رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس والعشرون 26 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس والعشرون

بعد عدة شهور...

استيقظت ترنيم من نومها بتكاسل، معتدلة بجلستها وناظرة إلى غريب النائم بجوارها، شعرت بقلق عميق يسيطر عليها، حيث تلاشت آثار النوم ليظهر أمامها وجه والدتها، تلك السيدة القوية التي لطالما كانت سنداً لها، تذكرت الأوقات الجميلة التي قضتها معها، وكيف كانت والدتها تحثها على تحقيق أحلامها، ومع دخول تلك الذكريات إلى ذهنها، تجمعت الدموع في عينيها، فاصطدمت مشاعر الحزن والفقد بشعور اليقظة المرير، رفعت نظرها إلى السقف، محاولة تشتيت أفكارها السيئة، بدأت تتذكر ما حدث منذ وصولها إلى تركيا وكيف تغيرت حياتها إلى الأبد.

فلاش باك...

وصل غريب إلى الفيلا الفاخرة الخاصة به في تركيا، التي كانت تعكس عظمة ثروته ونجاحه، بينما كان غريب ممسكاً بذراعها بقوة، وهو ينظر إليها بعينين مشحونتين بالإصرار، وبنبرة سلطوية قال: 
"تطلعي مع الخدامين فوق، تجهزي، الليلة هتمم جوازنا برضاكي أو غصب عنك، أنا إن كنت صبرت عليكي لأني فكرتك شريفة، بس بعد الصور اللي شفتها بعيني، مضمنش إنك لسه زي ما أنتي، ولا حصل حاجة بينك وبينه، وعلشان كده رافضة أن أقربلك." 
تلك الكلمات كانت قاسية كحد السيف، وتركزت في ذهن ترنيم كصورة مشوهة لبدايات جديدة.
نظرت له بصعوبة، بينما كانت الدموع تنهمر على وجنتيها، اجتاحتها بسحابة من الألم والهزيمة بسبب فقدان والدتها، لم تستطع حتى التحدث أو الرد على ما قاله، حيث كبح الحزن مشاعرها وقدرتها على التعبير. جاء الخدم وساعدوها على الوقوف كما أمرهم غريب، وصعدوا إلى الغرفة في الأعلى حيث كانت تنتظرها ليلة حاسمة، وعلى حين غرة، وصل والد غريب، ونظر له باستغراب، سائلاً بفتور: 
"مين دي وجايبها هنا ليه وبتعمل فيها كده ليه؟" 
كان صوته مفعماً بالنغمة الاستنكارية والدهشة، وكأن ما يحدث أمامه كان خارجاً عن مرتكزات الأسس العائلية والكرامة الإنسانية.
جلس غريب على المقعد، مشاعر متباينة تتصارع في قلبه، ونظر إلى والده، متحدثاً بهدوء حذر يعكس حالة التوتر التي يعيشها:
"دي مراتي." نظر له والده بعدم فهم وارتباك، وكأن الكلمات التي خرجت من فم ابنه كانت لغزاً بحاجة إلى تفسير، وسأل بتساؤل: 
"مراتك!! أزاي يعني؟" 
زفر غريب بضيق، تلك الزفرة التي حملت معها كل ما في داخله من مشاعر مختلطة، مكرراً: 
"مراتي يا بابا، يعني مراتي، إيه اللي مش واضح في كلامي؟" 
كان صوته أقرب إلى احتجاج على عدم تفهم والده، فقد شعر أنه في معركة للتعبير عن حقيقته.
جلس والده بجواره، محاولة لتخفيف حدة الموقف، ربت على ساقه بلطف، لكن تلك الحركة لم تنجح في إذابة الجليد بينهما، تحدث بنبرة مختنقة، مليئة بالقلق: "اتجوزت من بنات مصر برضة يا غريب، أنت مش شايف اللي أمك عملته، وفي الآخر رمتك ليا، ومسألتش فيك." 
كانت كلماته تحمل بعض الحقيقة، ولكنها أيضاً كانت تذكره بماضيه الملىء بالجراح، والذي لم ير غريب أنه من العدل التطرق إليه في تلك اللحظة.
نظر له غريب بألم وحزن عميق، متحدثاً بصوت مختنق يخنقه التأثر: 
"حبيتها يا بابا، هي الوحيدة اللي اتغلبت على مرضي، هي الوحيدة اللي جسمي مرفضش لمستها." 
كانت كلماته تتدفق من قلبه، تحمل معها شغف الشاب الذي سعى جاهداً للعثور على الحب في وجه التحديات، أومأ والده برأسه بتفهم، لكن تساؤلاته لم تتوقف، فلطالما كان أباً قلقاً، وقال بتساؤل مثير: 
"ولما أنت بتحبها، عامل فيها كده ليه؟"
كان صوته متأملاً، يبحث عن المجرد في مغزى الحب والفراق.
نظر غريب إلى والده، الشرر يتطاير من عينيه، كأن تلك الشرارة تمثل نيران الغضب التي تتقد في صدره، تحدث بصوت غاضب غير قادر على كتمانه: 
"علشان هي مش بتحبني يا بابا، قلبها مع واحد غيري، وأنا ما صدقت لاقيتها، ومستحيل أفرط فيها مهما حصل." 
كانت كلمات غريب تعبر عن إحساسه باليأس من الحب الذي سعى إليه باستماتة. كان يدرك أن تلك الشراكة التي كان يسعى لبنائها لديها دلالات عميقة، كأسئلة تلاحقه.
استقام والده بجسده، محاولاً استجماع أفكاره، وتحدث بصوت هادئ حنون، كمن يحاول إطفاء لهيب الغضب: 
"لو بتحبها، أوعى تقسى عليها، بالاهتمام والحنية والاحتواء، هتحبك حتى لو قلبها مع حد تاني، هي دلوقتي مش هيكون قدامها غيرك، ومع الوقت هتحس بحبك، إنما لو عملت اللي في دماغك، يبقى خسرتها العمر كله، ومهما حاولت تكسبها مش هتعرف." 
كانت كلماته تحمل معنى عميق عن الصبر والحب الحقيقي، وضرورة بناء روابط قائمة على الاحترام والفهم.
نظر غريب إليه نظرة مطولة، مليئة بالأسئلة التي لا إجابة لها، ثم نهض واتجه نحو الدرج، وصعد إلى الأعلى دون الالتفات إلى والده، حيث كانت أفكاره محتدمة بداخل رأسه، تتعسر بالكلمات التي يرغب في قولها لكنها تتراجع إلى الأعماق، كانت مشاعره تعكس صراعاً داخلياً عنيفاً، وعبوراً مؤلماً نحو إنسانية تحاول أن تتجاوز.
فتح الباب ودخل الغرفة، ليجد ترنيم تجلس على حافة السرير، مرتدية قميص نوم شفاف فوقه الروب الخاص به، كانت تنظر إلى الأرض، والدموع تنهمر منها في صمت. أغلق الباب خلفه، وأخذ نفساً عميقاً ليجمع شتات نفسه، وتحرك نحوها ببطء وهدوء حذر، جلس بجوارها على السرير، حيث كانت مشاعر الوحدة والحزن تسكن المكان، ظلت ترنيم محتفظة بصمتها وبكائها المتواصل، كأن الكلمات قد هجرتهما مع صمت الدموع، فيما كانت الأفكار تدور في عقل كل منهما، محملة بأحلام متحطمة وعواطف معقدة.
مد يده وفتح حزام الروب، ونزعه من عليها وألقاه على الأرض، كل ذلك تحت استسلام ترنيم التام، كانت عينيها مغلقتين، ولا تستطيع أن تخرج حتى همسة من شفتيها، وكأنها محاصرة في عالمها الخاص من الألم والخوف، حرك يده على ذراعها العارية، ثم غرز أظافره داخل جلدها بالقوة وتحدث بصوت هامس بجوار أذنيها: 
"كان بيلمسك كده؟ شاف جسمك؟ قرب منك؟ علاقتكم وصلت لحد فين على السرير؟"
أغلقت عينيها بألم، وظلت صامتة، والدموع تنهمر منها كالشلال، وكأن كل قطرة تعبر عن مشاعرها الدفينة، عن الإهانة والخوف والقلق من مصيرها، ضغط بقوة أكثر وتحدث من بين أسنانه بصوت هامس: 
"كام مرة لمسك وانتي مراتي؟ كام مرة استغفلتيني ونمتي في حضنه؟" 
كانت الكلمات تخرج كطعنات، تؤجج النيران داخلها، وتدفعها إلى حدود الانهيار.
اشتد الألم عليها، وتكلمت بصوت منكسر و بصعوبة، وكأنها تجاهد لمواجهة طوفان المشاعر المتضاربة بداخلها: 
"أنا بنت زي ما أنا يا غريب، ومحصلش أي حاجة ما بينا." 
ترك ذراعها واستقام بجسده، متحدثاً وهو ينزع ملابسه العلوية، وكأن قراره كان قد اتخذ بالفعل، مشدداً على نفسه أكثر: 
"والله هيبان دلوقتي إذا كنتي بنت بجد ولا لا."
أغلقت عينيها وازدادت شهقاتها، وتكلمت بصوت مبحوح من كثرة البكاء، محاولة أن تجد قوة للتحدث في وجه البرق الذي كان يضرب عالمها: 
"بلاش يا غريب تعمل كده، أرجوك، مش علشان خايفة لحاجة تنكشف، لا، بس مش عايزة أكرهك." 
ابتسم بحزن، وكأنه في تلك اللحظة، أدرك مدى التحدي الذي يواجهه، وقال: 
"قال يعني بتحبيني وخايفة تكرهيني."
ردت عليه بين شهقاتها، متمسكة بالأمل في أن يصل فهمه إلى أعماق قلبها: 
"أنا مش بحبك يا غريب، ولا بكرهك، بس أنت شخص طيب، وحرام تغير فكرتي دي عنك، أنا كنت هحاول أتقبلك في حياتي، من الحتة دي أنك شخص حنين وطيب."
اقترب منها ببطء ودفعها إلى الوراء على السرير، وكتب في عينيه تعبير عن القوة والرغبة، وقال: 
"وأنا دلوقتي ميهمنيش أنتي شيفاني إيه في عيونك، أنتي كده كده برضاكي أو غصب عنك هتقبلي وجودي في حياتك يا ترنيم، لأن ما فيش غيري قصادك هنا." 
كأن الحياة والمستقبل قد حاولا أن يدفعا بهما نحو مصير غير متوقع، حيث تتداخل الرغبات والتحولات في نهاية القصة،
أنهى كلامه، وانهال عليها بالقبلات، كأنما يحاول أن يمحو بقبله كل الألم والانكسار الذي كانت تعانيه، بدأت تدفعه بعيدًا عنها بالقوة، وصراخها المتوسل يملأ الفراغ حولهم، كأنه نداء استغاثة، لكن غريب، وكأنه لا يرى أمام عينيه ألا تلك الصور التي استولت على ذهنه، صور ترنيم داخل أحضان سلطان، وقبالتهم التي تأبى الخروج من ذاكرته، تعلقت الصور بشغاف قلبه، لكنه حاول أن يتغلب على مشاعر الغضب والغيرة، وركز على مشاعر القلق المتزايدة حيال ترنيم، لكن حين شعر بسكونها أسفله، استعاد وعيه بشكل مفاجئ، اعتدل في جلسته بسرعة، ونظر إلى وجهها، فوجد ملامحها ميتة من التعب وفقدان الوعي تنعكس على بشرتها الشاحبة، ربت على وجهها برفق، متحدثًا بنبرة منبعثة من قلبه: "ترنيم يا ترنيم، ردي عليا." 
لكنها لم تستجب، كأن روحها قد غادرت جسدها، نهض سريعا ارتدى تيشيرت ثم أمسكها برفق، وضع الغطاء على جسدها جيدًا، وحملها بين ذراعيه بعناية كأنها فراشة جريحة، ركض بها إلى الأسفل، مسرعًا نحو السيارة كما لو كان الوقت يضغط على صدره، وضعها بعناية على المقعد، وعندما أدار محرك السيارة، شعر بوخز عميق في قلبه، تحرك بسرعة إلى المشفى، بعد وقت الذي بدا كالعمر، كان الطبيب يفحصها تحت نظرات غريب الخائفة، التي كانت تراقب كل حركة وكل تفاعل، بعد انتهاء الفحص، أبلغه الطبيب بصوت جاد أنها تعاني من انهيار عصبي تام، ولابد أن تتابع مع طبيب نفسي، أعطاها حقنة مهدئة، وخرج.
جلس غريب بجوارها، وجهه يحمل مزيجًا من المشاعر المتناقضة: لوم، حب، خوف وكراهية، وكأن قلبه المجروح لا يعرف أيهما يجب أن يسود. ثم أمسك يدها بلطف، متحدثًا بصوت مختنق: 
"ليه يا ترنيم؟ ده إنتي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيتها من الدنيا، عشت حياتي كلها رافض واحدة تدخلها، كنت راضي بكل حاجة بعملها لحد ما قابلتك، إنتي اللي اقتحمتي حياتي وقلبي من غير استئذان، كنتي كل يوم بتقربي مني بطريقة تخوف، عالجتي مرض فيا من غير ما تحسي، وغيرتي مني من غير ما تقصدي، كل حاجة حصلت، كنتي أنتي بطلتها، ورغم كل اللي حصل، مش هسمح لنفسي أفرط فيكي وأسيبك لحد تاني بسهولة كده، إنتي دخلتي العالم بتاعي بإرادتك، ومش هتخرجي منه مهما عملتي، حتى لو الموت، مش هسمحله يخدك مني، فاهمة؟ انتي حتة مني، مش هسيبك تروحي." 
أنهى كلامه، ومال بجسده مقبلًا رأسها بحب، ثم وضع رأسه عليها في لحظة تعبير صادق عن العاطفة التي كان يشعر بها، قلبه كان يتألم من رؤية الحالة التي مرت بها، وداخل رأسه كانت الأفكار تتنقل بين الأمل واليأس، وبعد عدة أيام، تابعت ترنيم مع طبيب نفسي، لكنها كانت ملتزمة بالصمت طوال الوقت، حبيسة لغرفتها، مضطربة عن الطعام، ودموعها أنستها، لقد أصبحت جدران غرفتها سجنها، وذكرياتها المفجعة هي الحارس الذي يمنعها من الهروب، حاول غريب مساعدتها للخروج من تلك الحالة، لكن جميع مساعيه كانت تذهب سدى، وكأن قبضة الحزن التي احتوتها لم تستطع أي كلمات أو حركات أن تفكها، نسي أمر تلك الصور التي كانت تؤرقه، وعاد إلى حنيته المعتادة عليها، رغم أن قلبه انكسر لرؤيتها في هذا الوضع المدمر.
وفي صباح يوم جديد، بينما أشعة الشمس تتسلل من خلال النوافذ، دخل غريب عندها الغرفة، فوجدها تجلس كالمعتاد على السرير، ضامة قدميها إلى صدرها كما لو كانت تحاول حماية نفسها من العالم الخارجي، ووضعه رأسها عليهما، تبكي بقهر ووجع، كانت الدموع تسيل على وجنتيها، تترك آثارا عابرة لا تمحى، جلس بجوارها، وربت على ظهرها برفق، كأنه يحاول نقل بعض القيمة إلى روحها المنهكة، وقال: "ترنيم."
انتفضت في مكانها، وابتعدت عنه بخوف، وكأنها ترى فيه ظلًا من الماضي، أغلق عينيه بحزن، ثم فتحهما ونظر لها بعميق المشاعر، وقال: 
"ترنيم، وحشتني ضحكتك، هزارك، دمك الخفيف اللي خطف قلبي من أول مرة شفتك فيها، عارف أن الأحداث الأخيرة كانت صعبة عليكي، وأنا كنت من ضمن اللي ضغطوا عليكي الفترة دي، بس كان من وراه قلبي، غيرتي عليكي هي اللي عمت عيوني، وخلتني أعمل كده، بس مهونتيش عليا، قوليلي، اعملك إيه يرجع ضحكتك من تاني؟"
رفعت رأسها من على قدميها، ونظرت له بعينين متورمتين ومحمرة من كثرة البكاء، متحدثة بصوت مختنق حزين يشبه همسات الرياح في عاصفة: 
"رجعلي ماما، الدنيا من تاني، أو خليني أروح ليها، امحي من ذاكرتي كل الأحداث الأخيرة اللي حصلت، خليها مجرد كابوس، وصحيني منه، تقدر تعمل كده؟"
أمسك يدها برفق، وبدأ يرتب أفكاره العميقة، ثم قال بنبرة مفعمة بالعاطفة:
"مقدرش أعمل كده يا ترنيم، لأن اللي بيموت عمره ما بيرجع تاني، واللي حصل ده كله حقيقة، منقدرش ننكرها، وإنتي مريتي بكل ده فعلاً، بس، اقدر اوعدك  أكون هنا معاكي، أساندك في كل خطوة، وأخد بأيدك لبر الأمان، أعوضك بجزء صغير عن الأحداث الأخيرة اللي حصلت دي، اطبطب على قلبك، ونعدي المرحلة دي سوا. أساعدك زي ما ساعديني."
أبعادت يدها بلطف ونظرت في الاتجاه الآخر بعينيها المغرورقتين، متحدثة بصوت مختنق: 
"أنا عايزة أرجع مصر." 
كان الألم في صوتها كفيل بأن يترك أثرًا عميقًا في قلبه، ومع كل كلمة خرجت منها، شعرت كأنها تغوص أكثر في بحور الذكريات الموجعة.
أغلق عينيه بغضب واضح، واستقام بجسده بتوتر مشعرًا بالقلق، وقال: 
"عايزة ترجعي مصر علشانه، عايزة تترمي في حضنه تاني، بعد ما كان هو السبب في كل حاجة حصلت ليكي؟" 
كان سؤاله يفيض بالأسى والحيرة، كيف لها أن تفكر في العودة إلى مكان يحمل كل هذه الذكريات المؤلمة؟
حركت رأسها بالرفض، وقلبها مكسور، متحدثة بصوت منكسر: 
"لا، عايزة أبقى جنب ماما." 
كان ذلك الجواب كصدى لصوت لا يفارق قلبها، الارتباط العميق بأمها كان يمثل لها الأمان والملاذ الذي تحتاج إليه في أوقات الألم والضياع حتى لو كان بينهما حاجز لعالم آخر.
حرك رأسه بالرفض، محاولًا الحفاظ على هدوءه في وجه ذلك الانفجار العاطفي، وقال:
"مافيش رجوع لمصر يا ترنيم، اتأقلمي على العيشة هنا، لأن خلاص هنا هتعيشي الباقي من عمرك." 
أنهى كلامه وخرج من عندها، ودفع الباب خلفه بغضب وأسى في قلبه، وكأنما كان يحمل عبءًا ثقيلًا، نظرت إلى أثره، بالدموع تغرق وجهها، وعادت مرة أخرى إلى وضعها المأساوي، وظلت تبكي، بينما كانت تتمنى لو كان بإمكانها استعادة الزمن وتصحيح الأخطاء.
ومرت عدة أسابيع على هذا الوضع الاستنزافي، ولم يقترب غريب منها نهائي، وفي يوم من الأيام، بعد انقضاء وقت طويل عانت فيه من الوحدة، خرجت ترنيم من غرفتها، وسألت عن غرفة غريب بشيء من الأمل والتردد، وذهبت عنده، فتحت الباب، وجدته ممتدًا على تخته بعد ليلة طويلة من التفكير، اقتربت منه دون أن تتحدث، وتسطحت بجواره، وضعت رأسها على صدره وكأنها تبحث عن الأمان، وأغلقت عينيها، وذهبت في نوم عميق كما لو كانت في أحضان الحلم، ابتسم غريب بسعادة عندما شعر بوجودها بجانبه، وضمها بذراعيه، مقبلًا رأسها كعلامة على الحماية والاهتمام، ثم أغلق عينيه وذهب في سبات عميق، محاولًا خلق لحظة من السكينة في خضم كل الفوضى، وفي صباح اليوم التالي، استيقظ من نومه، فوجد ترنيم مستيقظة وتنظر له بصمت، وكأنما كانت تراقب ملامحه بعناية، قبل رأسها وقال بحب: "صباح الخير." 
وكأنما كان هذا الصباح يحمل بشائر جديدة.
ردت عليه بصوت هادئ، مفعم بالأمل: "صباح النور." 
حرك يده على ذراعها ببطء، وتحدث بنبرة هامسة تحمل الكثير من المشاعر: 
"فرحت أوي إنك جيتي نمتي في حضني طول الليل." 
تحدثت كلماته إليها كأنها جسر بدأ يتشكل بينهما، جسر من الأمل والألفة، كأنها بداية جديدة في حكاية ما تزال في انتظار أن تكتب.
ظلت تنظر له، ثم قالت بصوت هامس: 
"أنا عايزة نكمل جوازنا." 
كان صوتها يحمل مزيجًا من الحماس والخوف، وكأنها تخشى أن يرفض، نظر لها بعدم فهم، وقال بتساؤل: 
"نكمل جوازنا إزاي يعني؟" 
كان في عينيه تساؤل واضح، وكأنه يبحث عن مخرج من هذه المفاوضة غير المسبوقة بينهما.
أغلقت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، ثم فتحتهما، ونظرت له بعينين مليئتين بالأمل، متحدثة بلطف: 
"نكمل جوازنا يا غريب، فيها إيه مش مفهومة دي؟ يعني الجواز يكون على الحقيقة." 
كانت كلماتها تشع طاقة متجددة، وكأنها تضيء الطريق المظلم الذي كانا يسيران فيه.
ابتسم بسعادة، وتسللت عواطفه إلى عينيه، وقال: 
"أيوه، أنا فاهم كده، بس قلت أتأكد أن اللي فهمته ده صح ولا غلط، أنا مش مصدق نفسي يا ترنيم، إنك إنتي اللي طلبتي ده، بس مش هقدر أعمل كده، لأن اللي إنتي بتقوليه ده مجرد طلب بتحاولي بي الخلاص من شعور جواكي، مش أكتر."
كانت مشاعره مختلطة، بين الفرح والقلق، وترك سؤاله أثرًا في جو الغرفة.
نظرت بعينه بدموع، واقتربت منه ببطء، وبدأت تقبله، حاول الابتعاد، لكنه لم يستطع، جسده طالبه بكل شوق، جميع ما به يطالبه بها، اقترب منها أكثر، وعمق القبلة، وبدأ بينهما حياة جديدة، حياة زوجية متكاملة، كانت اللحظة مليئة بالشغف، وكأن كل ما مر بهما من تحديات وألم تحول إلى وعد بمستقبل مشترك، يخبئ لهما الكثير من الأمل والسعادة. 
بعد وقت، كانت نائمة داخل أحضانه على صدره العاري بصمت، وكأنها منفصلة عن هذا العالم، قبل رأسها وتكلم بصوت هامس:
"مبسوطة؟" 
كانت هذه الكلمات كفيلة بإيقاظ الأشواق المدفونة في قلبها. 
أومأت برأسها، وتنهدت بوجع، وقالت: 
"أنا عايزة أبدأ حياة جديدة زي ما ماما كانت عايزة، عايزة أكون ترنيم واحدة تانية يا غريب، عايزة أخلي ماما مرتاحة في قبرها، أنا متأكدة لما أنفذ ليها كل اللي كانت بتتمنى ليا، هتكون مبسوطة." 
كانت كلماتها مليئة بالعاطفة، كأنها تحمل ثقل العالم على عاتقها، لكنها كانت مملوءة بالعزم والإرادة.
نظر لها بحب، وتكلم بصوت هادئ: 
"أنا معاكي في أي حاجة عايزة تعمليها يا عمري، عايزة أفتح ليكي مستشفى من بكرة، أعملك كده، عايزة يكون ليكي شغل تاني خاص بيكي أمري وأنا انفذ." 
كانت عواطفه تدفئ أحشاء حديثهما، وكأنهما بنوا سويًا عالمًا جديدًا ينبض بالأمل. 
رفعت رأسها للأعلى، وقالت: 
"عايزة أبقى أم يا غريب." 
نظر لها باستغراب، وقال: "أم؟؟" 
كانت المفاجأة واضحة في صوته، ولكنه لم يكن يخشى التصريح بمشاعره. 
أومأت برأسها بالتأكيد، وقالت: 
"أيوه، ماما كان نفسها في كده، ممكن؟"
كانت كلماتها تحمل في طياتها شيئًا من الحلم، وكأنها تدعو إلى عالم جديد حيث الحب والعائلة يتمازجان، ويرسمان لهما لوحة جميلة من الحياة. عشقها كان بالنسبة له خبر جيد، ورغبتها مشروعة، لكنه في داخله كان يعي حجم المسؤولية التي تأتي مع هذا الطلب، وسرعان ما أدرك أن هذه اللحظة يمكن أن تكون بداية غير متوقعة لمغامرة جديدة في حياتهما معًا.
اعتدل في جلسته، وبدأت ملامح وجهه تتغير بشكل ملحوظ، وكأن ثقل العالم قد استقر على كاهله، أمسك سيجارة من علبة بجانبه، أشعلها بحركة مترددة، وأخذ نفسًا عميقًا منها، لتنطلق رائحة التبغ لتملأ الغرفة، زفر دخانها في الهواء ببطء، مما أضفى جوًا خانقًا حولهم، وتحدث بصوت مختنق، كأنه يحاول دفع كلمات من داخله:
"إنتي مش شايفة أن موضوع الأطفال ده بدري عليه لسه؟"
نظرت له باستغراب، عيناها تلمعان بالدهشة، وقالت بتساؤل: 
"بدري عليه؟؟ مش فاهمة بدري عليه إزاي، إحنا جوازنا بقى على الحقيقة، وطبيعي أن يحصل ده في أي وقت، أنا عايزة أكون أم يا غريب، بترجاك." 
كان صدى كلماتها يتردد في الأرجاء، كأنها تعبر عن آمالها وأحلامها التي تكدست داخل قلبها رغبة في تجاوز كل الحواجز التي تفصلها عن تحقيق حلم الأمومة.
استقام بجسده، وكأن الثقل الذي يحمله جعل حركته ثقيلة، وتحرك باتجاه الطاولة، وضع المشروب بالكأس، وارتشفه دفعة واحدة وكأنما يحاول غسل مشاعره، ثم تكلم بصوت مختنق، واضح فيه التوتر: 
"أنا لو كنت أعرف أن اللي حصل ما بينا ده، طلبتيه علشان الموضوع ده، مكنتش قربت يا ترنيم، أنا مش مستعد للموضوع ده دلوقتي، وأمتى هكون مستعد؟ الله أعلم، بس أنا مش مستعد أجيب طفل، وإحنا علاقتنا ناقصها حاجات كتير، لأنه هو في الآخر اللي هيكون الضحية." 
ترددت كلماته في فضاء الغرفة، حيث كان الألم والقلق يسيطران على كل زاوية فيها.
نهضت من على السرير، وهي تضع غطاء السرير حول جسدها العاري كدرعٍ يحميها من عواطفه، واقتربت منه بخطوات خفيفة، نظرت له بعدم فهم، وقالت: 
"هو إيه اللي ناقص في علاقتنا يا غريب؟ هو فيه أكتر من أن أسلمك نفسي ونتمم الجواز على الحقيقة؟ وبعدين، طفل إيه اللي هيكون ضحية؟ وضحية إيه بالظبط، أنا مش فاهمة حاجة." 
نظر لها بضيق، وكأن الأفكار تتصارع في ذهنه، وتكلم بصوت مختنق، مفعم بالهموم:
"أنا عارف ومتأكد أنه هو لسه في قلبك يا ترنيم، وإنك أي وقت هترجعي فيه مصر، هتترمي تاني في حضنه، اللي حصل من شوية ده كان مجرد تمرد على اللي حصلك، ضعف، محتاجة يحصل كده علشان تثبتي لنفسك أنك لسه على قيد الحياة، أنا كنت رافض يحصل ده ما بينا دلوقتي، بس حبي ليكي واحتياجي لحضنك خلاني ضعفت، علشان كده مقدرتش أقاوم قربك، بس موضوع الأطفال مرفوض تمامًا بالنسبة ليا، لحد ما أتأكد أننا مستعدين لده." 
كانت نبرته تحمل معها ثقل التجربة، مما جعلها تدرك أنه ليس فقط صراعها مع المكان والزمان، بل هو أيضًا صراع مع مخاوفه الداخلية التي تحجب عنه الفرحة والاستقرار.
نظرت له بدموع في عينيها، وكأن الكلمات التي لم تقال كانت تعكس كل مشاعر الألم والارتباك التي تشعر بها، أخذت ملابسها التي كانت مبعثرة على الكرسي، ثم ببطء، اتجهت إلى غرفتها.
بعد خروجها، نظر غريب أمامه بتشتت، وكانت ملامح وجهه تعكس صراعًا داخليًا مريرًا، شعر بثقل الخيار الذي اتخذه، وأحس بلحظة ضعف تجتاحه، ضغط بقبضة يده على كأس المشروب الفارغ بقوة، فتفكك وتناثر أمامه على الطاولة، مما أضفى جوًا من الفوضى يعكس حالته الداخلية وانكسار الأحلام. 
وظلوا على هذا الوضع إلى وقتهم هذا، حيث أصبح الرفض القاطع لإنجاب الأطفال عبئًا يثقل العلاقة بينهما، كان غريب يفضل الالتزام بموقفه، محافظًا على قناعاته رغم المحاولات التي قامت بها ترنيم لتخفيف حدة هذا الرفض، من جهة أخرى، انشغلت ترنيم بالعمل في إحدى المستشفيات، حيث كانت تمر بأيام طويلة مليئة بالتحديات والضغوطات التي تواجهها في مجالها الطبي، أصبحت حياتهم تقليدية كأي زوجين، لكن تلك الرتابة كانت تخفي في طياتها توترًا متزايدًا، وكأن كل يوم يمر يضيف حواجز جديدة حول قلبيهما، يجعل من الصعب التحدث عن مشاعرهم الحقيقية وأحلامهم المؤجلة.
     ***************************
باااك...
نهضت من على فراشها، متوجهة إلى المرحاض، حيث استلقت تحت الدش، ورشت المياه الدافئة على جسدها، مما جعلها تشعر بلحظات من الاسترخاء والهدوء، كانت تفكر في أحداث اليوم؛ فكل شيء كان في حالة من الفوضى، وتحمل الكثير من القلق في قلبها، بعد قليل، خرجت ملفوفة في برنس الاستحمام، تقف أمام المرآة وتمشط شعرها الطويل، ملاحظة كيف كانت خصلاته تنساب بين أصابعها كأنها خيوط من الذهب، شعرت بيد تعرفها تمامًا تلتف حول خصرها، وقبلة حارة على عنقها جعلتها تغلق عينيها، تحدثت بصوت مختنق: 
"أنت صحيت إمتى؟"
رد بصوت هامس، مستمرًا في تقبيلها برقة:
"صحيت وإنتي بتقفلي باب الحمام، وحشتيني." 
ابتعدت عنه وعادت إلى خزانة ملابسها، لتفحص ملابسها المتنوعة، قائلة: 
"أنا متأخرة على الشغل يا غريب، وبعدين حاول تخفف رجالتك شوي، مش لازم كل يوم أروح بجيش للمستشفى." 
اقترب منها مرة أخرى، محتضنًا خصرها برفق، وواصل تقبيلها بكثير من الشغف: 
"لا طبعًا، أنا كنت بفكر أزودهم شويه، أنتي هنا في تركيا، مش في مصر، يعني الخطر مضاعف." 
كانت عينيه تلمعان بعاطفة لا تخفى، وكأن العالم الخارجي لم يعد له وجود، استدارت بجسدها، ووقفت أمامه، تتحدث بضيق:
"ولما أنت خايف أوي كده عليا، ليه مستمر في شغلك ده، يا غريب؟ أنا مليون مرة طلبت منك تبعد عن السكة دي." 
زفر بضيق، وهو يوضح: 
"وأنا مليون مرة أقولك مش هينفع أسيب الشغل ده، يا ترنيم، وكمان أنا مش بقتل غير اللي يستحقوا ده." 
بالنظر إلى عينيه، شعرت بمزيج من القلق والإخلاص، نظرت في الاتجاه الآخر، وظلت صامتة، مما جعل التوتر بينهما يبدو وكأنه غيمة ثقيلة.
اقترب منها أكثر، حتى التصق بها، وتحدث بصوت هامس، مشحون بالعواطف: "وحياتك عندي، أنا بحاول أقلل الشغل ده، يعني باخد الشغل الصعب بس، وبسيب الحاجات الخفيفة للرجالة التانية المبتدئين، سيبك بس من كل ده، بقولك وحشتيني." 
زفرت بضيق، وابتعدت عنه، متحدثة بصوت مختنق: 
"قولتلك متأخرة يا غريب." 
كانت هذه الكلمات مثل صفعة، تركت أثرها على قلبه، نظر إليها نظرة طويلة، مليئة بالأسى والتعب، ثم تحرك بغضب نحو المرحاض، تاركًا إياها وحدها مع أفكارها.
تابعت أثره بعينين ضيقتين، كانت مشاعرها متضاربة بين القلق والغضب، كانت تعرف أن حديثهما كان مهمًا، ولكنه انتهى بفتور. بعد لحظات، بدأت ترتدي ملابسها بتثاقل، وكأن كل قطعة ملابس تمثل عبئًا إضافيًا على قلبها المثقل، شعرها انسدل على كتفيها بينما كانت تفكر في ما قاله، وكم هي بحاجة إلى أن يشعر برغبتها في الحمل والإنجاب، بعد قليل، انتهت من تجهيز نفسها، وخرج غريب، مرتديًا ملابسه بسرعة وكأن الوقت يطارده، وانحدرا معًا إلى الأسفل حيث وجدوا والد غريب يجلس يقرأ الصحف، تتناثر حوله الصفحات المزدحمة بالأخبار، نظر إليهما، ملاحظًا كآبة الجو بينهما، وقال بنبرة هادئة: 
"صباح الخير يا ولاد."
تحدث غريب بصوت مختنق يحمل الكثير من التعب: 
"صباح النور." بدا أن الكلمات كانت تخرج منه بصعوبة، وكأنها بحاجة إلى شجاعة كبيرة.
ابتسمت ترنيم له بهدوء، على الرغم من مشاعرها المتضاربة، قائلة: 
"صباح النور يا عمو." 
كانت تحاول أن تبقي الأمور طبيعية، ولكن في داخلها كانت تتصاعد تلك الأحاديث غير المريحة.
نظر والده إليه باستغراب، وكأن لديه الكثير من الأسئلة لكنه فضل التريث ولا يتدخل، ثم تحدث بنبرة حنونة، حاول أن يمتص الأجواء المتوترة: 
"اقعدوا افطروا، متخرجوش من غير أكل." كانت تلك العبارات مليئة بالاعتناء.
أومأ غريب برأسه بالموافقة ولكن كان واضحًا أنه غير مرتاح، أبعاد تلك المحادثة لا تفارق ذهنه، فحتى في تلك اللحظات البسيطة كان يحمل همًا أكبر من مجرد الإفطار، أبعد المقعد حتى تجلس عليه ترنيم، ثم جلس هو على المقعد المجاور لها، وبدآ يتناولان طعامهما بصمت تحت مراقبة والد غريب، الذي كان يبدو محاطًا بالقلق والدعم، بعد قليل من الصمت، وقفت ترنيم، مصممة: 
"أنا شبعت، همشي أنا بقى." 
ثم نظرت إلى غريب بشيء من القلق، قائلة:
"احتمال أتأخر النهاردة في الشغل." 
كانت تلك الكلمات في شكل اعتذار تعبر عن شعورها بالضغط والتوتر.
أنهت كلامها وخرجت، عازمة على الخروج من تلك الأجواء، وتبعتها رجال غريب، صاعدين السيارات، كان غريب ينظر إليها بتردد، لكن الشيء الوحيد الذي كان يهمه هو صحتها وراحتها، الأمر الذي زاد من وطأة الشعور بالذنب عليه، حيث كان يود أن تعطى له فرصة ليكون لهما مستقبل مشترك كما تحلم ترنيم.
نظر والده إليه بتساؤل عميق، وهو يشعر بالقلق من تصرفات ابنه: 
"أنتوا متخانقين؟" 
حرك غريب رأسه بتكاسل، ثم قال، 
"لا، بس هي كده كل فترة تمسك النكد علشان موضوع الخلفة." 
وهو يعبر عن شعوره بالإحباط، كان هناك شيء في طريقة حديثه يوحي أنه متعب من هذا النقاش الذي لا ينتهي، كان يشعر أنه عالق في دوامة من التوقعات التي لا تنتهي، ويجد صعوبة في فهم لماذا تظل هذه الفكرة تتردد في ذهن ترنيم، فيما يتعلق بإنجاب الأطفال.
رد عليه والده بنبرة هادئة، تحاول أن تشعره بالراحة: 
"طيب، ما هي من حقها تبقى أم، يا غريب، دي أبسط حقوقها. كل واحدة بتحلم باليوم ده اللي هتبقى فيه أم." 
لم يكن لديه نية ليعيد التوتر، لكنه أراد أن يجعل ابنه يفكر في مشاعر المرأة، وأن يحاول آلا يكون قاسيًا في تقييمه لها، كان هذا الحديث يتطلب حساسية أكبر من تلك التي يتحلى بها غريب في تلك اللحظة.
ابتسم بتهكم واحتقار، قائلاً: 
"آه، زي اللي كانت مراتك كده؟! اللي جابتني لدنيا، واعتبرتني غلطة عمرها، وراحت دورت على نفسها، وأنا اللي شيلت نتيجة غلطتها دي، أنا مش مستعد أجيب طفل لدنيا وأتحمل تربيته لوحدي، ولا أجيب ليه واحدة تعمل فيه زي ما اتعمل فيا، أنا مش هجيب أطفال، يا بابا، وبرضاها أو غصب عنها، هترضى بالأمر الواقع ده."
كان صوته يحمل مزيجًا من الغضب والأسى، وهو يسترجع ذكرياته الأليمة وكيف أن تلك التجربة قد شكلت له تصورًا خاصًا حول مفهوم الأبوة.
نظر والده إليه نظرة مطولة، فهو يعلم بمعاناة ابنه منذ الصغر، لكن هذا لم يمنعه من محاولة استفزاز قلبه بحذر قائلاً:
"طيب، مدام مش عايز أطفال، سيبها تحقق أمنيتها بعيد عنك مع حد مستعد للخطوة دي." 
كان يعكف على الاستماع إلى ما قد يرد به ابنه، إذ كان يأمل أن ينقلب قلبه في النهاية ويعيد التفكير في خياراته.
ضغط على أسنانه بغضب، وتحدث بنبرة تحذيرية، كأنما يتحدث إلى عدو: 
"ده يكون آخر يوم في عمرها، ترنيم بتاعتي أنا، ومش مسموح لأي حد يفكر مجرد التفكير يبص بطرف عينه عليها، ولا هي مسموح لها تفكر تبعد عني، غصب عنها، مجبرة تعيش معايا تحت أي ظروف أو قرار أخده." 
كان تعبيره عن الغيرة يمتزج بشعور متزايد من الخوف من فقدان ما يعتبره ملكيته، مما زاد من حدة توتر العلاقة بينهما.
نظر والده إليه بقلق، فهو يعلم أن ابنه عندما يتمسك بشيء مستحيل ان يتركه مهما كلفت الأمور، تنهد بابتسامة محملة بالأسى، قائلاً: 
"تمام، اهدا، دي حياتك، وانت حر فيها، خلينا دلوقتي في شغلنا، الجماعة مضايقين علشان الشغل المطلوب منك في مصر، وانت مأجله بقالك شهور، وأولهم دكتور عصام اللي شغال تحدي فيهم، ومكمل شغل رغم البروتوكول اللي بيمنع شغل تجار السلاح مع تجارة الأعضاء، وكمان انضم ليه رجب وابنه تامر، يعني انت سافرت مصر مخصوص علشانهم، وكنت هتموت هناك لما حاولوا رجال رفعت السوري ينتقموا منك ويخلصوا عليك، الجماعة إديتك فرصة لحد ما شديت حيلك ورجعت كويس من تاني، لكن موضوع حبك لترنيم خلاك ترجع عن كل حاجة، وده مش كويس في شغلنا، حاول تنجز وصفي عصام ورجب وتامر، يا غريب."
تحرك نحو الباب، غير مبالٍ، وقال بلا اهتمام: 
"اللي عندهم يعملوا، سفر مصر تاني مش هيحصل، يشوفوا حد غيري يعمل ليهم المهمة دي." 
قابل كلماته برفض غير معلن من والده، الذي شعر بأن ابنه يغلق على نفسه في دائرة ضيقة من التعنت، في داخله، كان يعي أن شغفه وعاطفته يمكن أن يعيقا طريقه المهني ويدفعانه نحو مواجهة عواقب غير محسوبة.
أنهى كلامه وغادر البيت، دون أن يعير أي اهتمام لعواقب قراره الفوري الغير مدروس. نظر والده إليه بقلق، وحرك رأسه مستنكرًا أفعال ابنه المقلقة في الفترة الأخيرة، تمنى أن يفتح ابنه عينيه على الفرص المتاحة له، وأن يدرك أن هناك أوقات تحتاج فيها العاطفة إلى ضبط وتوازن، ليس فقط من أجل الأمانة في العمل، ولكن من أجل نفسه وروحه أيضًا.
        ***************************
داخل مصرنا الحبيبة...

استيقظ سلطان على يد ابنته الصغيرة، التي كانت تجلس بجواره على السرير، وتداعب لحيته التي كبرت بشكل واضح بعد غياب ترنيم عنه، كانت الغرفة تملؤها أشعة الشمس الذهبية التي تنعكس على الجدران، مما منحها جوًا من الدفء، اعتدل في جلسته، وأخذها على ساقه مبتسمًا بأبتسامة حزينة، مقبلاً وجينتها بحب، وقال: 
"صباح الجمال على عيون، قلب وروح بابا."
ابتسمت له بوجهها المشرق، وعبرت عينيها اللامعتين عن الفرح والبراءة، وعلت وجهها علامة طفولية من البهجة، حيث كانت لا تدرك حقيقة مشاعر والدها. قالت: 
"صباح النور يا بابي، يلا علشان هتأخر على المدرسة، وعمتو سمية عندها شغل كتير ونزلت من بدري مع انكل حسام." 
أومأ برأسه لها بحب، قائلاً: 
"ماشي يا حبيبتي، روحي يلا، خلي ماما تجهزك على ما أنا أجهز واجيلك." 
وعلى الرغم من حزن قلبه، كان يحاول أن يظهر لها القوة والأمل.
قبلت خده بحب، وهبطت على الأرض، وركضت خارج الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بخفة، نظر سلطان إلى أثرها، وتنهد بحزن، فأحس بفراغ كبير يملأ المكان بعد رحيلها. أغمض عينيه وأرجع رأسه للخلف، مسترجعًا ذكرياته مع ترنيم، التي اشتاق إليها حد الجنون، سارت في خاطره صور تلك الأمسيات السعيدة التي قضياها معًا، ضحكاتهم واهتماماتهم المشتركة، كل شيء كان يذكره بها، لكن ما منعه من الذهاب إليها إلى تركيا كانت والدته، الذي تذكر كلماتها عند عودته من الغيبوبة التي طالت أكثر من شهر، كانت ترنيم ونيسة أحلامه، حاول الأطباء مساعدته للعودة، لكنه كان رافضًا تمامًا، يعيش حياة وردية مع محبوبته في عالم الأحلام، حيث لا يوجد بينهم عائق ولا من يفسد عليهم لحظاتهم، لكنه استسلم في النهاية للواقع، وعاد من الغيبوبة ليشهد الحزن على وجوه من حوله، حيث ألم فراق وفاء وما حدث له مع سفر ترنيم مع زوجها جعل حياتهم عبارة عن كتلة من الأحزان.
بحث في الحضور عن وجه معشوقته، ابنة قلبه كما يطلق عليها، لكنه شعر بالفقدان والفراغ، حيث كانت غائبة بين الحضور بالرغم من أنها متواجدة في قلبه، مما جعل مشاعره أكثر حدة، أخيرًا، تحدثت والدته بتحذير وطلبت منه نسيان أمر ترنيم، ليتركها تعيش حياة هادئة مع زوجها في تلك البلاد البعيدة، وذكرت له كم يكفي ما حدث من فقدان شقيقتها الغالية على قلبها بسبب هذه الأحداث المؤلمة، احتفظ سلطان بألمه داخل قلبه، وقرر أن يحاول الابتعاد كما قالت والدته، لكن الفراق بينهما لم يكن إلا عذاب القلب وفقدانه، مليئًا بالذكريات التي تبقى حية رغم الفراق.
فكلما طالت مدة الفراق، زاد الحب والاشتياق حتى أصبح قلبه ينزف من شدة الألم، داعيًا الله أن تعود لحضنه في القريب العاجل، حيث كانت ترنيم تمثل له الأمل المفقود، ورغم عدم وجود ترنيم، إلا أنه ما زال مبتعدًا عن فريدة، محتفظًا بنومه في غرفة أخرى، حيث كانت تعبر عن لوعة فقدانه، حاولت فريدة كثيرًا معه، لكنها قوبلت بالرفض التام، وبقي حالهم أسوأ من الأول، كأنهم عالقون في دوامة من الحزن.
انتبه إلى صوت ابنته وهي تتحدث ببراءة الطفولة: 
"يا بابي، انت متحركتش من سريرك لسه، أنا اتأخرت خالص على المدرسة." 
كانت كلماتها كنسيم عليل يداعب قلبه الحزين، لكن الألم لا يزال يحمل ثقله على صدريهما.
نهض سريعًا، وتحدث بأبتسامة حزينة: "متقلقيش يا روح بابا، عشر دقايق بالكتير، وأكون جهزت، وأوصلك بسرعة." 
كانت محاولته لإظهار السعادة لها تعكس أيضًا الألم الذي يشعر به.
أنهى كلامه واندفع نحو المرحاض، بعد عدة دقائق، خرج من غرفته ليجد فريدة قد وضعت الطعام على الطاولة، منتظرة خروجه بفارغ الصبر، تجاهل وجودها، وأمسك يد ابنته وقال بتساؤل: 
"فطرتي يا رنيم؟"
أومأت برأسها بالتأكيد، وقالت: 
"ايوه يا بابي، فطرت بس مامي مرضتش تاكل، وكانت مستنياك علشان تاكل معاك."
عكست كلماتها اهتمامها بوالديها، لكن قلب سلطان كان مملوءًا بالهموم.
نظر سلطان إليها بضيق ثم نظر إلى طفلته، وحملها على ذراعه، قائلاً: 
"بابا ملوش نفس ياكل، وبعدين احنا متأخرين أوي." 
كان صوته يعبر عن ضعف مشاعره، ورغم حبه لأسرته، إلا أن حزنه كان يسيطر عليه.
أنهى كلامه وتحرك نحو الباب، ففتحه وغادر الشقة، نظرت فريدة إلى الطعام ثم إلى أثره بحزن، واستقامت بجسدها، وركضت إلى غرفتها والدموع تملأ عينيها، حيث شعرت بالفراغ الذي تركه سلطان في قلبها.
     ****************************
هبطت مريم من على الدرج، القلق والغضب يتراقصان في عينيها، كان سكون رجب وابنه أشبه ببرودة الموت، مما زاد من حدة إحباطها، نظرت إليهم بنفاذ صبر، وكلماتها كانت كالرصاص:
"احنا هنفضل على الحال ده كتير، لا عارفين نخلص من سلطان ولا قادرين نرجع شغلنا زي الأول، ولا حتى قادرين نوصل لغريب ضرغام والدنيا كلها اتعقدت مرة واحدة من ساعة اللي حصل مع سلطان.”
رد عليها تامر بغضب يكاد يشتعل:
"تعرفي تحطي لسانك في بؤقك وتسكتي علشان أنا مانع نفسي عنك بالعافيه من وقت ما عرفت الحقيقه وانك كنتي السبب في موت امي."
حركت ساعديها لتعقدهم على صدرها وصرخت بتهكم:
"وانا مالي، أن شاءالله! هو أنا اللي كنت روحت طلعت روحها؟ دي ماتت بسبب فجر بنتها لما شافتهم في الصور وبوضع مش تمام."
صرخ تامر بصوت جهوري وكأنما يزعج الصمت:
"ومين كان بعت لها الصور دي؟ مش انتي! أختي ليها روقة معايا وهعرف أجيب منها حق أمي، هي وكل من له يد في موتها، بس ترجع مصر بس."
نظرت مريم إلى رجب، الذي بدا سرحان تماماً، كأنه في عالم آخر لا صلة له بكلامها. تحدثت بضيق:
"سامع كلام ابنك يا رجب؟ محسسني إنه كان بيطعها أوي ويسمع كلامها."
نظر لها بتيهه، كأنه يستعيد وعيه:
"ها... بتقولي حاجة يا مريم؟"
رفعت إحدى حاجبيها إلى الأعلى، وبدت معبرة عن استغرابها:
"خير يا رجب، سرحان في إيه؟"
تنهد بتوتر، وكلماته تخرج بصعوبة:
"احتمال غريب ضرغام يرجع مصر اليومين دول، سمعت أن الجماعة بتلح عليه علشان يصفينا إحنا والدكتور عصام، بس هما واخدين حذرهم كويس، بس الأمر ميسلمش، ده غريب ضرغام مش أي قناص، وعامل شبه التعبان، محدش يعرف يمنعه ولا يقرب منه، وشكلها اليومين الجايين هيبقى فيه دم كتير، وأولهم دم سلطان الدسوقي."
اقتربت منه وجلست بينه وبين تامر، وكأنها تحاول تلطيف الأجواء:
"يااااه لو ده يحصل يبقى الدنيا ضحكت لينا! سلطان يموت ويحصله ضرغام، مع أن أشك في كده لأنه شبه القطه بسبع أرواح. والشغل يصفى علينا ونتنقل لحتة تانية."
تكلم رجب بتهكم يشعر بمرارة:
"إنتي ناسيه اللي حصل لسلطان من كام شهر لما غريب بعت ناس تقتله وقعد شهر بحاله في غيبوبة ورجع ولا كأنه حصله حاجة."
أسندت ظهرها للخلف، وعزمت على أن تكون مستعدة لأي تغييرات:
"أنا عارفه هعمل أية كويس أوي لو ضرغام رجع مصر زي ما بتقول كده، بس يارب تمشي صح زي ما أنا بخطط ليها."
أمسك تامر بشعرها بغضب، وكأنما يريد السيطرة على الموقف:
"إنتي بعد كده مش هتعملي غير اللي احنا نقولك عليه وبس، دماغك دي تركنيها على جنب، فاااهمة؟"
تكلمت بغضب لا مثيل له:
"ابعد عني يا حيوان! أنا هعرفك ازاي تمد إيدك عليا يا كلب."
تحدث رجب بغضب، موجهًا كلامه نحوهم:
"يووه بس منك ليها! مش وقت اللي انتوا بتعملوا ده، بلاش شغل عيال!"
ترك تامر شعرها، وكلمات تحذيره كانت قاسية:
"اياكي تفكري تلعبي معانا يا مريم، علشان أنتي لسه مشوفتيش وش تامر الحقيقي."
أنهى كلامه، واستقام بجسده كأنه حسم الأمر، وصعد إلى غرفته، تاركاً وراءه أجواء مشحونة بالمشاعر.
نظرت مريم إلى أثره بغضب، مشاعر الانتقام تتوالى في داخلها، وهي تفكر بما يفعله معها منذ معرفته بحقيقة الصور المرسلة لوالدته؟، والتي لم تتحمل تلك المشاهد وفارقت الحياة.  

تعليقات