رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الثالث بقلم مريم الشهاوى
|هذه ابنتك!|
صلوا على الحبيب
ردد الثلاثة آخر كلمة قالتها لوجي بذهول:
"Papa!"
بابا!
نظر نوح إليهم بنفس الاستعجاب، فقد أثارت الكلمة في نفسه مشاعر متضاربة. للحظة، شعر نوح بوجود كارثة تحيط بالفتاة الصغيرة، وازدادت حيرته بشأن كيفية إعادتها بأمان في هذا المكان الخطير وفي هذا الوقت المتأخر. كانت عينيه تركزان عليها بنظرة ثاقبة، وهي تناديه بـ"أبي" بصوت هادئ، لكنه كان ممتلئاً بالغضب المكتوم: "إزاي طلعتي في العربية؟"
ردت لوجي بابتسامة بريئة: "كنت عايزة أقعد معاك شوية قبل ما تمشي تاني عشان وحشتني فمشيت وراك وهما بياخدوك للعربية وركبت ورا في حاجات كتيرة أوي عايزة أحكيهالك يا بابا طولت أوي في مدة السفرية."
نظروا أصدقاؤه الثلاثة إليه بدهشة واضحة، مستغربين من لهجته المتغيرة. قالت جين بذهول، وهي تعلم أنه يتحدث العربية لأنها تعرف اللغة وتدرك أنها لغة المصريين:
"How do you speak Arabic? Didn't you grow up in Rome? Have you lived here before?
كيف تتحدث بالعربية ألم تنشأ بروما هل عشت هنا من قبل؟"
أجابها نوح بصوت مختنق:
"Jane, believe me, I don't understand anything. Situations happened to me today that made me completely distracted. Leave us from this topic now.
جين، صدقيني، أنا لا أفهم أي شيء. حدثت لي مواقف اليوم جعلتني مشتتًا تمامًا. اتركونا من هذا الموضوع الآن."
تدخل فرانكو قائلًا بجدية:
"Yes, Peter is right. Let us leave any questions now and focus on how to get that girl back to her parents. The ship will arrive in an hour.
نعم، بيتر على حق. دعونا نترك أي أسئلة الآن ونركز على كيفية إعادة تلك الفتاة إلى والديها. ستصل الباخرة بعد ساعة."
كانت النظرات المتبادلة مليئة بالتساؤلات، لكن الموقف لم يسمح بالتأمل أو الاستفسار. كان نوح يشعر بثقل المسؤولية تجاه لوجي، مدركاً أن الوقت يمر بسرعة، وأن عليه إيجاد حل سريع لإعادتها بأمان. نظر إلى الفتاة البريئة التي لم تدرك بعد حجم الخطر المحيط بها، وتمنى لو كان بإمكانه حمايتها من كل هذا الاضطراب.
نظرت لوجي إليهم وسألت بفضول: "هما أجانب يا بابا؟ مش بيتكلموا عربي؟"
ردد نوح باختناق، محاولًا تمالك اعصابه: "تاني هتقولي بابا... بابا مين يا كتكوتة."
أجابت لوجي بلطف وثقة: "إنتَ بابا."
صاح نوح بغضب، وقد فاض به الكيل: "إزاي سيبتي مامتك وجيتي ورايا؟ اتصرف فيكِ إزاي دلوقتي؟ مفضلتيش مع مامتك ليه؟"
انكمشت لوجي بصمت من صراخه، وبدأت دموعها تتجمع في عينيها. عندها تدخل توم، وأمسك بنوح وهو يجره للخلف قائلاً:
"Hey, man, she's a little girl. She won't tolerate this screaming. Be kind with her."
يا رجل، إنها فتاة صغيرة. لن تتحمل هذا الصراخ. كن لطيفًا معها."
نظر نوح إلى لوجي بحنين، فقد كان قلقه عليها يملأ صدره. لم تكن ترى خوفه عليها من هذا المكان ومن تصرفات أصدقائه التي لا تناسب براءتها. كان يتمنى لو بقيت مع والدتها، وكان يعتزم العودة لفهم كل شيء. اقترب منها بلطف، ومسح دموعها قائلاً بصوت هادئ: "أنا آسف إني زعقت... بس أنا خايف عليكِ... مش شايفة المكان عامل ازاي والساعة كام."
ابتسمت لوجي بخجل، وقالت بثقة: "بس انت معايا يا بابا، هتحميني من أي شيء. دايمًا كنت بتقولي إن طول ما انت عايش مخافش من أي حاجة، ففكرت إن طول ما هكون معاك فانا مش هكون خايفة. صح يا بابا؟ مش انت قولتلي كده."
زفر نوح بعمق، وهو لا يزال يشعر بالارتباك والتشتت، لكنه أجاب ليطمئنها: "صح."
ثم حملها برفق، مخرجًا إياها من حقيبة السيارة، ووضعها بلطف على الأرض. نظر إلى أصدقائه قائلاً:
"Let's eat now. She seems hungry too."
دعونا نأكل الآن. تبدو جائعة أيضًا.
أخرجوا الطعام من السيارة ونصبوا الخيم، وجلسوا بداخلها لتناول الطعام. كانت لوجي تأكل بسعادة مع والدها، تضحك وتؤكله بيديها الصغيرتين بفرحة. بدأت تحكي له عن مشاكلها الطريفة التي تناسب سنها، عن مدرستها، وعن تمرين السباحة الخاص بها، تسرد له كل تفاصيل حياتها الصغيرة التي فاتته خلال السنوات الماضية.
كان نوح يستمع لها بحب واهتمام، يشعر براحة غامرة تغمر قلبه أثناء حديثها الطفولي. كان يراها لأول مرة من زاوية مختلفة، يلمح في ملامحها الشبه الكبير بينهما، وكأنه ينظر إلى مرآة تعكس جزءاً من نفسه. دهش من هذا التشابه، ومن عمق العلاقة التي بدأت تتشكل بينهما.
روحها البريئة وطفولتها العذبة جعلته يشعر بسكينة غامرة، كأن كل مخاوفه وتوتراته تذوب في ضحكتها. كانت هذه اللحظات تحمل في طياتها تعويضاً عن كل الوقت الذي ضاع، وكل اللحظات التي لم يعشها معها. تأمل وجهها الطفولي، مستشعراً كل كلمة تقولها، وكأنه يعيد اكتشاف نفسه من خلال كلماتها البسيطة.
______________
وقبل أن يقترب رحيم ليطعنها، سمع صوتها يهتف: "في حد هنا؟".
تجمد في مكانه، محاولاً فهم ما تقوله. لم تُبدِ أي رد فعل تجاه السكين التي رأتها، لم تصرخ ولم تهرب! سمعها مرة أخرى تردد السؤال وهي تقترب داخل الغرفة، وهو يبتعد للخلف، ينظر إليها مستكشفًا تعابير وجهها.
قالت وهي تتجول في الغرفة وتلمس بيديها الأشياء: "مين هناك؟"
ثم استوعب ما بها، فوضع يده أمام عينيها، يحركها يمينًا ويسارًا، لكنها لم تُبدِ أي رد فعل. أدرك أنها عمياء، لا ترى شيئًا. للحظة، هدأ قلبه من الصراع الداخلي الذي كان يعصف به. تراجع بهدوء كي لا تصطدم به، ولكن لسوء حظه اصطدم بكرسي خلفه، فأصدر صوتًا. قبل أن يلتفت نحو الكرسي ليثبته، مدت الفتاة يدها في الهواء ولمست ذراعه. ما أن لمسته، أمسكت به بقوة قائلة بخوف: "أنت مين ودخلت هنا إزاي؟".
كان متأكدًا بأنها لا تراه، فأمسك يدها التي كانت على ذراعه، ولفها وراء ظهرها واقترب منها هامسًا: "لو عايزة تطلعي عايشة من هنا يا عسولة يبقى تخرسي خالص ومتجيبيش سيرة أنك لقيتي حد هنا.. مفهوم؟"
بدأت الدموع تملأ عيني الفتاة بخوف، وبلعت ريقها بجمود. نظر رحيم إلى عينيها اللامعتين، وأخذ يتفحص وجهها جيدًا ليحفظ ملامحها في عقله، دون أن يدرك أنه يحفظها في قلبه ولن ينساها مطلقًا.
ابتعد عنها، وأخذ حقيبته ثم خرج من المنزل قبل أن يستفيق الحراس. صعد مع رفاقه في السيارة وتحركوا نحو مقرهم السري. كان يتابع المنزل الذي يبتعد عنه بتشتت، يتذكر الفتاة جيدًا، وكأن صورتها باتت محفورة في ذهنه إلى الأبد.
أخرج رحيم هاتفه الذي كان يوحي بوجود مكالمة من صديقته في العمل، "غزل".
- "أيوا يا غزل... تمت العملية بنجاح. عايز أقولك إنها كانت فرصة متتعوضش... الثروة اللي جبتها تساوي مليارات. ما سيبتش حاجة في البيت غالية إلا وجبتها."
ضحكت غزل بسعادة، صوتها يحمل شعورًا بالانتصار: "برافو يا شباب... قعدنا نخططلها كتير واديها نجحت."
تحدث رحيم، وقد خفف صوتها من توتره قليلاً: "والله غيابك مأثر علينا أوي يا غزل. بتمنى ترجعي بسرعة ونتشارك. حاسس إن الشغل كله عليا لوحدي، مسؤولية كبيرة. المهم كنت عايز أقولك إني قابلت بنت في البيت."
صاحت غزل بتوتر، محذرة: "إزاي؟ أنا متأكدة إن مكانش فيه حد في البيت، كلهم سافروا والشغالة وبنتها مشيوا اخر النهار!"
- "مهو دا اللي هيجنني... بس الحمد لله البنت طلعت كفيفة، مبتشوفش. وهددتها إنها لو صرخت أو عملت أي حاجة هخلص عليها. البنت كانت على آخرها، خايفة جدًا. فكلمتين زي دول خلوا أطرافها مش مستحملة ووافقت، وفضلت ساكتة لحد ما خرجت. وادينا مشينا، ومحصلش حاجة."
قالت غزل بغضب مكبوت، محاولاً ضبط أعصابها: "يا ذكي، ما ممكن تبعت ناس يمشوا ورا عربيتك وتبلغ الشرطة."
هتف رحيم بقلق، محاولاً التفكير بسرعة: " طب والعمل؟"
قالت غزل، بتصميم ووضوح: "افتح السبيكر عشان يسمعوني. عايزة طه يسمعني لأنه هو اللي سايق."
- "فتحته."
- "ايوة يا طه، تطلع على أي جراج من اللي فيهم عربيات لينا وتغير العربية فورًا. واتقسموا، يعني انت وزياد خدوا الشنطة واطلعوا على عربية من اللي في الجراج وخلي رحيم لوحده في العربية من غير أي حاجة. الشنطة تبقى معاكو في عربية تانية. افرض بلغت الشرطة وتابعوكم واخدوا الشنطة. لو مسكوا رحيم هيعرف يثبت إنه ملوش علاقة ومفيش حاجة هتكون معاه. وانتو هتكونوا طلعتوا بالعربية للمقر الأساسي وهو يجيلكم على هناك.... بسرعة اتحركوا."
قال رحيم بثقة: "بس أنا متأكد ان البنت مش هتعمل حاجة ده كان ناقص تعمل حمام على نفسها لما هددتها... وعميا بقولك يعني عبال ما تتصل بيهم وتيجي الشرطة هنكون احنا اختفينا من المكان...."
وفجأة ضربت على سيارتهم طلقات نارية من قبل حراس المنزل بعدما استفاقوا وبلغتهم الفتاة بكل ما جرى فصاحت غزل وهي تتأكد من شكوكها: "بسرعة اعملوا اللي قولنا عليه."
كانت خطة غزل محكمة ودقيقة، تستند إلى فهم عميق للتهديدات المحتملة واستراتيجيات الهروب.وطه كان محترفا بالقيادة فقد كان امر هروبه من سيارات الحراس سهلا جدا. تحرك الجميع وفقًا لتعليماتها بحذر واحترافية، مغيرين السيارات وتوزعوا بطريقة تضمن عدم تتبعهم.
وصلوا في النهاية إلى المقر الأساسي، حيث اجتمعوا في غرفة مظلمة، محاطة بظلال الليل. جلسوا حول طاولة قديمة، يعدون المال بأيدٍ متلهفة وأعين تلمع بالانتصار. ابتساماتهم العريضة تكاد تصل إلى آذانهم، مشيرة إلى النجاح الكبير والاطمئنان إلى أن خطتهم قد نفذت بدقة متناهية. كانت لحظة مليئة بالارتياح، لكن أيضًا بالحذر المستمر، يعرفون أن الخطر لم ينته بعد، وأن عليهم البقاء متيقظين لكل طارئ.
_________________
ظل حمزة ينادي عليها بصوتٍ يمزج بين القلق والخوف، حتى وجدها أخيرًا تقف بعيدًا وتسير بصمت. أسرع إليها، قلبه ينبض بعنف، ليوقفها من التوجه نحو بوابة الخروج. كانت ملابسها مبللة تمامًا، وشعرها يلفظ قطرات الماء التي تناثرت بفعل الرياح العاتية، مما جعل جسدها يرتجف من البرد. وضع عليها منشفة بيدٍ مرتجفة وهو يسحبها من ذراعها قائلاً بصوت مبحوح: "خارجة ورايحة على فين يا سمر."
نظرت إليه بعينين غارقتين في الضياع، وشفتيها ترتجفان وهي تهمس: "رايحة مع خالد... عاوزني اروح معاه."
قال حمزة باستغراب وقلق متزايد: "خالد مين... أنا خالد."
تبع نظراتها المضطربة، ولم يرَ أحدًا في الجوار. كانت تشيح بيدها نحو فراغ الهواء قائلة: "ازاي؟ لما انت تبقى خالد اومال مين دا."
تبدلت تعابير وجه حمزة إلى خوفٍ عميق، لم يكن يرى سواها في هذا الليل البارد، فمن ترى هي إذًا؟ تساءل بذعر مكتوم داخله: "اللهم صلي على النبي، كمان ملبوسة؟"
فجأة، انهارت بين ذراعيه، جسدها الخفيف يتداعى كأوراق الخريف. أسرع بحملها بين ذراعيه، وهي كالفراشة المنهكة، وتوجه بها إلى داخل المنزل. صعد بها إلى إحدى الغرف ووضعها على السرير بحنانٍ ممزوج باليأس. حاول إيقاظها بشتّى الطرق، لكن دون جدوى. نظر إلى ساعته، فوجدها الثانية والنصف ليلاً. وضع يده على جبينها ليجد حرارتها مرتفعة بشكل مقلق. لقد عانت من حمى شديدة بسبب البقاء في ملابسها المبللة طوال هذا الوقت، تحت تأثير الرياح الباردة.
وقف بجانبها يشعر باضطراب خواطره...فتاة نائمة على سريره بغرفته...شعر أنه خائن!
في هذا المنزل الفارغ، لم يكن يدخل أحد سوى واحدة فقط، كانت هي الشخص الوحيد الذي يحق له أن يكون هنا،الشخص الوحيد الذي يهتم لأمره "أميرة" كان اسمها.
ذهب حمزة إلى المطبخ بخطوات ثقيلة، ملأ صحنًا غويطًا بالماء البارد ووضع بجانبه منشفة صغيرة. قبل أن يصعد، تذكر مشهدها وهي تشحذ بالطريق، بحثًا عن لقمة تسد جوعها، حتى وصلت إليه منهكة. أخرج هاتفه وطلب طعامًا من الخارج؛ لم يكن لديه وقت ليطهو بنفسه، رغم مهارته، لأنه الآن يحتاج أن يكون بجانبها. صعد إلى الغرفة، ووضع الصحن بجوار سريرها، ثم جلس على كرسي بجانبها، وبدأ بوضع الكمادات الباردة على جبينها المحترق من الحمى.
بينما كان يضغط بالمنشفة على جبينها، كانت عيناه تتأملان ملامحها المتعبة، التي بدت كأنها تحمل كل أحزان العالم. مغمضة العينين، همست بشفتيها الجافتين باسم زوجها، "خالد". حاول أن يطمئنها بصوت مليء بالعاطفة:
"دا أنا يا سمر... خالد... متقلقيش، أنا جمبك."
كان يتساءل في داخله عن سر تلك الحنانة التي يشعر بها نحوها. حالتها كانت تذكره بألمه الشخصي، بصدمته النفسية التي عاشها لسنوات طويلة حتى تخطاها بصعوبة. لو كان بوسعه تخفيف وقع خبر وفاة زوجها عليها، لتجنب أن تصاب بصدمة نفسية كتلك التي أصابته، لفعل ذلك دون تردد. فهو يعرف تمامًا كيف تكون الصدمة النفسية عندما تفقد شخصًا كنت تعيش معه، والأكثر مرارة عندما يكون ذلك الشخص هو حب حياتك. فجأة، يختفي ذاك الشخص من حياتك، وتجد نفسك محاطًا بالفراغ، بلا مأوى ولا سند، تكاد لا تستوعب غيابه المفاجئ.
في تلك اللحظات، شعر حمزة بأن الزمن توقف. كان العالم بأسره يتلاشى من حوله، ولم يبقَ سوى صوت أنفاسها المتقطعة وملامح وجهها المرهق. كان يشعر بضرورة البقاء بجانبها، ليس فقط كواجب، بل كحاجة شخصية، كأنها جزء من روحه التي تحطمت وتبحث عن شفاء. ومن أعماق قلبه، تمنى لو أنه يستطيع أن يأخذ كل آلامها، ليعيد لها السلام والأمان الذي فقدته.
وصل الطعام، وحاول حمزة إيقاظ سمر بلطف، يتمنى أن تتناول شيئًا يعيد إليها بعضًا من قوتها. فتحت عينيها ببطء، نظرتها مغلفة بالضباب، لكنها عندما رأت حمزة يبتسم، ابتسمت بصعوبة وقالت بصوت خافت: "أنا فين؟"
أجابها حمزة بهدوء: "انتِ في البيت... انا جبت لينا أكل."
تحدثت سمر بشغف: "اه انا جعانة اوي."
فتقدم حمزة ليضع طاولة صغيرة على سريرها ويضع عليها الطعام بينما كانت سمر مهلكة ولا تتمكن من الأكل بنفسها فساعدها حمزة وكان يطعمها بيديه فنظرت إليه وقالت بصوت مبحوح ينوبه بعض التعب وهي تحاول التبسم:
"كويس إني تعبت... عشان تأكلني بإيديك."
لم يعترض حمزة، بل شعر بثقل المسؤولية والحب الإنساني يتعمق في قلبه. عاملها كالمريضة التي تحتاج كل العناية والاهتمام. جلس بجانبها يطعمها بيديه، ويراها تبتسم في لحظات نادرة عندما تضيف بعض المرح وتعض إصبعه بخفة. كانت تلك اللحظات القصيرة بمثابة ضوء في نفق طويل من الألم والعذاب. تساءل في نفسه عن عائلتها، كيف يمكن أن يتركوها وحدها بهذا الشكل؟ تذكر معاناته مع عائلته، ليس والديه، بل أقاربه الذين كانوا قساة بلا رحمة. كانت تلك الذكريات تثقل قلبه بغصة.
بعد أن أنهيا الطعام، خرج حمزة من الغرفة، وعاد بملابس نومه الجديدة، التي لم يرتدها من قبل. لم يكن في منزله أي ملابس نسائية، إذ كانت كل ملابس أميرة محبوسة في خزانتها، محتفظة برائحتها وذكرياتها، ولم يستطع أن يعطي سمر أيًا منها، فذكريات أميرة كانت مقدسة.
هتف بهدوء: "خدي البسي دول وأنا هبعت أجيب لك كام طقم تلبسيهم... دي بجامة ليا لسه ملبستهاش، البسيها الليلة عشان هدومك مبلولة، وبكرة ننزل نشتري هدوم."
ارتمت على شفتي سمر ابتسامة باهتة، وكأنها تحاول أن تتغلب على تأثير الحمى والدوار، ثم همّ بالخروج من الغرفة، محدثًا إياها: "يلا تصبحي على خير، نامي كويس."
ردت سمر بقلق، عيناها تائهتان في بحر من الحزن: "رايح فين؟ مش هتيجي تنام جمبي؟"
شعر حمزة بقلق متزايد، وعض شفتيه بحيرة. قال بصوت متردد: "عندي شغل بكرة وأنتِ تعبانة النهاردة، فهسيبلك السرير ترتاحي فيه... خدي قرص من الشريط اللي جنبك قبل ما تنامي."
ألقت له قبلة في الهواء قبل أن تغطس في النوم فشعر حمزة بتوتر و..خجل ثم تنحنح بالخروج، مغلقًا الباب خلفه ليأخذ نفسًا عميقًا. كان ذهنه مشتتًا بأفكار عديدة. دخل غرفته وهو يشعر بضغط كبير على صدره، يفكر في زيارة طبيب نفسي ليجد أجوبة على تساؤلاته حول حالة سمر. كان يريد معرفة المزيد عن كيفية التعامل معها، وإلى متى ستبقى في هذه الحالة.
وبالتأكيد وجودها معه في منزل واحد غلط كبير... فكر في حل ليجعل الفجوة بينهم كبيرة والا تتعامل سمر معه كزوج فهو ليس زوجها وهي ليست كذلك... رأسه يوجعه من كثرة التفكير...
أيتزوجها؟
صرخ قلبه بسرعة بلا متذكرا أميرة، فهي زوجته الاولى والاخيرة ولكن عناد قلبه ما فائدته ان ارتكب ذنبا بوجودها معه بنفس البيت؟!
سيتحدّث غدًا مع الطبية نور. قلبه متقلّب، ونفسه واهنة، وهو يعلم يقينًا أنه إن تُرك لوحده معها، فربّما يزلّ.
هو انسان ضعيف... نعم، ضعيف، وهي فتاة فاتنة... بل، فاتنة جدًا.
غصبًا عنه، طغت صورتها على فكره، فاستحالت يقظته شرودًا طويلًا لا نهاية له.
تدفّقت ذكرياته بها كما يندفع السيل في وادٍ ضيق، لا حاجز له.
تذكّر أنفاسها التي لامست وجهه حين انتشلها من الغرق، كانت ترتجف، تتعلّق بعنقه كأنّه ملاذها للنجاة من هذا الواقع.
تذكّر كيف عطست بوجهه كطفلة صغيرة، دون تكلّف، دون حياء، ببراءة لا يُقاومها قلب رجل.
لمَ ظهرتِ يا سمر؟
كنتُ بخير هكذا.
تنهّد بأسى ثم نظر إلى ساعته، فإذا ساعتان قد انقضتا وهو غارق في صورها، لا يملك لنفسه ردعًا، ولا لفكره سبيلاً إلى النوم.
نهض من جلسته، يتقدّمه القلق والخوف، وسار بخطًى مثقلة نحو غرفتها.
فتح الباب في سكون، ودخل متوجّسًا، لا يدري أيتفقّدها، أم يتفقّد قلبه؟
كانت نائمة بعمق، يغمرها السكون، وجهها الوادع مستسلم للنوم كأنه لم يعرف المرض قط.
اقترب بهدوء، مدّ يده المرتجفة، ووضعها على جبينها.
زفر براحة، وقد وجد حرارتها قد انخفضت.
جاء بكرسيٍ صغير، وضعه بجانب سريرها، وجلس عليه، يضمّ ذراعيه إلى صدره
بقي يراقبها، وجهها، عينيها المغلقتين، تقاسيمها الوادعة.
بقي يحدّق فيها، لا لشيء، بل لأنّ نفسه لا تملّ ذلك المشهد.
_______________
أخرج نوح هاتف والدة لوجي من جيبه بحذر، وعندما رأت لوجي الهاتف، لمعت عيناها الصغيرة بفرح غامر وصاحت بصوتها الطفولي الممتلئ بالدهشة: "دا موبايل ماما!"
ابتسم نوح بلطف وقال وهو يمسك بالهاتف: "أيوة، فعلاً موبايلها... حاسس إن القدر جمعني بيه عشان أقدر أوصّلها بيكِ. زمانها دلوقتي قلقانة عليكِ..."
فتح الهاتف، لكنه وجده مغلقًا برقم سري. فهتفت لوجي بمرح: "مش عارف الباسورد؟"
ابتسم نوح بحيرة، وحرك رأسه يمينًا ويسارًا. أجابته لوجي بثقة: "تاريخ ميلادك."
شعر نوح بثقل اللحظة، وكتب تاريخ ميلاده. لكنه لم يكن صحيحًا. نظر إلى ابنته الصغيرة بحيرة وقال: "مش بيفتح!"
أخذت لوجي الهاتف منه بثقة الطفولة وكتبت الرقم السري وهي تقول بصوت عال: "10/10/1991."
فُتح الهاتف، ونظر نوح إلى الشاشة بصدمة. هذا لم يكن تاريخ ميلاده. قال بدهشة مكتومة: "بس دا مش تاريخ ميلادي!"
قبل أن يتفوه بحرف آخر، لمح صورة له مع رهف على الشاشة الخلفية للهاتف. كانت صورته واضحة، لكن ذاكرته خالية من أي تفاصيل عنها. كيف يمكن أن يكون له علاقة بهذا الوجه الغريب؟ كيف يمكن أن تكون هذه الصورة جزءًا من حياته التي لا يتذكرها؟
شعر أن رأسه يدور بالأفكار المتشابكة، وبداخله موجة من الذكريات المتناقضة. كيف يمكن أن تكون له ابنة ويعيش معها في غياهب النسيان؟ قالت لوجي بصوتها الرقيق: "رن على تيتة سعاد... هتلاقي رقمها متسجل. أو، رن على خالو حسن، لأن موبايل تيته سعاد بيبقى مقفول ساعات."
ذهب لقائمة المكالمات، وبحث عن اسم حسن. ضغط على الاسم، ولكن ظهرت مكالمة واردة من سعاد، والدة رهف. أجاب نوح على الهاتف ووضعه على أذنه، ليسمع صوت رهف المهتز من القلق تقول: "ألو.. لو سمحت، الموبايل دا بتاعي... ضاع مني."
حاول نوح أن يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها، فقال بلطف: "رهف، انتِ كويسة دلوقتي؟"
اتسعت عينا رهف بشدة، وضمّت الهاتف بأصابعها بقوة قائلة: "نوح... انت معاك الموبايل... جالك ازاي؟"
قال نوح مفسرًا، وقد شعر أن قلبه ينبض بسرعة: "لما سيبتك في الغابة كنت محتاج نور فشغلت كشاف موبايلك، ولما سيبتك كنت لسه ماسكه عشان ينورلي وما كنتش واخد بالي إنه بتاعك."
ثم سمع صوت بكاء رهف وهي تقول: "لوجي بنتنا ضاعت يا نوح، والشرطة مستنية 24 ساعة عشان يبحثوا عنها. البنت اختفت والكاميرات مش جايبة حاجة بسبب دخان القنابل."
ابتسم نوح مطمئنًا إياها، وحاول أن يُدخل بعض الأمل إلى قلبها المكسور: "لوجي معايا."
كانت تلك الكلمات بمثابة طوق النجاة لرُهف. شعرت أن قلبها عاد ينبض من جديد، وعينيها تدمعان بفرحة لا توصف. في تلك اللحظة، كانت رهف تتنفس الصعداء، بينما كان نوح يغوص في بحر من التساؤلات والمشاعر المتضاربة. كيف يمكن أن تكون حياته مرتبطة بشخص لا يتذكره؟ كيف يمكن أن يكون أبًا لطفلة يعيش معها بدون أن يعرف تفاصيل ذلك؟
ناول نوح الهاتف للوجي، التي أمسكت به بيدين صغيرتين ممتلئتين بالثقة. قالت بصوتها الطفولي المفعم بالحياة: "أيوة يا ماما، أنا مع بابا. متقلقيش... كنت عايزة أقعد معاه شوية قبل ما يسافر تاني... متقلقيش، أنا هرجع بس بعد ما أقعد مع بابا شوية."
هدأ قلب رهف قليلاً عندما سمعت صوت ابنتها، وابتسمت بارتياح: "ماشي يا روحي... كويس إني اتطمنت عليكِ. اديني بابا."
تناول نوح الهاتف منها، وحدق بعينيه الى فرانكو وتوم وجين للحظة قبل أن يقول بجدية: "أول ما يطلع الشروق تجيلي عند ***** وانا هطلع اديهالك وتاخديها. مش هأمن عليها مع أي حد تاني. تيجي انتِ بنفسك."
سألته رهف بصوت متوتر: "وانت رايح فين؟"
أجاب نوح بلهجة قاطعة: "راجع بلدي."
ترددت رهف للحظة قبل أن تسأله: "اللي هي؟"
توقف نوح للحظة ليلتقط أنفاسه ويدرك ما تحاول رهف فعله. قال بحدة: "انتِ بتحاولي تجريني في الكلام، صح؟"
صاحت رهف بصوت متوتر: "أنا مش بحاول أجرك في الكلام، نوح... أنا بس عايزة أعرف الحوار ده هيدوم لحد امتى. مصر هي بلدك، وأنا مراتك، واللي جنبك دي بنتك... هتبعد تاني وتعيش حياتك وتسيبنا تاني يا نوح؟"
صاح نوح بانفعال: "نوح نوح نوح! مين ده؟ مين؟! أنا معرفوش! انتو بس اللي تعرفوه!"
لاحظ نوح أن جين تنظر إليه وإلى الطفلة، فعلم أن كلامه غير مناسب أمامها. نهض من جلسته وخرج من الخيمة ليتحدث خارجها: "تيجي تاخدي بنتك وخلاص."
تعالت أصوات رهف بغضب، ممتزجة بالشوق المكبوت: "هو إيه اللي خلاص؟! إيه اللي خلاص؟!"
صاح نوح بحدة: "رهف، متزعقيش."
عاودت رهف الصراخ بمرارة: "لا، هزعق! اللي انت فيه ده يعصب! انت مالك؟! أنا هتجنن! ازاي مش فاكرني أنا وبنتك؟! كنت فين في الأربع سنين دول؟! ازاي بقيت حرامي آثار وبتسرق من البلد وعايش برا وتقول إن دي بلدك؟! فوق لنفسك يا نوح! انت بتضيع نفسك... انت مش كده ولا عمرك كنت كده... لازم تشوف ماضيك وتعرف إيه اللي حصل وتحاول ترجع... أنا مش هستحمل وقت كمان وانت بعيد عني... قدامك مهلة تعرف فيها إيه اللي حصل وتكون معايا في حضني، فاهم؟"
أغلقت رهف الخط بعد تلك الكلمات، وكانت عينا نوح تمتلئ بالدهشة والغضب. لكنه، برغم كل شيء، ابتسم بآخر كلماتها. لا يعرف لمَ شعر بالسعادة حين لمس شعور شوقها إليه؟
"هو انت وماما بتتخانقوا؟"
التفت إلى الصوت الطفولي الذي يقترب منه، وجد لوجي واقفة بانكماش وحزن في عينيها وتقول تلك الكلمات بتقطع.
نظر إليها وقد شعر بالذنب تجاهها فحدثها بحنو: "لا، يا روحي، مش بنتخانق. دي مشكلة بسيطة واتحلت. تعالي، متخافيش."
جلست بجانبه، ونظرت إليه بجدية، وقالت: "أنا كبرت يا بابا وبقيت بفهم... وعارفة إنكم بتتخانقوا... معلش، استحمل ماما الفترة دي. اللي مرت بيه كان أصعب من أي حاجة... هو بردو كان صعب عليا، بس هي كانت حياتها وقفت! أنا كنت بروح المدرسة، بروح التمرين، بهزر مع دي ودا يهزر معايا. كنت بفرفش شوية واحس إني مبسوطة وأنسى شوية إنك معدتش موجود. لكن ماما طول الأربع سنين وهي حياتها واقفة، حتى شغلها وقفته، مبقتش بتتعامل مع حد. كل ما حد يجي يتكلم معاها تزعق له. ساعات تزعق لي وأفضل أعيط، بس الاقيها جات واتأسفت لي وقالت لي إنها تعبانة أوي وإنها متضايقة بسبب اختفائك من حياتنا، وإنها مش عارفة ترجع طبيعية تاني... من بعد ما مشيت، ماما بقيت حد تاني. شعرها كان طويل، قصته. كان لبسها حلو وبتلبس فساتين حلوة وملونة. دلوقتي مبقتش بتهتم بلبسها، حتى مبقتش بتحط ميكب. وزعت كل فساتينها وبقت بتلبس بنطلون وتيشرت. لبسها كله أسود، ولو حبت تغير بتلبس كحلي. المهم حاجة غامقة وخلاص. عمري ما شفتها بفستان طول الأربع سنين. ماما كانت حلوة أوي زمان، بس دلوقتي تحس إن شكلها دايمًا تعبان... أنا بتمنى لما ترجع يا بابا تحاول تغيرها وترجع ماما زي ما كانت... ترجعها هادية تاني وتخليها تحب نفسها وترجع تهتم بيها تاني... أرجوك يا بابا، رجع لي ماما القديمة تاني... هي وحشتني أوي."
امتلأت عينا نوح بالدموع من حديث ابنته، وعانقها وهو يربت على ظهرها قائلاً: "ماما هترجع زي الأول وأحسن كمان... بس متعيطيش."
قبلته لوجي بخدّه بلطف وعانقته بشوق لتشبع روحها من وجوده فضمها نوح بذراعيه بشدّة إلى حضنه يحاول ان يشبع منها هو الآخر هناك شيء يلمسه بهذه الطفلة يجعله يريد البقاء معها إلى الأبد ويخشى البُعد عنها.
فتحت هاتف والدتها، وبدأت تريه صورهم معًا.كان نوح ينظر إلى الصور بذهول، يرى كم هو سعيد فيها. هذا ليس توأمه بالتأكيد، إنه هو حقًا. رأى صورته مع لوجي عندما كانت طفلة رضيعة، وهو يحملها بسعادة في أول عيد ميلاد لها. وذكريات كثيرة رآها موثقة بصور كثيرة بينهم.. يبدو أنه كان سعيدًا حقًا معهم!
نامت لوجي على فخذيه أمام البحر، بينما ظل هو غائصًا في بحر ذكرياته، يتصفح صورًا قديمة له مع رهف. كل صورة كانت تحمل في طياتها لحظة من السعادة المفقودة، وكانت تلك اللحظات تثير في قلبه شعورًا قويًا، مزيجًا من الحنين والألم. الصور تعيد إليه ذكريات لم يستطع أن يستوعبها بشكل كامل، لكنه شعر بتأثيرها العميق.
عيناه التقطتا صورة لرهف وحدها، فكبرها ومرر أصابعه على الشاشة ببطء، وكأنه يحاول أن يستعيد ملمسها الحقيقي. كم هي جميلة، جمالها يفوق أي فتاة غربية قد رآها. كانت تمتلك شيئًا فريدًا، شيئًا يجذبه بقوة لا يستطيع تفسيرها. عيناها كانت غير طبيعية، واسعة مثل الغزالة، مرسومة بكحل أسود حلّاها أكثر وأظهر جمال عينيها، تعكس عمقًا وسحرًا لا يقاوم.
شعرها الأسود الطويل في الصور كان كأنه يتدفق كنهر من الحرير، يضفي عليها هالة من الأنوثة الساحرة. ولكنه تذكر كيف رآها الآن، بشعرها القصير عند أكتافها، مظهرًا مختلفًا ولكنه لا يزال يحمل جاذبيتها الفريدة. نعم، ربما كانت بالصور أجمل، ولكن في الواقع، بجمالها الحقيقي وبساطتها الطبيعية، كانت الأجمل على الإطلاق.
الشعور الذي اجتاحه كان قويًا، لامس قلبه بعمق. لم تكن مجرد صور، بل كانت لحظات حية تنبض بالحياة، تروي قصة حب وتضحيات، وتعيد إليه جزءًا من نفسه الذي كان يعتقد أنه فقده. وعندما نظر إلى ابنته النائمة بسلام على فخذيه، شعر بعمق المسؤولية والحب الذي يحملهما، وبدأ يتساءل كيف يمكنه أن يعيد بناء الجسور المتهدمة، وكيف يمكنه أن يستعيد تلك السعادة المفقودة مرة أخرى؟
نظر نوح إلى ابنته وهي نائمة بعد حديث طويل معها، وقد غلبها النوم. وضع يده على رأسها وأخذ يمسح عليها بحنان الأب الذي ينبع منه دون إرادة. شعر بجلوس جين بجانبه وهي تقول:
You seem to love children
"يبدو أنك تحب الأطفال."
ابتسم نوح وهو ينظر إلى لوجي بحب:
It really seems so.
"يبدو الأمر كذلك حقًا."
ابتسمت جين وهي تحدق به متسائلة بفضول:
Where did you get it from and why does she say to you, “Dad?” Are you married?
"من أين أتيت بها ولماذا تقول لك يا أبي؟ هل أنت متزوج؟"
أجاب نوح مسرعًا ينفي اعتقادها:
No, of course... I am not married... and I also do not understand why she tells me that... and also her mother says that I am her husband!!! They are not convinced that I do not know them or even remember them.
"لا بالطبع... أنا لست متزوجًا.... ولا أفهم أيضًا لماذا تقول لي كذلك... وأيضًا والدتها تقول بأنني زوجها! إنهم غير مقتنعين بأنني لا أعرفهم أو حتى أتذكرهم."
أردفت جين بفتور:
It's really suspicious... Did you contact her mother to return her daughter back?
"الأمر مريب حقًا... هل اتصلت بوالدتها لتعيد ابنتها؟"
أجابها نوح بأنه قد فعل ذلك حقًا، وأخذوا يتسامران عما سيفعلانه عند الوصول إلى روما. اتفقا على الصعود إلى الباخرة الساعة السابعة صباحًا، حيث ستأتي رهف لتأخذ طفلتها بعد الشروق، وكان فرانكو وتوم في الخيمة نائمين في انتظار موعد الباخرة.
جين كانت تحب نوح بعمق، أو بالأحرى كانت تحب بيتر، كما كانت تعرفه. كانت منبهرة بلياقته البدنية وحسن مظهره ووسامته، إلى جانب ذكائه الذي ساعد فريقهم بشكل كبير منذ انضمامه إليهم. في غضون سنة واحدة، حقق ما عجزوا عن تحقيقه في سنوات. كان مرنًا وسريع الفهم، مما جعله قيمة لا تقدر بثمن للفريق.
رغم محاولاتها العديدة للتقرب منه وكسب حبه، إلا أنها كانت تواجه دائمًا فتورًا غير مفهوم. نوح لم يكن يميل لأي فتاة على الإطلاق. لاحظت جين أنه يشاركهم في الذهاب إلى الملاهي الليلية، يشرب الخمر ويرقص، ولكن عندما تحاول الاقتراب منه يبعدها بلطف ولكن بحزم، وكان هذا الحال مع جميع الفتيات الأخريات أيضًا. بينما كان لفرانكو وتوم قصة مع فتاة جديدة كل ليلة، كان نوح مختلفًا تمامًا. وهذا الاختلاف أثار شعورها بالحب تجاهه بشكل أكبر، فقد أحبت الحدود التي يضعها بينهم، وأحبت طريقته في صد أي محاولة اقتراب من أي فتاة معجبة به. هذا الغموض والجاذبية الفريدة جعلتها تزداد ولعًا به، وتعمقت مشاعرها بشكل يصعب تفسيره.
بينما كان يتحدث مع جين، لم يستطع نوح إلا أن يفكر في رهف وابنته. كان هناك شيء في عيني لوجي يجعله يشعر بأنه جزء من حياتها، رغم أنه لا يتذكرها. كانت رهف تبدو مألوفة بطريقة ما، كأن هناك خيوط غير مرئية تربطه بها. كان هذا التناقض يثير اضطرابه ويجعله يتساءل عن الحقيقة.
لقد عاشت رهف أربع سنوات من الألم والوحدة، وكان يعرف أن عليه فعل شيء حيال ذلك. كان يجب أن يجد إجابة للأسئلة التي تحيره، ولكن في الوقت نفسه، كان عليه أن يحافظ على مسافة أمان بينه وبين جين، وبين حياته القديمة والحياة التي يجد نفسه فيها الآن.
وفي هذا الليل الهادئ، بين أمواج البحر والسماء المرصعة بالنجوم، شعر نوح بتيار من العواطف الجياشة. عاطفة تجاه ابنته النائمة بسلام، وتجاه المرأة التي تدعي أنها زوجته، وتجاه نفسه التي يبحث عن هويتها. كان يعلم أن الطريق إلى الحقيقة سيكون طويلًا وصعبًا، لكنه كان مستعدًا لمواجهته.
_________
جاء موعد لقاء رهف، فاستعد نوح لهذا اللقاء الحاسم. حمل لوجي النائمة بين ذراعيه بحذر وحنان، وركب بجانب جين التي أضاءت السيارة وتحركت نحو المكان المتفق عليه لمقابلة والدة لوجي.
وصل نوح وجين إلى وجهتهما، وانتظرا بفارغ الصبر قدوم رهف. بعد قليل، وصلت سيارة زرقاء، فنزلت منها رهف بنفاذ صبر ولهفة. نزل نوح من السيارة وهو يحمل لوجي برفق، فاستقبلتها رهف بدموع الشوق، تقبلها وتحمد ربها على عودتها إلى حضنها. نزل شاب لا يعرفه نوح من السيارة، وأخذ الطفلة من يد رهف ليعيدها إلى السيارة حيث كانت تجلس سعاد.
وقفت رهف أمام نوح وعيناها تملؤهما مشاعر متناقضة من الغضب والامتنان، وقالت بحدة: "شكرًا إنك مسيبتهاش او خنقتها او رميتها في اي حته. "
نظر نوح إليها بعينين تعكسان غضبًا مكبوتًا، وقال باستهزاء: "دي طفلة، مستحيل أعمل كده،ليه؟ معنديش قلب؟"
قال الشاب "كريم" الذي كان يقف بجانب رهف بنبرة هادئة ولكن حازمة: "دي بنتك يا نوح."
تنهد نوح بعمق ومسح وجهه بيده بنفاذ صبر: "دي ولا بنتي، ولا أعرف رهف، ولا أعرفك، ولا أعرفكم كلكم. حلو عني بقى."
راقبت جين هذا الحوار من السيارة بعينين حذرتين، ولم تكن مرتاحة إطلاقًا لرهف.
تراجع كريم، شقيق رهف، قليلاً ورفع يديه مهدئًا: "براحتك، مش هنضغط عليك. أنت برضو محتاج وقت عشان تفتكر. وهنمهلك الوقت الكافي، بس تبقى تحت عنينا."
فجأة، دون سابق إنذار، اقتربت سيارة أخرى بسرعة، ونزل منها ثلاثة رجال، وأمسكوا بنوح بقوة، وقيّدوا يديه بشدّة ثم جرّوه نحو سيارتهم. صرخ نوح مستنجدًا وهو ينظر إلى رهف: "إنتِ بتعملي كده ليه؟ سيبوني!"
ردت رهف بحزم وهدوء مستفز: "مش هسيبك تبعد عني تاني يا نوح. ولو طولت أخطفك، هعمل كده."
صاح نوح بغضب ودهشة: "إنتِ مجنونة؟ إنتو كلكم مجانين؟!"
فجأة، دوى صوت رصاص في الهواء، التفت الجميع نحو مصدر الصوت، فوجدوا جين تتقدم نحوهم وسلاحها مرفوع. قالت بلكنتها القوية:
"Leave him."
"اتركوه. "
نظرت جين إلى نوح بعينين مطمئنتين:
"Peter... don't worry."
بيتر... لا تقلق
صاحت رهف بلهجة ملؤها الغيرة والدهشة، وسألت نوح بصوت مختنق:
"مين البت الملونة اللي معاك دي؟! "
أمسك كريم بذراع رهف واقترب منها، وهمس في أذنها بصوت يملؤه القلق: "اهدي يا رهف، معاها مسدس وهتموتنا كلنا ممكن نفكر بعقلانية شوية."
في تلك اللحظة، توجه نوح بنظره نحو جين، قائلاً بصرامة:
"Put your weapon down."
انزلي سلاحك.
ردت جين بعناد ورفض:
"No, Peter...I won't let them take you."
لا يا بيتر... لن أسمح لهم بأخذك.
صاحت رهف بغضب، وصوتها يتخلله شيء من "الرديح" المصري، ذلك الصياح الشعبي المعروف في الحواري: "مفاضلش غير الملونة دي كمان تاخدك مننا... غوري يابت روحي لفي على راجل تاني غير جوزي انتِ عارفة الست اللي بتلف على راجل متجوز بنقول عليها ايه؟ "
لم تفهم جين كلماتها، مما طمأن كريم، فاقترب من رهف مرة أخرى وهمس بنبرة رجاء: "يا رهف ارجوكِ اسكتي...كويس انها مش فهماكِ كفاية طريقتك دي انتِ مش شايفة المسدس!!."
ردت رهف بتهكم، محاولةً استفزاز جين وتعلم خواطر تلك الكلمة عليها: "آه، هي القطة مش فهماني... hey girl... f*ck you."
يا فتاة.. تبًا لكِ.
اتسعت عينا نوح من الجرأة، وكان يريد أن يضحك من طريقة رهف في إلقائها، ولكن الموقف كان مفعمًا بالتوتر ولا يسمح بالضحك.
نظرت جين إليها بعينين مليئتين بالتحدي والغضب قد اعتراها:
"You want to joke with me, don't you?"
أتريدين المزاح معي، أليس كذلك؟
تحدث كريم بتوتر، محاولاً إقناعها:
"He's her husband... Leave him with us. We want him to stay with us for a while until he remembers us. We do not want anything bad for him, as he is part of our family."
إنه زوجها... اتركيه معنا. نريده أن يبقى معنا لبعض الوقت حتى يتذكرنا. لا نريد له أي سوء، فهو جزء من عائلتنا.
صرخت جين بصوت عالٍ يائسة:
I don't care about anything... Leave him immediately or I will kill one of you... I'm counting to three, and if I finish counting and you don't leave him, you have no one to blame but yourselves.
لا يهمني أي شيء... اتركوه على الفور وإلا سأقتل أحدا منكم... ها أنا أعد إلى ثلاثة، وإذا انتهيت من العد ولم تتركوه فلا تلوموا الا انفسكم.
قالت رهف موجهة حديثها لاخيها كريم: "ترجم يا كريم يابو جامعة امريكية انا مدرسة دراسات اصلا. "
فصاح نوح بقوة: "ولما مدرسة دراسات... ايه اللي هببتيه في كلامك انتِ مش عارفة معنى الجملة اللي قولتيها من شوية!"
بررت رهف بقولها: "عادي يعني اتقالت في ميت فيلم قبل كده معناها تبا لك."
اجاب نوح ضاحكا: "دي ترجمة جوجل يا حبيبتي الكلمة دي زيها زي..."
قاطعته رهف: "اشتم اشتم مهما علموك تشتم هناك....
صاح كريم ليصمتهم الاثنين حتى يترجم ما قالته جين: " بتقولكم هتعد من واحد لتلاتة لو مسيبتوش نوح هتقتل واحد فينا. "
وحين فهموا شعر الجميع بالخوف، إلا رهف التي صاحت بنبرة تحدٍ: "اوعوا تسيبوه... إياكم تسيبوه... منعرفش البت دي هتوديه فين."
صاح نوح بغضب مكبوت، محاولاً السيطرة على الموقف: "ممكن تسكتي خالص... عشان جين مش بتهزر وتسيبوني."
قالت رهف بغيرة لم تستطع إخفاءها: "جين! بسم الله ماشاء الله... دا انت عارف اسمها! يظهر إنها حد مهم بقى..."
زفر نوح بضيق، يدعو في صمت أن لا يحدث شيء كارثي بسبب تلك العاشقة الحمقاء.
-One
واحد
كان صوت جين وهي تبدأ العد، فأصبحت الأنفاس محبوسة، والعيون تتلاقى بخوف.
رهف وقد بدأت الدموع تترقرق بعينيها: "مراتك هتتقتل قدامك وانت واقف ساكت تشكر يا رجولة."
واساها نوح بقوله: "وانا اقدر اخلي حد يقتلك يا رهف وانا موجود!"
مسحت رهف دموعها ولاحت على شفتيها ابتسامة خجل ونظرت بالارض وهي ترتب خصلات شعرها فسمعته يضيف: "افلت بس من التكتيفة دي واجي اقتلك بنفسي."
-Two
اثنان
