رواية الراتل الفصل العشرون بقلم اسماء ايهاب
كان الأمر كارثيًا، لم يكن يتخيل يومًا أن يقع في هذا المأزق، كان يعتقد أنها نُسجت من أحلامه بزوجته المستقبلية المثالية، مما يرى بها من تقوى وعفاف، وأتى ذلك المجهول وتلك الصور لتكون صفعة قوية له، وتظهر حقيقتها أمامه .
كان تنفسه مرتجفًا من فرط غضبه، ولا يزال يقرأ الرسائل ويشاهد الصور تكرارًا، وكأن في ذلك أمل لتتبدل الحقائق، لكن لا مجال لذلك الآن .
حاول التواصل مع هذا الرقم المجهول عدة مرات دون فائدة، النتيجة دائمًا "الرقم مغلق"، وكلما مرت الدقائق كانت تجذبه نيران الغضب ليحترق بها على جانبيه .
أخذ الأكواب الموضوعة على الطاولة يحطمها واحدة تلو الأخرى، ويزمجر بعنف لكي يهدأ غضبه، لكن لا يزيده ذلك إلا غضبًا .
وأخيرًا قرر الخروج من هذه الصدمة ومواجهة زوجته، فهب واقفًا عن المقعد بشكل مُفزع، وتقدم بخطوات غاضبة نحو الباب، لا يعلم كيف أوقف سيارة الأجرة ومتى وصل بهذه السرعة، كان شاردًا، عقله في مكان آخر .
صعد بخطى سريعة إلى سطح المنزل، وأخرج هاتفه من جيب بنطاله يهاتفها لتأتي له، وحين جاء صوتها الهادئ تسأل عن أحواله، تغضن جبينه بغضب، وتحدث بجفاء دون الرد عليها :
_ أنا فوق السطح .. اطلعي .
وهكذا انتهت المكالمة بينهما فقد أغلق الهاتف بعدها، دون أن تعرف ما سبب مجيئه، ولا حتى لما صعد إلى بدلًا من دخول الشقة .
غمرها القلق وزاد نبض قلبها بتوتر، رتبت هيئتها بثوب الصلاة وتخلت عن النقاب لأن والدها كان حريصًا ألا ينكشف السطح على الجيران، ثم صعدت دون أن تخبر والديها أنه بالأعلى، كانت تفضل أن تعلم ما يريده الآن .
كلما صعدت درجة من درجات السُلم كان يزداد خوفها بشكل مبالغ فيه، وقلبها الذي ينتفض بين ضلوعها ينذرها بالخطر دون مناسبة .
تراقصت ابتسامة مرتعشة على ثغرها حين وصلت أمامه مباشرةً، تنظر إليه بعينين متسائلتين، متوجستين، ثم قالت بهدوء :
_ خير يا صهيب في اية، طلعت على فوق لية ومدخلتش الشقة ؟
تجاهل سؤالها، كان معالم وجهه لا تُفسر، يكبح غضبه ويحاول السيطرة على نفسه حتى لا تنال منه صفعة قاسية، ودون أن ينبس بكلمة، رفع الهاتف أمام وجهها على صورة لها من بين الصور العديدة التي أرسلها له ذلك الشاب .
شهقت بصوت مرتفع، ووضعت يدها على فمها بصدمة، ازدادت وتيرة أنفاسها، وتحرك صدرها يعلو ويهبط بقوة وكأنها أنفاسها تتصارع للخروج .
ابتعدت عنه خطوة واحدة حين رفعت رأسها ورأت ملامح وجهه التي زادت غضبًا وحقدًا عليها، فتحت فمها تخرج تبريرًا متلعثمًا بصعوبة من بين شفتيها :
_ أنا .. أنا و الله كنت صغيرة ... هو ضحك عليا وـــ
أكتفى بهذه الجملة المتلعثمة، كان لديه ذرة أمل أن تُكدب تلك الصور، شعور الخذلان كان قاسي، لكنه تحمله مرارً لم يكن أقسى شعور واجهة بحياته، لكن الآن يشطر فؤاده من شدة الألم .
باغتها حين أمسك بذراعها يجذبها إليه بقسوة، تأوهت بألم ورفعت عينيها له بذعر، منتظرة ردة فعله، ليدنو نحوها يسأل من بين أسنانه بحدة :
_ تعرفيه من امتى ؟، لسة على علاقة بيه ؟
بكت بقهر، كانت تخشى أن يطاردها الماضي الضبابي، والآن يفتخر بحضوره، ويذلها أمام زوجها .
ترنحت بين يديه حين هزها بقوة منتظر إجابتها، لتهمس بصوت محشرج :
_ و الله كنت عارفاه و انا في أولى ثانوي، و الله ضحك عليا وفهمني أنه بيحبني واقنعني إني ابعتله الصور دي وكان بيهددني أنه هيقول لبابا اننا على علاقة ببعض لو مبعتش .. و الله هو كام شهر وقدرت ابعد عنه لما عرف واحدة جديدة
تعالى صوت بكائها، ومالت بثقل تستند برأسها على صدره، تتوسل له مسامحتها والعفو عن خطئها، لكن جاء سؤاله التالي كجلدة قوية بسوط من نار على جسدها :
_ لمسك ؟
ارتجف بدنها لهذا الإتهام البشع، وكادت تسقط لولا يده التي تقبض على ذراعها بإحكام، وتلهفت لتنفي هذا الإتهام عنها حين قالت بذعر :
_ لا، لا و الله محصلش حاجة أكتر من الصور
اعتلى التهكم ملامح وجهه، وقال بلهجة حادة :
_ الصور اللي انتي فيها عريانة اصلًا
ترك ذراعها، وازاحها عنه بعنف، متوجهًا إلى الأسفل بخطى سريعة، فأسرعت خلفه تتوسل له بهمسٍ باكٍ :
_ صهيب، صهيب عشان خاطري
أستطاعت الوصول إليه قبل أن ينزل الدرج، وقبضت على ذراعه بضعف، تنظر له بخواء، نظرتها توحي بمدى ضعفها وقلة حيلتها في تلك اللحظة، وقالت متوسلة من بين شهقاتها التي ترتفع مع كل كلمة :
_ عشان خاطري متسبنيش، أنا آسفة حقك عليا، كنت فاكرة إني خلصت منه خلاص
جذب ذراعه منها، والتفت إليه يرمقها بنظرات كانت حادة بظاهرها وفي باطنها حزينة، ليضغط على ذقنه بأنامله بحدة، قبل أن يصرح بقسوة :
_ ملكيش خاطر عندي يا يثرب
نزل الدرج سريعًا متوجهًا إلى خارج البناية، تاركًا إياها تنهار من البكاء، وتجلس على الأرض غير قادرة قدماها على حملها أكثر من ذلك .
كانت تعتقد أنها تخلصت من تلك البؤرة المقززة التي وقعت فريسة بين براثنها، لكن عادت وبقوة لتفسد سعادتها بزواجها من صهيب الذي مال قلبها إليه في فترة قصيرة، وكُتبت نهاية تلك القصة قبل أن يبدأ الفصل الأول .
***********************************
رتب داوود هيئته أمام المرآة مستعد للخروج، وكانت هي تراقبه بهدوء، قلبها ينبض بخوف بين الدقيقة والأخرى، أصرت عليه أن يتابع عمله دون القلق عليها، وكانت ترتب مع كنزي ذهابها إلى الطبيبة دون علمه، وهذا ما كانت تخشى منه بالحقيقة .
تنهدت بقوة، تزيح ذلك الخوف المطبق على صدرها، فجذبت بذلك انتباه دون وعي منها، التفت إليها يراقب حالتها الشاردة بتعجب، وتوجه يجلس على طرف الفراش يسأل بتوجس :
_ مالك؟، مش قولتش أنك كويسة، حاسة بتعب ؟
زاد ارتجاف قلبها من لين نبرته، وشعرت بتأنيب ضمير لاتباعها حديث كنزي، لتضم شفتيها بضيق، ثم أومأت إليه في إجابة صامتة منها أنها بخير، لكن حدسه نبه أنها تخفي عنه شيء، ليكرر سؤاله على مسامعها مرة أخرى بنبرة حازمة .
لم تتحمل أكثر، أخذت نفسًا عميقًا، واقتربت منه قليلًا تشير بسبابتها أمام وجهه، وكأنها تحذره من الغضب :
_ بص، أنا هخرج مع كنزي
نفى على الفور، متعجبًا تخطيها الأمر بهذه السهولة، وقال بحدة :
_ لا، تخرجي فين، والجرح ؟
سأل مشيرًا إلى مكان جُرحها الذي لم يلتئم بعد، لتضع يدها على كتفه تمسد عليه برفق، قائلة بهدوء :
_ أنا مش تعبانة و لا حاجة، عايزة اروح معاها دا مشوار بس مش هياخد ساعة، و هنرجع على هنا
زفر بضيق، يمرر كف يده على وجهه بحدة، ثم صاح بنفاذ صبر :
_ يا بنتي مينفعش دلوقتي لما تخفي ابقي روحي معاها أي حتة انتي عايزاها .. و بعدين أية المشوار اللي مش هياخد ساعة دا ؟
سأل في نهاية جملته، ليتراقص الارتباك في مقلتيها، والتفتت عنه تهمس بتوتر :
_ هتشتري حاجات يا داوود
تأكد شكه أنها تخفي عنه شيئًا هامًا، ليقف عن الفراش ويتجهة إلى طاولة الزينة، يأخذ ساعة يده يغلقها حول معصمه الأيسر بإحكام، قائلة بجدية :
_ ما هو يا هتقولي الحقيقة، يا إما انسي أنك تخرجي معاها و انتي لسة تعبانة
خرجت من الفراش، تقف خلفه مباشرةً، وبدأت في ترتيب خصلات شعره من الخلف، قائلة بتذمر :
_ مانا كدا كدا هقولك لما نرجع و الله
التفت إليها بحدة، ووقعت عيناها فريسة لنظراته الحادة الموجهة لها، وانهى جدالها بهذا حين قال بحدة :
_ لا، هتقولي دلوقتي
اصطنعت البكاء، وأمسكت بذراعه تجذبها بقوة، قائلة بتوسل :
_ يا داوود عشان خاطري، و الله لما ترجع هقولك كل حاجة بالتفصيل، وافق بقى بالله عليك
طال صمته ينظر إليها بغيظ، لترسم وجه البراءة، تمسد على صدره برفق تسأل بدلال :
_ ممكن ؟
لم يصمد أمامها طويلًا، وارتسمت بسمة هادئة على ثغره، وكوب وجهها بين كفيه بغيظ من كونها تؤثر عليه، طبع قبلة على وجنتها اليمنى، قائلًا :
_ تكسبي .. خلاص اتثبت، روحي معاها وهيجي معاكم واحد من رجالتي
اتسعت ابتسامتها بسعادة، وأومأت إليه برأسها ممتنة له على موافقته، ليدنو منها يلثم الوحمة التي تزين عنقها بقبلة رقيقة، ثم همس بحب :
_ سلام يا "جُلناري"
بعد جملته الصادمة لها، خرج من الغرفة تاركًا إياها خلفه، تنظر في الفارغ بعينين متسعتين بذهول، لم تفق من صدمتها إلا على صوت الباب، لتلتفت سريعًا، تهمس بدهشة :
_ جُلناري ؟!
************************************
توقفت سيارتان سوداوان بالقرب من المخزن المقصود، خرج داوود أولًا بخطوات حذرة، يده على سلاحه في إستعداد تام، عيناه تمسح المكان بسرعة، خشية مواجهة شيء غير مخطط له، وتبعه شقيقه، حمزة، وعزيز، وبعض من رجالهم، يتربصون لأي حركة مفاجأة .
تسلل ببطء نحو بوابة المخزن، فكان هناك حارسان يتبادلان السجائر والقداحة، وقبل أن يتنبهون إليهم، كان داوود يطرح أحدهم أرضًا بضربة قوية على رأسه بكعب السلاح الناري، أما الآخر كان من نصيب إلياس الذي أمسك برأسه يصدمها بالحائط الحجري بعنف، ليترنح قليلًا قبل أن يسقط مغشيًا عليه .
فتح عزيز الباب بحرص، يترقب الأوضاع بالداخل بعينين كالوحش الذي يراقب فريسته، فوجد اربعة من أفراد العصابة يجتمون حول طاولة خشبية يلهون بأوراق اللعب "الكوتشينة"، يلقون على بعض النكات، وضحكاتهم تصل إلى الخارج بشكل مبالغ به .
أشار عزيز بيده، واقتحموا المكان بشكل عنيف، اجفل على أثره هؤلاء الرجال، سحب أحدهم السلاح عن خصره وأشهره بوجههم دون تفكير، وحين كاد أن يفعل الآخر، أطلق إلياس رصاصة تحذيرية من سلاحه المُزود بكاتم للصوت، فانطلق الشرار حين احتكت الرصاصة بالجانب المعدني جواره .
حاصرهم رجال الراتل يلتفون حولهم، ليطلق أحد أفراد تلك العصابة صفير عالي، جاء على أثره اربعة رجال آخرون، وبدأ الاشتباك بينهم .
وعندما كان الصراع في اوجه، كان حمزة يمسك بذراع المهاجم، ويقوم بلفه عكس إتجاهه لتتعالى صوت كسر عظمه تزامنًا مع صرخاته المتألم، ثم دفعه بقوة ليسقط على وجهه بقوة .
_ جدع يا ياض يا حمزة .
قالها عزيز من بين لكماته المتتالية لرجل بين يديه، ليعدل حمزة من ياقة قميصه بفخر، وقبل أن يتباهى بما فعله، باغته أحدهم يحيط عنقه بذراعه، يخنقه ويكاد يزهق روحه، لوح بيده عدة مرات طلبّا للإغاثة، فألقى عزيز الرجل من يده كقطعة ملابس بالية، وأسرع نحو مهاجم حمزة، ضاربًا خلف عنقه بسيف كفه، فترك حمزة وترنح بألم ليكمل عزيز ما بدأه، ونطحه برأسه ليخر ساقطًا على الأرض .
التفت حمزة ينظر بضيق إلى عزيز، ورفع كف يده بوجهه قائلًا بغيظ :
_ يخربيت عينك
أما على الجانب الآخر، استطاع أحدهم بغتة تسديد لكمة قوية إلى عين إلياس الذي تراجع إلى الخلف متألمًا، يضع يده على عينه اليمنى المُصابة، كاد المهاجم أن يسدد له الأخرى لكن بفوهة سلاحه، أسرع داوود يصوب على يده قبل أن يصيب أخيه مرة أخرى .
عمت الفوضى أرجاء المكان، واندفعت الصناديق الخشبية المليئة بالأسلحة إلى الأرض، وافترشت الأسلحة بكل انواعها الأرض حولهما، تزامنًا مع بداية سيطرة رجال الراتل على الوضع بشكل أسرع مما تخيل داوود، الذي بدأ في أصابة من يتوجه نحوه برصاص سلاحه بدم بارد .
وأخيرًا أعلنت رجال الراتل السيطرة الكاملة على هؤلاء الرجال، رغم مقاومتهم وهجومهم الضاري عليهم، لكنهم استطاعه الإنتصار في النهاية، انفرجت شفتي داوود في ابتسامة ساخرة على هؤلاء الذين يفترشون الأرض أسفل أقدامهم بلا حيلة، التفت يربت على كتف أحد رجاله المخلصين بفخر قائلًا :
_ اربطهم .
هز رأسه بطاعة، وتوجه ليقوم بتقييد هؤلاء الحمقى بمساعدة رفاقه، بمنتصف المكان، وحين انتهى الرجال من تقييدهم، تفاجأ الجميع بحمزة يدور حولهما ببطء يدير سلاحه الناري حول أصبعه، يدندن أغنيته المفضلة بهذه المواقف :
_ كام صندل بالشوت جان بام بام
رجلي تدب اسمع صوت صمت
بندغدغ عضم عضمضم
لو برطم اخوك في الوش يصدم
اخوك علي الوش يبصم
كبيركوا يشوفني يعظم
وقبل أن يوبخه داوود، وجد عزيز يبدأ بمشاركته احتفاله، ليضرب كف بالآخر بضيق تزامنًا مع ارتفاع رنين هاتفه، أخرج الهاتف وفتح الإتصال على الفور مجيبًا :
_ ايوة يا فايز، سامعك
جاء صوت فايز اللاهث من الطرف الآخر يقول محذرًا :
_ البوليس على بُعد دقايق منك يا راتل
أغلق داوود الهاتف دون الرد، ونبه الجميع على سرعة التوجه إلى الخارج، ثم اقترب من الرجال المقيدين على الأرض، ينظر إلى أكثرهم شراسة، وانحنى يقترب منه قائلًا بتهكم :
_ البوليس وفر علينا مشوار والله، لما يجوا قولهم الراتل باعت معانا السلام، وبس .
حينما أنهى حديثه، اعتدل بوقفته يتوجه بخطوات سريعة نحو الخارج مع الجميع، وبعد لحظات كانت السيارات تنطلق بسرعة بعيدًا عن المخزن، وأصوات المحركات تشق سكون الليل، وصفارات الشرطة تقترب كالعاصفة .
************************************
فتح داوود باب شقته، ليصدر صوت موسيقى مألوفة له، عقد ما بين حاجبيه بتعجب، وبدأ بالتركيز حتى علم أنها موسيقى من أحد ألعاب الأطفال، ابتسم يعتقد أن زوجته أشترت لعبة لنفسها، وهذا فرصة جيدة لكي يشاكسها قليلًا، لكن فجأة استمع إلى صوت طفل رضيع يبكي يأتي من غرفة النوم، ليزداد تعجبه من الأمر، أغلق الباب وألقى المفتاح على الطاولة متوجهًا نحو الداخل .
وحين دلف إلى الغرفة وجدها خالية إلا من ذلك الصوت، الذي يصدح من هاتف رحيل، اقترب ليغلق الهاتف، ليجد إلى جواره صور بالأبيض والأسود لم يفهم منها شيء، لكنها تبدو لأشعة ما، مد يده يلتقط الورقة المجاورة لها، وحين وقعت عيناه على ما مدون عليها حتى زاد نبض قلبه بسرعة ألمت صدره، ومرت رجفة قوية على جسده مصدرها مدى تأثره بتلك الكلمات البسيطة، ارتفعت وتيرة أنفاسه بعدم تصديق يقرأ المدون أمامه من جديد :
_ كلها كام شهر وهنشرف الدنيا يا بابا .
_ واحلى بابا
كانت هذه الجملة همست رحيل الهادئ من الخلف، التفت إليها سريعًا، يلوح بيده بالورقة أمامها متسائلة بنبرة مضطربة :
_ هو .. هو دا بجد، أنتي حامل ؟
أومأت إليه مبتسمة، واقتربت منه بهدوء حتى أصبحت أمامه مباشرةً، أخذت يده تضعها على بطنها تهمس بحب :
_ حامل في تؤام، بقالي شهر ونص
اتسعت عيناه بدهشة، يهمس بذهول :
_ تؤام !!
لم يكن يصدق ما يسمعه، لازالت الصدمة تسيطر عليه، لكنها كررت الجملة على أذنيه تخبره أنهما سيرزقون بطفلين إن شاء الله، اغرورقت عيناه بالدموع رغمًا عنه، لتشهق رحيل بذهول، وكوبت وجهه بين كفيها، تهمس بصدمة :
_ داوود انت هتعيط بجد ؟
كانت تظنه جامد المشاعر لن يتأثر بهذا الخبر، حتى أنها كانت تعتقد أنه لن يسعد بحملها أبدًا، فصدمها بردة فعله الغير متوقع بالمرة، رفعت ذراعيها في دعوة منها لاحتضانه، ليلقي برأسه على كتفها ويضمها إليه، لتمسد على ظهره برفق تهمس بسعادة :
_ مكنتش متوقع أنك هتفرح كدا، كنت فاكرة اصلًا أنك مش هتفرح
تنهد بقوة، وقبل كتفها، يهمس بصوت محشرج بعض الشيء :
_ معقول مفرحش بخبر زي دا، مين ميفرحش لما يعرف أنه هيبقى أب
ضمته إليها أكثر سعيدة بجملته، تهمس بجانب أذنه بحب :
_ بحبك
ابتعدت عنه غير منتظرة منه إجابة، تنظر إلى وجهه وتلك الابتسامة التي تزين ثغره بسعادة، ومدت يدها تمسح تلك الدمعة المعلقة بعينه، وتحدثت معتذرة على كتابتها الغير مرتبة بالورقة :
_ معلش على الخط المعفن بتاعي دا، والكلام اللي نصه غلط، بس انا في الكتابة مش قد كدا
فتح الورقة مرة أخرى ينظر بها، ثم تحدث بسعادة :
_ دا أنا هبروزها الورقة دي
مال يقبل جبينها، وقال بحب :
_ مبارك يا رحيل
_ الله يبارك فيك يا حبيبي
صمت لثوانِ ينظر إليها مضيقًا عيناه، قبل أن يمسك بتلابيب ملابسها برفق، قائلًا بمزاح :
_ يعني كنتي رايحة مع كنزي عشان تكشفي، ومخبية عليا
ضحك بصوت مرتفع، وأمسكت بيده تبعده عنها، وقالت :
_ استنى بس هفهمك، كنت عايزة اعملك مفاجأة، وبصراحة انت اللي فاجأتني بردة فعلك دي
ترك الورقة على الفراش، والتفت إليها من جديد، يحيط خصرها بذراعيه يقربها منه، ثم سأل بتعجب :
_ لية فكرتي كدا يعني ؟
تنفست بقوة، وأحاطت عنقه، تهمس بصوت هادئ، محاولة تفسير وجهة نظرها :
_ يمكن خوفت، خوفت متتقبلش حملي عشان ممكن متكونش حابب أطفال أو مش حابب أطفال مني
ظهر الانزعاج على وجهه، وتحدث بصدق :
_ بطلي هبل، متتصوريش انا فرحت قد اية، عمري ما فرحت زي النهاردة
قفزت بسعادة بين ذراعيه، تجيب بنبرة متحمسة :
_ أنا كمان فرحانة أوي، وخصوصّا أنهم منك أنت
ضحك على حماسها، يمرر يده على خصلات شعرها، ثم قال بتأثر وعدم تصديق :
_ مش مصدق أني هيبقى أب، ولاتنين كمان، الحمد لله
تنهدت بارتياح، ومالت برأسها على صدره، تدس جسدها بين حنايا صدره، تهمس :
_ الحمد لله يا حبيبي
***********************************
صباحًا، توجه داوود إلى منزل عائلته، بعد رسالة من شقيقته نغم، تطلب منه الحضور لأمر ضروري، ولأجل أخبارهم بحمل زوجته، وكان ردة الفعل كما توقع تمامًا، ساد الهرج والمرج بينهم، وهلل الجميع بسعادة وخاصةً عمته .
كان يشاهد احتفالاتهم به مبتسمًا بحب، دائمًا ما يشعر بالدفء مع عائلته، جيشه القوي الذي عاونه، ليتماسك بعد حادثة شقيقته، وموت والده حرقًا، كان الجميع بجانبه حتى يصمد معتمدين عليه كمسئول عنهم .
وقف عن المقعد، يصفق بيده لينتهي ذلك الاحتفال، قائلًا بمرح :
_ خلاص يا جماعة، سيبوا شوية لما تولد
ألقى عليه الجميع التهاني، ثم عم السكون بينهم، قطعه إلياس حين سأل عن ما تريد نغم :
_ خير يا نغم، في حاجة و لا أية ؟
خط الخجل خطوطه الحمراء على وجنتيها، وأنفها، وبدأت في فرك يديها بتوتر، ليميل حمزة على أذن زوجته هامسًا :
_ يبختك المنيل يا عزيز، اهي نغم قعدتلنا نفس القاعدة دي لما زفت الطين بكر جيه يتقدملها
زفرت كنزي بضيق، وقالت بغيظ :
_ لازم يتحرك، مينفعش كدا، يا أما ياخد خطوة، يا أما يسيبها تتجوز بقى وخلاص .
انتبهوا من جديد على صوت داوود الذي يحثها على الحديث، لترفع أناملها المرتجفة، تشير إليهم بلغة الإشارة التي أكثر من يفهمها هو داوود من بينهم .
_ عريس متقدملك ؟
سأل داوود حين فهم إشارتها، فأومأت إليه مؤكدة على ذلك بابتسامة خجولة، تبادلا النظرات فيما بينهم بضيق، ثم سأل إلياس قائلًا :
_ هو مين ؟، حد نعرفه ؟
وكأنه كان لديه أمل أن يكون هذا الشخص هو عزيز، لكن خاب ظنه حين أشارت من جديد، فراحت نظراته إلى شقيقه الذي فسر حديثها بعد تنهيدة قوية :
_ أخو الكابتن بتاعتها في الچيم
ساد الصمت وظهر عدم الترحيب على وجههم، وكان من تحدث هذه المرة هو السيد عزت زوج عمتهم، وسأل بهدوء متقدمًا نحوها بمقعده المتحرك :
_ طب بيشتغل اية يا نغم؟، عنده كام سنة ؟
أشارت من جديد، وفسر من خلفها داوود قائلًا :
_ ٢٩ سنة، بيشتغل مهندس مدني
صاح حمزة موجهًا حديثه إلى داوود :
_ زميلك يعني
لوح داوود بيده بغيظ، وقال بغضب :
_ يعني هو انت عيلتك سابتني اشتغل بشهادتي
فأجاب إلياس بضيق :
_ و هو حد فينا اشتغل بشهادته
أشار داوود بيده نحو حمزة، وذكره قائلًا :
_ حمزة اشتغل بشهادته، ما هو محاسب، الباشا عزيز اشتغل بشهادته مدير الشؤون القانونية
رفع حمزة كف يده بوجههما، قائلًا بنظرة محتقرة :
_ حسد وحقد عيني عينك كدا
أشاح داوود برأسه عنه، دون عناء الرد عليه، ليمسك بيد شقيقته يربت عليها بحنو قائلًا :
_ قوليلي يا نغم، أنتي شوفتيه
أشارت من جديد، مع نظرات الجميع، ليسأل إلياس يتأكد مما فهمه منها :
_ قابلته وهي واقفة مع الكابتن بتاعتها قدام الچيم، صح ؟
أومأ برأسه مؤكدًا حديثه، ثم تنهد بقوة، وربت على كتفها برفق، قائلًا بهدوء :
_ طيب يا نغم، ابعتيلي اسمه في رسالة عشان أسأل عليه، واللي فيه الخير يقدمه ربنا
وقف عن الأريكة، يخرج من الشقة متوجهًا نحو عمله، يحذرهما من التأخير، ليسرع حمزة إلى الشرفة، وأغلق خلفه يخرج الهاتف من جيبه، يهاتف عزيز الذي أتاه ردة الهادئ من الطرف الآخر :
_ ايوة يا عزيز
تهكمت ملامح وجهه، وهتف ساخرًا منه :
_ حبيبة القلب جالها عريس يا حلو، وهتتقلب انت للمرة التانية .
************************************
تنهدت والدة يثرب بقلة حيلة، بعدما خرجت من غرفتها ووجدتها لازالت تبكي منذ البارحة، ولم تذق للنوم طعمًا، وضع السيد محمد قدح القهوة من يده على الطاولة وسأل بقلق :
_ مالها يا فتحية ؟
نظرت بطرف عينها إلى باب غرفة ابنتها المغلقة، ثم نظرت إلى زوجها قائلة بحزن :
_ شكلها متخانقة مع جوزها يا حاج، بس شكلها خناقة كبيرة مش مبطلة عياط من امبارح
سأل السيد محمد متعجبًا :
_ هي كل دا و مقالتلكيش أية اللي حصل ؟
نفت زوجته برأسها، وأجابت :
_ لا، بتقولي مفيش
أخرج السيد محمد الهاتف من جيبه، وسأل بضيق :
_ طب اكلم جوزها أسأله في اية ؟
منعته السيدة فتحية حين تقدمت تجلس إلى جواره، تمسك بيده تمنعه من الإتصال قائلة :
_ لا ملناش ندخل بينهم طالما مدخلوناش
تنهدت بقوة، وربتت على كتفه مقترحة :
_ أنا من رأيي، تعزمه هنا، يمكن يتصافوا و يتصالحوا
أومأ إليها وهو يبحث عن رقم هاتف زوج ابنته، مؤيدًا فكرتها :
_ عندك حق، نسيبهم منهم لبعض
***********************************
أغلق داوود الهاتف، بعد أن اطمئن على زوجته، ثم التفت من جديد إلى حمزة، يركز في ما يشرحه له حمزة عن حسابات الشركة بالشهر الماضي، ليعود بظهره إلى الخلف، قائلًا :
_ أنت ناسي شركة الشريف يا حمزة
تهكم حمزة، وأخرج ورقة من بين العديد من الأوراق، قائلًا :
_ لا، منسيتش، ما انت لو كنت مركز ودماغك مش عند المدام كنت أخدت بالك
ضحك داوود، وأخذ منه الورقة، وقال :
_ المرة دي أنت عندك حق
وضع حمزة يده على كتفه، قائلًا بمزاح :
_ و الله ووقعت، على رأيي ويجز
كاد أن يجيبه داوود، لكن قطعه اقتحام عزيز للغرفة بعنف، ووقف أمامه يتنفس بقوة، يظهر على وجهه الغضب الشديد، عيناه تقدحان شررًا، ثم هتف بنبرة حادة :
_ داوود، أنا عايز اتجوز نغم
ليقطع حمزة توتر اللحظة، والغضب المسيطر على عزيز، قائلًا بسخرية :
_ كاظم، وحشني صوتك يا ابن الكلـ.ب .
