رواية الراتل الفصل التاسع عشر 19بقلم اسماء ايهاب

  


 رواية الراتل الفصل التاسع عشر بقلم اسماء ايهاب



منذ أن انتزعوها من بين ذراعيه لإسعافها، وهو قابع على المقعد المعدني أمام الغرفة، عيناه لا تفارقان كفيه المخضبتين بدمائها .
يحرك جسده في ضيق كلما مر الوقت، وكأن المقعد تحول إلى جمرة مشتعلة تحرق صبره .
لا يزال مشهد سقوطها على الأرض عالقًا في ذهنه، يرى الدماء تتسرب ببطء من صدرها، ويراها تفقد وعيها شيئًا فشيئًا .
لا يدري كيف وصل بها إلى المشفى ، وقد فقد أعصابه وتكالبت عليه الذكريات حتى كادت أن تهشم روحه تمامًا .

تزاحمت المشاهد المروعة في رأسه، مشهد موت شقيقته "دهب"، ثم ذلك المشهد الذي لا يغادر ذاكرته مهما مرت الأعوام وقد كان أكثرهم رعبًا .

كان يقود السيارة باقصى سرعة بعدما جاءه إتصال يخبره أنه قد نشب حريق في منزل صديقه "عزيز"، وحين اقترب وجد حريق هائل استطاع رؤيته عن بُعد، وصراخات استغاثة لا تزال تدوى بأذنه حتى الآن .
أوقف السيارة سريعًا وترجل منها يسرع إلى داخل المنزل الذي تأكله النيران دون أن يعبأ بالمخاطر، فقد كان والده يمكث مع والد صديقه منذ وفاة شقيقته، والده بالداخل يحترق، يفقده كما فقد شقيقته دون أن يقدر على فعل شيء، لكن منعه من الدخول بعض رجال المنطقة مع رجال الإطفاء، حتى خرج صديقه عزيز مُحاط بغطاء سميك تبكي بصمت، دفع من حوله بعنف وتوجه نحوه يطمئن عليه، واجفل حين صرخ عزيز بحسرة :
_ ماتوا يا داوود، متقدرش الحقهم مقدرتش و الله 

تجمد جسد داوود بصدمة، لم يستوعب بعد ما قاله عزيز، هل فقد والده داخل الحريق، هل فقده قبل أن يتصالحا، ثقل تنفسه وكأن هناك حجر ثقيل على صدره، نفى برأسه يمنع نفسه من تصديق كلمات صديقه، قبل أن يجد جثمان خلف الآخر يخرجهما رجال الإطفاء، وقد تفحما تمامًا .
وكان الأول لوالده الراحل، والآخر لوالد صديقه "عزيز" .

شهقت بقوة يخرج نفسه من دوامة الذكريات ، ورفع رأسه يحاول التقاط أنفاسه التي انحسرت بصدره في اختناق، يتطلع كل دقيقة على الباب المغلق يتأهب لخروج الطبيب بأي لحظة، ليطمئن قلبه الملتاع عليها .
بينما تقدم منه إلياس بهدوء، بضع يده على كتفه ينبهه بوجوده، متسائلًا :
_ اية يا داوود طلعت ؟

رفع وجهه إليه يقابله بعيناه الخاوية، ثم أطلق تنهيدة قوية مجيبًا :
_ لا، لسة ... عملت اية مع اللي مرمي في الشقة ؟

سأل يصك على أسنانه في حقد واضح، ليجلس إلياس إلى جواره قائلًا :
_ جت سليمة، الرصاصة جت في كتفه و رجالتنا خدته تعالجه في اي داهية 

ابتسم داوود بسخرية، وقال بغيظ :
_ مع اني مكنتش ناوي انها تيجي سليمة 

ساد الصمت بينهما لفترة حتى فُتح باب الغرفة وخرج الطبيب، انتفض قلب داوود وأسرع نحو الطبيب يسأل بقلق على حالة زوجته، ليبتسم الطبيب وأجاب بهدوء :
_ متقلقش عدت على خير، الجرح مكنش بالعمق اللي تخيلته 

وأخيرًا استطاع أن يلتقط أنفاسه براحة، شعور الفقد هو أسوء شعور يمكنه الإحساس به، ومنذ اللحظة لن يتهاون في الحفاظ عليها، ولن يسمح لتلك اللحظات العصيبة أن تتكرر، مرر يده على وجهه يزفر بقوة قبل أن يهتف :
_ الحمد لله، يعني هي تمام دلوقتي، ادخلها؟

سأل في نهاية جملته، ليتحدث الطبيب بهدوء مجيبًا :
_ هي واخدة مسكن ونايمة، ممكن لما تصحى تدخلها، و هي تقدر تخرج النهاردة 

تنقلت عيناه بحرص بينهما قبل أن يستطرد :
_ بس أنا لازم ابلغ البوليس لأن دا شروع في قتل

نظر إلياس إلى الطبيب، دون تفكير تحدث بهدوء :
_ يا دكتور دي مرات اخويا، وهي كانت بتحاول تنتحر بعد ما اتخانقوا مع بعض، وكانوا واقفين على الطلاق 

التفت إليه داوود، يعلم انه لا يريد للشرطة التدخل في الأمر الآن، ليتنهد بقوة حين قال الطبيب بنبرة متشككة :
_ ربنا يهدي الحال، على العموم .. هي اللي هتقرر لما تصحى انتحار و لا شروع في قتل .

شكره إلياس قبل أن يغادر قائلًا :
_ شكرًا يا دكتور

جلس داوود على المقعد من جديد، وكاد أن يتحدث إلا أن قاطعه رؤية حمزة يقدم بخطوات واسعة اتجاهه، توقف أمامه يمرر عيناه عليه بقلق من أن يكون قد أصابه مكروه، ثم سأل :
_ اية الأخبار يا داوود، رحيل كويسة ؟

شعر داوود بقلقه عليه ليشير بعينه إلى المقعد المجاور لكي يجلس، قائلًا بهدوء :
_ الحمد لله، متقلقش يا حمزة، الدكتور طمني 

أخرج حمزة هاتفه، ووقف عن المقعد متوجهًا نحو الخارج قائلًا :
_ هكلم كنزي اطمنها عليها عشان سايبها قلقانة 

أومأ إليه داوود دون أن ينبس بكلمة، فقط ينتظر بصمت كي تستفيق، بينما تتأجج نيران القلق بصدره حتى يطمئن عليها .

مرت ساعة كامل .. حاول فيها إلياس الحديث في بعض الأمور لكي يخرج شقيقه من سجن خوفه، وبالطبع تدخل حمزة بحديثه الفكاهي، وكان داوود يتشارك معه الحديث لكن عقله معها بالداخل، حتى خرجت الممرضة تنبأه باستفاقة زوجته وذهبت لتخبر الطبيب .
هب واقفًا عن المقعد بلهفة، وكاد أن يدلف إلى الغرفة حتى لمح الدماء الجافة على كفيه، وحتى لا يخيفها قرر غسل يديه جيدًا، ليلتفت إليهما قائلًا :
_ هروح أغسل ايدي وجاي 

نظرا إلى بعضهما بتعجب، بينما تحرك هو إلى حيث المرحاض، غسل يديه جيدًا يزيل عنهما دمائها، ثم جفف يديه ونظر إلى انعكاسه بالمرآة، مرر يده على شعيرات ذقنه المشعثة يرتبها، داخله سعيد لم يفقدها كما كان يخشى، منذ تلك اللحظة التي كانت بين ذراعيه تنزف أدرك أنه لا يقدر على فقدانها، أصحبت جزء لا يتجزأ من حياته، تنهد بقوة وأخذ يرتب خصلات شعره بأنامله حتى يذهب إلى زوجته .

فتحت عيناها ببطء، تنظر حولها بتيه، وأول ما خطر ببالها البحث عنه، لكن قابلها وجه الطبيب الذي ابتسم ببشاشة يسألها أن كانت تشعر بألم، لتسأل بنبرة يتجلى بها الخوف :
_ داوود فين ؟، داوود كويس ؟

تأوهت بخفوت حين شعرت بألم الجرح، بينما سأل الطبيب وهو يهم بفحص جرحها :
_ قصدك جوزك ؟ 

أومأت برأسها بايجاب، ليجيبها بهدوء :
_ جوزك برا متقلقيش 

أشار بعينه إلى الممرضة واردف :
_ روحي نادي لجوزها 

خرجت الممرضة على الفور، وبدأ الطبيب بمعاينة وفحص جرحها، وتأكد أنها بخير حتى الآن .
بينما في الخارج سألت الممرضة عن زوج المريضة، ليجيبها إلياس أنه بالمرحاض وسيأتي بعد قليل، أومأت برأسها، وقالت :
_ طب لما يجي خليه يدخل لأن مراته بتسأل عليه 

دلفت من جديد إلى الغرفة، حينها تقدم داوود بخطى سريعة إليهما، ليقابله صوت حمزة الذي يحفزه على الاسراع قائلًا بمزاح :
_ أسرع يا فتى زوجتك تبحث عنك 

فتح باب الغرفة على عجل،  ودلف بخطوات مضطربة إلى الداخل وأنفاسه كانت أكثر أضطرابًا، تقابلت أعينهما بنظرة تمتزج بين الخوف والارتياح وكل منهما يحاول أن يطمئن نفسه قبل الآخر، جلس على طرف الفراش، يمد يده ببطء، يمرر أنامله على وجهها، يتلمس حرارة جلدها، وكأنه يتأكد من حقيقة وجودها أمامه .
انحنى قليلًا، تنساب خصلات شعرها بين أنامله، ثم همس بنبرة يشوبها القلق :
_ أنتي كويسة ؟ .. حاسة بوجع؟

نفت برأسها، ورفعت يدها تمسد على ذقنه قائلة بهدوء :
_ لا، أنا كويسة، أنت كويس صح ؟

خرج الطبيب مع الممرضة، وحينها انحنى داوود اكثر يقبل رأسها قائلًا :
_ أنا كويس .. حمد الله على سلامتك 

ابتسمت بارهاق، ومررت أناملها من ذقنه إلى عنقه، قائلة :
_ الله يسلمك، هو اية اللي حصل اخر حاجة سمعتها صوت رصاص 

نظرت إليه بتوجس متسائلة :
_ هو مات ؟

نفى داوود، ثم قال من بين أسنانه المطبقة بغضب :
_ لا، اتصاب في كتفه، مع أني كان نفسي يخلص خالص 

نظرت إليه بعتاب، استندت بيديها على ذراعيه تحاول الجلوس، فعاونها حتى جلست معتدلة على الفراش واتكأت بظهرها على الفراش، قائلة :
_ داوود، بلغ عنه و سيبه للحكومة، مش عايزين مشاكل 

اترفع شفتيه بسخرية، ثم قال حتى ينهي الجدال :
_ اه، طيب حاضر 

كادت أن تتحدث إلا أن قاطعه صوت طرقات على باب الغرفة، ابتعد عنها يفتح باب الغرفة، فوجد إلياس وحمزة يسألون عن حالة رحيل، فأغلق الباب خلفه وأجاب :
_ كويسة الحمد لله 

حينها رن هاتف إلياس، فأجاب بهدوء وبعد دقيقتين من الصمت الذي لفت انتباههما إليه، أغلق الهاتف ونظر إلى شقيقه بنظرة ذات مغزى قائلًا :
_ شد حيلك يا داوود، محتاجينك 

فهم عليه سريعًا، لتتسع ابتسامة خبيثة، ربت على كتفه قائلًا :
_ طب استعدوا يا راتل 

***********************************
صباحًا .. خرجت مايان من منزلها، مستعدة للذهاب إلى عملها، ارتسمت ابتسامة هادئة على ثغرها بغتة حين تذكرت حديثها مع إلياس البارحة، رغم أنها إلى الآن لا تأمنه وتتوخى الحذر منه، لكن كلماته اللطيفة تداعب قلبها، وتجعل شعور بالأمان يتوغل إلى داخلها ببطء لذيذ .
خطت خطواتها الهادئة إلى الطريق، ينسج عقلها بعض المواقف التي من الممكن مشاركتها مع إلياس، وما يمكنها التصرف في كل موقف، فجأة .. صمتت كل أفكارها، وظهر الضيق جليًا على وجهها حين سمعت صوت تبغضه :
_ مايان

التفتت إلى مصدر الصوت، والذي لم يكن سوا صلاح الواقف خلفها تمامًا، صكت على أسنانها بغضب، وكادت أن تلتفت مغادرة من أمامه، لكنه أمسك بمرفقها يمنعها من الذهاب، قائلًا :
_ مايان عايزين نتكلم 

ابعدت ذراعها عنه، ودفعته عنها بعنف، وقالت بغضب :
_ إياك تقف في طريقي تاني، و مفيش كلام بيني و بينك تاني 

_ أنا آسف 

قاطعها بكلماته المعتذرة، لتبتسم بسخرية وذهبت تاركة إياه، وكأنه لم يقل شيء، لكنها عادت مجددًا تقف أمامه ترفع سبابتها أمام وجهه قائلة :
_ اه، و على فكرة أنا مش جاهلة انا مخلصة ثانوية و بمجموعة أنت معرفتش تجيبه يا فاشل، و كمان مش عاجزة دا عيب خلقي يعني ربنا خالقني كدا و حاجة مليش ذنب فيها يا جاهل 

انتهت حديثها الغاضب، ثم رمقته بنظرة محتقرة، وعقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة بشماتة :
_ و كمان خلاص أنا ارتبطت، ومش عايزة اشوف وشك تاني 

غادرت من أمامه بخطى حاولت جعلها سريعة، ولاحقها صوته المغتاظ صارخًا :
_ ماشي يا مايان، و أنا مش هسيبك هفضل وراكي

أما هي لم تلتفت إليه، فقط اتسعت بسمتها، وتنفست الصعداء، تشعر بالفخر من نفسها لإخراج ما بداخلها من كلمات كبحتها كثيرًا كادت تخنقها، وأخيرًا تخلصت من تلك الحجرة التي تثقل صدرها منذ فترة طويلة .

************************************
فتح صهيب باب شقته، ومن خلفه زوجته ووالديها، لكي يرون الشقة وما تريد يثرب تغيره بها، أشار بيده إلى الداخل قائلًا :
_ اتفضلوا يا جماعة 

_ بسم الله الرحمن الرحيم 

قالها السيد محمد وهو يدلف الشقة بهدوء، من خلفه دلفت زوجته، وابنته، جالت يثرب بعيناها في أرجاء الشقة، حيث كانت الردهة واسعة مطلية باللون الأبيض، وبعدها رواق طويل على جانبيه غرفتين كبيرتين وغرفة صغيرة مغلقة عليها قفل كبير .

أغمض عيناه بقوة حين سألت يثرب عن الغرفة المغلقة، وحين طال صمته تراجعت عن سؤالها، فسألت بهدوء مشيرة إلى الغرفة المجاورة لها :
_ لونها اية الأوضة دي 

فتح باب الغرفة سريعًا، يريها إياها وقد كانت باللون الأبيض أيضًا حوائط وأثاث، ابتسمت باستحسان، وقالت بهدوء :
_ لا حلوة و مش عايزة تتغير .. مش كدا يا ماما ؟

سألت والدتها التي تتأمل المكان بدقة، فالتفتت إليها بضيق قائلة :
_ كله أبيض في أبيض كدا يا يثرب هي عيادة يا بنتي 

أقتربت منها يثرب ترفع النقاب الذي سقط رغمًا عنها على وجهها مجددًا، وقالت بحماس مشيرة إلى الغرفة :
_ يا حبيبتي دي شكلها حلو اوي، و أنتي عارفة إني بحب اللون الأبيض 

تنهدت والدتها بقلة حيلة، وقد وعدت زوجها بعدم التدخل في ما تختاره اي كان مدى اعتراضها، لتربت على كتفها قائلة :
_ اللي يريحك يا حبيبتي 

حينها تحدث صهيب مقترحًا :
_ احنا ممكن ننزل نتفرج على عفش و موديلات جديد واللي يعجبك يا يثرب نجيبه 

رحبت والدتها بتلك الفكرة، وقالت مؤيدة حديثه بفرحة :
_ أهو دا اقتراح حلو، انزلي خدي فكرة بردو يا يثرب 

حين رأت سعادة والدتها وتشجيعها لفعل ذلك، وعدم ضيق صهيب، أومأت موافقة وقالت بهدوء :
_ ماشي مفيش مشكلة 

نظر إليها صهيب، ثم ابتسم قائلًا :
_ بكرا هعدي عليكي نعدي على كام محل للموبيليا، دا بعد اذنك يا حاج 

التفت في نهاية جملته لوالدها يأخذ إذن للخروج معها، فأومأ والدها بصمت إشارة لموافقته، ثم خرجوا حيث الردهة للجلوس معًا قليلًا، وعينا صهيب لم تنزاح عن تلك الغرفة المغلقة أبدًا حتى اغرورقت عيناه بالدموع تأثرًا بتلك الذكرى التي داهمته، تكوي فؤاده بحرقة الماضي .

************************************
داخل شقة داوود، اجتمعت عائلته للاطمئنان على رحيل، جلست كنزي إلى جوارها على الفراش تربت على كتفها، متسائلة بقلق :
_ عاملة اية دلوقتي يا رحيل 

ابتسمت لها، وأمسكت بيدها تطمئنها بصوت هادئ :
_ صدقيني و الله كويسة دي عاشر مرة تسأليني 

زفرت كنزي بغضب منها، وابعدت يدها قائلة :
_ قلقانة يا بنتي اعمل اية 

ضحكت رحيل بخفة، واخذت يدها مرة أخرى تربت عليها بحب، فوقفت السيدة لقاء لتعد بعض الطعام لرحيل، حتى تغادر من بعدها مع الجميع وترك رحيل ترتاح اليوم بعيدًا عن ضجيج العائلة .
ما أن خرجت السيدة لقاء من الغرفة حتى مالت رحيل على أذن كنزي قائلة :
_ عايزة أسألك سؤال بس سر بيني و بينك

أشارت كنزي إلى عينيها، ونظرت إليها بانتباه، حمحمت رحيل بحرج، ثم همست بصوت خافت :
_ بصي أنا حامل 

صرخت كنزي بحماس، وكادت أن تهلل بصوت مرتفع، وضعت رحيل يدها على فمها تكتم صوتها العالي، ثم قالت بغيظ :
_ هششش، أسكتي دلوقتي الله يخليكي، مش عايزة اعشم داوود دلوقتي 

همهمت كنزي تحت كف رحيل باعتراض، لتزيح رحيل كفها، واضعة سبابتها على فمها تحذرها من رفع صوتها، لتسأل كنزي بضيق :
_ اومال هتقوليله امتى ؟

تنهدت رحيل، وهمست من جديد :
_ عايزة اتأكد من كلامي يمكن غلطانة، أعمل اية ؟

لمعت عينا كنزي بسعادة، وشددت على كف يدها تقول :
_ أخدك معايا للدكتورة لما تقدري تخرجي 

أعاد رحيل خصلات شعرها خلف أذنها، وقالت بهدوء :
_ بس أنا مش عايزة اقول لداوود حاجة دلوقتي 

أومأت إليها كنزي، تشرح لها ما تنوي فعله :
_ عادي أنا هاجي اخدك و نقوله انك جاية معايا أنا، و لما نتأكد ابقى قوليله 

قُبض قلب رحيل فجأة، خوفًا ألا يسعد بخبر حملها، أو ألا يتقبل فكرة أن يكون له أبنًا منها، التفتت إلى كنزي تهمس مرتجفة :
_ مش هو هيفرح بردو، صح ؟

شعر بما يجول بخاطرها، لتربت على كتفها بحنو، قائلة بمرح :
_ اكيد يا بنتي، عيلة القاضي كلها بيموتوا في الأطفال أصلًا 

رفعت رأسها إلى الأعلى تدعو الله بتمني :
_ يارب يفرح بالحمل يارب 

قالت كنزي بعد أن لاعبت حاجبيها بمشاكسة :
_ ارهنك ان داوود هيفرح جدًا بالخبر دا 

وتزامنًا مع انتهاء جملتها دلف إلى الداخل داوود لكي يطمئن على رحيل، اخترقت الجملة أذنيه، ليعقد حاجبيه بتعجب متسائلًا :
_ خبر اية ؟

تجمدتا في موضوعهما كتماثيل حجرية عند سماع صوته ، وتبادلت عيناهما النظر إلى بعضهما نظرة قصيرة مرتبكة، ابتلعت رحيل ريقها ونظرت باستنجاد إلى كنزي تخرجها من هذا المأزق، لتلتفت كنزي إلى داوود مبتسمة بارتجاف، وقالت مشيرة إليها :
_ كنت بقنعها تيجي تشتغل معايا في السنتر، و قولتلها داوود هيفرح انك هتسيبه يتنفس شوية من غيرك 

ختمت جملتها بمزاح، فأقترب منها داوود يقبل رأس رحيل، قائلًا بحب :
_ لا، انا يا ستي مش عايزها تبعد عني 

صفقت كنزي بيديها، تصيح بمرح ومشاكسة اكتسبتها من زوجها :
_ الله عليك يا داوود يا قاضي 

ضحكت حين رأت خجل رحيل، لتنسحب بهدوء كي تتركها مع زوجها قليلًا، قائلة :
_ انا هروح اشوف عمتو خلصت أكل و لا لسة 

خرجت من الغرفة في حين تقدم داوود يجلس إلى جوارها، يغمز بعينه اليسرى متسائلًا بصمت أن كانت تريد شيء مختلف عن حديث كنزي، لتنفي برأسها نافية، ثم مالت تضع رأسها على صدره دون حديث آخر، ليمسد على خصلات شعرها برفق، قائلًا بنبرة هادئة تحمل بين طياتها محبة وحنو :
_ ممنوع تسيب حضني يا جميل 

***********************************
جلس صهيب على الأريكة، بعدما غادرت زوجته ووالديها، تنهد بقوة، يضع رأسه بين كفيه لعدة ثوانِ، تعصف الأفكار برأسه منذ أن سألت زوجته عن تلك الغرفة، وتفاصيل كثيرة ومتراكمة داخل عقله استيقظت فجأة تنهش به كقطيع من الذئاب .
ثم وقف لكي يذهب إلى الغرفة ينعم بالراحة قليلًا قبل الذهاب إلى المشفي لممارسة عمله، لكن أوقفه صوت اشعار برسالة جديدة، أخرج الهاتف من جيب بنطاله، يرى من صاحب الرسائل التي بُعثت تلو بعضها بشكل أثار قلقه .
و ما أن رأى الرسائل حتى جحظت عيناه بصدمة، تحرك صدره يعلو ويهبط عنيف، تتسع حدقتيه بذهول كلما مرت على الرسائل والصور مرة تلو الأخرى غير مصدق ما يراه أمامه .
زوجته الخجولة، شديد الحرص على احتشامها، التي يرى بها براءة لم يراها من قبل .. أمامه الآن شبه عارية في هيئة لم يراها هو بعد، وتبدو أنها من التقطت هذه الصور لنفسها .
خرج من غرفة الدردشة، ثم ضغط عليها من جديد وكأن هذا سيبدل الحقيقة الموجودة أمامه، ارتمى على الأريكة من خلفه، وبدأت النيران تنشب بصدره نيران تتفاقم كلما رأى قرأ كلمة مما هو مكتوب أمامه، كانت الرسائل تحتوي على :
_ كان نفسي انبهك قبل كتب الكتاب بس انا لسة عارف النهاردة 
_ انا و يثرب كنا بنحب بعض من زمان، والصور دي هي بعتهالي بنفسها، لو تقبلها على رجولتك كمل في الجوازة دي مع واحدة بتحب غيرك .

تعليقات