخ وأجابت: 
"لا، لا، لا! ماما عايشة، هي بس إغمى عليها من الزعل."
ثم ربتت على وجه أمها وتحدثت بين شهقاتها: 
"قومي يا فوفة بقى، بلاش هزارك البايخ ده! أصلاً انتي طول عمرك بتحبي الضحك والهزار، وتحبي المقالب، ماما، ردي عليا! قومي اعملي الأكل اللي بحبه زي ما متعودة، قومي خديني في حضنك! طيب، أقولك حاجة، قومي اضربيني، زعقي فيا، اعملي اللي انتي عايزاه، بس متسكتيش كده، طيب هنقول إيه لصباح؟ مش انتي طول عمرك بتقوليلي انكم متقدروش تعيشوا بعيد عن بعض؟ انتي ليه سبتيها دلوقتي؟ فوفة، ردي عليا بقى، قووومي."
اقترب سلطان منها واحتضنها بشدة، ولأول مرة، كانت دموعه تخدعه وتتدفق منه، وقال: 
"اهدي يا ترنيم، ادعيلها بالرحمة، هي دلوقتي في مكان أحسن من هنا."
دفعته بقوة بعيداً عنها وصرخت: 
"متقولش كده! ماما عايشة، وهتقوم دلوقتي تخدني في حضنها! ماما، ردي! هو بيقول انك هتسبيني لوحدي وتمشي! قوليله أن أنا مقدرش أعيش من غيرك، انتي ضحكتي الحلوة، القلب اللي كان بيحس بيا من قبل حتى ما أشتكي، قومي يا ماما، علشان خاطري! أنا مليش حد غيرك! قومي بالله عليكي، مش هقدر أعيش من غيرك والله."
احتضنها سلطان مرة أخرى بقوة، وأخذها إلى خارج الغرفة، محاولاً تهدئتها، لكنها كانت منهارة تحاول العودة مرة أخرى إلى الغرفة، عندما جاءت سمية مع حسام وعلموا الخبر، صدمتهم الحقيقة، جلست بجوار والدتها التي أنزل الله عليها السكينة، دعت الله أن يصبرها وتدعوا لوفاء بالرحمة والمغفرة.
أجلس سلطان  ترنيم على الكرسي، وجثى على ركبتيه أمامها، وكوب وجهها بين كفيه، تحدث بنبرة حزينة: 
"علشان خاطري، اهدي يا ترنيم! انتي كدة بتأذي نفسك! هو عمرها انتهى! خلاص، محدش ليه في نفسه حاجة، ادعيلها بالرحمة."
صرخت بوجع وألم، قائلة: 
"ماما ماتت يا سلطان، ماتت وسابتني لوحدي في الدنيا دي، ماتت بسببي، ماتت مقهورة من اللي أنا وإنت عملناه، أنا مش مسامحاك ولا مسامحة نفسي."
في تلك اللحظة، جاء غريب ينظر إليهم بغضب، وقف بمكانه بجسده الرجولي دون أن يتكلم، وعندما رأته ترنيم نهضت سريعاً وارتمت في أحضانه، تمسكت به وقالت: 
"ماما ماتت وسابتني يا غريب! خلاص، مافيش فوفة تاني."
ظل يداه بجواره، لم يحركها، وتحدث بنبرة جادة وحازمة: 
"تخلص الدفنة ونروح على بيتنا، وهناك لينا كلام تاني."
أنهى كلامه وابتعد عنها، ثم تحرك تجاه سلطان نظر بعينيه بغضب، وقال: 
"أنا هحترم حرمة الميت دلوقتي، بس مبقاش أنا لو مكنتش شربت من دمك، وهعرفك اللي يمد أيده على حاجة تخص غريب ضرغام، بيحصله إيه."
أنهى كلامه، ابتعد عنه، وأسند ظهره على الحائط، وعقد ساعديه على صدره، وظل ينظر إلى ترنيم بتوعد، بعد إتمام الإجراءات، تم تغسيل وفاء، وأخذها إلى المدافن الخاصة بالعائلة، وتم نقل الجثمان إلى مثواه الأخير، بينما ترنيم وسمية منهارين في البكاء.
وقفت ترنيم تتلقى العزاء عند باب المقابر، وظهرت فريدة، تحتفظ بابتسامة شامتة على وجهها، اقتربت من ترنيم وصافحتها، ثم اقتربت من أذنها وهمست: 
"شوفي آخرت الفجر إيه، اديكي اتسببتي في موت أمك بقهرتها، والله أعلم إيه هيحصل تاني."
ثم ابتعدت عنها، ونظرت لها بكراهية وشماتة. 
شعرت ترنيم بعدم استطاعتها على الوقوف وكادت أن تقع، لكن يد سلطان أمسكت بها وتحدث بصوت مختنق: 
"تعالي اقعدي يا ترنيم."
تحركت معه إلى المقعد، تحت نظرات غريب الغاضبة، وجلست وهي الدموع تتساقط من عينيها بغزارة، أخذ زجاجة الماء وبدأ يغسل بها وجه ترنيم، وفي تلك اللحظة شعر بقبضة غريب تمسك يده وتأخذ منه الزجاجة، وتحدث من بين أسنانه:
"ملكش دعوة بترنيم، أنا كل ده ساكت علشان خاطر الست اللي لسه مدفونة دي."
كاد سلطان أن يرد عليه، لكنه سمع صوت ترنيم الضعيف وهي تقول له: 
"امشي يا سلطان، علشان خاطري."
ضغط سلطان على أسنانه بغضب، ونظر إلى ترنيم بحزن، ثم تركهم وابتعد عنها. 
نظر غريب لترنيم بغضب، وقال: 
"يلا، علشان هنمشي."
نظرت له بعينيها المنتفختين من شدة البكاء وتحدثت بترجي: 
"أبوس إيدك، خليني جنب ماما شوية، مش كفاية إن بقى فيه حاجز ما بينا."
نظر لها بضيق وتحرك بعيداً عنها، وتركها. 
وبعد وقت، غادر الجميع، وصعدت ترنيم بصعوبة إلى السيارة بجوار غريب، وتحرك بها بسرعة جنونية، وظل صامتاً طوال الطريق، وصوت شهقات ترنيم سائد بالمكان، حتى وصل أمام الفيلا، نزل منها واتجه للجانب الآخر، فتح الباب، وأمسكها من ذراعها، وأرغمها على النزول، وتحرك بها إلى الداخل ثم دفعها بغضب سقطت على الارض، وقال: 
"أنا لسه كنت بأكد عليكي وبقولك أنا ممكن أسامحك في أي حاجة، إلا الخيانة، وانتي كنتي في حضن عشقيك قبلها بكام ساعة! يعني طلبتي مني أحميه في مقابل أنك تحبيني! فهمتيني أنه هو مش هيكون أكتر من ابن خالتك واللي مربيكي، مع أن كنت شاكك من الأول أن ده اللي هيحصل! بس أخدك على قد عقلك، قولتي ده عبيط ومغفل، وأقدر أعمل اللي أنا عايزاه، بس لو تفتكري كلامي، قولتلك إيه، هتشوفي مني وش تاني كنت أتمنى أنك متشفهوش، بس ده مش هيحصل هنا، هيحصل هناك في تركيا، كلها ساعة وهنكون في الطيارة، وهناك هعرف شغلي معاكي."
نظرت له بصعوبة، تحاول استجماع ملامح وجهه من شدة البكاء، حاولت الوقوف، لكنها لم تستطع، كلما حاولت، تسقط مرة أخرى على الأرض، لم يقترب منها ولا حتى حاول مساعدتها، تحرك باتجاه الدرج، وصرخ بصوت مرتفع، آمراً الخدم بأن يأخذوها ويقوموا بتحضرها للسفر، ثم صعد إلى غرفته.
اقترب الخدم منها، وأمسكوها من ذراعها، أرغموها على الوقوف وساعدوها إلى غرفتها، وبدأوا يبدلون لها ملابسها.
      ***************************
عند إقلاع الطائرة المتجهة إلى تركيا، كان سلطان يجلس في مقعد سيارته متجها إلى الفيلا الخاصه بغريب، قلبه مشتعلاً بالخوف والقلق على ترنيم، لكن عندما علم بسفرها، انقلبت تلك المشاعر إلى نار حارقة، كأنما سرقت منه روحاً كانت تتغذى على آماله وأحلامه، قاد سيارته إلى المطار، ولكن دون فائدة، وعاد وهو يتوعد بالذهاب إليها مرة أخرى، متحمساً لرؤية عينيها تتلألأ بالفرح عندما تعود إلى أحضانه.
استدار بالسيارة، واندفع بها بسرعة جنونية، وكأن الزمن يعربد في شرايينه، مما جعل النيران التي كانت في قلبه تتصاعد في لهيب من الغضب والقلق، وفي تلك اللحظة، كانت أفكاره تتقافز كعصافير مربكة، تتخبط في سحب الغضب والحنين، وعندما اقترب من الحارة، سمع صوت رصاصة تخترق زجاج السيارة، وكأنما سمع صدى حياته يتلاشى، لم يستطع أن يتفادى الصدمة، وقد اخترقت الرصاصة قلبه كسهام مدمرة، مثبتة له أن الحياة قد تكون أكثر قسوة مما يتصور، فقد السيطرة على السيارة وبدأت بالتقلب عدة مرات، وكأنها رقاصة في زفاف مأساوي، بينما تجمعت جحافل من الناس حول الحادث المروع، تشاهد مصيبته كما لو كانت عرضاً تراجيدياً ينكشف أمام أعينهم.
تم الاتصال بالإسعاف، وبعد فترة بدت كالأبدية، وصلت الفرقة الطبية، وكأنما جاءت من عالم آخر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعناية وحذر، أخرجوا سلطان من السيارة، حيث كانت الدماء متناثرة حوله كأحمر شقراء في لوحة فنية مرعبة، وملامح وجهه أصبحت غامضة مع الهالة التي تحيط به، وضعوه في سيارة الإسعاف، وجعلوا منه في حالة طوارئ، حيث هرع الجميع لاستعادة ما تبقى من حياته الثمينة، وانطلقوا به إلى المستشفى وكأنما يحملون الأمل بين أيديهم.
عند الوصول، بدأ الطبيب بفحص حالته بسرعة وبعقلانية، وأمر بدخوله إلى غرفة العمليات على الفور، إذ وضعت حالته الصحية في منطقة الخطر، أدخل سلطان غرفة الجراحة، ولكن أثناء إجراء العملية، صدم الأطباء عندما أعلن المؤشر عن توقف قلبه، حاولوا جاهداً إنعاش قلبه، ولكن دون جدوى، حيث كانت الخطوات السريعة والحاسمة تتعطل تحت عباءة القدر، أغلق عينيه، وترك نفسه ينزلق إلى عالم آخر، حيث لا يوجد ألم ولا خوف، وكأنه يجوب في فضاء تحت شعاع القمر في سهرة حالمة، بعيدا عن كل القلق والأسى الذي كان يعانيه في حياته.

تعليقات