رواية لأنه موسى الفصل العاشر 10 بقلم ماهي احمد


 رواية لأنه موسى الفصل العاشر 

أَنشَق الصَمت عَلى صَرير البَاب وَهو يُفتح بِبطء 
خَطت " امنه" خَطوتان لِتصبح بِجوف الغُرفه

كَان الثُقل فِي صَدرها يَزداد مَع كُل نَفس، حَتى وَجدت نَفسها دَاخل الحُجرة، والبَاب يُسحب مِن خَلفها بِإغلاقٍ هادئ لا يَخلو مِن القَصد.

لَم تَلتفت ، خَشية أَن تَصطدم عَيناها بِما يَختبئ خَلف ظَهرها 

غَير أنّ أنفاسها اختَلطت بِأنفاسٍ أُخرى، أَعمق وأبطَأ، تَنبعث مِنها رائَحة التَبغ الدَافئة، مَمزوجة بِعبق العوُد المُعتق ، كَأنها تَوقيعٌ خفيّ عَلى جُدران المَكان البَاهتة

" يَاترى...تايهه بين جدران القصر ولا جايه هنا بقصد " 

أَحبالُه الصَوتيه الغَليظه أَشعرتها بِأن أحبَالها الصَوتيه مِثل صَوت طِفلٍ صَغير ،   أَغمَضت عَيناها ،  تَهمس بِداخلها 

"ما الذي أَوصلني لِهُنا ، هَل كُنت حَمقاء حِين صعدت  دُون التَفكير في العواقب ، أنا لاَزلت لاَ أستطيع التَصديق أنه يقف خَلفي لِصًا يَبدو عَليه الأحتِراف ، يَفصل بِيننا  بِضعه أنشَات فقط  "

" أنتِ خرسا ... "
"لـ..لاء" 

استَدارت وَقد أَغمضت عَيناها ، لاَ تَعلم لِم لَيس لَديها الجُرأه لِرؤية الكَائن الوَاقف أمَامها ، بَينما "موسى" تَذكرها حِين لَمح مَلامحها ، وَتذكر  أِنها فَتاة السِوار ، قَطب حَاجبيه فِي أِستغراب مِن وجُودها بِداخل غُرفته وَلكنه قَرر أَن يُسايرها 

"ومغمضه عيونك ليه .." 

كَتمت غَيظها وَما زَالت وَاقفه بِمكانها 

"عشان تتأكد اني جايه ومش ناويه أي شر ، واني حتى مش عايزه اشوف ملامحك " 

أَغلق البَاب بِأحكام ، لِترفع رَأْسها تَتجمد حِين وَقعت أَنظَارها عَليه ، لِتجدُه يَرتدي قِناع فِضي يُغطي نِصف مَعالم وَجهه ، لِتبتلع رِيقها مُتراجعه لِلخلف ، يَستمر فِي التَحديق بِها لِتشد عَلى أَهداب فُستانها بِتوتر 

"وانتِ سَايبه الحفله تحت وطالعه هنا عشان تأكديلي نواياكي "

هَمست تُطالع مَا بَان مِن قِناعُه وَلم تَكُن سِوا مِقلتَيه التَي تَريد أَن تَعلم لَونهما الأَن وَبِشده ، فَمِقلتاهُ تَلمع بِضوءٍ بَاهت مِثل مِصباح تَوشك بَطاريتُه عَلى النَفاذ 

" ل..لاء في حاجه غاليه عليا اتسرقت مني  " 

قَطب حَاجبيِه وَقد أِعتراهُ أستِغرابٍ شَديد 

" وانا دوري ايه في الحكايه دي " 

جَعدت حَاجبيها تَختطف نَظره نَحوه ثُم أَخذت تُلاعب دَانتيل كُمها لِتردف بِتوتر 

"بـ بتمنى أنك ترجعلي سواري زي ما سرقته مني " 

بَللت شَفتيها فَلمحها هُو تَقبض عَلى يَدها بِقوه حَتى أَبيضَت بَراجِمها وَنبست 

" وكمان ، بلاش تسرق حاجه من اصحاب القصر ده ، امـ ، امشي وهعمل نفسي ماشوفتكش " 

أِنحَرف ثِغره فِي ابتِسامه بَسيطه أَسفل قِناعُه ، فَهم مَقصدها ، فَهي تَظنُه لُصًا وَليس بِصاحب البَيت ، فَقرر مِراوغتها بِقول 

" كده بكل سهوله " 

" أطلب اي حاجه وانا هنفذها ..لو في مقدرتي "

جَلس عَلى طَرف المَكتب يُطالعها مِن الأَسفل الىَ الأَعلى بِنظره خَبيثه 

" أي حاجه ، اي حاجه " 

تَصنمت أمَامُه حِينما لاَح بِبالها شَىء مَا 

" تبًا ، مَا الذي يَعنيه بِحديثُه " 

خَرجت شَهقه مِن بَين شَفتيها حينَ فَسرت مَقصدُه بِنظراتُه الخَبيثه المُتفحصه لَها ، خَرجت سَبه دُون أِدراكها

" من الواضح انك مثل البقر السمين  ....."

جَحظت  مِقلتَاه مِما التَقطته أُذنَاه ثُم طَالع جَسدُه يَتفحصه بِعينيه 

" بس انا مش سمين " 

ابتَسمت عَلى مُلاحظته لِتردف سَاخره 

" أذن يبقى انت متفق انك زي البقر  " 

تَبسم لِما قَالتُه ثُم هَتف 

"مش كل سخرية نقمة… البقر في كتاب ربنا ماكانش هوان، ده كان امتحان ونجاة
"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً" فلو بتشبهيني بالبقر… يبقى بتشبهيني بالميزان العادل اللي يكشف الباطل ويسقط الأقنعه مهما حاولت تستخبى "

مَرر سُبابته عَلى ذَقنه لِيتحدث بِنبره سَاخره وَقد أَثنى قَوامهُ قُرباً مِنها 

" فلو بتشبهيني بالميزان العادل فحب اشكرك على مدحك ليا  " 

أومَأ يَتحرك وَسط نَظراتها المُستغربه لِتهمس بِداخلها 

"ما هذا… كيف صار الذَم بين يديه مديحاً ، يجعل الكلمات التي قصدتُها طعنًا مرآةً تلمّع صورته بدل أن تخدشها… وكأن السخرية في حضرته تنحني لتخدمه"

أَرجعت بِبصرها نَحوه لِتتحدث بِنبره جِديه 

" وتفتكر ان من العدل انك تقصد شىء ماينفعش ابداً يتقال لواحده زيي "

وَجهت لَهُ عِتاباً لِتجمد أَنظارُه وَقد تَملكها الجَزع ، حَالما نَهض يَتقدم نَحوها ، لِتلتصق بِالباب مُستديره تَعطيه ظَهرها ، فَهذا يَشعُرها بِأنها مُحصنه مِنهُ وَلو قَليلاً ، وَلكنهُ أَدارها كَما لَو أنَها سِتاره ، يُقيد يَداها خَلف ظَهرها مَانعاً أيَاها مِن الحَركه 

" وازاي واحده زيك تفكر في حاجه زي اللي جت في بالها دلوقتي  " 

اَسدلت جِفنَاها تَتحاشى النَظر لهُ ، لاَ تُحب حَديثُه لَها بِهذه الطَريقه تَتمنى حَقًا أن تَضربُه

" لص .. بيسرق حاجه مش بتاعته ، معندهوش اي انتماء ، بيستباح اشياء تخص ناس تانيه زي السوار اللي اخدته مني ، وزي اللي جاي تسرقه من  اصحاب الاوضه دي ، فأكيد معندكش شرف ، واللي معندهوش شرف لازم افكر في نواياه بالطريقه دي " 

" حرامي .. ومعنديش شرف .. للدرجه دي أنتِ جبانه"

فَتحت عَيناها لِترى أنعِكاس وَجهها عَلى مِقلتيِه 
لِتهمس بِداخلها 

"كَيف لِشخص مِثله أَن يَمتلك مِقلتين صَافيتين كَصفاء الليل فِي عَتمته ، أُكاد أُجزم أَن قَلبُه مُتفحم كَخصُلات شَعره "

يَداهُ أَرتَخت عَن رِسغها ، وَاستمر فِي التَحديق اليِها 
لِيميل رَأْسُه يَقترب مِن رَقبتها ، فَتصنمت مَكانها 

" معندكيش الجرأه حتى تقولي الكلام ده وانتِ بتبصي في عنيا " 

أَشتَعلت لِتتملص مِن مَكانها ، لَكنهُ شَد حِصارُه عَليها وَقد شَعرت بِنبرتهُ السَاخره 

" ياترى صاحبة السوار اتضايقت  "

" شىء مايخصكش اضايق او ماضايقش ، انا عايزه السوار بتاعي اللي اخدته مني وتمشي من هنا من غير ما تسرق اي شىء "

تَركها يَتحرك نَاحية المَكتب أصابعهُ تَعبث بِورقه مُهمله سَوداء مِن فَوق الأَوراق المُبعثره ، بَدأ يَطويها بِهدوء بَين أصَابعُه، أصوَات الطَيات الحَادة تتداخِل مَع أنفَاسها المتَوترة

لَم تَفهم مَا الذِي يَشغله بِالورقة الآن، لَكن عيِنيها كَانت تُتابع حَركة يَديه بِغير وَعي، كَيف يَضغط عِند الحَواف وَيثني الأَطراف وَكأنه يَحفظ خَطواته عَن ظَهر قَلب

"ماقولتليش برضوا وايه المُقابل ..."

جَفلت لِحديثه ، كَانت تُتابع حَركة يَديه بِعينيها بِحرصٍ شَديد سَائله لِنفسها 

"مَا الذي يَفعله بتلك الورقة؟ وكيف لطيات ورقة أن تحمل كل هذا التأنّي… تتحرك أصابعهُ بِثقة، كأنها تَعرف مَصيرها قَبل أن تُطوى"

كَانت يَده تَضغط الطَية ثُم تُمررها عَلى الأُخرى، وَكل صَوت وَرقة بَين أصَابعه كَان يَسرق جزءًا مِن انتِباهها فَكرر سِؤاله يَردف وَنظرَاتُه مُصوبه عَلى مَا يَفعلُه 

"والمقابل إيه لو ادّتهولك ياصاحبه السوار "

نَبست بِما لَديها تُحاول التَركيز عَلى حَديثه

"قولتلك قبل كده أني مش هقول لحد إنك كنت هنا… وهخليك تمشي بسلام"

تَوقفت أصَابعه عَن الحَركه ، لِتتشكل الوَرقه بَين يَديه عَلى هَيئة كَائناً صَغيراً 

تَجمدت عَيناها عَليه، تَتفحص انحِناءات الطَيات التَي صُنعت ..

رأْسه، وَتفاصيل جِناحيه المُطبقين كَأنهما يَرفُضان التَحليق

تَسربت إلىَ عَقلها تَساؤلاتها التَي لاَتنتهي 

" مَهلاً لحظه ، هَل شَكل الوَرقه عَلى هَيئة تَنينٍ صَغير ، لَكن لِماذا تِنين وَلماذا أَسود 
ولماذا تبدو أجنحته مقيدة كأنها لم تتذوق الهواء؟
ولماذا أشعر أنه يحدّق بي… بلا عينين؟"

اسئَله عَديده أَتت الىَ رَأْسها تَواً ، شَدت عَلى أهدَاب فُستانها وَهي تَراه يَضع التَنين عَلى المَكتب بِرفق، ثُم خَطى نَحوها بِبطء

" بس انا ممكن اسرق اللي انا عايزه وامشي من قبل حتى ما تلحقي ترمشي " 

قَضمت شَفتاها لِيبتعد عَنها لِتزفر فِي رَاحه وَهو يَنتظر رَدها بِعينين لاَ تَخفيان الفِضول ، قَررت هَي أَن تُسايرهُ فِي حَديِثها 

" أ .. ايه اللي ممكن اقدمهولك قصاد أنك ترجعلي سواري ، لو عايز فلوس انا ممكن اتصرفلك و  " 

قَاطع حَديثها وتَوجه نَحو النَافذه أَزاح السِتائر
يُطالع الحِضور بِالأسفل ، تَحركت تُفاحة ادم خَاصتهُ بِبطىء 

" انا عايز حاجه تانيه قصاده " 

تَراجعت نِصف خَطوه تِتسائل مُستغربه 

" حاجه تانيه " 

.. .. .. ..                  🍁                       .. .. .. .

تسمّرت السَيده "نعيمة" عِند مَدخل القَاعة، تَلتفت بِرأسها يمينًا وَيساراً ،  تَبحث عَن السَيده " وداد " وَسط زِحام المَارة وأضوَاء الزيِنة 

يَقف " أنس " إلىَ جَوارها كتفاه مائلتان قليلًا ، يَتكأ عَلى قَدم والثَانيه نِصف مَرفوعه ، يَنظر حَوله بِسأم ، لِتسأله

"ممعكش رصيد يا أنس  خالتك وداد قالتلي هتقابلني قدام القاعة ومش لقياها"

أخرَج "أنس" هَاتفُه من جَيبه بِضجر، وقدَّمه لَها وهُو يُتمتم

"خدي يا أمي اهوه… بس أنا مش عارف أنا لزمتي إيه هنا، ماليش لازمة أهو وصلتك خلاص سيبيني أروح"

التَقطت مِنهُ الهَاتف  تُقلِّب بالأرقام،  تِجيبه دُون أن تَنظر لهُ والأنوار الملوَّنة مِن فَوقها تَنعكس على وجهها

"لا تروح إيه .. عايزهم يقولوا إني جايّة بطولي وماليش رجالة ، اترزع يا ولا هنا معايا لحد ما خالتك ترد ونشوفها فين"

تَدفّق مِن دَاخل القَاعة صَوت الزَغاريد ممزوجًا بِرائحة الورود وقِطع الكَيك الطَازج، عَلا فِي أُذنها صَوت "وداد" مِن الطَرف الآخر للخَط

"أيوه يا وداد .. بتقولي ايه.. دخلتي القاعة من بدري .. وإيه اللي يخليكي تدخلي لوحدك، مش قولنا هندخل سوا"

صَمَتت لِحظة تَستمع، بَينما كَانت تُعدِّل حِجابها بإحدَى يَديها، ثُم أردَفت وَهي تتجهَّم قليلًا

"ده هي ساعة يا وداد .. ساعه أنا لحقت أتأخر ذنبي إيه ،  تلاقي العروسة هي اللي جَت بدري اطلعي يلا خُديني، مش هقعد أدور عليكي ما بين الناس… ده الناس كتير أوي، تقوليش فرح بنت الريس"

انتَقلت بِالهاتف إلى أُذنها الأُخرى، وأشَاحت بيِدها تُبعد شَعرة طائشة عَن وجهها دَاخل الحِجاب ، ثُم قَالت بِنبرة جَادة

"بتقولي إيه؟ بيوزعوا الجاتوه ،  لا، لو كده أوعي تيجي… احجزيلي طبقين، طبق ليا وطبق لأنس."

كَانت "نعيمه " عَلى وَشك إنهَاء المُكالمة، لَكنها تَذكرت

"استني… أنا ما بحبش الكريمة حوشيلي قطعة بالشوكولاتة يلا، يلا، دخلالك أهو"

.. .. .. ..                      🍁                         .. .. .. .. 

صَوت الأوزَان وَهي تَرتطم بِالأرض يَملأ الصَالة، أنفَاس المُتدربين مُتلاحقة، والعَرق يَسيل عَلى الأَذرع المُشدوده

يَقف "لقمان " في المنتصف ، يَرتدي كِنزه ريِاضيِه سَوداء مُلتصقه بِعضلاتُه المُجهدة، وَسِروال رِياضي قَصير، مَلمس القفازات الجِلدية يَظهر مَع قَبضته التَي تُشير لِشابٍ يَرفع الحَديد بِوضعية خَاطئة

عدّل "لقمان " ذِراعيه بِنفسه ثُم تَحرك بِخطوات ثَابتة بَين الأجهَزة، تَقدّم أَحد المُتدربين، يَمسح جَبينه بِمنشفة صَغيرة سَائلاً

"كابتن… هو الأحسن أبدأ أزود أوزان دلوقتي ولا أركز إني أزود التكرارات الأول"

ابتَسم "لُقمان" ابتِسامة خَفيفة، ثُم رَبت عَلى كَتف الشَاب هَاتفًا

"بص… الجسم مش بيتبني بالوزن لوحده، ولا بالتكرار لوحده الأساس إنك تتعلم تتحكم في كل حركة… تنزل وتطلع بنفسك صح

لو استعجلت على الحديد هتأذي نفسك قبل ما تكسب حاجة ،  الأول ركّز على التكرار بوضعية صح، وبعدها الأوزان هتيجي لوحدها "

أَومَأ الشَاب رَأْسه بِتفهم وَعاد "لقمان" لِأكمال عَملُه
بِأبتسامتهُ التَي تُزين ثَغره ، لَكن ابتِسامتهُ تَلاشت  
حِين لَاحظ تَوقف الجَميع عَن التَمارين ، لَم يَرتاح لِنظراتهم المُثبته عِند البَاب ، مَشط خَطواته لِلمنتصف

" في ايه ياشباب كله يرجع لتمرينه " 

انتَقل بِبصرُه ناحية البَاب لِيجد فَتاه ذَات عيون لاَزورديه غَامضه ، شَعر فَحمي أَملس ، بَشره بَيضاء شَاحبه ، كَما أن مَحجريها حَادتان وَناعستَان 
تَرتدي ثيابٍ رياضية رمادية ، شورت قصير  وتوب يفضح خصرها العاري في جرأةٍ صادمة ، وَعلى عُنقها تدلّت سَماعات الهَاند فِري الوَرديه مَمزوجه بِلون الڤانيلا 

حِضورها بَدا غريبًا فِي هَذا الحَي الشَعبي، وَسط صالةٍ خُصصت للرجَال
تَحدثت بِصَوتها الهَادىء لِلغايه وَكأنهُ يَصلح لِألقاء تَهويده لِلنوم مَع ابتِسامه بَرزت صَف أسنَانها 

" هـــاي يامستــر " 

تَوقف يُطالع مَلامحها بِدهشه حَيثُ تَوقف عَن الرَمش مُستغرباً

" أنـــتِ" 

.. .. .. ..                       🍁                        .. .. .. .. 

دَخلت السَيده " نعيمه " الىَ القَاعه تَبحث بِعينيها عَلى السَيده " وداد " لِتجدها تَرفع يَدها تُشير الِيها عَلى مَكان مَجلسها تَوجهت نَاحيتها يَتبعها " أنس " 
وَحين وَصلوا الى الطَاوله تَبادلوا السَلامات جَميعًا 
أَومَأ " أنس " لِيجلس بَجانب " سمر " ابتَسمت نَحوه لِيطرف بِعينيه بَعيداً عَنها يُحملق بِالحضور 
بِينما السَيده " نعيمه " تُتابع الحِضور عَن كَثب 

" لا بس باين ان العريس غني اوي يابت ياوداد عاملها فرح بالشىء الفولاني " 

تَمتمت لِتجيبها السَيده " وداد " وَهي تَدس قِطعه الكِيك بِداخل فَمها

" اه يابت ام محمد كانت قاعده معايا قبل ما تيجي مافيش وقالتلي انه كان شغال في عمان "

تَوقفت السَيده " نعيمه " عَن المَضغ لِتجيبها بِسخريه وَبسمه وَاسعه 

" لا شغال في عمان ايه ده هو عمان نفسه " 

تَعالت ضَحكاتهم سَوياً ، دَحرج " أنس" مِقلتيه نَحو "سمر" لِيراها شَارده نَحو طَبقها ، تُحرك شَوكتها بِخفه 
بَين قِطع الكَيك الأسفنجيه ، كَان هُناك عُقده بَين حَاجبيها بَدا عَليها الضَجر قَاطعت السَيده "نعيمه" صَمتها 

" مالك ياسمر مابتاكليش ليه مابتحبيش الشيكولاته اخلى انس يجيبلك الكيكه البيضا " 

وَقبل أَن تُجيب قَاطعتها والدتها بِقول 

" ياختي دي عامله دايت يقطع الدايت وسنينه البت كان وشها منور ومتختخ قد كده دلوقتي بقت عامله زي البوصه " 

قَاطعت "سمر " حَديثهم قَبل البدء بِه بِقول 

" ماما ، ماما يلا نروح انا بجد اتخنقت ماليش لازمه قعدتي دي " 

اعتَرضت السَيده " نعيمه " عَلى مَطلبها 

" لا نروح ايه انا لسه جايه اقعدي ياسمر " 

وَقف " أنس " مُسرعًا يُساندها بِقول 

" انا كمان يا امي تعبان ولازم اروح وعندي شغل الصبح لو حابه تعالي ياسمر اوصلك في طريقي واقعدوا انتوا براحتكم " 

أشَار لِوالدته عَلى الخَارج 

" انا هاروح اوقف تاكسي " 

وَقفت " سمر " تَرتدي حَقيبتها ، تَستأذن مِن وَالدتها

" عشان خاطري ياماما خليني امشي والله تعبانه بجد ما انتِ عارفه " 

وَما أذنت لَها وَالدتها حَتى أَتى " أنس " هَاتفًا

"سمر يلا انا وقفت تاكسي "

تَحركت بِجواره ، أَطراف أَناملها بَارده وَوجنتيها مُحمره ، وَلكن ابتِسامتها لَم تَسقط بَعد 
هَزت رَأسها مُمتنه ، تَبتسم لهُ حيِن فَتح بَاب المَقعد  الخَلفي لِلسياره الأُجره ، وَجلس هُو بِالأمام بِجوار السَائق الَذي قَام بِسؤاله 

"رايح فين ياخويا " 

أشَار " أنس " بِرأسه عَالطريق 

" حي الكويت من ناحية مساكن شل ان شاء الله " 

أنطَلق السَائق بِطريقُه وَقد كَان السَائق بَسيطًا تحدث مَع  " أنس " قَليلاً عَن أَشياء عَشوائيه مِن بَينها عَن مَدى غَلاء الأَسعار  ، بَينما " سمر " كَانت نِصف مُستيقظه مُستميله عَلى النَافذه عَيناها تَلتقطان انعِكاسه فيِ المِرآة.
هِو نَفسُه… المَلامح، والبَسمه التَي لا تُخطئها، كَأن السَنوات لَم تَمُر
لَحظة وَاحدة اختَزلت المَسافة بَين الحَاضر وَطفولتهما، حَتى خُيّل لَها أنَها تَسمع صَوته القَديم وَهو يُناديها 

" ســـمر .. ســـمر " 

أَرتديت مَعطفهِا المَدرسي وَوشَاحٍ قُطني ، تِهرول عَلى الدَرج حَتى تَلحق بِه ، خَرجت مِن بَاب المَدخل تِهرول نَاحيتُه وَقد اعتَلت النَهجه صَدرها 

" معلش يا أنس اتأخرت عليك " 

أتَاها الرَد مِن زَميل أخر يَقف بِجوار " انس "

" اكيد كنتِ بتاكلي ونسيتي نفسك ، ارحمي شويه كرشك بقى مدلدل مش عارفين هاتروحي فين بعد كده " 

ضَحكات زَميلاتها قَد صَمت أُذنيها  ، نَبست "شيماء"  بِنبره جَافه تُطالعها بِهدوء  دُون أَي مَشاعر وَاضحه  

" بصي ياسمر انا وانس وبقيت الشله لو فضلتي تتأخري كده مش هنستناكي تاني وبطلي اكل شويه بجد شكلنا بقى وحش اوي واحنا ماشيين معاكي " 

تَراجعت " سمر " لِلخلف بِخطوه مُرتبكه ، بَقيت صَامته وَلكن أعيُنها حَكت الكَثير والكَثير ، التَقطت "سمر " حَقيبتها تَتجه نَحو المَدرسه  ليَلتقط
" انس " مَرفقها يِديرها نَحوه 

" رايحه فين ياسمر استني " 

قَلص نَظُره نَحوهم يَخبرهم بِتحذير 

"والله اللي مش عاجبه يمشي مع سمر يبقى مايمشيش معايا انا كمان ،  وبعدين ياست شيماء لو خايفه على شكلك الوحش ، بصي الاول في المرايه ، انتِ شبه الشمبانزي اصلا ، مع احترامي للشمبانزي طبعًا  " 

شَهقه فَرت مِن "شيماء" عَلى جُرئة حَديثُه بَينما "أنس" رَحل يَجذب "سمر " مِن مِرفقِها، يَجُرها بِخطواتٍ واسِعَة، كأنَّما يُبعدها عَن أَثَر الكَلمات الَّتي تَلَقتها

لكنَّها تَوقَّفَت فَجأَة، وتَخلَّصَت مِن قَبَضتهِ

"لحد امتى هتفضل تدافع عني كل ما حد يتنمر عليا وعلى تخني"

نَظر إِلَيها، وعلى وَجهِهِ ابتِسامَة صغيرَة أَقرَب إِلى السُّخرية اللطيفَة

"وفين تخنك ده .. انا مش شايف انك تخينه على فكره، وبعدين هما بيعملوا كده عشان غيرانين منك يا عبيطه"

ابتَعدت عَنه خطوَة، وبَدا في مَلامحِها غَصة

"اسكت يا انس هيغيروا مني على ايه، على وزني اللي شويه ومش هعرف امشي بعد كده"

وَقف أَمامَها، وعَيناه تَلمعان بِحَنانٍ لَم تُخطِئه

"يبقى ماتعرفيش قيمة نفسك ولا ايه، يابت انتِ اشطر واحده في المدرسه ودايمًا بتطلعي الاولى، والمدرسين كلها بتحبك وشيماء وغيرها عارفين اخرتهم هتبقى ايه وبكره تقولي انس قال"

اِلتفتَ نَحو الطَّريق، فَإِذا بِعربَة تِين شَوكي تَقتَرب، أَخرَج بَعض النُّقود مِن جَيبه وهو يَبتَسم

"عمو بتاع التين الشوكي جه بدري النهارده، تعالي انا عايزك تروقي بالك، وتهدي اعصابك بتينتين تلاته كده يعدلوا المزاج"

تَنهدت وهي تَبتسِم بِخفة، ولسانها يَمر على شَفتيها رَغبةً في المَذاق

"ايوه كده يلا بينا"
٠
٠
٠
" ســــمـــر " 

فَاقت مِن ذِكرياتها الطفوليه عَلى صَوته لُتجيب

"ايوه .." 

"انزلي هنكمل الحته دي مشي "

رَفعت رَأْسها نَحو النَافذه  فَرأت السَائق يُبدل أطَار السَياره بَعد أَن تَعطل ، نَهضت مُعتذره لِتنزل مِنها 

" اسفه ما أخدتش بالي " 

تَحركت بِجواره ، تَنظر نَحو الطَريق 

" انا مش فاهمه ازاي ما اخدتش بالي ان العربيه الكاوتش بتاعها باظ " 

طَالع الطَريق يَمنه وَيساره حَتى وَجدُه خَالٍ تَماماً مِن السَيارات نَظر لَها بِجواره

"عدي الطريق فاضي .. اكيد كنتِ سرحانه في حاجه"

تَجاوزا الطَريق فَقطبت حَاجباها تَستفهم 

" نعم .. مش فاهمه " 

ابتَسم بِسُخريه يَتجاوزها فَتبعت خَطواته 

" مش فاهمه ايه ياسمر بتقولي انك ما اخدتيش بالك ان الكاوتش اتخرم فبقولك اكيد كنتي سرحانه في حاجه او بتفكري في حد ، ايه اللي مش فهماه من كلامي  باين عليكي تعبانه بجد " 

ثُم عَرض عَليها 

" تحبي اوقف تاكسي لحد البيت " 

أَجابتهُ وَهي تُطالعه تُشير بِعينيها نَحو الطَريق 

" لا خلاص على ايه احنا داخلين على مساكن شل مالهوش لزوم " 

أَخرجت كَفاها تَنفث بِهما مِن خَلف الوِشاح مِن كَثرة البَرد وَقد كَان "انس" يَسير بِمحاذاتها ، استَدار نَحوها يَبتسم بِسخريه مِن حَركتها هَذه

" لسه فاكره الحركه دي " 

استَدارت "سمر " نَحو الأمام مُستفهمه 

" حركة ايه .." 

أَشار بِعينيه عَلى كَفيها لِتنظر نَاحيتهما ، تَذكرت حِينما كَانوا صِغاراً فَكانت تِلك الحَركه هِي الوَسيله لِتدفئة كَفيهما وَلكنهُ اضَاف 

" بس نسيتي تتفي في بطن ايدك وتدعكيها كويس اوي عشان تدفي اكتر " 

" يــــع ، تك الأَرف " 

ضَربتهُ بِخفه عَلى كَتفهُ ليَتراجع هُو خَطوه لِلخلف بِبسمه وَاضحه عَلى شِفاه ، لِتتجاوزهُ هَي بِقول 

" لا بجد احنا ازاي كنا بنعمل كده واحنا صغيرين ، ايه القرف ده " 

تَقدمت بِخطواتها نَحو الأَمام وَحاولت جَاهده أخفَاء ابتِسامتها وَقد كَان خَلفها يَهتف بِسخريه 

" طيب والله كانت حركه بدفي فعلا " 

وَقفت تُطالعه وَقد انفَرجت اساريرُها ، لِتنسل ضِحكه خَفيفه مِن ثِغرها 

" بصراحه اه  فعلاً يعني  " 

ضَحكا الأثنان مَعاً عَلى طِفولتهما سَوياً فَهناك ذِكريات تَجعلك تَتمنى أن يَعود بِك الزَمن لِاعادتها مَره أُخرى 

أَنحرفا نَحو الزُقاق الأَيمن حَيث لَمحت بِطرف عَيناها لاَفتة تِلك المَكتبه التَي كَانت تَزورها مِراراً
حِين كَانوا أطفَالاً  ، لَكن لِسببٍ مَا قَررت تَجاهل فضُولها الذِي يدفع بِها لِلتحدث عَنها لِتجدُه يَقول وَكأنهُ يَقرأ أَفكارها 

" فاكره مكتبة " مكه المكرمه " بتاعت عم حسن الله يرحمه  " 

لَم تَستطع كَبح ابتِسامتها عَن الابتِسام 

" طبعاً فكراها " 

قَررت أَن تُسايرهُ بِفتح بَاب الذِكريات حِين قَالت 

" فاكر انت لما كان لازم اجيب كراسه مربعات لأبله كريمه بتاعت الرياضه وقولت لماما قالتلي معييش فكه انزلي دلوقتي وهبقى اجيبهالك بكره " 

ضَرب بِكفُه عَلى جَبينه بِابتسامه وَاسعه 

" يـــاه فكرتيني ، لما قعدتي تعيطي وانا اليوم ده مكانش معايا غير نص جنيه وادتهولك والبنات اللي كانوا في ثانوي وقفوا وقالولك بتعيطي ليه فاكره " 

احمرت مَلامحها طَالبه بِرجاء 

" بس بقى عشان خاطري ماتفكرنيش " 

نَفى وبسرعه 

" مافكركيش ازاي ، دول عجبهم خدودك اوي وانتِ كنتي كوتي كده وصغننه وقعدوا يلعبوا في خدودك ويقولولك خلاص ما تعيطيش احنا هنجيبلك الكراسه " 

بَلعت مَا فِي حَلقها تَومىء فِي قِلة حِيله 

" يـــاه عَلى الأحراج بجد احنا كنا ازاي كده " 

خَتم كَلماته يَتحرك نَحو المَكتبه 

" طب والله كانت ايام حلوه ، ده غير عم عبد الله بتاع التين الشوكي ، اللي كنا لازم نعمله زياره واحنا رايحين المدرسه " 

جَحظت مِقلتيها بِقول 

" هو راح فين صح اوعى تقول مات زي عم حسن بتاع المكتبه الله يرحمه " 

" لا لا ده عايش بس صحته بقت على قده اوي وابنه ساعات بيقف مكانه على العربيه " 

تَكتفت تَنظُر نَحوه نَظره جِديه تُبدل نَظرها نَحو عَيناه رَغبه فِي المَزيد مِن التَوضيح 

" انس هو انت لسه بتيجي هنا " 

مَنحها ابتسامه واكتَفى بِالصمت  وَسلك الطَريق الأيمَن ، حَيثُ الكَثير مِن الأَشجار بِأوراق كَثيفه ، سَار بِمحاذاتها وَقد كَان الطَريق خَالياً وَلحسُن الحَظ وَجدوا أنفسهم أَمام المَدرسه التَّي قَضوا بِها اَيام طفولتهم الجَميله مَدرسه[ ١٥ مايو الابتِدائيه ]

تَوقفت خَطواتها وَتسمرت قَدماها هُناك .. استَدار 
" انس " نَحوها وَقد لَمحت عِيناها المُتسعه وَحاجباه اللَذان أرتَفعا وَهو يَقول 

" يلا.. " 

" يلا فين .." 

هَتفت بِصوتٍ مُرتفع فَلم يَكن أَحد هُنا غَيرهُم هُم الأثنَان ، تَراه يَبتعد عَنها يَتسلق جِدار المَدرسه ، لَطمت عَلى وِجنتيها بِدهشه 

" انس يخربيتك ، انزل بسرعه حد يشوفنا تبقى مصيبه " 

مَد لَها كَف يَده يَترجاها بِعينيه قَبل لِسانه 

" عشان خاطري ، انا المدرسه وحشتني اوي ، بذمتك ما وحشتكيش " 

ابتَسمت نِصف ابتِسامه وَقد رَفعت كَتفاها وَخفضتهما وَكأن مَا سَتقوله أَضحى مُسلماً 

" وحشتني طبعاً " 

أَنحنى بِجسدُه عَلى السُور يَمد يَدهُ أكثَر فَأومأَت "سمر" بِأبتسامه تَرفع يَدها لَهُ  تُراقب الطَريق بِعينيها بِحذر ليِرفعها هو نَحوه ، قَفز هُو  أَولاً عَلى الجَانب الأَخر ، لِيرفع ذَراعيهِ لَها 

" يلا ياسمر نطي " 

أَعَادت خُصلات شَعرها خَلف أُذنيها بِتوتر 

" استنى يا أنس ، المسافه بعيده اوي ، خايفه انط رجلي تتكسر فيها دي  " 

هَتف يَبث بِداخلها الطَمأنينه 

" نطي ماتقلقيش ما انا نطيت ومجراليش حاجه اهوه ، وبعدين ما انا فاتحلك درعاتي همسكك ماتقلقيش " 

تَنهدت تَغمض عِينيها وأنحَنت بِجسدها قَليلاً قَبل أَن تَقفز  ، لِتجد نَفسها سَقطت بَين ذِراعيه  ، لَم يَطل النَظر لَكن ارتِجافة أَنفاسُه فَضحتُه ، وارتَعش قَلبِه لِلحظه ، لَم يَقدر أَن يَخفيها ، كَانت لَحظه لَم يَملُك فِيها الا أَن يَبتسم صَامتًا ، أمَا هَي فَاسرعت تَتدارك مَوقفها  ، تَخفي ارتِجافة يَديها ، فَأشاح هُو بِبصرُه وَكأن الأَمر عَابر فابتعد بِخطوه مُرتبكه يَخفي  مَا لَم يَجرؤ عَلى البَوح بِه 

.. .. .. ..                       🍁                        .. .. .. .. 

أَغلقت "امنه"  البَاب خَلفها تَبتلع رِيقها تَتقدم بِبطء نَحو الدَرج تَهبط بِخطوات بِطيئه فَوق السِلم، رَاحتها تَستند إلىَ الدرَابزين البَارد، بَينما عَقلها لَا يَزال يُردد صَدى كَلماتُه الأَخيره

"لأ… أنا عايز حاجة تانية"

تَوقفت قَدميها عَن النزول ، التَفتت تَنظر لِلأعلى لِتتفاجأ بِه يَقف عِند مَدخل نِهاية الدَرج  ، وَقد الجَمها بِنظراتهُ لِتهمس بِداخلها 

مَاالذي تِحاول مِقلتاه الفَحميه أخبَاري ؟ مَن هُو هَذا الرَجل ؟ مَلبسهُ الجِلدي الأَسود ، القُفازان الجلديان  وَكأنهُم جَزءاً مِن هَيئتُه 

"امنه كنتِ فين ..انا دورت عليكي في كل حته مالقتكيش " 

أَومأت لِتبتسم فِي رَاحه عِند رؤيَتها لـ "حبيبه" فِالأبتعَاد عَن تِلك الغُرفه وَعنه يُشعرها بِالطمأنيِنه

" انا ، انا كنت بدور على الحمام بس مش عارفه  الاوض كتير و.. "

قَاطعتها " حبيبه " تَمسك بِراحة يَدها

" طيب ماقولتليش ليه وانا كنت وديتك " 

التَفتت " امنه" نَحو مَدخل نِهايه الدَرج مَره ثَانيه انفَرجت جِفونها تُطالع الفَراغ المُظلم فِي استِكانه حِين لَم تَجدهُ  وَكأنهُ لَم يَكُن ، وَقد التَقطت أُذناها صَوت شَقيقها أسفل نِهاية الدَرج يُلوح لَها فِي قَلق لاَحظت " حبيبه " شِرودها حَيثُ نَادتها بِنبره قَلقه 

" امنه أنتِ كويسه ، حصل حاجه ضايقتك  " 

" أَخشى أن أُخبرتُهما بِما حَدث  عَن البَارحه وَما حَدث اليَوم بِأن يَظنوا أنِي أختَرع حُجه لِكي لاَ اُساعدهما فِي أتمَام زوَاجهما ، وَأني أُمهد لَهما فِي رَغبتي لِلرحيل وَأنا لاَ أُريد هَذا ، يَجب أن أجبر شَفتاي عَلى الأبتِسام مَهما كَان الأمر يُمزقني فَاليوم هُو أَهم يَوم بِحياتهما"

تَصنعت الأبتسِامه وَنبست بِصوتٍ كَاد يَخرج مِن بَين شَفتيها 

" ابداً ماحصلش حاجه ، وبعدين ماينفعش اضايق ابداً وانا شايفه بنوته زي القمر كده قدامي " 

لَم تَتصور " امنه " أَن تَكون سَبباً فِي جَعل الأحمر يَتصبغ عَلى وِجنتي " حبيبه " فَابتسامتها حَكت لَها الكَثير كَما لَو أنَها كَانت تَحتاج سَماع كَلاماً كَهذا 

" بجد انتِ سكر اوي يا امنه باين علينا هنبقى صحاب ، بس يلا بقى عشان موسى جه من بدري وقاعد في المكتب مع بابا مش عايزينهم يستنونا اكتر من كده " 

أَومَأت " أمنه" تَتبعها نَحو المَكتب وَسط الأضواء 
والمُوسيقى الصَاخبه ، تَدفع بِشقيقها لِلأمام ، نَقرت 
" حبيبه " نَقره والثَانيه ، سَاعدت " أمنه " فِي تَهذيب مَظهر أخِيها تَبتسم لَه لِأناقتُه وَتوتره أَيضًا
بِقول 

" ماتقلقش .. ان شاء الله خير " 

دَخلت "حبيبه " تَتبعها " أمنه " وَهي تَدفع بِشقيقها 
تُطالع والدها بِابتسَامه 

" مساء الخير " 

التَفت لَهم " موسى " وَرفع رَأْسُه يُحييهم بِنظره قَصيره وابتِسامه وَاسعه 

" مساء النور .." 

.. .. .. ..                       🍁                       .. .. .. ..

"هَتفضل تبصلي كده كتير يا مستر لقمان  ولا تحب اقولك ياكابتن "

رَغبت "ليلاس" فِي أضَافة المَزيد لَكنهُ أَلجمها بِوضع يَده عَلى فَمها ، يَشير لِلجميع صَارخًا

" انتوا واقفين بتتفرجوا على ايه كله يرجع لتمرينه " 

تَحرك الجَميع عَلى مَضض بَينما هُو جَذبها لِلأسفل 
هَزت " ليلاس " رَأسها عَاضه يَدهُ بِقوه لِيطلق تَأوه مُتألمًا لَاعنًا أَياها لِتسبُه هِي 

" انت اتجننت .. ازاي تحط ايدك على بوقي وتجرني وراك كده " 

طَالعها يَبحر بِمقلتيه بَين ثَنايا وَجهها 

" مش أنتِ البت اللي كنتي في المدرسه الانترناشونال بتاعت سانت فاطيما اللي انا مقدم فيها  "

تَمتمت هَازه بِرأْسها مُتكتفه

" أيوه انا .. " 

مَدت لهُ كَف يَدها لِمصافحتُه بِابتسامه سَاخره 

" أحب اعرفك بنفسي انا ليلاس " 

لم يُبادلها السَلام بَل طَالع  الجِوار بِعينيه لِيجد اعيُن جَميع مَن بِالحاره عَليهم بِسبب مَلابسها القَصيره تِلك 

" أنتِ اكيد معاكي عربيه صح ما هو مش معقول هتعدي في الشارع بتاعنا ده ولسه سليمه بلبسك ده " 

أَشارة لَه عَلى السِياره بِسبابتها وَما أَن دَخل حَتى سَألها 

" أنتِ عايزه ايه ، وعرفتي طريقي ازاي " 

تَنهدت وَهي تُقلب بَصرها نَحو عِيناه بَعد أَن أَزَاحت خُصلاتها تَرفع حَاجبيها بِغرور وقَد تَغيرت نَظرتها تَمامًا 

" بص يامستر ، انا جايه هنا اقولك كلمتين وامشي 
ولو نفذتهم ، مش هيبقى في بينا اي مشاكل بس لو ماتنفذوش صدقني ، هتلاقي المشاكل بتقع فوق راسك من كل حته لدرجة انك مش هتبقى عارف تلمها " 

بَلع ريِقه بِتوتر واستَدار نَحوها 

" لاء ثانيه واحده كده " 

أرعَش كَف يَدهُ عَن قَصد يَشير لَها بَعينيه

" بصي على ايدي كده .. انا خايف " 

ابتَسمت بِسخريه فَبادلها بِأخرى مِثلها ثُم اقتَرب مِنها هَامساً لَها بِتحذير 

" اسمعي يابت انتِ انا مش فاضي للعب العيال بتاعك ده ياتقولي عايزه ايه ، ياهنزل واسيبك واسيب اهل الحاره كلهم عليكي بلبسك ده " 

قَطبت حَاجباها مِن حَديثه  ، تُراقب عَيناه وَقد بَان بِهما الصِدق لِتردف 

" بابا ونورا جاينلك بكره الصبح عشان يشكروك على اللي عملته معاها ، علشان انقذتها ومخلتهاش تنط ، ومش عايزاك تجيب سيرتي لا انا ولا اللي كانوا معايا وهيعرض عليك كمان انك تقبل انك تبقى مدرس عندنا في المدرسه اتمنى انك ماتوافقش واللي انت عايزه انا هدهولك  " 

وَمض أَمام عَينه مَاحدث مُنذ يَومين ، حِين كَانت تَحث الفَتاه عَلى القَفز مِن مَبنى سوراً عَالي ، تَنهد بِصبر قَليل وَهو يَخبرها 

" طيب وابوكي ماله ييجيلي انا ليه "

أَجابته عَلى مَضض 

" علشان نورا تبقى بنت مرات بابا ، وبابا هو اللي مربيها " 

أَومأ يَشيح بِبصرُه نَحو البَاب يُتمتم بِنبره يُخاطب بِها نَفسُه 

" بنت مرات ابوكي وهو اللي مربيها يعني زي اختك ، ازاي تتمني الموت لاختك بالشكل ده " 

انسَلت ضِحكه مُستهتره وَضيقه مِن ثِغرها

" مكانتش هتموت " 

تَنهد لِيعدل جَلستُه 

" ازاي ، انا لو مكنتش جيت كان زمانها ميته " 

" مش شغلك ، انا عارفه انا بقولك ايه ، المهم بابا لما ييجي ماتجيبش سيرتنا انا وزمايلي نهائي وزي ما قولتلك اللي انت عايزه انا هدهولك " 

نَبرتها كَانت حَاده وَلكنها بِها بَعض الضَعف أيضًا

جَعد هُو حَاجباه وَقد التَقط ذَلك

" اللي يشوفك دلوقتي مايشوفكيش وانتِ في المدرسه  مستقويه على واحده ضعيفه لا حول لها ولا قوه ، انا حتى لو ماقولتش لوالدك اكيد هي هتقوله " 

رَفعت رَأسها صَوبه تُحدق بِنظره لاَ مُباليه ..بَارده

" مش شغلك خليك في نفسك وبس " 

" طيب اسمعي بقى ، لا انتِ ولا عشره زيك هيخلوني اكذب ،  ولو ابوكي جالي لحد هنا انا هقوله على كل حاجه والوظيفه هقبلها عشان نفسي فيها بصراحه ، ومستني اشوفك انتِ وشلة الصيع اللي كانوا معاكي هيعرفوا يعملوا ايه " 

أَجفَلت عَلى صَوت أغلاق البَاب وَقد ظَلت عَيناها تُطالع النَافذه الزُجاجيه ، كَان يَبتعد وَجسدُه يَتقلص كُلما زَادت المَسافه وَقصر القُرب 
قَبضت هِي عَلى عَجلة القِياده بِقوه تَتوعد لهُ

" هنشوف يامستر .. هنشوف " 

.. .. .. ..                         🍁.                   .. .. .. .. 

خَرجت السَيده" نعيمة "و"وداد " مِن قَاعة العُرس بَعدما خَبت الأضوَاء وانطَفأت الموسِيقى، وَساد السِكون أرجَاء المَكان

 كان الليل قد أرخى سدوله على الشارع الخالي إلا من ضجيج متقطع من بعيد، والهواء يحمل رائحة البخور المختلطة بعطر الزهور الذابلة

 توقفتا عند الرصيف تنتظران سيارة أجرة تقلّهما إلى منزليهما، وما زالت بقايا الفرح عالقة في ملامحهما.

التفتت "وداد" إلى "نعيمة" بعد لحظة صمت، وعلى وجهها تردّد ظاهر، وقالت بصوت خافت

"عايزه أسألك سؤال يا نعيمة… بس مترددة شوية."

انطفأت ابتسامة نعيمة ببطء، وحدّقت في صديقتها وقد تغيرت ملامحها

 "خير يا وداد، قولي ياختي."

نظرت وداد حولها بارتباك، ثم اقتربت منها وهمست

"ما تأخذنيش يعني… هتفضلي لحد إمتى مخبّية على لقمان إنك مش أمه الحقيقية؟ مش ناوية تقوليله الحقيقة بقى؟"

ارتجف قلب السَيده "نعيمة" ، وشعرت بغصّة تعلو صدرها
ثم  رمقتها بنظرة قاسية لم تفهم وداد مغزاها

"أوعي أسمعك تسأليني السؤال ده مرة تانية يا وداد… كفاية اللي حصل في موسى، إنتِ فاهمة؟"

ارتبكت السيده " وداد"  من شدّة تلك النظرة التي تحولت في لحظة إلى صرامة مخيفة، فأطرقت سريعًا وقالت

"حاضر… مش هجيب السيرة دي تاني يا نعيمة."

.. ..                            .. ..                           .. .. 

 إن كَانَتْ كَلِمَاتِي قَدْ وَجَدَتْ لَهَا مَقَامًا فِي قَلْبِكِ، فَلَا تَبْخَلِي بِقلب يَضيء لِي الدَّرْبَ، وَتَعْلِيقِ يُنْبِتُ فِي رُوحِيَ الرَّغْبَةَ فِي الاسْتِمْرَارِ✨


تعليقات



×
insticator.com, 6ed3a427-c6ec-49ed-82fe-d1fadce79a7b, DIRECT, b3511ffcafb23a32 sharethrough.com, Q9IzHdvp, DIRECT, d53b998a7bd4ecd2 pubmatic.com, 95054, DIRECT, 5d62403b186f2ace rubiconproject.com, 17062, RESELLER, 0bfd66d529a55807 risecodes.com, 6124caed9c7adb0001c028d8, DIRECT openx.com, 558230700, RESELLER, 6a698e2ec38604c6 pmc.com, 1242710, DIRECT, 8dd52f825890bb44 rubiconproject.com, 10278, RESELLER, 0bfd66d529a55807 video.unrulymedia.com, 136898039, RESELLER lijit.com, 257618, RESELLER, fafdf38b16bf6b2b appnexus.com, 3695, RESELLER, f5ab79cb980f11d1