رواية هو مش انا الفصل الثامن بقلم صبحى المرسي
:الأسم الذي لا يقال
رجعنا على القاهرة، لكني ما كنتش أنا.
من لحظة ما أخدت المفتاح الأول، حسّيت بثقل جوه صدري… كأن حد نايم فوق ضهري، بيتنفس على رقبتي.
كل ما أقرب من المراية… ألاقي انعكاسي بيتأخر.
مرة… شفتني بأبتسم وأنا مش مبتسم.
مرة تانية… شفتني نايم، رغم إني صاحي.
أمنية كانت بتقرا في ورق جدّي، لحد ما قالت فجأة:
– "لقّيت اللي يخص المفتاح التاني… الاسم."
قلت وأنا ببص فيها:
– "اسمي أنا؟"
قالت:
– "مش بس اسمك… اسم اللي نطق العهد أول مرة. الاسم اللي فتح الباب زمان. والاسم ده… مش مفروض يتقال."
سألتها وأنا حاسس ببرودة غريبة في ضهري:
– "ليه؟"
ردّت بصوت ثابت:
– "كل مرة الاسم اتقال… مات حد."
الدفتر اللي معاها كان شبه متفحم.
وكل كلمة فيه مكتوبة بحبر بني باهت، كأنه ممزوج بتراب أو دم قديم.
قريت فيه عبارة:
"الاسم… محفور في العظام. من نطقه يستدعيه، ومن كتبه يُعميه، ومن ردده… لن يعرف بيته مرة أخرى."
سألتها:
– "وهنلاقي الاسم فين؟"
قالت:
– "في مقبرة جدك القديمة… اللي في المنوفية. اللي عمرك ما دخلتها."
رجعنا تاني للقرية… بس المرادي مش رايحين البيت.
المرة دي… دخلنا الناحية التانية من الأرض. أرض محدش بيمشي فيها.
الناس بتقول إنها مهجورة، لكن الحقيقة… إنها مطرودة.
كان فيه ضريح صغير بين الشجر… باب حديدي مقفول بسلسلة صديّة.
أمنية طلعت المفتاح… ودخلنا.
الهوى جوه المكان… ماكانش طبيعي.
كان بيتنفس.
كأنك داخل حاجة عايشة.
على الحيطة… نقش محفور بأظافر حد.
حروف متداخلة، بس بينها تكرار لرمز معروف دلوقتي كويس:
"العين… والتلات نقاط النازفة."
قربت أكتر… وشميت ريحة حرق.
وفي وسط الحفرة الصغيرة قدامي، كانت فيه عظمة… متغلفة بقماش.
أمنية قالت وهي بتقرا:
– "في العظمة دي… محفور الاسم."
سألتها:
– "يعني هنقرأه؟"
قالت:
– "لو قرأناه… لازم نكون جاهزين نستدعيه، ونسحب منه المفتاح."
سألتها بصوتي اللي بدأ يرجّ:
– "وإزاي نستدعي كيان مش من عالمنا؟"
ردّت وهي بتقطع القماش ببطء:
– "بدمنا… واسمنا… وخوفنا."
المشهد قدامي كان شبه كابوس.
عظمة مخرطة من سنين، محفور عليها كلمة مش مفهومة، لكن روحي عرفاها.
ما إن نطقت أول حروفها…
الهوا اتقطع.
الصرخات خرجت من بين الشجر…
وبدأ الضريح يهتز.
ومن الأرض… خرج ظلّ.
مش رجل… مش كيان… ولا حتى حاجة منطقية.
كان زيّ لبس فاضي بيتحرّك، لكن من جواه نار باردة.
وكل ما قرب… العظمة بدأت تتحوّل لرماد.
وفي وسط الرماد…
ظهر المفتاح التاني.
كان على شكل لسان.
لسان بشري… مجمد… وعليه نفس العلامة.
أمنية قالت وهي بتشدني للخروج:
"لو فضينا هنا أكتر من كده… ممكن ما نرجعش."
خرجنا جاري.
بس وأنا في الطريق… سمعت صوت بيهمس ورا ودني:
"عرفت اسمي؟ كويس… دلوقتي دوري أعيش باسمك."
