![]() |
رواية انتقام الوريثة الفصل السادس عشر بقلم اسماء حميدة |
جلس جاستن إلى جوار رايان لا كمن يستند إلى مقعد فاخر بل كمن يجلس فوق جمرٍ موقدة كل شرارة منها تتغذى على غيرة تشتعل في صدره بينما كان صديقه يراقب المشهد ببراءةٍ لا تخلو من السخرية وعينيه تبرقان بدهشة طفلٍ اكتشف لعبة جديدة.
قال رايان وهو يحدّق في الطابق السفلي:
ــ "من ذلك الذي يجلس إلى جوار تلك الحسناء؟ لحظة… أليس هو آشر تومسون الرئيس التنفيذي لمجموعة KS؟! ما الذي أخرجه من صومعته؟ ظننتُ أن هذا الرجل ناسكًا لا تفتنه أضواء النوادي… هاها! يبدو أنه استسلم أخيرًا للإغراء."
لم يدرِ رايان أن حدسه أخطأ الطريق حتى جاستن نفسه انخدع؛ فالذي يجلس بجانب بيلا لم يكن آشر بل شقيقه التوأم **أكسل**
نسخة طبق الأصل منه يثير ارتباك كل عينٍ لا تعرف الأسرار… بل لبيلا أربعة أشقاء توائم وجوه تتشابه حدّ الالتباس كأن القدر أراد أن ينسج خيوط الخديعة بنفسه.
ارتسمت على ملامح رايان ابتسامة مغرورة وصوته يتدفق حماسة:
ــ "يا للغيرة التي أشعلتها بي آشر! تلك الفاتنة يجب أن تكون حبيبتي… إنها خسارةٌ أن تضيع بين يديه!"
بينما في الأسفل…
كانت بيلا تبتسم ابتسامة هادئة رقيقة كضوء قمر يتسلل إلى غرفة مظلمة… ابتسامة أحرقت صدر جاستن؛ لأنها كانت يوماً له… ابتسامته هو… إرثه الذي كان يملكه وحده في الماضي.
.. جز على أنيابه پقهر متسائلاً پقهر تعجب له:
كيف استطاعت أن تمنحها لغيره؟ وكيف رغم العاصفة الإلكترونية التي مزقت
اسمها نهارًا لا تزال واقفةً كزهرةٍ لا تنحني للريح تضحك وتتألق وكأن شيئًا لم يكن؟ أما هو… فقد قضى يومه يلهث وراء فضائح تتكاثر كالأشباح ويبحث عن مخرج يليق باعتذارٍ لم يعرف كيف يصوغه.
لعق رايان شفته السفلى واندفع قائلاً كمن يستعد لغزوٍ جديد:
ــ "لا يهمني إن كانت حبيبة آشر… ما زال بإمكاني التسديد حتى لو كان هناك حارس مرمى… الليلة سأقتنصها!"
هنا ولم يستطع جاستن أن يحبس الطوفان إذا اشتدت قبضته حتى صارت عظامه تصرخ، وشفتاه انعقدتا حول كلمات خرجت كالړصاص:
ــ "إياك وأن تعبث معها… إنها زوجتي."
الټفت رايان إليه بعينين متسعتين كمن سمع صاعقة تهوي من السماء:
ــ "ماذا؟!"
أضاف جاستن وجاء صوته مخڼوق بمرارة
ابتلعت حنجرته:
ــ "طليقتي…"
توقف الزمن للحظة ثم اڼفجر رايان في وجهه كمن يوبّخ طفلًا أضاع جوهرة نادرة:
ــ "ماذا تقول؟! أهي تلك التي كنت تصفها بالمملة السخيفة؟! هل كنت أعمى أم غبيًّا؟ لا… أنت كلاهما جاستن! انظر إليها… إنها كنزٌ لا يتكرر…. أثمن من أي روزاليند باردة تدّعي الحب!"
تجمّدت ابتسامة رايان حين اصطدمت عيناه ببرودة نظرات جاستن… نظرة كأنها سيف صُقِلَ على مهل ليقطع صوته قبل أن يخرج لذا حاول التملص بلهوٍ مصطنع فأخرج لسانه ساخرًا وقال:
ــ "حسنًا، لم أقصد إلا قول الحقيقة. أتذكر؟ لقد طلبتُ لقاءها من قبل لكنك صدّتني ببرودك وأقسمتَ أن لا جدوى… عندها تخيلتُها بشعة… وحشًا يتنكر في ثياب البشر...
لم أتوقع أنها... مهلاً! إلى أين تركض؟!"
لم ينتظر جاستن اكتمال الجملة بل اڼفجر كعاصفة تُمزّق الباب خلفه وانسحب.
في الجانب الآخر من القاعة جلست بيلا إلى جوار شقيقها الثاني أكسل تتناوب معه على كؤوس الشراب… وجنتاها كانتا كأزهار الكرز وقد اشتعلتا بلون الخجل الممتزج بالسكر غير أن بريق عينيها كان يخون حقيقةً أخرى:
لم تكن ثملة بل غارقة عمدًا في كأس تنوي به غرق أحزانها.
اقترب أكسل منها وجاء صوته مشوب بالقلق:
ــ "بيلا... هل أنتِ بخير؟"
ضحكت بخفة ثم هزت كأسها أمام وجهه تطالبه بإضافة المزيد قائلة بمرحٍ مُرّ:
ــ "ألقي النرد!"
رنّ هاتف أكسل فجأة وكان مديره على الخط فاضطر أن يبتعد وهو يقول:
ــ "انتظريني هنا لن أتأخر."
لوّحت بيلا بيدها مستهزئة وكأنها تسقط عن كتفيها ثقل الدنيا:
ــ
"لقد طُردتَ!"
وبمجرد أن ابتعد زحف الفراغ نحوها… رجالٌ تهاووا من كل اتجاه… يقتربون منها كذئاب شمت رائحة جرحٍ نازف يتملقن إلى تلك الفاتنة… ارتجفت عيناها غير أنها استجمعت هدوءها وبدأت تتأملهم في صمتٍ ساخر:
ــ "هذا قصيرٌ للغاية... وهذا هزيل كظل... جسر أنفه منبسط كأرضٍ عطشى... عينا ذاك متسعتان كنافذتين بلا ستائر... لا أحد منكم يشبهه… لا أحد يشبه جاستن..."
ضحكت داخليا… ضحكة عاړية من الدفء:
كان جمال جاستن بالنسبة لها تحفةً أُهملت حتى علاها الغبار من كثرت ما أرهق حاله بالعمل والركض خلف المال… وروزاليندا.
وبينما كانت ټغرق في مقارنتها تناهى إليها صوت صخب من الجوار… مجموعة من الشبان وضحكات متكسرة على وقع زجاجات فتعلقت عيناها بمشهدٍ فج:
رجل
يضغط على امرأة لتحتسي كأسها عنوة… ذلك الرجل لم يكن سوى زيكي شقيق روزاليند بابتسامة ڤاجرة تفضح نواياه غير أن ما فجّر ڠضب بيلا هو يدٌ خفية تُسقط مسحوقًا في كأسٍ قبل أن يمرره إلى زيك.
كأن شرارة اشتعلت في عروقها فنهضت بيلا من مقعدها بخطوات متمايلة لكنها حادة واندفعت نحوه العيون تلاحقها والهمسات تنمو حولها كأغصان متشابكة.
توقفت عندهم ورسمت ابتسامة ساحرة على وجهها المتورد ثم قالت بصوتٍ مخمور لكنه واثق:
ــ "هل تسمحون؟ أيمكنني الانضمام؟ يبدو أنكم تستمتعون كثيرًا!"
كان وقع كلماتها كالسحر إذ ارتخى فك زيك ولعابه يكاد يقطر من عينيه قبل فمه وهو يفكر أن المرأة بين ذراعيه لا تساوي شيئًا أمام هذه الجالسة أمامه الآن… لعق شفتيه قبل أن يقول بصوت مبحوح:
ــ
"كل ما تشتهينه سنفعله."
تناولت بيلا الكأس من يده ترفعه بين أصابعها كأنها تزن قدَرَه ثم ابتسمت بخبث وقالت:
ــ "بسيطة... اشربه كله."
عمّ الصمت المكان… وجوهٌ مصډومة تتبادل النظرات فاسودّت ملامح زيك إذ عرف أن سرّه مكشوف وبات الجميع يدركون أن هذا الشراب مُثقَل بالمخدر ولن يجرؤ أحد على شربه.
اقتربت منه خطوة… عيناها تضيقان كسهمين مسمومين، ثم أضافت بنبرة لاذعة:
ــ "هل أطعمك بنفسي؟"
وقبل أن يستوعب انقضّت حركتها كعاصفة مباغتة ورشّت محتوى الكأس على وجهه ناثرة السائل فوق جلده فتراجع متلعثمًا والذهول يسيل من ملامحه بينما صړخة امرأةٍ قربهم شقت الأجواء وارتجف الجمع بأكمله يبتعدون خطوةً إثر أخرى فيما بيلا وقفت كتمثالٍ من لهب لا تهتزّ أمام الذهول
الذي بعثرهم.
