رواية وميض الحب الفصل الخامس و الخمسون 55 والاخير بقلم لولى سامى

رواية وميض الحب الفصل الخامس و الخمسون والاخير بقلم لولى سامى



ليس كل حق احق ان يتبع
فهناك حق يراد به باطل 
وحينها لا يكون حقًا ويفضل ألا يتبع
*************
تسمر جاسر مكانه حينما استمع لجملة هند فقد شعر أنها تحمل بطياتها أمرا غير عادي ...
كما انه لم يشعر أنها جملة مجاملة فقط بل اشتم رائحة غدر بباطنها ...
التفت ناظرا إليها يستطلع معنى جملتها التي تفوهت بها للتو بينما عبدالله اعتقد انها تريد ابقاء والدتها معها بفترة العزاء فأراد تقديم المجاملة اللازمة / خليكي يا ام هند البيت بيتك اكيد ..
كادت أن تجيب والدتها على تلك المجاملة إلا أن هند سبقتها مؤكدة / اه طبعا البيت بيتها وبين بنتها ودي مش مجاملة ده أمر واقع ...
ضيق جاسر عيونه ينتظر خروج العفريت من القمقم الخاص به ..
كادت صفاء أن تنهض بغرض الرد عليها وردعها إلا أن زوجها عادل امسك برسغها وهمس بأذنها ببضع كلمات جعلها تجلس كالمتفرج ....
بينما عبدالله عقد جبينه معربا عن اندهاشه ليسأل مستفسرا وهو يدعي الابتسامة / قصدك ايه يا هند بالكلام ده علشان دماغي متروحش لبعيد ...
ضحكت بملئ صوتها وكأنها بيوم عيد حتى تعجب كل الحاضرين من ضحكاتها المتتالية ...
تبادلوا النظرات فيما بينهم إلا أن جاسر لم يستطع التحكم بنفسه ليهدر بها وهو مقبل عليها بغرض اخراصها / اه يا بنت .... نسيتي نفسك يا ...... 
كاد أن يصل ليجلبها من شعرها لولا عبدالله وعادل اللذان أمسكا به...
نطق عادل من بين أسنانه متوعدا / بصي أنا مليش في الشتائم ولا بالي طويل اخلصي قولي اللي عندك بدل ما تندفني مكانك هنا ...
ارتعبت والدتها على ابنتها لتهرول إليها ساحبه إياها وهي تقدم كافة الاعتذرات الممكنة / تعالي هنا يا بلوة ....
حقكم عليا هي مش عارفه بتقول ايه 
اعذروها علشان خاطري ...
سحبت هند يدها من أذرع والدتها بشدة وهي تهدر بها وتوجه نظراتها وحديثها لهم جميعا / اوعي كدة ....
أنا ولا مسطولة علشان مش عارفه بقول ايه ولا نسيت نفسي يا استاذ جاسر ....
وحاضر يا عادل باشا هقول اللي عندي ...
بالرغم اني قولته بس الظاهر الصدمة مش مخلياكم تستوعبوا الكلام ....
ادخلت يدها بجيوبها الطبيعية وأخرجت ورقة وقدمتها تجاه عبدالله وهي تقول/ أنا مش هتكلم هخلي الورق هو اللي يتكلم ....
اتفضل دي نسخة من عقد بيع البيت من الحاجة حكمت ليا ....
هتلاقوا بصمتها على العقد كمان ...
ولو عايزين تتأكدوا من البصمة معنديش مانع خالص أنا ورقي سليم ....
اختطف عبدالله الورقة من يدها ونظر بها لتكتمل الصورة لديه بكل ما مضى ...
اختطفها جاسر سريعا ليلقيها سريعا على الأرض دون حتى النظر بها وهم بالانقضاض عليها ...
لوي ذراعها لدرجة جعلتها تصرخ وهو ينعتها بالكاذبة ويهدر بها لتعترف بفعلتها ....
نهض الجميع من أثر الصدمة وأخذوا يتناقلون الورقة فيما بينهم ...
حاولت والدتها الفصل بين جاسر وابنتها إلا أن الأخير لم يتزعزع من مكانه ...
بل انضمت إليها صفاء تبعد والدتها حتى يتمكن جاسر من إلحاق الأذى بها ...
نظر عبدالله لعادل واقدموا كلاهما على جاسر يحاولون تهدأته ...
بالكاد اخرجوا هند من قبضة يده ليهدر جاسر بعبدالله صارخا بوجهه / بيت ابويا يا جاسر لا يمكن اسيبه يروح للقذرة دي ...
لو فيها موتي مش هخليها تتهنى بيه ...
ظل عبدالله واقفا أمامه هادىء الطباع على غير العادة ليخبره بصوته العالى ربما استمع لحديثه / كدب...
الورقة دي مش صحيحة وكدب يا جاسر متخفش ....
إجابته من خلف والدتها وهي تزيل شعرها الاشعث من على وجهها نتيجة تعنيفهم لها / الورقة مظبوطة والبصمة مظبوطة...
وهوديكوا في داهية لو مستلمتش حقي ....
كاد أن يفلت جاسر مرة أخرى من أيديهم إلا أن عبدالله شدد على عادل الامساك به جيدا والتفت لتلك الحية يخرصها بنظراته الثاقبة قبل أن يسألها مستفسرا / وياترى امتى حصل ده ولا انتي بصمتيها وهي تعبانة ؟؟؟
كادت أن تجيبه بكذبها البادي على وجهها إلا أنه الحقها بسؤاله التالي / وسجلتوا البيع في الشهر العقاري ولا للأسف ملحقتيش؟؟
ازداد توترها ولم تستطيع الإجابة على سؤاله ليضحك متهكما وينظر لأخته صفاء وكأنه قد أعطاها إشارة الانقضاض على تلك العقربة ..
لم تنتظر صفاء أكثر من هذا لتنقض تجذبها من شعرها تكمل بها ما بدأه جاسر ...
لتنضم معها سمر دون أن تعلم أو تسمع اي شيء ...
كل ما لاحظته أن الجميع يصرخون بوجه هذه البلهاء والواضح أنها تثير استفزازهم فأقدمت على مساعدة اختها فيما تفعله ....
ترك عبدالله إخوته يذيقونها العذاب كما تستحقه ليثبت من أمر جاسر وهو يهدأه قائلا / أهدى يا جاسر ...
أهدى ومتقلقش من اي حاجة ...
بيتك وبيت ابوك في أيدي أمينة ...
أنا مكنتش حابب افتح الموضوع ده دلوقتي بس الواضح أن جه وقته ...
عقد جاسر جبينه وهو يحاول أن يتخلص من ايدي عبدالله إلا أن الأخير قال بصوت جهوري ليسمع الجميع وليس جاسر فقط / البيت رجع لأصحابه ...
انتبه الجميع لقول عبدالله باستنكار اعتقادا منهم أن يقصد بذلك هند....
إلا أن عبدالله اكمل موضحا / الحاجة حكمت تنازلت عن البيت لجاسر والعقد اتوثق بالشهر العقاري وعادل كان شاهد على كدة ....
وكأنه يوم المفاجأت لتصدر الشهقات وتحبس الأنفس وتتحجر العيون...
فالمفاجأة اذهلت الجميع واخرصتهم حتى هند التي حل عليها الخبر كالصاعقة .....
وصفاء التي كانت تطرحها ضربا ألجمها الخبر لتقف متيبسة من أثر المفاجأة...
بينما جاسر لم يصدق ما استمع إليه ليعقد جبينه ويطلب إعادة ما ذكره عبدالله مرة أخرى فأعاده له لينطق بكلمة واحدة فقط / ليه ؟؟
ابتسم عبدالله براحة بال وهو يجيبه / علشان حقك ...
علشان انت ضحيت زمان بيه لأجل ما علاقتنا تفضل زي ماهي ....
يبقى لازم ارجعهولك لأجل ما تقوى علاقتنا ...
علشان اقدر اكمل حياتي وانا مش حاسس اني شايل نفس الذنب ...
علشان اخفف من حمل ماما قبل ما تقابل وجه رب كريم يمكن يصفح عنها ....
تغرغرت الدموع بعيون جاسر وهو ينظر بعيون أخيه الذي لم تلده أمه / بس انا كنت مسامح وانتوا ملكوش مكان غير البيت ده !!!
ابتسم عبدالله وهو يوكزه مازحا / طب مانا كمان مسامح وبالنسبة للبيت مانت هتأجره لينا يمكن اللعنة تتفكك والحال يتصلح بعد ما يبقى ايجار حلال بدل وضع يد ...
ضحك كلاهما لينتبها على صراخ هند بالخلف وهي تنعتهم بافظع السباب / حقي يا اولاد .....
طبختوها مع بعض وخلتوني اخدمكك واطلع من المولد بلا حمص ....
دانا اولع فيكم والنعمة واولع بالبيت كله ....
هدر بها عبدالله يذكرها بما سبق / يمكن اخواتي ظلموكي لكن أنا عمري ما أذيتك....
وبالرغم من كدة كنتي اول واحدة تأذيني ....
ولو على الخدمة أنا خيرتك وانتي اللي اخترتي يعني مكنش غصب عنك ...
بس الظاهر انتي كنتي بتعملي كدة لأغراض دنيئة في نفسك ....
كان ممكن تفضلي بالبيت فعلا معززة مكرمة لكن الإنسان اللي بيختار بنفسه عقابه ...
نظر لوالدتها يحدثها / اتفضلي يا ام هند خدي بنتك واطلعوا فورا من البيت....
واوعدك هخلي اخويا في اقرب وقت يبعتلها ورقة طلاقها....
وأولادنا هناخدهم هناخدهم لأن اللي زي بنتك دي غلطاتها كتير ومسيرها توقع نفسها تاني زي دلوقتي....
التفت بنظره تجاه هند مهددا / أنا هكتفي اني احرمك من حلمك اللي رسمتيه في راسك بامتلاك البيت ...
وده إكراما لاولاد اخويا ....
لكن ورحمة امي اللي اول مرة احلف برحمتها ....
لو لعبتي الاعيبك القذرة تاني لاوديكي في داهية بالورقة اللي فرحانة بيها ....
ثم التفت لصفاء طالبا منها / صفاء دوري على الورقة الأصل وطلعيها علشان يبقى معانا إثبات على القطة ....
أصل اللي زيها ملهوش أمان ....
بالفعل سحبت صفاء اختها سمر واطلعتها على الصورة مشيرا إليها أن تبحث عن مثيلتها...
بدأوا البحث سويا على أصل تلك الورقة أما هند وقف أمامها عبدالله مانعا إياها من الخروج لبضع دقائق....
حتى اتت صفاء بأصل الورقة ليطويها ويضعها بجيبه مشيرا إليها بالرحيل ....
بعد أنصراف هند ووالدتها وجهت صفاء سؤالها لأخيها وزوجها / يعني اتفقتوا من غير ما تقولي ....
وانت يا عادل مقولتليش ليه ؟؟
رفع عادل كتفيه وهو جيبها بقلة حيلة / اخوكي طلب أن الأمر يكون سر مكنش ينفع اتكلم فيه ...
التفتت لأخيها تسأله / وانت عملتها امتى و خبيت علينا ليه يا عبدالله ؟؟
أجابها بوجه سعيد وكأنه أتم ما يسعى إليه / عملتها يوم ما طلبت عادل يجيلي الصبح المستشفى....
كنت مكلم موظف الشهر العقاري وهو جه شهد على العقد ....
وخبيت علشان مكنش ينفع نقول وقتها ...
كنتي ممكن انتي تعترضي بحجة أن ماما معندهاش مكان تاني وخاصة وهي تعبانة ...
أو جاسر نفسه يعترض ووقتها أنا مكنش عندي استعداد لاي مشاكل تانية أو حتى مناقشات ....
اقترب من أخته وامسكها من عضدها وعيونه تسبح بملامحها البريئة / أنا وعدتك أن طول مانا عايش هرفع راسك فوق ...
وموضوع زي ده بصراحة غير نظر عادل لينا ....
نظرت له بفخر وامتنان وسعادة ثم ارتمت باحضانه تلتمس منه كل ما حرمت منه بالفترة السابقة ....
وكزه جاسر بظهره وهو يمازحه قائلا / هتدفعوا ايجار كام بقى علشان نتفق من اولها ....
قلب عبدالله أنظاره بيأس يلتفت إليه يوكزه ويعلق قائلا / يا ساتر عليك طب سبيلنا فرصة نتأثر شوية ...
لوح جاسر بكفه وهو يجيبه / ملوش لزوم ابقوا اتأثروا بعدين ..
المهم هروح ولا هبات هنا ...
نظر عبدالله حوله ليحسب حسبته هو وزوجته بمنزلهم وسمر وصفاء بالشقة السفلية ودعاء ما زالت بشقتها فلم يعد سوى شقة أخيه ليجز على أسنانه مجيبا ذلك الجاسر / لتكون صدقت نفسك وفاكر أن البيت بقى بيتك وعايز تبات فيه ...
رفع جاسر حاجبيه وكأنه حدث له عطل فني في الإدراك ليكمل عبدالله بقراره/
روح يا جاسر ملكش مكان دلوقتي....
قضم جاسر شفتيه وهو يقترب منه هامسا باذنه / طب احترم وفاة والدتك وبيت مراتك مع اخواتك .....
ضيق عبدالله عيونه وهو يعلق مكيدا ذلك الجاسر / هتموت انت علشان موضوعك اتأجل ...
ثم اقترب هامسا باذنه / اسحب ناعم علشان نمشي الليلة بعد الاربعين ....
يا اما نخليها بعد السنوية ....
اتسعت حديقتي جاسر ولملم أغراضه سريعا بصمت تام وغادر المكان برمته ....
نظر عبدالله لاخوته معتذرا لهم على كل ما تم / حقكوا عليا يا بنات أن كل ده تم في ليلة زي دي ...

أنا كنت ناوي افاتحكم بالموضوع بعد الوفاة باسبوع بس اللي هند عملته اضطرتني إتكلم ...
ربت عادل على كتفه مودعا إياه / ولا يهمك يا نسيبي ...
هسيبكم دلوقتي ولو احتاجت اي حاجة كلمني ...
امسكه عبدالله من رسغه عازما / خليك مع صفاء النهاردة اكيد هتحتاجك ...
نظر تجاه زوجته ليبتسم إليها ثم قال معلقا / النهاردة اكيد محتاجة لأختها اكتر مني ومن بكرة أنا تحت امرها .....
لم تنتظر لتلقي بنفسها باحضانه تبكي فقدان والدتها وترحيبا بوجوده بحياتها بدون شخصيات تعكر صفو حياتهم ....
..................
استيقظت بالاعلى على صوت شجار ...
حاولت الاستماع إلا أنها لم تستطيع معرفة أسباب أو موضوع ذلك الشجار ....
اخذت تنادي عليهم بأقصى صوتها علهم يستمعون إليها ولكن صوتها بجوار صراخهم كانه لم يكن ....
اخذت تفكر في أسباب ذلك الخلاف ...
من المؤكد أن حكمت قد عادت لها الحياة مجددا ...
لتوهم حالها بذلك ...
ظلت تنتظر أن يتذكرها أحد ولكن دون جدوى ....
بدأت تهيأ روحها للتعايش معهم فعبدالله وعدها بذلك ...
دلفت لغرفة النوم تجمع بعض من ثيابها ....
وقفت وهلة أمام المرأة تنظر لحالها ...
اخذت تتحسس بشرتها التي تغيرت بشكل ملحوظ ...
كادت أن تحزن إلا أنها صبرت حالها ففور انضمامها إليهم حتما سيتغير كل هذا ...
اخرجت ملابس سوداء ولكنها إعادتها مرة أخرى يقينا منها بوجود حكمت وان كل ذلك هراء أو خدعة ....
بدلت ملابسها وجلست تنتظر من سيأتيها ...
مر وقت كثير حتى هدأت الأحوال بالاسفل ولكن لم يأتها أحد ...
حدثت روحها ربما اعتقدوا أنها نائمة لتمسك باناء من الاستانلس وأخذت تدق به على الباب لعلهم يستمعون إليها ...
وبالفعل استمع عبدالله لطرقها وهو متوجه بزوجته لشقته ...
أعطى يمنى المفتاح وطلب منها أن تسبقه للشقة ...
بينما هو توجه لشقة أخته فاتحا إياها ودالفا إليها .....
فور رؤيتها لها قفزت من مكانها كالطفل الذي ينتظر ليلة العيد تسأله وتطمئن حالها / اتاخرت كدة ليه يا عبدالله؟؟
وايه الصويت والقرآن اللي كان شغال من الصبح ده ...
ليكون البت هند ماتت ؟؟
 يالا في داهية ...
سحبت حقيبتها وهي مبتسمة تخبره بما أعدته /
أنا جهزت كل حاجة زي ما اتفقنا ....
بص مش هتقل عليكم هقعد في اوضة لوحدي وهتجمع معاكم ساعتين بس ...
بس خليني بالاوضة اللي جنب ماما وحشتني اوي ...
امسكها من كتفها واجلسها بأقرب مقعد ...
نظر بداخل عيونها عله يصل لعمق قلبها ...
تعجبت من نظراته الصامتة لتساله / ساكت ليه وقعدنا تاني ليه ؟؟
لم يجيبها سوى بنظرات لو أمعنت التفكير بها لعلمت ما يريد قوله ....
لطمت جبهتها وكأنها تذكرت أمرا / اه صحيح نسيت ...
اكيد هند منضفتش الاوضة وانت مكسوف تقولي ...
ولا يهمك هنزل أنا انضفها في عشر دقايق ومش عايزة من خلقتها حاجة..
زم شفتيه وقلب عيونه وكأنه يبحث عن الكلام ثم حاول تهيئة الأمر لها / أنا عارف انك كنتي مرتبطة بماما جدا ....
وتقريبا اكتر واحدة فينا كانت قريبة منها ....
بس دي سنة الحياة ولازم نرضى بيها ...
رمشت باهدابها تحاول استطلاع المعلومة وتكذيب ما يدركه عقلها ...
وجهت انظارها لعيونه بينما هو حاول الهروب من عيونها وهو يلقي الخبر دفعة واحدة قائلا / البقاء لله يا دعاء ماما تعيشي انتي ...
وكأنها أصابها الجنون أطلقت ضحكة طويلة رنانة حتى جعلت قلب عبدالله ينفلت من بين ضلوعه شفقة عليها ....
ضحكت حتى دمعت عيونها بينما هو ظل يهدأها ربما تقبلت الأمر قليلا ....
خفق صدرها من شدة الضحك واخيرا توقفت قليلا تزيل دموع عيونها الضاحكة ..
ظن أنها قد تقبلت الأمر ليقترب منها ممسدا على كتفها وهو يواسيها / صلي على النبي يا دعاء واطلبي لها الرحمة ...
نظرت له بنظرة اصعقته لدرجة أنه تراجع خطوتين للخلف معربا عن قلقه عليها ومنها / مالك يا دعاء ، مالك يا حبيبتي ؟
تحولت نظراتها فجأة للين وهي تبتسم وتجيبه / أنا عارفة انك لسه عايز تعاقبني بس ارجوك يا عبدالله مش بالطريقة البشعة دي ...
تركته وتوجهت لحقيبتها تحملها وهي تحدثه / يالا يا عبدالله زمان ماما زعلانة مني علشان منزلتش لها من وقت ما رجعت على البيت ...
كادت أن تصل للباب فإذا به يقف معترضا طريقها وينظر بداخل عيونها يؤكد ما لا تتقبله / بقولك ماما تعيشي انتي...
 وده مش عقاب دي حقيقة ولازم تصدقيها وتتعاملي على أساسها ...
امسكها بكلا كفيه من كتفيها وهو يهزها قليلا بغرض افاقتها / دعاء ادعي لماما بالرحمة...
وانتي كمان لازم تفوقي بقى وتبدأي العلاج ومن بكرة أن شاء الله هنروح المستشفى ونبدأ خطة علاجك هناك ....
لم يتلقى اي استجابة بملامحها أو إجابة عن حديثه ...
ظلت تنظر إليه وكأنه لم يذكر شيئا..
وربما هي لم تستمع لشيء ...
بدا له ملامحها خالية من أي تأثر حتى انتابته الدهشة فأخذ يهزها وهو يسألها / مالك يا دعاء انتي سمعتي اللي قولته ولا لأ ...
انسحبت من بين كفيه وتراجعت للخلف بعد أن افلتت حقيبتها من يدها تخبره بما أدركه عقلها / تمام يا عبدالله أنا هقعد هنا لوحدي...
 مش لازم انزل معاكم...
 ووقت ما ماما تخف تبقى تطلعلي ...
انت كسبت في العقاب بتاعك ...
وقف مزهولا لاصرارها على عدم تصديق حديثه ...
ألهذه الدرجة كانت تتعلق بوالدتها ...
تراجعت بكل هدوء وارتسم على ثغرها ابتسامة غريبة وهي تنظر باتجاه مغاير عن موقعه...
جلست على مقعد بنهاية الردهة تحدثه وربما تحدث نفسها هكذا ترأى له في البداية / كلهم بيضحكوا عليا وهيرجعولي تاني مش كدة ؟؟.
الاول قالولي سيد سابني وهتلاقيه مش عارف يعيش من غيري بره ...
وبعدين يقولولي اني تعبانة بالجذام علشان ابعد عنهم بس متقلقيش أنا كويسة وزي الفل...
ودلوقتي جايين يكملوا كدبهم ويقولولي انك مُتي وانا شايفاكي قدامي اهو زي الفل ...
وجهت انظارها تجاهه تعاتبه / هي دي اللي ماتت يا عبدالله؟
امك اهي قدامي بس شكلها زعلانة اوي ...
اكيد زعلانة منكم واللي بتعملوه فيا ..
استدارت تجاه اللاشيء تحدثه / متزعليش منهم....
 بكرة انا وانتي نقعد مع بعض ونعلمهم الادب من تاني...
 وخاصة مرات المجنون ده علشان يتعلم إزاي يعاقبني تاني .....
هنا تأكد من عدم تقبل عقلها لهذا الخبر وضرورة الإسراع في بدء علاجها ...
تراجع للخلف حتى وصل للباب وهو يراها تتبادل الحديث وكأن أحدهم يجلس أمامها ...
فتح الباب وكاد أن يخرج إلا أنها نادت عليه قائلة / ابقى خلي هند تعمل حساب ماما بالافطار والغداء هي قالتلي هتبيت معايا النهاردة...
دمعت عيناه دون إرادة منه وهو يومئ برأسه تعبيرا عن يأسه ...
بينما هي عادت تنظر تجاه الصوت وربنا الصورة التي تحادثها بل وتتجاذب معها الأحاديث الطريفة بل وتضحك بملىء فمها .....
خرج من الشقة وكاد أن يصعد بشقته إلا أنه تذكر أمر الغاز الذي فتحه لها منذ يومين وهو يراها الان غير أمنة على حياتها....
 التفت سريعا يغلق محبس الغاز مجددا ثم صعد لشقته بقلب منفطر وروح ممزقة لما حل لأسرته وما أصاب إخوته وكأنها لعنة تتبعهم للنهاية ...
.......................................
أحيانًا تُخدعنا هالة الحب ببريقها الآسر، 
فتبدو لنا مضيئة ومبهرة حدّ العمى، 
فنغفل عمّا يحيط بها من ظلالٍ خفية.
وحين نغوص في عمقها،
تتضح لنا الصورة شيئًا فشيئًا،
وتنكشف تفاصيل لم نكن نراها وسط ذلك التوهج الساحر.
نجد أنفسنا نسبح في ضباب يكتنف تلك الهالة،
وأحيانًا نغرق فيه حتى يغيب عن أعيننا أدنى بصيص من النور.
لكن إن كان الحب صادقًا، فسنرى حينها وميضًا خافتًا يشبه نجمة وحيدة في ليلة كاحلة .
وحينها إمّا أن نغرق بالظلامٍ الدامس، أو نتبع ذلك الوميض، لعلّه يقودنا إلى النور…
فيغدو وميض الحب، هو الدرب.
اخرج مفتاحه ليضعه بالباب إلا أن الباب انفرج فجأة لتظهر يمنى من الداخل وكأن الهموم قد أثقلت تفكيره لدرجة انسته وجودها ....
كالطفل البريء التائه عن والدته ارتمى باحضانها يلتمس فيه حنين اللقاء ...
ارتمي باحضانها يشكو لها حاله ويستمد منها طاقة بعد أن نفذت طاقة تحمله ....
تقبلته بطيب قلبها تمسد على ظهره وتسحبه للداخل ...
وفجأة انهار ذلك البركان الخامل بداخله ...
اخذ يبكي وينهنه كالطفل التائه من والدته وها قد عاد إليها بعد غياب ...
بكى بكاء لم يبكيه في وفاة والدته وكأنه كان يسيطر على حاله والان لم يعد يقدر على السيطرة على حاله...
شددت من احتضانها له وقد رق قلبها لحاله ...
تألمت بشدة من بكاءه فبكاء الاطفال يوجع القلب...
 بينما بكاء الرجال يمزق القلب وتختل رواسي الأرض من تحت الاقدام لاجله ...
اخذت تشدد من احتضانه وكأنها تزرعه بين ضلوعها ...
تحاول أن تثبت له انها بجواره ولن تتركه مهما حدث ...
بينما هو شعر وكانه يغرق ويحاول التشبث بغصن ضعيف ...
وبرغم ضعفه إلا أنه يشعر بالأمان بوجوده ...
شعر باحتضان زوجته ليتمسك بها أكثر وكأنه يعلمها بمدى احتياجه إليها ...
يعلمها بمدى ضعفه بدونها ...
يعلمها بمدى أهميتها في حياته حتى ولو لمجرد البكاء باحضانها ......
بكى باحضانها حتى غفى قليلا لتكون هي مسند رأسه وقلبه معا ....
اشرق الصباح وأخذ يتململ حتى أفرج عن عيونه ليرى نفسه متمدد بالاريكة على قدم زوجته بينما هي في سبات عميق ...
تلقي برأسها للخلف وبالكاد تستند على ذراع المقعد حتى لا تسقط أثناء نومها ...
اعتدل مسرعا محاولا عدم اقلاقها ...
استقام واقفا يمطع جسده وعضلاته ثم انحنى معدلا من وضعها ليرفع قدميها أعلى الأريكة ويعدل من وضع رأسها...
 فالمنزل لم يعد به فراش منصوب سوى الأريكة التي أعدتها هي قبل صعوده من عند أخته ..

شعرت بتغير حالها لتكاد أن تفزع إلا أن صوته يرن بأذنها وهو يضع وسادة أسفل رأسها / ششششش أنا عبدالله متقلقيش ....
ريحي راسك علشان زمانها تعباكي ...
وبرغم احتياجها الملح للنوم وإراحة جسدها قليلا..
 إلا أنها شعرت أنه يحتاج إليها أكثر مما يحتاج جسدها للراحة ...
مسحت بكفها على وجهها بغرض إزاحة الكسل عن كاهلها ...
ثم اعتدلت بالكاد في جلستها مع تذمر عبدالله على نهوضها /نامي انتي شوية ..
انتي طول الليل قاعدة ومريحتيش خالص ..
ارتسمت الابتسامة التي لطالما اشتاق اليها على ثغرها ...
الابتسامة التي تنسيه هموم العالم وإرهاق السنين ..
الابتسامة التي تشعره وكأن كل صعب قد هان ...
ظل يحملق لها حتى تعجبت من نظراته وصمته لتتساءل عما به / بتبصلي كدة ليه ؟؟
أجابها بما يجيش بصدره/ متتخيليش كنت بستنى ضحكتك دي من قد ايه ؟؟
كل يوم وكل ساعة وكل مشكلة كنت اتمنى اشوف ضحكة واحدة بس ...
ضحكة واحدة بس تطمني وتهديني ...
ضحكة واحدة تعرفني إذا كنت ماشي في طريقي صح ولا غلط ....
ضحكة واحدة بس تحسسني بوجودك جنبي وانك في ضهري ...
انتي مش متخيلة أنا دلوقتي مرتاح إزاي ؟؟
مرتاح برغم كل المشاكل اللي ورايا ..
مرتاح برغم كل العقارب المحاوطين ليا ..
مرتاح برغم اني معرفش هعمل ايه بعد ساعة واحدة بس مرتاح ...
متخيلة ضحكتك دي بتعمل فيا ايه يا يمنى ...
أمسك كفها ومازال ينظر لوجهها الوضاء يحدثها باستجداء / وحياتي عندك اوعي تسبيني ...
مهما حصل اوعي تسبيني ...
دليني على الطريق الصح، شديني ولو بالقوة من الطريق الغلط لو مشيت فيه...
 بس اوعي تسبيني...
وإياكي في يوم تخبي عني مشاعرك أو احساسك مهما كانت ..
أنا عارف انك يوم ما خبيتي كان قصدك متوقعيش بينا ...
كنتي خايفة تتفهمي أو تتشافي غلط ...
بس انا بقولك متخبيش عني حاجة...
 ويوم ما تحسي بأي شيء قوليلي عليه وعلى مخاوفك وانا هوعدك اتعامل بحكمة لحد ما نوصل للحقيقة بس سوا......
 سامعة يا يمنى سوا ..
كانت تستمع له بعيون لامعة بدموع السعادة ..
تترقرق بمقلتيها كاللؤلؤ الوضاء ....
لا تصدق أن قيمتها لديه وصلت لهذه الدرجة ...
لا تصدق أن كل يوم كان يشتاق لها مثلما كانت تشتاق إليه ....
لا تصدق أن عدم وجودها كان يؤلمه ليس كما كانت تظن ....
لم تجد كلاما يعبر عن مدى عشقها له فارتمت باحضانه تشعره بوجودها أكثر ....
وكأن العمر ابتسم له اخيرا وعفى عنه الزمان ليجد نفسه بأحضان حبيبته يذوب بين يديها وينعم بدفء أنفاسها ....
بعد فترة وجيزة اعتدل عبدالله يسألها / جعانة ؟؟
اومأت برأسها بخجل وهي تجيبه / جدا ...
نظر لها بطرف عيونه وهو يعاتبها بخبث محبب / يعني ينفع اللي حصل ده ؟؟
كنتي مستعجلة على نقل العفش ؟؟
مش كان نفعنا دلوقتي!!
أو كنا لاقينا اكل نأكله من غير ما نطلب من بره ...
رفعت إحدى حاجبيها ونظرت له بتهكم وهي تجيبه / والله اللي فاكرها أن انت اللي كنت مستعجل مش انا ...
اقترب براسه ساندا ناصيته على ناصيتها...
يداعب أنفها بأنفه وينظر لداخل عيونها و يسألها / يعني انتي مكنتيش مستعجلة خالص ...
قلبت عيونها المبتسمة وكأنها تدعي التفكير ثم نظرت له بداخل عيونه وأخذت تداعب أنفه مثلما فعل معها قبل أن تجيبه / قصدك على النقل ولا على دلوقتي ؟؟
تراجع للخلف وهو يضحك بملئ فمه ويعلق قائلا / دائما ليكي طريقتك الخاصة اللي بتغلبيني بيها ...
حركت كتفها العاري وهي تجيبه بثقة وفخر / متستهونش بيا يا بيبي ...
بدا عليه ملامح الجدية وهو يخبرها بما سيكون / على فكره احنا بيتنا هنا امبارح مؤقتا لحد ما ارتب اموري بس لو...
وضعت اصبعها على فمه تخبره أنها تعرفه أكثر من نفسه / ششششش انت مش محتاج تبرر ليا يا عبدالله أنا مقدرة الظروف كويس ...
ثم إن الصورة واضحة خلاص....
البيت ورجع لجاسر فالافضل لينا وله علشان ميحسش بالاحراج أننا نقعد في بيتنا الجديد ...
نظر لها يخبره بما كان يفكر به / بصراحة طلبك لشقة بعيد عن البيت جه في وقته بالمظبوط..
 وكان حل لأكثر من مشكلة أولهم طبعا انتي اللي مكنش هينفع تقعدي في نفس البيت اللي عانيتي فيه ...
ثانيا الشقة جت في التوقيت اللي مكنتش عارف ارجع الحق لأصحابه إزاي ....
يومها أنا اقترحت على ماما نكتب البيت باسم جاسر ونأجر منه شقة يقعد فيها أمي واخواتي ....
وهي الحمد لله وافقت ورضيت تنهي حياتها بحاجة كويسة....
وزي ما عرفت تفسد حياتنا قبل كدة عرفت ازاي تصلح غلطتها ....
حاولت ابتلاع سؤالها الذي يجري مجرى الريق على لسانها ...
إلا أنه لاحظ توترها ومحاولة  تهربها ليعقد جبينه متسائلا عما تريد قوله / قولي اللي نفسك فيه ....
مش اتفقنا منخبيش على بعض ؟؟
زاغت ابصارها لا تعرف كيف تسأله ولكنها سحبت نفسا عميقا واطلقت سؤالها بصوت خافت / كنت بسال عن وضع سمر ودعاء هيعيشوا فين !؟
أطلقت سؤالها بخجل حتى أنها لم تقوى على النظر إليه إلا أنه وضع سبابته أسفل ذقنها رافعا رأسها في مواجهته معلقا ومجيبا عن سؤالها / اولا متنزليش راسك قدامي ابدا ..
ثانيا يا ستي بالنسبة لسمر هأجر لها الشقة اللي كنت هأجرها لو ماما كانت لسه عايشة ..
ثالثا بقى موضوع دعاء يطول شرحه بس هقوله لك ..
كاد أن يسرد عليها حالة دعاء وما سيتم معها  إلا أنه استمع لطرق يأتي من شقتها ...
يبدو أنها تنادي على أحد ليشير إليها / شكلها صحيت وعايزة تفطر...
 تعالي ننزل تحت علشان اطلع لها فطار ونفطر مع سمر وصفاء ولا عندك مانع ...
اماءت برأسها رفضا واستقامت لتساعد للنزول للاسفل ....
برغم مروره على شقتها واستماعه لطرقها إلا أنه لم يدخل لها بل هبط للاسفل اولا ليستلم فطورها ثم عاد إليها مجددا ...
دلف إليها يقدم لها الطعام إلا أنها ابت أن تتناوله وكان إصرارها على الالتقاء بوالدتها ...
حاول إثبات وفاتها إلا أنها لم تتقبل الأمر وظلت تصرخ وتحطم كل ما يقابلها ...
لم يجد حلا سوى الانسحاب ومحاولة الاتصال بالطبيب ليستعلم منه عن وقت إيداعها بالمستعمرة ..
وكأن القدر قد استجاب فور اتصاله بالطبيب استجاب الاخر وأخبره بما يريح باله / كنت لسه هتصل بيك بعد ساعة....
يعني قولت تكون فوقت علشان أبلغك ان النهاردة المغرب أن شاء الله عربية المستشفى هتيجي تاخد مدام دعاء لو الميعاد مناسب لكم ....
بالفعل أخبره عبدالله بأنهم بالانتظار ...
فور دلوفه للشقة بالاسفل تسمر مكانه فور رؤيته...
فلم يتوقع وجوده الان او اليوم نهائيا ....
تعليقات