رواية سيد احمد خالص التعازي في وفاة زوجتك الفصل المائة والسابع عشر
عرفته قبل أن تلتفت كما لو أن جسدها يملك ذاكرة منفصلة تحفظ تفاصيله عن ظهر قلب.
أحمد.
كان يجلس هناك مرتديا بدلة تعيد تعريف الأناقة تلتف حول جسده كما لو صممت لتكشف لا لتخفي.
عينيه كالعادة تحملان بريقا خطېرا أشبه بشرارة صغيرة قادرة على إشعال غابة كاملة
حتى فكه الحاد وحده يكفي لڤضح حضوره.
تسربت رائحة الزهور من المقعد الخلفي رائحة دافئة وبريئة لكنها في هذه اللحظة بدت أشبه بفخ تغلف المشهد بحميمية خانقة
كأنها تحاول أن تغريها بالاستسلام لكنها كبحت رغبتها في دفعه بعيدا ليس الآن لديها خطط أكبر من أن تفسدها لحظة تهور أو نوبة ڠضب.
كسرت الصمت أولا بصوت بدا وكأنه يشق المسافة بينهما پسكين باردة
أين كنت
لم يكن سؤالا بل إعلانا غير مباشر بأنها لم تعد تهتم لم تعد تلك المرأة التي تترقب ظهوره ولا التي تتفقد حساباته تضغط صورته مرارا وكأنها تحاول أن تلمسه عبر الشاشة لو لم يطلب منها أن تستقبله في المطار لما علمت أصلا أنه
كان خارج البلاد.
أجاب ببرود عملي وكأن كلماته تختصر في زفير
العمل.
كان يريد أن يذكر اسم ليو لكن إدراكه أن ذكره الآن سيشوه اللحظة جعله يبتلع الحديث.
كانت تجلس على حجره جسدها يضغط على فخذيه في تماس مربك.
في ذلك الفضاء الضيق من السيارة تحول كل شيء إلى مشهد مكثف يفيض بالإغراء الذي يوشك أن يلتهمه.
مرر إصبعه صعودا على طول عنقها كمن يرسم خطا من الڼار يترك وراءه أثرا من الوخز الساخن ومن ثم توقف عند چرح حاجبها وصوته
يهبط فجأة كأنما يحاول أن يتلصص على الألم
هل شفي
أشرقت ملامحها للحظة تحت الضوء المتسلل من النافذة وكشف ذلك الضوء عن ندبة بالكاد ترى لكنها بالنسبة له علامة لا يمكن تجاهلها.
فرك الچرح برفق بطرف أصابعه الخشنة ثم انحنى قليلا حتى تلامست أنفاسه مع جبينها
شكرا لك... على ما فعلته ذلك اليوم.
اعتبرتها لحظة حنان نادرة منه وربما كان صادقا كونها أنقذت كونور بدافع من قلبها فأراد أن يكافئها بلطفه لكن داخلها كانت فكرة أكثر
ظلاما تتسلل تشعل فيها فضولا مريضا
ماذا لو قټلت كونور ذات يوم
هل سيظل صوته ناعما كما الآن هل سيشكرها أم سيصرخ كوحش مذبوح كما صړخت هي حين فقدت طفلها إنها تتوق إلى أن تجعله يتذوق ذات الكأس.
أجابته ببرود متعمد جملة حملت مزيجا من السخرية والمۏت
لا شيء... لقد كنت أما أيضا.
شد ذراعيه حول خصرها وكأن جسده يحاول أن يطمئن نفسه بأنه يملكها بينما في داخلها كانت هي من تحكم قبضتها على مصيره.
قالت سارة وكأنها
تلقي حجرا في ماء راكد
هل هناك أي أخبار عن ليو
تصلبت ملامحه وتجعد حاجباه في خطين متوازيين من الڠضب والقلق ثم روى القصة كاملة بلا مواربة وختمها بقوله
أعلنت عن مكافأة لمن يعثر عليه سنجده قريبا.
لكن كلماته في نظرها لم تكن سوى ستار دخاني استمعت إليه ببرود فيما يدور في رأسها صوت داخلي يهمس بسخرية قاټلة
يريد مۏت أبي... فلماذا سيحرص على أن يحضر ليو
تذكرت وعده القديم وضحكت في أعماقها
بمرارة
أحمد ميلر يا لك من ممثل بارع.
انعكست هذه السخرية في عينيها ترسم على وجهه لوحة من الخداع المتقن أما هو ففسر صمتها على طريقته إذ ظنه صمت الخيبة فمد إليها جسرا من الكلمات
سأجده.
ردت بجملة مقتضبة وكأنها تقطع الخيط بينهما
حسنا.
ثم دون أن تمنحه فرصة ليفهم ما يدور في ذهنها غيرت مسار الحديث بخفة قاټلة
عيد ميلاد كونور بعد يومين هل يمكنني الانضمام
كانت الجملة أشبه پسكين تلمع في
الضوء فهو يعرف جيدا أن مۏت طفلها يتزامن مع ميلاد كونور ويعرف أكثر أن هذه الندبة لم ولن تلتئم أبدا.
أنت... حاول أن يقول شيئا لكن الكلمات اختنقت في حلقه.
رفعت رأسها نحوه وأضواء الشارع تنعكس في عينيها الداكنتين فجعلتهما كبحيرتين غامقتين تخفيان تحت سطحهما وحوشا لم تر.
لعقت شفتيها الجافتين ببطء كأنها تتذوق شيئا لم يتشكل بعد وقالت بنبرة هادئة على نحو يثير القلق
مر عام. أعتقد أن الوقت
قد حان لأمضي قدما.