رواية حارة الربيع الفصل الثامن بقلم جميلة القحطانى
الساعة كانت لسه تسعة الصبح والشمس داخلة من شبابيك بيت الحاجة وداد بتطبطب على الحيطان اللي حافظت أسرار العيلة دي سنين.
في الركن القريب من المطبخ، كانت وداد واقفة في وش البوتجاز، لابسة عبايتها الغامقة وطرحتها على كتفها، يتقلب في طاسة الفول، ويتكلم نفسها كده الطشة جهزت... بس يا ترى سامی چه ؟
ام نادين قالتلي هتجيب الفطير وهيام دايما تيجي آخر واحدة.
دخلت نجلاء، بنتها الكبيرة، وهي شايلة معاها طبقين واحد بطاطس في الفرن، والثاني سلطة بلدي.
نجلاء وهي بتنادي بالا يا ولاد قوموا سلموا ع تيتا، وكل واحد يحط فرشته جنب السفرة.
آدم الصغير وهو لسه نايم بس يا ماما أنا لسه في الحلم، كنت باكل كثافة بالعسل!
ضحكت و داد وقالت: قوم يا عريس ... هو اللي بيحلم بالكنافة لازم يصحى يغسل وجه الأول! السفرة اتمدت على الأرض، والمفارش المفروشة بعناية ماما وداد كانوا شبه طقوس يوم الجمعة.
كريم حفيدها، رض الكوبايات وهو بيهرج اللي يوقع كوباية، يغسل المواعين بعد الفطار!
هيام بضحك يا ريت كده تعرف مين المجرم كل أسبوع
دخل سامي الأخ الأوسط، وهو شايل رغيفين عيش بلدي ولسانه سبق خطاه: أنا جاي باكل
الشعوب يا ست الكل
وداد وهي بتبص له :هاه، وأم الشعوب ؟ جت معاك؟
سامي ورايا بخطوتين بتحط الكحل... قالت لازم تدخل على الحاجة متوضبة.
ضحك الجميع، وجلسوا حوالين السفرة.
الأكل اتحط، والريحة غطت المكان.... فول بالشطة، فطير مشلتت جبنة قديمة، وعسل أبيض نازل من البرطمان كانه ذهب.
وداد بابتسامة قبل ما تأكلوا... قولوا الحمد لله.
نجلاء : يا ماما، إحدا حافظين بس انت بتحيي الطقوس دي.
وداد: أنا بحب اللي بيخلي الجمعة ... مش زي أي يوم.
الستات انتقلوا على الكتبة الكبيرة، بيشربوا شاي النعناع، وكل واحدة ماسكة في إيدها شغل يدوي.
نجلاء بتطزز منديل
هيام بتلف صوف
وداد يتعد خرز السبحة.
هيام بفضول ماما ... تفتكري أيام زمان كانت أسهل ؟
وداد وهي بتعد على صوابعها: أسهل في القلوب... مش في الظروف.
كان الفقر كثير بس الدفا كان دايما حوالينا.
كلمة طيبة، سلام من القلب، والست ما كانتش تدخل بيت حد من غير طبق فطير.
نجلاء ودلوقتي ؟
و داد دلوقتي كل واحد عامل بيت لوحده... بس الخير لسه بينا، طول ما في جمعة تلمنا.
الرجالة كانوا في السطح، بيلعبوا كورة مع العيال.
سامي شاط الكورة فوق ونادين صرخت ده انت هتكسر السخان يا سامي!
سامي بيضحك : أهو نكسر السخان احسن ما تنكسر جوا!
الظهر أذن، والكل وقف.
وداد قامت مسکت مصحفها، وبضت حواليها.
همست لنفسها: الحمد لله ....
كل اللي بحبهم حواليا.
والبيت... لسه فيه حياة.
