رواية من نبض الوجع عشت غرامي الجزء الثالث الفصل الرابع بقلم فاطيما يوسف
كانت أشعة الشمس تغادر أركان المنزل بخفة وهي تعلن غروبها ، كأنها تُداعب تفاصيل الجدران لتوقظ فيها شيئًا من الحياة، فيما ساد الصمت في المكان إلا من صوت أنامل "رحمة" المنهمكة فوق لوحة مفاتيح الحاسوب، تُنقّب عن النجاح في عالمٍ لا يعرف الرحمة، جالسة بتركيزٍ متصلب وكأنها قطعت نفسها عن العالم المحيط بها، فاختفى من ذهنها كل ما لا يخص العمل، حتى ضحكات طفلتها لم تكن تصل،
أما "ماهر"، فكان يقف مستندًا إلى إطار الباب الفاصل بين غرفة المعيشة ومكتب زوجته، عيناه تتفحّصان جسدها المنحني على المكتب، يرى تفاصيل التعب على وجهها رغم محاولاتها الصلبة لإخفائه خلف قناع الجدية، لكن ما أثار استياءه حقًا هو هذا الجدار الزجاجي الصامت الذي نصبته بين نفسها وبين ابنتها الصغيرة، كلما أمعن النظر في تصرفاتها شعر أن الطفلة تُسحب من بين أيديهم لحياة لا دفء فيها،
تقدم ناحيتها بخطوات رجولية تحمل من الثقة ما يزلزل أي عناد، ملامحه جامدة تحمل مزيجًا من الحزم والإصرار الذي لا يقبل الرفض، وقف أمامها مباشرةً ويده تعتلي سطح المكتب بخفة مُتحكمة، وعيونه تمعن النظر في تفاصيل وجهها المُنهك :
ـ "قومي البسي وتعالي معانا، هنخرج النهاردة أني وانتي و"فيروز" لازم نخرج سوا علشان البنت حالتها النفسية مش مظبوط وكمان بقيت حاسس انها هتنكن لوحدها في وجودنا بسبب الشغل اللي ما هيخلصش .
رفعت "رحمة" رأسها ببطء كأنها تعود من عمق بحر أفكارها، عيناها تترنحان بين الانزعاج والدهشة، شعرت للحظة أن طلبه هذا أشبه بعبثٍ غير منطقي في خضم جدول مزدحم بالمواعيد والتقارير :
ـ يووه يا "ماهر" أني وراي شغل كَتير، والله اليوم ده مزدحم بشكل مش طبيعي، واللابتوب مليان تسليمات وملفات متأخرة بلاش الموضوع دي النهاردة بالله عليك .
لم تتغير ملامحه، بل بدا كأن عنادها أشعل فيه فتيلًا لا يُطفأ، حدّق فيها بثبات كأن عينيه تُلقِّنها درسًا لن تنساه، رفع يده عن المكتب وضمّها خلف ظهره وسحب نفسًا عميقًا :
ـ "يولّـ.ــع الشغل، ويولّـ.ـع اللابتوب والتقارير واللي بتكتبيه من الصبح، بنتنا لازم تخرج النهاردة، وإحنا لازم نكون وياها، غصب عننا هنفضي وقت ليها، إحنا مش مكلفين نعيش نشتغل وننسى البنت ، ولو حكمت يوبقى ما فيش شغل خالص ليكي يا "رحمة" .
ارتجفت شفتا "رحمة" للحظة من وقع كلماته، لم تكن معتادة أن تسمعه يقاطع خططها بتلك الحدة، لكن عنادها الفطري دفعها إلى المواجهة، فرفعت حاجبيها واعتدلت في جلستها وقد زاد جمود نبرتها:
ـ "أني مش ناسية بتي يا "ماهر" بس كل حاجة ليها وقتها، النهاردة بالذات مش هينفع عاد، حداي مقابلات مهمة، والعميلة اللي مستنياني دي مش هتعيد الجلسة لو اتأخرت ، وحوار اني اسيب الشغل دي مستحيل يوحصل بعد ما نجحت النجاح دي كلاته.
زمجر صدره بحنقٍ مكبوت، ورجولته تأبى عليه أن تُبرر له بهذا الشكل، شعر أنها تُفرّغ الحياة من جوهرها، تُسلّمهم إلى شاشة وكيبورد وكأن ابنتهم كائن ثانوي لا يستحق انتظارًا أو تضحية، تقدّم منها حتى صار بين جسديهما مساحة لا تُذكر، وصوته خرج من صدره بثقلٍ لا يرحم :
ـ كل حاجة ليها وقتها ، ايوه صوح؟!
وبنتك داي وقتها إمتى يا "رحمة" هانم؟ إمتى هتحسي بيها لما هتنادي عليكي وما ترديش؟
لما تعيط في وسط حاجة مضيقاها ولا تعباها في ركن وحديها عشان مفيش حضن حنين يحتوي وجعها وخوفها كطفلة؟
لاااه يا "رحمة"، النهاردة لازم تسيبي كل دي وتركزي معانا، انتي أم طول الوقت لكن مش موظفة غير في بعض الوقت .
توسعت عيناها بامتعاض، لكن في عُمقها شيءٌ موجع بدأ يتسلل، كبذرة تأنيب تفتحت رغمًا عنها، لكن عنادها ما زال متشبثًا بأطرافها، كأنها تخشى أن تعترف له بأن لديه حق، فتنهار أمام صلابته :
ـ أني مش هسيب شغلي كل شوية اكده، أني ببني مستقبلي، وببني مستقبل بنتي، وبكفي إني شايلة البيت كله لوحدي ومكفية بيتي ومسؤلياتي ومطالبتش منك أي مساعدة كزوج ، فـ بالله عليك ما تزايدش عليا في دوري كأم.
هزّ رأسه ببطء، وكأن كلمتها الأخيرة كانت مسمارًا دُقّ في نعش احتماله، اقترب أكثر حتى كاد صوته يُلامس جلدها، وقال بهدوءٍ مضغوط بالغضب:
ـ لااا يا هانم انتي مشايفاش حاجة من كتر الشغل ،مشايفاش إن بتنا بتضيع واحدة واحدة، ولا شايفة إنك هتستخدمي الشغل عشان تهربي من حياتك، مني، منها، من نفسك حتى، علشان تثبتي لنفسك حاجة كبيرة هتخسري قبالها حاجة أكبر ،
فمن السكات اكده تلبسي ويالا هنخرج دلوك من غير نقاش.
أحست فجأة أنها بين مطرقة كلماته وسندان ضميرها، شيئًا ما في عينيه جعلها تبتلع لسانها للحظات، لكن تمردها على الاستسلام ظل ينقر في قلبها بلا هوادة :
ـ "ماهر"... أرجوك بلاش الأسلوب دي معاي، أني مش طفلة، وأني حرة في وقتي، ودي حاجة بيني وبين بنتي، ما تدخلش نفسك في أسلوبي معاها، بلاش تفرض رأيك عليا بلاش تحسسني اني مموتاها معاي للدرجة دي .
ضحك ضحكة قصيرة مفرغة من أي دفء، ضحكة من يسمع كلمات لم تعد تدهشه، ثم أردف بصوتٍ حاسمٍ قطعي:
ـ "ماشي، سيبيكي مني ،سيبيكي من رأيي، بس بصي في عين بنتك، اسألي حالك لو فرحانة، لو حاسة بأمان، لو بتحس بحضنك أصلاً، انتي أمها يا "رحمة" يعني الأولى بكل تفاصيلها مش أي حد غيرها .
سكنت كلماتُه الهواء كصدى ثقيل، شعرت "رحمة" وكأن الأرض تميد تحتها، كأن جدارها الحديدي المُحصّن بدأ يتشقق، لم ترد، لم تنطق، فقط نظرت إلى شاشة اللابتوب، ثم إلى يده الممدودة نحوها، يد تأمر، تُصرّ، تُنازع عنادها برجولته التي لا تستأذن ،
ثم زفر "ماهر" زفرة طويلة كأنها تحمل كل خيبته وكل توقه، اقترب مجددًا، وضع يده على كتفها برفقٍ مفاجئ، وصوته أصبح أكثر هدوءًا وإن ظلت النيـ.ـران مشتعلة داخله :
ـ "أني مش عايز أخرج لوحدنا، أني عايزك معانا، عايز "فيروز" تضحك وتبص تلاقينا جنبها، مش تُبقى بتلعب تدور علينا، ولا تتعود على إننا هنحبها من بَعيد لبَعيد بزياداكي بعد عن بتنا يا "رحمة" .
رفعت نظرها إليه، ورغم الغضب المتراكم في صدرها، وجدت نفسها تُحدّق في عينين لا تزالان تُحبها رغم كل شيء، عينين تحملان وجعًا لم تلتفت له من قبل، شعرت بالارتباك، بالصراع، برغبة دفينة في التراجع لكن كبرياءها كان يصفق لها من الخلف رافضًا :
ـ طب هحاول اخلص بسرعة وهجهز علطول اديني حبة وقت بساط .
قاطعها فورًا، كأن أي تردد منها لم يعد مقبولًا:
ـ لااه، مش ممكن ،قومي دلوك، اني هستناكي عشر دقايق، لو ما نزلتيش خلالهم، هطلع لك تاني وأكرر الكلام ده، بس المرة الجاية مش هيبقى بنفس الهدوء يا "رحمة" اتقي شر الحليم إذا غضب .
ثم استدار مغادرًا الغرفة، وخلفه ترك سحبًا من التفكير تنهش عقلها، وظلالًا من الذنب تلاحق أنفاسها، وبين يديها لوحة مفاتيح باردة لم تعد تشعر نحوها سوى بنفور خافتٍ بدأ ينمو في صدرها ببطء، ثم جهزت حالها للخروج على مضض منها وجهزت ابنتها ولكن لم تنسى جهاز الحاسوب واصطحبته معها ،
وصلا إلى المكان المخصص للأطفال الذي قام "ماهر" بالحجز معهم مسبقاً وبعد جلوسهم مايقرب من نصف ساعة أتته مكالمة مهمة فابتعد عن المكان قليلاً كي يجيب المتصل نظراً للضوضاء الموجودة في المكان بسبب الأطفال ، وما إن قام من مكانه حتى استغلت "رحمة" قيامه وأخرجت الحاسوب من حقيبته وبدأت تراجع ملفها المهم بالنسبة لها فهي في استغلال الوقت لا يهمها شئ :
ـ من فضلكم يا جماعة فين مامت الطفلة "فيروز ماهر" ؟
انتظرت المشرفة الرد وهي تمسك بيدها الطفلة وكانت حالتها صعبة وهي تقف بنظرات مرتعبة بجانب المشرفة ولم يأتي الرد من أيٍّ من الأمهات حتى كررت المشرفة السؤال مرة أخرى ولكن بصوت أعلى وللأسف لم تجد رداً فأحست الطفلة بالحزن الذي غيم معالمها وهي ترى والدتها منشغلة بالعمل على الحاسوب ولم تعنيها أدنى اهتمام لتسألها العاملة بلطف وهي تتحسس وجنتها بحنو:
ـ قولي لي يا روزي فين مامي يا حبيبتي وانا اخدك وانزل لها ؟
مطت الطفلة شفتيها بأسى والخوف من ذاك السؤال جعل جسدها ارتعش لتجيبها بلسانٍ ثقيلٍ يتلجلج :
ـ مامي قالت لي لما اكون شغالة على اللاب توب مناديش عليها خالص لحد ما تخلِص شغل وبعدين تعمل لروزة اللي هي رايداه منيها ولو ناديت عليها ممكن تزعِق في روزا جامد .
انزعجت المشرفة بشدة من كلام الطفلة والذي إن دل فلا يدل إلا على أن والدة تلك الطفلة لا تهمها أمر ابنتها بالمرة لدرجة أنها مشغولة على الحاسوب ولم تكلف حالها ولو مرة واحدة الإطمئنان على ابنتها كمثل باقي الأمهات والدخول إليها في حجرات الألعاب للاطمئنان عليها ولا حتى سمعت نداها فقررت إحراجها أمام الجميع وخصوصاً أن الطفلة ترتعش بشدة وملامحها يبدو عليها الرعب بسبب تحذيرات والدتها لها ،
فتحركت خطوتين وبيدها الطفلة وجذبت مكبر الصوت ونادت مرة ثانية على أم الطفلة :
ـ طب يا جماعة الظاهر اكده ان صوتي مش واصل ليكم عاد هكرِر سؤالي مرة تانية فين والدة الطفلة "فيروز ماهر البنان" ؟
كان "ماهر" يقف إلى جوار منطقة ألعاب الأطفال، يحدّق في الفراغ وهو يُنهي مكالمة هاتفية طويلة، أمامه امتد الكافيه الهادئ حيث يجلس الآباء والأمهات يراقبون صغارهم أمام أعينهم وفجأة استمع إلى صوت مرتفع بالمناداة باسم ابنته عبر الميكروفون، فقطع صمته والتفت بخوف ونظر إلى زوجته ووجدها في عالم اخر وهي تضع سماعات الاذن واصابعها تتحرك على الحاسوب ويبدو انها لم تترك العمل حتى في نزهتهم مع ابنتهم فانصدم من ذاك المشهد حينما رأى رعب ابنته وهي تتمسك بيد العاملة ونظر إلى ملابسها وانصدم مما رآه فذهب إلى زوجته بانزعاج وغضب وصل عنان السماء والأرض ونزع السماعات من أذنها ثم أشار بعينيه إلى موقف ابنته وعينيه تنطلق شرار لها لتنظر هي الأخرى مكان نظرته فإذا بها تنصدم مما رأته فجرى مسرعا ناحية العامله وهو يأخذ ابنته بين أحضانه ويجيب العاملة:
ـ في حاجة حصلت يا فندم انا والد الطفلة "فيروز" معلش كنت بتكلم في التليفون ووالدتها كان معاها شغل مهم ؟
مطت العاملة شفتيها بامتعاض على ذاك السبب من الأب المستهتر والأم الغير مسؤولة بالمرة لتنطق بسخرية جعلته في موقف لا يحسد عليه بل يود أن تنشق الأرض وتبلعه :
ـ والله اللي اعرِفه حضرتك إن المفروض لما تكونوا خارجين مع بنتكم الوحيدة في نزهتها وفي وقت اجازتها انكم تركنوا موبايلاتكم على جنب وتهتموا بالبنت ،من الواضح يا فندم ان البنت بتخاف جدا من رعشة جسمها واني واقفة جنبيها ومن كتر خوفها ورعبها دي ما رضيتش تشاور على والدتها علشان خاطر محذِراها انها لما تكون بتِشتغل ما تناديش عليها واصل ، بنتك يا فندم بتعاني من حالة رهبة شديدة ، وكمان في حاجة جامدة مخوفاها لدرجة ان وهي بتلعب مع الأطفال عملت بوتي على نفسها .
انصدم "ماهر" مما استمع إليه وعلى الفور شدد من احتضان ابنته واعتذر للمشرفة:
ـ انا اسف جدا لحضرتك وللي حصل في المكان وبعتذر عن موقف بنتي وشكرا جدا على النصيحة الغالية داي .
تفهمت العاملة أسفه ولكن قبل ان ينطلق بابنته نصحته :
ـ أسف حضرتك مقبول لكن في نصيحة مهمة جداً عايزه اقولها لحضرتك ؛حاول تشبع بنتك انت ومامتها من حبكم وحنانكم لانها من الواضح ان عنديها فوبيا رهيبة من ناحية حاجات كَـتير ودي اللي خلاها تعمل البوتي على نفسها ،ولازم تعرضها على دكتور نفساني ولازم والدتها تشترك معاك في المشكلة داي لأن البنت عندها أربع سنين يعني في سن ما ينفعش تعمل اللي حصل دي، الأطفال في السن دي محتاجين رعاية وحنان أكتر ما محتاجين أوامر وشخط ونطر .
وقف "ماهر" في موقف بشع لم يكن ان يتخيل ان يوضع به يوما وهو يحتضن ابنته الصغيرة، يشعر بثقل الذنب يعصف بصدره، وعيناه لا تقويان على النظر إليها ،كانت والدتها ما زالت منشغلة كعادتها حينما رن هاتفها وانشغلت به بل واعتمدت كالمعتاد على زوجها في حل أي مشكلة وكأن شيئا عادياً حدث، تتابع هاتفها ببرود بينما الطفلة المسكينة لم تجد من يلاحظ حاجتها، فبللت ملابسها أمام الجميع وهو يخجل من كلمات العاملة اللاذعة والتي هزّت كيانه، كلمات لم تحتمل المجاملة ولا التخفيف، شعر حينها أنه عجز كأب، وأنه ترك صغيرته وحدها في لحظة احتياج، فظل واقفًا مكانه، مكسور النظرة، لا يملك إلا الصمت والخجل ولكن حرك رأسه باهتمام أمام المشرفة بابتسامة باهتة وأخذ ابنته في أحضانه وهو يقبل رأسها وجبينها بحنو وذهب إلى زوجته وكانت نظراته كالسِّهام الملتهبة، تخترق الهواء وتستقر في الصدر كأنها نيران لا تُطفأ، فــاشتعلت عيناه بوهج الغضب، كبرقٍ صامت يسبق العاصفة،
اشتعل غضب "ماهر" في صدره كنـ.ـارٍ لا تُبقي ولا تذر، يتطاير شررها في كل الاتجاهات وهو يرمق زوجته بنظراتٍ لا تعرف الرحمة، ثم أمسك بذراعها بقوة رجولته المشتعلة وثباته الجارح، يسحبها خلفه دون أن يسمح لها بالاعتراض، فخطواته كانت كخطى العاصفة لا تلتفت ولا تهدأ وهو يهمس بشرار بجانب أذنها :
ـ انجزي ولمي حاجتك وتعالي معاي على العربية وانتي ساكتة بدون ما تفتحي بقك بنص كلمة حتى .
لملمت أشيائها سريعاً بقلب ينفض رعباً ، ثم تابعت خطواته المرتجفة من الغضب، بينما يداه تحتضن جسد "فيروز" التي غرقت في نومٍ بريء على كتفه، وحين اقترب من السيارة، فتح الباب الخلفي برفقٍ نادرٍ لم يمنحه إلا لابنته، ثم أنزلها بحنوٍ بالغ ووضعها على المقعد، وأغلق الباب برقة لم يُظهرها لأي أحد من قبل ، ثم نظر إلى "رحمة" آمرا إياها بهدوء ما قبل العاصفة:
ـ اركــــبي يا هانم .
ثم دار حول السيارة، وفتح الباب الآخر بعنفٍ يشبه غضبه المتصاعد، وقاد "رحمة" للجلوس مكانها، وما إن أُغلِق الباب خلفه حتى ساد صمت ثقيل مُحمّل بعاصفة لا هواء فيها، فأخرج اللاب توب من الحقيبة ورماه على المقعد الأمامي بعـ.ـنف:
ـ دي الشغل اللي شاغلك عن بنتك ط دا اللي خلّى بنتنا تعمل حمام على نفسها قدّام الناس وحضرتك كنتي مفضياش ليها ولا انك تقومي تطمَني عليها وكل اللي في دماغك العميلة والزفت؟!
تجمدت "رحمة" في مكانها، فذهولها شلّ قدرتها على النطق، ولم تتحرك حتى رأته يرفع اللاب توب عاليًا ويضربه في مقعد القيادة بكل ما أوتي من غضب، صوت تحطمه كان كصوت تحطيم شيء أعمق بكثير، شيء بداخلها مما جعلها شهقت من كسره لحاسوبها بذاك العـ.ـنف والغضب وهو يكمل بنبرة غاضبة بشدة :
ـ دي بنتك! بنتك يا هانم ، اهم من شغل يخلص ولا قضية تتقفل ، اني زهقت منك ومن الكلام معاكِ ، وصلت بيكي الدرجة تهملي فيها بالشكل دي وتخلي دماغها تخزن موقف مخزي ليها زي دي وتكره حالها لما تكبر وتفتكره ؟
لم تستطع أن تتحكم في أنفاسها، قلبها يرتجف وهي ترى عملها يتحطم أمام عينيها، ولكنها عجزت عن الدفاع، لم تجد الكلمات التي تشفع لها ، واكمل نهره لها بأمر لا يقبل النقاش:
ـ اعملي حسابك يا "رحمة" ويمين بالله وقسم هتحاسب عليه قدام ربنا مفيش حاجة اسمها شغل بعد المكتب تاني!
فهمتي؟! كل يوم هسألك.. انتي اللي اهتميتي بالبنت؟ انتي، مش غيرك يعني مش حد تاني ويمين بالله كمان مرة لو اكتشفت ان اي حاجة تخص البنت "أم محمد" هي اللي عِملتها ليها لا هيكون رد فعلي مش مبشر بالخير ابدا وهوريكي وش متمناش تشوفيه مني واصل .
صوته كان كالقصف، يحملها مسؤولية كاملة دون أن يمنحها فرصة الهرب أو الإنكار، نظراته اخترقتها كالسكاكين، تذكرها بخطيئتها التي لا تُغتفر ، فتمتمت برعب من صوته وهيئته الغاضبة :
ـ بس اني ....
حاولت أن ترد، أن تجد ثغرة تبرر بها تقصيرها، لكن صوته قطع عليها الطريق :
ـ مفيش بس! دي قرار مش نقاش، وحطيه في دماغك كويس، انا مش هسمح لبنتي تتحرم من أمها علشان شوية ايميلات وتقارير ، يولـ.ـع المكتب بتاعك على العملا بتوعك على الكل كليلة إلا بنتي يا "رحمة" "فيروز" خط احمر .
اشتد ارتجافها وهي ترى حزم ملامحه، الصرامة التي لا رجوع فيها، فأدركت أن لا مهرب من حكمه الصارم فأجابته بطاعة ودهاء كي تحتوي الموقف وتمتص غضبه وهي تومئ بعينيها للأسفل :
ـ حاضر هحاول يا "ماهر" حاضر ، وأني اسفة بجد على تقصيري واللي حوصل مني وأوعدك إنه مهيتكررش تاني .
خرجت كلماتها خافتة مكسورة، وكأنها تعترف بهزيمتها، لكنها في قرارة نفسها شعرت كأنها تسلم على مستقبلها المهني، شعرت أن كل تعبها يذوب في الهواء بلا قيمة، ولكن أمام غضب "ماهر"، أمام وجع "فيروز"، لم تجد القوة للوقوف ضده فلتأخذ هدنة لبعض الوقت كي تستعيد جأشها في مواجهة عاصفة "ماهر البنان" :
ـ تمام بس خلي بالك المحاولة دي تكون حقيقية، مش كلمة تتقال وخلاص.
أنهى حديثه بنبرة منخفضة ولكنها أكثر قسوة من الصراخ، ثم استند إلى مقعده، مطبقًا عينيه بإرهاقٍ جسديٍّ وعقليٍّ لا يُوصف، بينما السيارة تسير بصمت ثقيل نحو وجهةٍ لا يعرفانها، محملان بوجع طفلة ونقمة أب وندم أم.
*********
كانت الشمس تغرب ببطء، ترسم ظلالًا طويلة على أرضية الغرفة الهادئة، وكأن الزمان نفسه توقف احترامًا للصمت الثقيل الذي خيَّم بين جدران البيت، مر يومان وهي لا تخرج من البيت، ولا تكاد تنطق، تجلس في ركن بعيد، تحتضن ابنتها بين ذراعيها، بينما تجلس مشاعرها المنكسرة على أنقاض قلبها،
كل ما حولها يذكِّرها بـ"فارس"، صوته، خطواته، حتى رائحته التي كانت تملأ المكان لم تعد تشعر بها كما كانت، بل أصبحت رائحة باهتة، معلقة في هواءٍ خانق. لم تكن "فريدة" تبكي، بل كانت تنظر إلى اللاشيء، وكأن روحها فُرغت من داخلها، تُعيد شريط الكلمات التي سمعتها صدفة، والاسم الذي نُطق على لسانه لم يكن اسمها ،
اقترب منها "فارس" بحذر، وكأن بينهما هاوية لا تُرى ،كانت عينيه زائغتين، وجهه شاحبًا، ويداه متوترتان كأنه يحمل ذنبه فوق كتفيه، جلس أمامها على الأرض، وراح يتكلم بصوت خافت، مُتقطع، كمن يتعثر في الكلام من ثقل ما فيه:
"فريدة" أنا عارف إني جرحتك وكلامي ليها وجّعك بس والله العظيم ما كنت أقصد، أقسم بالله كانت غلطة، غلطة كبيرة وندمان عليها من قلبي .
لم ترد، فقط شدّت ابنتها إلى صدرها أكثر، كأنها تتخذ منها درعًا يحميها منه، منه هو، الذي كان يومًا وطنها:
ـ بصي لي بس، بصي في عيني وشوفي الندم اللي مالي قلبي، أنا من يوم ما سمعت صوتك وانتي سامعة المكالمة وأنا قلبي بيتقطع وبقول لنفسي، إزاي قدرت أوجعك كدة، إزاي؟
لم ترفع عينيها إليه، لكنها سمعته، بل وسمعته بقلبها، بكل نبضة جرحها ،
تقدم على ركبتيه أكثر، حتى صار قريبًا منها، كأن اقترابه قد يمنحه فرصة للغفران، وراح صوته يخفت أكثر، ويهتز كأن كل كلمة تخرج من فمه تُنزف من داخله وهو يكمل اعتذاره وندمه:
ـ أنا مش هكدب عليكي، أنا غلطت، وكان ضعف مني، وكان شيطان، وكان وقتها عقلي مش معايا، بس ده عمره ما كان معناه إني مبقتش بحبك، لأ، أنا بحبك، وبموت فيكي، وانتي مراتي وحبيبتي وأم بنتي وأصلاً عمري ما حبيت في الدنيا غيرك سامحيني على اللي انت سمعتيه ارجوكي اديني فرصة تانية .
رفعت رأسها ببطء، لأول مرة منذ يومين، ونظرت له نظرة تحمل مزيجًا قاتلًا من الألم والخذلان، فاختنق صوته وهو يرى انعكاس خيبته في عينيها :
ـ يعني عشان بتحبني، تروح تكلم واحدة تانية؟ عشان بتحبني، تقول لها الكلام اللي سمعته في لحظة ضعف؟! دي مش نزوة يا "فارس"، دي خيانة، خيانة تجرح ست حتى لو بتحبك ، انت خاين يا "فارس" خنت حبي وقلبي وثقتي فيك .
انحنى أكثر حتى وضع جبينه على قدميها، وقبّل يدها وهي تحاول سحبها، لكنه تمسك بها كالغريق :
"حقك عليا، والله العظيم حقك عليا، أنا مستاهلش نقطة دمعة نزلت من عينك، بس سامحيني، أنا كنت تايه، بس رجعت لك، رجعت لك ندمان وكلي خجل من نفسي، خدي مني التليفون، اكسريه، اعملي اللي يريحك، بس متبعديش عني، متسيبينيش.
انسابت دموعها في صمت، لا تعرف إن كانت تبكيه أم تبكي نفسها، فقد كان حبه نقطة ضعفها الكبرى، وكان جرحه ضربة قاتلة لكرامتها وقد قررت اللعب معه بنفس طريقته لتطمئنه بما سيريحه حتى تستطيع كشف الحقيقة:
ـ أني مش هسيب البيت يا "فارس" مش علشانك، علشان بنتنا، بس أني محتاجة وقت، محتاجة أداوي جرحي، أداوي قلبي اللي انكسر، محتاجة تبعد عني، متطلبش مني أي حاجة، لا كلمة، ولا حضن، ولا حتى نظرة، لحد ما قلبي وعقلي ينسوا اللي سمعوه وحسو بيه من وجع منك .
رفع رأسه لينظر إليها، بعينين دامعتين، مكسورتين، ثم قال بصوت أشبه بالبكاء:
ـ طب عايز أحضنك ، حضن واحد بس، علشان أقدر أعيش باللي فاضلي من العمر، حضن أعيش بيه لو قررتي تبعدي، علشان أقدر أصدق إنك لسه هنا ، عايز اشم ريحتك بس قبل ما تحرميني من اغلى حاجة في الدنيا ، ارجوكِ يا "فريدة" ارجوكِ.
لم تستطع أن ترفض، فمدت ذراعيها، فاحتضنها كمن وجد روحه بعد التيه، التصق بها بقوة، وراح يشم في شعرها، ويقبل عنقها وجبينها، كأنها آخر نسمة حياة له، كانت مشاعرها تتزلزل من احتضانه، من حرارة دموعه التي تبلل رقبتها، لكنها تمالكت نفسها، ودفعت جسده برفق بعيدًا عنها :
ـ كفاية يا "فارس" كفاية، متخلينيش أضعف، سيبني أداوي جرحي، محتاجة أصدق إني مهمة عنديك، مش مجرد لحظة ندم وهتعدي .
ابتعدت عنه، وذهبت إلى غرفة ابنتها، أغلقت الباب عليها، واحتضنت الصغيرة كأنها تختبئ بها من كل هذا الألم، أما هو، فبقي مكانه على الأرض، يحتضن ذاته، ويبكي كطفل فُطم عن أمه، وكل ما في الكون خذل ،.
لم ينم، لم يأكل، لم يشرب، فقط ظل ساكنًا، ينتظر من خلف الباب بصيص رجاء، ربما في الغد، ربما في بعد غد، ربما يومًا ما تعود له، بقلب سليم،
أما "فريدة"، فنامت على وسادة مشبعة بالدموع، تقبّل جبين طفلتها، وتهمس لنفسها:
ـ لازم اعرِف ايه اللي وراك يا "فارس" ،لازم اعرِف مين دي اللي انت هتخوني معاها ؟
لازم ادفعك تمن اللي انا سمعته غالي ، تكن خيانتك ليا ، لازم يا "فارس" .
********
"جاء الليل بالعطر والحب والنبأ العظيم"
كان الليل هادئًا كعادته، يتلحف سوادًا شفيفًا وتنسدل على أكتافه نسمات ناعمة، تحمل شيئًا من رائحة الياسمين المنداة عند نافذتها، لم يكن في السماء قمرٌ، ولكنّ النور المنبعث من عينيها حين فتحت له الباب كان كافيًا ليستدل القلب على طريقه،
دخل "جاسر" بخطاه الهادئة كأنّه يخشى أن يوقظ دفء المكان، كان يحمل في عينيه تعب النهار، ولكن حين التقت عيناه بعيني "مها"، نسيت قدماه كل الطرق التي مشتها، كأنّه عاد إلى وطنه، فـقالت وهي تبتسم له وتمد يدها لتأخذ حقيبته:
– مالك يا حبيبي شكلك هيحكي حكاوي من التعب ؟
شكلك مرهق قوي بس وشك هيحكي لي حواديت من غير ما تنطُق ،
فاقتربت منه واحتضنت وجنته بهيام اعتادت عليه وبالتحديد عند عودته من عمله مجهد :
ـ بحس إني شايفاك قبل ما تيجي، وسامعاك قبل ما تتكلم ، بحس ان صوت مفتاح الباب وانت هترجع البيت كأن صوت الأمان ضـ.ـرب قلبي وفتح بيبانه للراحة والسكينة .
اقترب منها ببطء، كأنّه يعيد اكتشاف ملامحها من جديد، وفي عينيه نظرة من يعرف أنّ هذا المكان هو ملاذه، وأنّ كل الطرق مهما طالت لا تقوده إلّا إليها ،
وقال بصوته العميق، وهو يلمس خدها بأنامله كمن يتحسس وردة تخشى الذبول:
– إنتي اللي هتنسينب التعب يا "ام الزين" بشوفتك ، الطلة في وشك تفتح الف باب وباب للراحة ، أني بقالي يومين غايب عن البيت وكانهم سنة ومستني اللحظة دي ، مستني أشوفك، أقعد معاكي، ألمس إيديكي، وأقول لك إني مهشفش راحة ولا أمان غير وإنتِ جاري.
سحبت يده برقة وجلست على الكنبة، وأشارت له أن يجلس جوارها، كان في عينيها شوق من نوع آخر، مزيج من حنان الأم وانتظار العاشقة، وكانت الأغنية التي تنساب من المذياع خلفها تزيد اللحظة طربًا وعمقًا:
"الليل وسماه ونجومه وسهره ، سهره وقمره وانت وانا ياحبيبي انا "،
وحينما جلس، لم تقل شيئًا، فقط نظرت إليه طويلًا، كأنّها تحتفظ بالكلمات لآخر اللحظة، ثم تنهدت، ووضعت يدها على بطنها برقة خافتة لا يلاحظها إلا من يعرف تفاصيل جسدها كما يعرف حروف اسمه ،
ثم تحدثت بنبرة خفيفة كأنّها تخشى أن يفضحها قلبها قبل لسانها:
– عايزاك تهدى، تاخد نَفَس، وتحاول تفتكر إحساسك أول مرة قلت لي "أم الزين" لسه فاكر اللحظة دي؟
رفع حاجبيه بدهشة خفيفة، اقترب منها أكثر، وترك يده على يدها، وابتسم وهو يهمس:
– فاكرها؟ دي أني حافظها! إنتي لما دخلتي حياتي وأني اللي سميتك اكده، عشان من يومها وأني حاسس إني على باب نعمة ربنا ليه بتسألي دلوقتي؟
رفعت رأسها إليه، نظرت في عينيه طويلًا، ثم أنزلت عينيها بخجل رقيق لا يليق إلا بها، وضغطت على كفه بخفة، ثم هو
أخبرته:
– عشان... أمممم.. يمكن تبتدي تسميي اسم تاني، يمكن قريب قوي تبقى "أبو الزين" .
لم يفهم للوهلة الأولى، ولكنه حين نظر إلى بطنها مجددًا، وفهم ما تحاول قوله، ارتعش داخله شيء، كأنّ الزمن توقف على باب قلبه وطرق بلطف ،
لينطق مذهولًا، وهو يمد يديه إلى وجهها ليضمّه إليه برفق:
– مها؟ اوعي تقولي إنك حامل؟
حامل تاني، ده بجد؟ ولا حلم من أحلامي اللي هخاف أصحى منها؟
أومأت برأسها وهي تبتسم، ثم وضعت يدها فوق يده الملامسة لبطنها، وقالت بشيء من المزاح والحياء معًا:
– أيوه يا سي "جاسر"حامل و قلبي هيدلني إنها بنت كمان، وقلبي هيقولي إنها شبهك، وهتوبقى هادية ودمها خفيف زيك وأخت لـ"زينة" .
كان صوته يرتجف، وعينيه تلمعان كمن أبصر للتوّ معجزة، أمسك بوجهها بين كفيه وطبع على جبينها قبلة طويلة كأنّه يشكرها عن كل لحظة أمان منحته إياها، ثم قال، وصوته يغلب عليه التأثر:
– والله العظيم إنتي رزق يا "مها"
كل مرة بتفاجئيني بحب جديد ودلوك ببنوتة جاية من السما، بهدوءك، بنورك اللي بيغمر حياتي يا "أم الزين" أم البنوتة اللي لسه ما جتش ، ياه كرم ربنا واسع عليا قوي إنه رزقني اجمل ست في الدنيا ، كفاية ريحتك الحلوة اللي هتسبقك في كل مكان ، قلبك الجميل اللي هيساعي قلوبنا كلاتنا وهيملاها حب واحتواء ومخلية بيتنا جنة وهتراعي بتنا وهتراعي أبوها كيف ما يكون ولدك مش بس جوزك ،
ثم احتضن وجنتيها بين كفاي يديه بتملك وحنان وجذبها وقبل جبينها بحب جارف ظهر بيِّنا من عينيه :
ـ أنتِ نعمة ربنا ليا ولحياتي ولعمري ربنا يخليكي لي يا "أم الزين" .
أغمضت عينيها للحظة، ومالت برأسها على كتفه، كأنّها وجدت لحظة سكينة مكتملة، وكانت أم كلثوم تُغني خلفها من مذياع صغير في ركن الصالة:
" و الهوا اه منه الهوا ،سهران الهوا يسقينا الهنا و يقول بالهنا ،يا حبيبى ،يللا نعيش فى عيون الليل ،و نقول للشمس تعالى تعالى ..تعالى تعالى ،بعد سنه مش قبل سنه
دى ليله حب حلوه.. بالف ليله و ليله
الف ليله و ليله ..الف ليله و ليله ،بكل العمر
وهو العمر ايه غير ليله زى الليله،
زى الليله... الليله ..زى الليله '
ثم قالت بصوتها الناعم وهي تتحسس كتفه:
– أني اللي محظوظة، عشان ربنا بعت لي راجل زيك، هيحضن وجعي قبل فرحتي، وهيصدق أحلامي حتى قبل ما أحلمها ، راجل انتشل قلبي من الضلام وسكني الأمان ، أني مش بس أم الزين ، لااه ؛أني كمان أم قلبك، وأم حنيتك، وأم حياتك لو حبيت.
نهض ببطء، كأنّ الحب أثقله وأحنَاه، وسحب يدها ليجعلها تنهض معه، ثم حملها بين ذراعيه كما فعل ليلة زفافهما، وهمس لها:
– طب هقول لك ايه يلا بينا، نمّسي على البنوتة، ونقول لها إن بابا هيحبها من قبل ما تاجي الدنيا وإن ماما أجمل ست في الدنيا.
ضحكت، ودفنت وجهها في عنقه وهي تهمس بخجل :
– بس بالراحة علي علشان اني مش قد أمسياتك يا روحي .
ضحك، وضحك قلبه، وضحك الليل من حولهم، وفي الركن تواصل أم كلثوم غناءها، كأنّها تؤرخ لهذا العشق،
"يا حبيبي الليل وسماه ونجومه وقمره
قمره وسهره وإنت وأنايا حبيبي أنا يا حياتي أنا ،كلنا في الحب سوا،والهوى آه منه الهوى
سهران الهوى يسقينا الهنا ويقول بالهنا "
*************
غابت الشمس عن المزرعة، تاركة ظلالًا طويلة تمتد بين الأشجار والبيوت الصغيرة، بينما كان الهواء يحمل معه رائحة التراب المبلل ونسمات المساء التي تلامس الوجوه برفق، في تلك الساعة التي تسبق العشاء، تعالت أصوات الأطفال الثلاثة "سيف"، و"سليم"، و"سكن"، من ساحة اللعب الخلفية، يتشاجرون بصخب لم تألفه تلك الأرض الهادئة.
كان "عمران" قد أنهى للتو جولة سريعة لتفقد أحوال العمل في المزرعة، وعاد إلى المنزل بثيابه الملطخة بتراب الحقول، يجرّ تعب النهار معه، ولكنه كعادته، لم يتردد في التوجّه إلى مصدر الضجيج حين سمع صراخ "سليم" المتهدّج بالبكاء ،ثم اقترب بخطوات متسارعة، وقلبه يشتعل قلقًا ،
رآهم هناك، واقفين كأطياف صغيرة في ضوء الغروب، وكلٌّ منهم يحمل في عينيه مزيجًا من الغضب والدموع، كانت "سُكن" تمسك بكتاب ممزق، فيما "سيف" يقف بعيدًا بذراعيه المشبوكتين، و"سليم" يضـ.ـرب الأرض بكعب قدمه وهو يصرخ في وجه أخته ،
تقدّم "عمران" بخطًى ثابتة، وأشار إليهم أن يهدؤوا، فعمّ الصمت برهة، لكنها لم تدم طويلًا،قال بنبرة تجمع بين الحزم والتفهّم:
ـ "إيه اللي حوصل ياولاد؟ وليه في كتاب متقطع اكده ؟ وليه أخوك بيعيط اكده وهو هيبص لك يا "سكن"؟"
رفعت الصغيرة عينيها إليه، وبدت الحيرة في ملامحها، لكنها لم تُجب فتكلم "سيف" قائلًا بتوتر وهو يحكي ببراءة ما فعلته الصغيرة بهم :
ـ هي اللي قطعت الكتاب بتاع "سليم"، علشان ما عجبهاش الرسم اللي فيه وهتقول له رسمتك عفشة يا "سَليم" .
اتسعت عينا "عمران" دهشة، ثم التفت نحو "سكن" مجددًا، وقد هدأ صوته قليلًا:
ـ لاااه معقولة"سكن" البنتة الأمورة تعمل اكده في رسمة خوها ؟
ردي يا "سكن" إنتي اللي قطعتي كتاب أخوكي؟ وليه تعملي اكده؟
هنا جاءت "سكون"، مسرعة من المطبخ بعدما سمعت صوته، وهي تمسح يديها بمنشفة المطبخ، ووجهها مشدود بالغضب والتعب عندما سمعته يوبخ وحيدتها على شقيقين ،
ثم قالت بصوت متوتر وهي تقترب منهم وسحبت الطفلة بين أحضانها وكأنها خائفة عليها من ملام أبيها فجعلت طريقتها تلك تنقل الخوف إلى ابنتها مما أزعج "عمران" على حركتها تلك :
ـ لاااه اني سمعت جزء من اللي حوصل، واللي حوصل غير اكده يا "عمران"، "سَليم" هو اللي استفز "سكن" وقال لها إنها مش بتعرف ترسم زيّنا، فغضبت وقطّعت له الكتاب بسبب استفزازه ليها ، وعادي يعني ياما بيوحصل بين الخوات.
رمقها "عمران" بنظرة طويلة، ثم رد بصوت هادئ، لكنه صارم:
ـ بغض النظر عن السبب، إحنا مش بنعاقب بعض بقطع حاجات بعض، دي مش تربية إحنا علمناها لهم، لازمن نفهمهم إن في حدود والبنت غلطت وتصرفها بالشكل دي مع أخوها يعتبر تصرف عدواني ولو سكتنا عليه وادنالها أسباب العدوانية حداها هتزيد ،
ثم مد يده كي يسحب الطفلة برفق ويفهمها خطأها بحنو فاحتضنت الطفلة وكأنها تخبئها من بطش ابيها وقد قرأت مشاعره تجاه ابنته وفسرتها خطأ :
ـ تعالي يا "سكن" أفهمك الصوح يا بتي .
رفعت "سكون" حاجبيها بدهشة مغلّفة بالغضب، وقالت وهي تضع يديها على ابنتها بتملك وهي تبعدها عن يداي أبيها :
ـ يعني انت شايف إن الحل دلوك إننا نوبّخها قدّامهم ؟
تقدم خطوة نحوهم، وأشار للأطفال الثلاثة أن يدخلوا البيت، ثم نظر إلى "سكون" مباشرة بعينين لا تخفي فيهما القلق العميق ،ثم قال بنبرة حاسمة:
ـ "مش موضوع توبيخ عاد، موضوع إن فيه سلوك غلط لازم يتصلّح، وإحنا اللي لازمن نكون واضحين فيه قدامهم ، وبعدين شايفك ماسكة البت بين يدك كاني عفريت هيلبسها ولا غول هياكلها اني بوها كيف ما انتي امها يعني هخاف عليها وهحبها زيك .
تنفست "سكون" ببطء، تحاول أن تبتلع الغضب الذي بدأ يتجمّع في صدرها كعاصفة صغيرة من اتهاماته التي لا تنفض عنها دوماً:
ثم هتفت بصوت مخـ.ـنوق:
ـ أني قاعدة معاهم طول اليوم، ودي مش أول خلاف بيناتهم بس أني بحاول أعلّمهم يعبّروا عن نفسهم من غير ما يحسّوا إن كل حاجة لازم تتاخد بحدّة .
ردّ بسرعة وقد بدأ صوته يفقد هدوءه شيئًا فشيئًا:
ـ يعني اللي حوصل من وجهة نظرك مش محتاج تدخل مني لما اتحكى لي وسمعته ؟
يا "سكون"، دي بتنا قطّعت كتاب أخوها، إزاي نعدّي دي وكانه عادي ومنعرِفهاش غلطها ؟
اقتربت منه بخطوة، ثم قالت وقد علت نبرتها قليلًا فعند أبنائها تفقد أعصابها والصح والخطأ عندها سواسية :
ـ ما هو إنت شايف كل حاجة لازم نوقف عندها ونحلها بطريقتك، حتى لو كانت بسيطة! وأني اللي عايشة معاهم وأعرف طبيعتهم أكتر منك فبالتالي شايفة إن اللي حوصل عادي جدا الأولاد ياما بيعملوا في بعضهم دي قاضي ذات نفسه العيال اشتكى حاله .
سكت "عمران" للحظة، ثم أشار نحو البيت قائلًا:
ـ طب أني كنت هقعد وياهم كل واحد على حدة وأسمع منهم، وأشوف إزاي أقدر أوصل لهم إن الغلط له عواقب وانتي اكده بطريقة التملك للعيال مش مدياني فرصة اني اشاركك معاهم وهتوقفي لي زي اللقمة في الزور يا "سكون" .
أجابته بما تراه صحيحاً من وجهة نظرها:
ـ "وهترجعهم يحسّوا إنهم في محكمة مش بيتهم؟!
أني مش ضد التوجيه، بس مش بالشكل دي يا "عمران" نظرتك للبنت رعبتني اني شخصياً .
قال بحدّة مفاجئة لبرهنتها للموقف بأسباب واهية :
ـ "أني مش محامي اهنه أني أبوهم، ولو كل مرة هنعدّي الغلط علشان ما نزعلش حد، يبقى بنربّيهم على الهروب مش على المسؤولية.
رمقته بنظرة طويلة، تائهة بين التعب والحزن والحيرة ثم قالت بهدوء شديد، لكنه موجع:
ـ طب إيه رأيك إنت ترتاح وتريح راسك من وجع العيال دي ومليكش صالح بمشاكل الأولاد تاني، سيبها علي ،أني اللي قاعدة معاهم ٢٤ ساعة وأني اللي هحلّها بطريقتي.
وقف "عمران" للحظات دون أن ينبس ببنت شفة، ثم رمقها بنظرة مطوّلة، نظرة اختلط فيها الألم بالذهول، كانت كلمتها الأخيرة كالسهم الذي أصاب قلبه، لا لأنها أهانته، بل لأنها فصلته عن أقرب من يحب وهي تقرر أن تنحيه من دوره كأب ، ثم توجه ناحية الباب وأغلقه جيداً وقد فاض الكيل به من كلامها وأفعالها وتصرفاتها معه وهو يهدر بها :
ـ طريقتك كيف دي؟!
اني بقى اللي خلاص زهقت من عيشتنا دي زهقت مني تصرفاتك وياي وتطنيشك ليا ولمشاعري، من إنك عايزه تخليني أتنحى عن مسؤوليتي كأب وبتطلبي مني بكل بجاحة ما دخلش نفسي في حوارات الأولاد شكل ما ي
اكون جوز امهم مش ابوهم،
انفـ.ـجرت الكلمات من بين شفتي "عمران" كبركان راكد أيقظه الغضب دفعة واحدة كانت ملامحه حادة والخذلان يسكن عينيه وصوته يشق صمت المكان بنبرة ممتلئة بالعجز والوجع كان قلبه يصرخ قبل لسانه متسائلًا عن مكانه في هذه الحياة التي بات فيها غريبًا في بيته وغريبًا في حضن زوجته التي طالما أحبها حد الانكسار :
ـ فوقي يا "سكون" طريقتك دي هتخسرك كَتير قوي وياي، بقى لي خمس سنين صابر عليكِ وعلى تجاهلك ليا وهقول انت ام لتلت عيال ومسحولة وياهم وهلتمس لك بدل العذر مليون لدرجة اني نسيت إنى راجل متجوَز ومعاي ست ، ما تراهنيش على صبري اكتر من اكده، يعني يا نعيش عيشة طبيعية زينا زي اي اتنين متجوزين وعندهم أولاد دي هيبقى ليا تصرف تاني معاكي .
لم تستطع "سكون" أن ترد سريعًا فقد كانت كلماته كالسياط تنهال على روحها التي استنزفتها المسؤوليات وإن حاولت أن تتماسك لم تستطع أن تخفي ما اعتراها من الذهول كأنها تسمع لائحة اتهام لا تعرف متى ارتكبت ما فيها لكنها تعلم في أعماقها أن كل حرف من تلك الكلمات له أصل ووجع دفين:
ـ بقى اكده هتعلي صوتك علي يا "عمران" وتقول لي الكلام الجارح دي! للدرجة دي هانت عليك "سكون" ؟!
طول عمرك وياي شهم وراجل وهتتحمَل الصعاب واني عارفة إن حياتنا بشكلها العام دي مش طبيعية لكن الأولاد يكبروا شوية وهتلاقيني وياك ومعاك كيف ما كنت،
واديك شفت ليلة واحدة بتها في حضنك بنتي دراعها كان هينكسر وكانت ممكن لا قدر الله تموت فيها وكان وقتها انا ممكن يجرى لي حاجة .
كان "عمران" يقف أمامها بعينين ملتهبتين لا يطفئ نارهما إلا رحمة منها أو احتضان يعيد إليه شيئًا من رجولته التي أنكرها غيابها المتكرر كان ينظر إليها وكأنه يتوسل إليها أن تراه أن تتذكر أنه لا يزال هناك وأن قلبه لا يزال ينبض بحبها الذي لم يفتر يومًا رغم كل الغياب:
ـ وانتِ مفكرة حالك انك لما تنامي جارهم هتمنعي عنهم قدرهم؟
فاهمه انتِ غلط يا داكتورة يا اللي انتِ نسيتي إنك داكتورة واصل ، يا اللي نسيتي كلام ربنا في كتابه العزيز
" أينما تكونو يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة" ،
ما تفكِريش ان نومك جارهم هيحميهم من قدر ربنا مهما عِملتي .
أرادت "سكون" أن تحتج أن تدافع عن نفسها أن تقول إنها لم تكن تقصده وإن ما يشغله لم يغادر قلبها يومًا لكنها وجدت نفسها أمام رجل أنهكه الانتظار وامتص منه الصبر ما يكفي ليكسر الجبال لم تكن تجهل أنه يحبها لكنها نسيت أنه يحتاجها كما يحتاجها الأطفال الذين تحتضنهم كل ليلة:
ـ انت عارف كيف أني متعلقة بيهم ومتعلقة بوجودهم في حضني كل ليلة والتانية، اديني فرصة يا "عمران" ووقت اشبع منيهم ، اني اتحرمت من ريحتهم سنين وسنين وكنت هتمنى ضفر عيل منيهم واني عارفة انك هتحبني وقلبك كَبير وهتتحمل "سكونك" يا "عمراني" وهتصبر علي .
تابع "عمران" كلماته وهو يقترب أكثر بعينين تلتمع فيهما الحسرات وقد تكسرت داخله كل محاولات التماسك كان يتكلم كمن يلفظ ما في صدره من احتقان سنين طويلة صبر فيها على الوحدة والخذلان وهو لا يطلب إلا حياة كريمة فيها زوجة ترعاه كما يرعاها لا حياة يكون فيها مجرد ظل لرجل:
ـ "عمرانك" ! أيوة ! طب شوفي بقى "عمران" صبر عليكي صبر يهد جبال ،
بقى عايزاني اصبر اكتر من اكده ؟!
قربت على الخمس سنين هسـ.ـرقك فيهم لحضني كل وقت والتاني وانتي هتحسسيني بأنك هتمني علي بالوقت اللي هتديهلي في حضنك ؟
كانت "سكون" تصغي إليه بقلب ممزق وروح ترتجف من التأنيب كان وجعه يعري تقصيرها ويضعها أمام نفسها دون مهرب فهي التي كانت ترى كل شيء إلا حزن "عمران" كانت تفكر في الأولاد في آلامهم في مستقبلهم لكنها أغفلت أن أباهم يتألم أيضًا وأنه يقف وحيدًا في معركته مع الوحدة، وما إن أكمل "عمران" حديثه حتى ساد الصمت بينهما لكنها لم تكن لحظة راحة بل كانت لحظة مواجهة بين قلبين أحدهما أرهقه الاشتياق حتى ذاب في صمته والآخر يحاول أن يجد مخرجًا من دوامة الأمومة التي التهمت فيه كل شيء حتى ملامح الأنوثة وحتى ذكرى العشق الذي كان:
ـ غصب عني يا "عمران" ، والله العظيم غصب عني احساس الأمومة هيسيطر علي ، هينسيني كل حاجة في الدنيا وحتى اسمي وشكلي ونفسي ، احساس مقدراش اسيطر عليه ومش بيدي والله ما بيدي .
حينها رفع "عمران" صوته كان الأمر أكبر من مجرد غضب فقد كان كمن ينهار من الداخل كان كل حرف ينطق به أشبه بنداء استغاثة لرجل يموت عطشًا في صحراء اسمها "سكون" يناديها بكل حب دفين يناديها لأن قلبه لم يعد يحتمل الصمت وكيانه يتمزق من شوق قيدته الأيام والليالي الباردة،
أما "سكون" اهتز قلبها وهو يخاطبها بتلك النبرة التي لم تعهدها منه نبرة امتلأت بكل سنوات الحرمان والخوف والحاجة كانت ترتجف من الداخل وهي تسمعه يستعرض لها أعوامًا طويلة من الغياب رغم وجودها تحت سقف واحد غياب شعرت لأول مرة أنه كان مؤلمًا بهذا القدر :
ـ هتبكي كل لما هكلمك يا "سكون" وكالعادة المفروض اني أتنازل عن حقي معاكي لما اشوف بكاكي والمفروض اني أفضل اتنازل ، وأتنازل لحد ما يوبقى اللي بينا سراب علشان التعلق المرضي اللي جواكي بحاجة وهم ،
انتِ نسيتي شغلك ونسيتي حياتك ونجاحك اللي هو بردو من حق ولادك ، نسيتي انك دكتورة وعمالة تأجلي وتاخدي اجازات ودفنتي راسك زي النعام في هم واحد ، نسيتي إن نجاحك بردو من حق ولادك اللي لازم يتعلموا ويشوفوا حاجات مختلفة معاكي ، إنتي للأسف إنسانة تانية معرفهاش مش "سكون" اللي حبيتها واتجوزتها .
نطقت هي بصوت مختنق من الضعف :
ـ أني زي ما أني يا عمران والله ما اتغيرت ، بس كل اللي هعمله مع ولادي من حقهم علي كأم ، ارجوك اتحمَلني .
حين نطقت "سكون" باسم "عمران" اختنق الحرف في حلقها كانت كأنها تستجدي الرحمة من حكمٍ لم يصدر بعد وهي تدرك في أعماقها أنها تأخرت كثيرًا عن تلبية نداء رجل انتظرها بشوق العاشق وألم الغريب في وطنه كانت تبكي وهي تحاول أن تبرر ولكن قلبه المثقل لم يعد يحتمل المزيد من الأعذار
ثم جاءت كلماته الأخيرة كالسيف المسنون تقطع ما تبقى من خيوط الأمل التي كانت تتشبث بها عيناها لم تصدق أذنيها حين سمعته يلفظ ذلك الحكم المؤلم الذي سحب منها ما كانت تحسبه حقًا لا يُنتزع كان كمن يعلن نهاية مرحلة من الصبر وبداية مرحلة أخرى من المواجهة:
ـ طب نهاية الحديت والاسطوانة المشروخة داي اسمعي يا بت الناس انتي مرتي وحبيبتي وبينا عشق مالوا حدود و بتصرفاتك داي عاد بتقـ.ـتليه وبتقـ.ـتلينا معاه وهتموتي كل حاجة حلوة جوانا ، وهتمحي بضعفك كل ذكرياتنا الحلوة وسنين التعب والشقى اللي كانو مليانين عشق ومحاوطة مني ليكي ،
اني في الأول والآخر راجل ليها حقوق ربنا شرع بيها وده لجل ماعفي نفسي يا بت الناس
واني لحد دلوك عمال اسايس ومش راضي ازعلك واصل، بس لحد اكده وبقولك كفاية
ونومتك هتبقي جاري لأن دي حقي عليكي ،
معاكي طول اليوم لولادك اما الليل فدي حقي اني واللي مش هسمح بيه اني افضل في أوضة وانتي في أوضة تانية ،
كل الناس حداها عيال مشفناش حد بيعمل كيف ما بتعملي اكده ودي اخر حديت عندي يا "سكون"
وقفت "سكون" في مكانها وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها كانت ملامحها عاجزة عن إدراك المصير الذي رسمه "عمران" بنبرة صارمة لكنها منكسرة في العمق كانت تشعر بأن هواء المكان قد ثقُل وبأن قلبها عاجز عن النبض للحظة وهي تستوعب أن من أحبته بصدق قرر أن يقول كفى،
وهي تنظر إليه بعينين يغمرهما الذهول والانكسار لم تستطع أن تتحرك أو تتنفس كانت صدمتها بحكمه الأخير كصفعة قاسية أفاقتها من وهم أن الحب وحده يكفي كانت ترتجف ليس خوفًا منه بل خوفًا من فقدانه وخوفًا من أن يكون الفاصل قد وقع بالفعل دون رجعة .