رواية الراتل الفصل الواحد و العشرون 21 بقلم اسماء ايهاب

    


 رواية الراتل الفصل الواحد و العشرون بقلم اسماء ايهاب



أوقف إلياس سيارته أمام المحل، وخلع نظارته السوداء، يتفحص تلك الكدمة الزرقاء الكبيرة التي تحيط بعينه اليمنى، تأفف بضيق ووضع النظارات مجددًا يخفي عينيه خلفها، لا يريد أن تراه مايان هكذا .
ترجل من السيارة بهدوء، وتوجه نحو الداخل، بحث بعيناه عنها ليجدها تنزل ببطء عن الدرج من الطابق العلوي، ليبتسم بحبور، قائلًا :
_ صباح الخير 

تردد الإجابات على مسامعه، حتى وصلت أمامه تبتسم ابتسامة واسعة، تردد بهدوء :
_صباح النور 

سأل عن حوالها، واجابته بخفوت وتوتر من نظرات صديقتها الماكرة، ثم تركته لتجلس على مقعدها، والتفت هو ليجلس على مكتبه .
مرت نصف ساعة تقريبًا، لم يخلع فيها نظارته الشمسية مما أثار تعجبها، لتخرج هاتفها تكتب له رسالة مشاكسة :
_ الشمس ضاربة في المحل و لا اية ؟

جاء إشعار له برسالة جديد، فتحت الهاتف ليبتسم حين رأى الرسالة، ليكتب لها جملة توازي مشاكستها له :
_ اه، شمس ضحكتك عمياني 

صدح صدى ضحكته بالمكان لافتًا الانتباه له، عندما وجدها تغلق الهاتف على الفور اصطنعت الانشغال بقطعة ملابس أمامها .
انتبه إلى أن الفتيات ينظرن إليه بتعجب، ليرسم الجدية على ملامحه بمهارة، ويهتف بحزم :
_ كملوا شغلكم، في اية ؟

ودون كلمة التفتت كل واحدة إلى عملها، ليمسك الهاتف من جديد، يكتب لها رسالة أخرى :
_ تحبِ نروح ناكل آيس كريم ؟

رأتها بتردد كانت تخشى أن يكون جملة أخرى تشعرها بالخجل، واجابته سريعًا :
_ لا، مش هينفع، أنتَ عارف 

تنهد بقوة، ثم كتب :
_ ملكيش دعوة بالمحل أنا هتصرف .

أغلق غرفة الدردشة الخاصة بهما، وأخرج رقم حمزة يهاتفه لكي يأتي ويراجع حسابات المحل، انتظر حتى أتى صوته، ليقول بهدوء :
_ ايوة يا حمزة، تعالى راجع حسابات المحل 

حين اعترض حمزة، وأخبره أن يحضر الدفاتر إلى المنزل معه في المساء لمراجعتها، لكنه هتف بضيق :
_ لا، بقولك دلوقتي حالًا 

انتظر ساعة كاملة حتى وصل إليه حمزة، يظهر على وجهه الحنق، ليقف إلياس عن مقعده، يأخذ أغراضه، ثم أشار إلى حمزة على الدفاتر الموضوع على الطاولة أمامه، قائلًا بجدية :
_ استلم 

انهى حديثه وتوجه نحو باب الخروج، ليمنعه حمزة ممسكًا بذراعه، يهتف باستنكار :
_ هو الوحش رايح فين 

_ مشوار، وجاي 

أجاب إلياس بعدما افلت ذراعه، ليجيبها حمزة بضيق :
_ يعني أنت جايبني اقعد مكانك بقى على ما تشوف حالك 

تحدث إلياس بنفاذ صبر :
_ أخلص يا حمزة، هي ساعة هتراجع أنت فيها الحسابات، وانا هقضي مشواري وجاي 

أومأ إليه حمزة على مضض، لتتفاجأ به يشير برأسه إلى الخارج ناظرًا نحو مايان، ليبتسم بمكر، واقترب من إلياس يضع يده على كتفه، يهمس بتخابث :
_ هو الموضوع في مزة، مش تقول من الأول يا جدع

ابتعد عنه، يغمز بعينه اليسرى بمشاكسة، قائلًا بصوت مرتفع :
_ الله يسلهوا يا عم 

دفعه إلياس بصدره، وخرج من المحل، وبعد دقائق قليلة تبعته مايان بخجل من نظرات حمزة إليها، توقفت أمام المحل تبحث بعيناها عنه، حتى وجدته يخرج من محل لبيع المثلجات، لتخطو بهدوء نحوه، وقابلها في يقف أمامها يمد يده لها بالمثلجات قائلًا بمشاكسة :
_ آيس كريم بالمانجا لأحلى منجاية عويسي

اضطربت دقات قلبها بسعادة، ضحكت بخجل على تغزله الذي راق لها، وأخذت منه المثلجات، تشكره بخفوت، توجها معًا نحو أحدى الأرائك الخشبي على الطريق العام، جلسا يتناولا المثلجات، وبدأ هو في الحديث معها متعمقًا أكثر في تفاصيلها وشخصيتها، ليلتفت إليها متسائلًا بعد حديثها عن تعليمها التي لم تكمله :
_ طب مكملتيش لية، ٨٣٪ كويس جدًا، أنتِ كنتِ عايزة تدخلِ كلية اية ؟

ظهر التحسر على ملامحها، تجيب بنبرة مهتزة، بينما تمسح يديها أثر المثلجات :
_ كلية تجارة، بس بابا مرضاش يخليني أكمل، وأنا رضيت .

أخفت عنه أن والدها قد أجبرها على ترك التعليم، ليذهب للعمل وتكسب قوت يومها، بعدما توفى مساندها الحقيقي "خالها"، ابتلعت غصة مؤلمة بحلقها، ليخلع هو نظاراته بتلقائية محاولًا مواساتها، متناسيًا تمامًا أصابة عينه، وكاد أن يتحدث لولا شهقتها الفزعة التي أطلقتها حين رأت عينه، واضعة يدها على فمها، ضرب جبيته بكف يده، فقالت بصدمة مشيرة بيدها نحو عينه :
_ أية اللي حصلك، أنتَ متخانق ؟

سألت بقلق، فأومأ برأسه مؤكدًا على حديثها، ثم تنهد بقوة، عاقدًا ذراعيه أمام صدره قائلًا بمزاح :
_ ضاعت الهيبة، الآن تراني سرسجي 

وضعت يدها على فمها سريعًا تمنع ضحكتها من الخروج، قبل أن تسأل مترقبة :
_ مضحكنيش، أية اللي حصل، أنتَ متعود على الخناق ؟

نظر لها ضاحكًا، ثم قال ببساطة، يريح ظهره إلى الخلف :
_ متعود !!، إحنا عندنا لازم نحلي بعد الغدا بخناقتين تلاتة كدا، بس متقلقيش دشملته 

هذه المرة لم تمنع ضحكتها من الخروج، بل ضحكته بقوة، تضع يدها على وجهها، وكان هو يتأمل حركاتها التلقائية بسعادة تلامس قلبه، بدا وكأنه هائم في تفاصيلها العفوية، ضحكتها التي ترن بأذنه كمعزوفة موسيقية شهيرة .
خرج من تلك الدوامة المغناطيسية التي تجذبه لها، حين سألت بمزاح :
_ هو أنتَ متأكد أن مامتك اوكرانية ؟

تبدلت ملامحه في ثوانٍ، تعكر صفوه حين ذكرت والدته، الذي لا يعلم عنها شيء أبدًا منذ أن كان طفلًا رضيعًا، ليرفع رأسه إلى الأعلى يتنهد بثفل، قائلًا بنبرة تظهر ما يكنه داخل صدره من حزن :
_ صدقيني مش عايز اتأكد .

عقدت حاجبيها بتعجب، لتبدل حاله، وحزنه الذي لمع بعيناه الخضراوين، فسألت بحيرة :
_ لية ؟

أجاب بهدوء يخفي خلفه جُرح لن يلتئم :
_ أمي سابتني من وأنا طفل، جابتني لابويا مصر عشان تتجوز تاني، ومن يومها مسألتش عليا .

ضغطت على شفتها السفلية بقوة، نادمة أنها سألت وجعلته يتألم، وهي أكثر ما مدى الألم التي يتسبب به الأهل، لتهمس معتذرة :
_ أنا آسفة

أخذ نفسًا عميقًا، ووضع النظارات على عينيه، وتحدث بمرح يحاول تجاوز هذا الحديث قدر المستطاع :
_ بقولك اية مش هنقلبها غم، قومي نتمشى شوية 

سبقها خطوتين حتى يستنشق الهواء لعله يهدأ، ونظرت هي في أثره تهمس بسعادة بعد تنهيدة حارة :
_ ياريت قابلتك من زمان يا إلياس 

***********************************
صعد داوود الدرج المؤدي إلى شقته، يضع الهاتف على أذنه يستمع إلى صوت عزيز المترقب، ليتنهد رافعًا كتفيه بقلة حيلة، وقال بتشفي :
_ موافقتش يا عزيز اعملك اية، شايفاك زي اخوها يا أخي 

ارتسمت ابتسامة خبيثة على ثغر داوود، فقد جاء له الفرصة الذهبية لأذلال عزيز، ليردف بأسف :
_ معلش يا عزيز ربنا يعوضك عنها 

صاح عزيز بغيظ من الطرف الآخر، يعلم ما يريد صديقه الوصول إليه :
_ بقولك اية يا داوود مبحبش الشغل بتاعك دا، أنا هتكلم معاها وأحاول اقنعها، اطلع أنتَ منها 

هز داوود رأسه بتوعد، وقد رأى الصدمة والرفض على وجه شقيقته، وقال :
_ يا عم ماشي أنا هطلع منها، بس لو قالتلك نفس الكلام متجيش تكلمني تاني، وفي الأول والأخر أنتَ اللي عملت كدا في نفسك 

تحدث عزيز من الطرف الآخر، لكن لم ينتبه إليه داوود الذي لاحظ وجود "سيد" جارهم يعدل من ياقة قميصه، يرتب خصلات شعره القصيرة، ليغلق الهاتف مع عزيز دون مقدمات، وأسرعت قدماه نحو سيد قبل أن يضغط على زر جرس الباب، قبض على ملابسه من الخلف يجذبه بعيدًا عن الباب، متسائلًا بحدة :
_ أنتَ بتعمل اية هنا ؟

انتفض سيد من مكانه بفزع، وتراجع إلى الخلف خطوة، رفع يده يريه الصحن بيده، يتحدث بتلعثم :
_ ماما باعتة للمدام الطبق دا، تشكرها يعني 

ظهر الغضب على وجه داوود، ينظر بينه وبين الباب المغلق، ثم لكم كتفه بقوة تأوه الآخر على أثرها، ثم قال من بين أسنانه غاضبًا :
_ يلا يالا من هنا بدل ما البسك الطبق في وشك، جاي تخبط على مراتي وأنا مش موجود

وحين ثبت سيد مكانه بصدمة من ردة فعله العنيفة،
قام داوود بلكمه بقوة بفكه، وهوى الصحن من يده على الأرض وتناثرت محتوياته، ليدفعه نحو الدرج وقد على صوته بشراسة محذرًا :
_ وعلى الله أشوفك قدام باب شقتي تاني 

سمع صوت فتح الباب من خلفه، ليسرع بأمساك مقبض معدني في الباب، يمنعها من فتح الباب والخروج أمام سيد . 
وهرول سيد على الدرج متعثرًا، وفتح داوود الباب الذي تقف خلفه رحيل، متعجبة من زوجها الذي منعها من فتح الباب، نظر إليه حين دلف غاضبًا تسأل بقلق :
_ في اية ؟ 

ضرب على الباب بكف يده عدة مرات، ثم صاح بحدة :
_ الباب دا لو اتكسر من الخبط عليكِ، متفتحيش تمام 

_ حاضر بس أهدى 

تحدثت بهدوء، تمسد على ذراعه برفق، أخذ نفسًا عميقًا وتوجه نحو الأريكة .
غابت لدقيقة بالمطبخ، ثم عادت وبيدها كوب ماء مُثلج، مدت يدها له بالكوب، وجلست إلى جاره تمسد على ظهره، حتى تجرع الكوب وتركه على الطاولة أمامه، سألت مستفسرة عن حالته الغاضبة :
_ مالك في أية ؟

لوح بيده بغضب، وصاح بانفعال :
_ المحترم اللي كنتِ تحت رجله بتدهنيله الحرق، طالع يشكرك 

ابتلعت ريقها بتوتر، وخافت أن تتصعد الأمور في هذا الموضوع مجددًا، لتهمس محاولة تهدئته :
_ طب خلاص كدا كدا أنا مكنتش هفتحله، بس سمعت صوتك برا 

لم يجيبها إنما أعاد ظهره إلى الخلف، يغمض عيناه باسترخاء حتى يهدأ، في حين فكت هي وثاق خصلات شعرها، لينسدل على ظهرها بانسيابية عكس طبيعته، مما جذب أنتباهه وجعله ينظر إليها متسائلًا :
_ أنتِ عملتِ شعرك ؟

أومأت إليه بخجل، تجيبه بهدوء :
_ كنزي جت عملتلي شعري و حطيتلي مكياچ خفيف 

الآن فقط أنتبه، فقد كان يعميه غضبه تمامًا، أنكمشت ملامحه بضيق، ومد يده يمسك بخصلات شعرها، وقال :
_ شعرك الطبيعي أحلى

ابتسمت بسعادة كونه يعجب بطبيعتها، ولا يريد تغيرها، لترفع رأسها إليه حتى يرى وجهها بمستحضرات التجميل، تأملها هو للحظات، هدأ بها تمامًا، فمال بجزعه العلوي مقتربًا منها، يستند بذراعه على ظهر الأريكة يدقق النظر في عينيها الواسعتين المُحاطة بكحل أخضر اللون، قلل من جاذبية عيناها، ليهمس أمام وجهها ولم يزح عيناه عنها :
_ عينيكِ في الكحل الأسود أحلى، بيجذبوني عشان أتأمل فيهم من غير ملل 

ضحكت بسعادة وأسرعت تحتضنه بقوة، تحيط رقبته بذراعيها، ثم ابتعدت تقبل وجنته اليمنى، وقلبها يخفق بقوة متأثرًا بحديثه اللطيف كالمعتاد كلما غازلها .
وقفت عن الأريكة متوجهة نحو المطبخ قائلة :
_ هروح أحضرلك الغدا في ثواني، على ما تغسل ايدك

سألها باهتمام قبل أن تغادر :
_ أخدتي الفيتامينات 

نظرت على الطاولة حيث يقبع العقاقير التي وصفتها الطبيبة، وأجابته بهدوء :
_ لسة هناكل، وأخدهم 

أومأ إليه، وتوجهت إلى المطبخ لتحضر الطعام، وداخلها سعادة لا توصف، غيرته عليها، ثم غزله لها بنبرته التي تلامس قلبها، لابد أنها ستحظى بقلبه عما قريب، وإلى هذا التفكير وقد تضخم قلبها بسعادة أكبر، وكأنها ستمتلك الدنيا بحبه لها .

************************************
طرق عزيز باب شقة نغم، بعدما علم أن إلياس قد عاد من العمل، ينوي الحديث معها، يبوح بما يكنه داخله لسنوات طويلة، وشعوره اتجاهها الذي يعلمه الجميع ما عدا هي، تلك اللحظات الفارقة جعلته يشعر بالتوتر، لم تتخطى علاقتهما يومًا باب الصداقة في حدود العائلة، ومن الممكن أن يصدق قول داوود، وأنها بالفعل لم تتقبل ذلك .
انمحت أفكاره كلها حين فتحت له الباب، ورأى ملامحها وجهها التي تبدلت في ثوانٍ، حمحم يخرج صوته المحشرج من حنجرته، محاولًا التعامل بطريقة طبيعية حتى النهاية، فقال بهدوء :
_ ازيك يا نغم، فاضية نتكلم شوية 

ظهر التوتر جليًا على ملامحها، ورفعت يدها المرتجفة تشير إليه بالدخول، دلف إلى الداخل، قلبه يقرع كطبول الحرب، ينذره أن تلك الخطوة ليست هينة أبدًا .
استقبله إلياس ببشاشة مرحبًا به، ثم أشار إليه بالجلوس، جلس يبتسم بارتباك، ينظر بطرف عينه إلى ملامحها .
استطاع إلياس أن يتفهم مشاعره، ليشير نحو الشرفة  ذات الباب الزجاجي المكشوف قائلًا :
_ روحوا اقعدوا في البلكونة، وأنا هجيب عصير وجاي 

تحركت نغم بخطى هادئة نحو الشرفة، وتبعها عزيز المضطرب، لكن ليس أكثر منها، فهي منذ علمت بطلبه لزواجها، وهي تشعر بالصدمة، لم يلمح لها حتى عن الأمر، لقد تمت خطبتها على آخر أمامه ولم يتحرك ساكنًا، وأعطاها شقيقيها الحق في ذلك .
أشارت له بالجلوس، وجلست على المقعد البلاستيكي الأخضر، ساد الصمت بينهما قليلًا، حتى قطعه هو بنبرة يحاول جعلها هادئة :
_ داوود قالك إني طلبت إيدك منه ؟

ضغطت على شفتيها بخجل، ثم أومأت إليه، ليبتلع ريقه بصعوبة، ينظر إلى ملامحها متوجسًا، ثم سأل :
_ وأنتِ أية رأيك ؟

تنهدت بقوة، ورفعت يديها تشير له بلغة الإشارة التي يتقنها، تشرح لها ما تمر به من صدمة، كانت تعتقد أنهما صديقين طفولة ليس إلا، سألته لما صرح عن رغبته بالزواج منها الآن .
انهى إشارتها التي كانت معظمها تخرج عصبيتها، ونظرت إليه منتظرة منه التفسير، زفر بقوة، وهتف بجملة واحدة كانت كفيلة لأن تزعزع ثباتها :
_ عشان مش عايز اتعذب تاني، وأنا شايفك مع غيري يا نغم .

دق قلبها بعنف، وتوردت وجنتيها بحرج، أشاحت ببصرها عنه حتى تهدأ، أما هو فأكمل حديثه بهدوء :
_ أنا سكت كتير وندمت ، ومش عايز أندم أكتر 

رغم أن كلماته أثرت بها، إلا أنها لم تقتنع بصمته كل تلك الفترة حتى اعتادت عليه كأخ وصديق ليس أكثر من ذلك، ولا تتخيل أن يكون أكثر من ذلك .
التفتت إليه ورفعت يدها مجددًا تخبره أنها لا تراه سوا أخ أكبر، وصديق طفولة كان جوارها دائمًا كلما احتاجت له، ومع كل إشارة منها، يتمزق قلبه، وينهشه الندم نهشًا، رفع رأسه إلى الأعلى يلتقط أنفاسه التي ضاقت، ثم نظر إليها قائلًا :
_ أنا عارف إني أنا اللي حسستك بكدا، بس أنا طالب منك فرصة تديهالي نبدأ علاقتنا بشكل تاني

نظرت إليه بأسف، ثم نفت برأسها، وأشارت له بأنها لا تفضل أن تتغير علاقتهما، وأنه أن كان بالفعل يحبها كما أخبرها داوود، لم يكن ليتحمل تواجدها مع شخصًا غيره ولو ليومًا واحد، أخبرته أنها ليست بطوع أمره، يتركها لغيره متى يشاء، ويتقرب منها متى يشاء، ثم وقفت معتذرة منه تخبره أنه لن يكون لهما فرصة معًا، وأن ما يشعر به هو تعود أو تعلق بها وهو فقط يتوهم .
أشتعل الغضب بنفسه منها، وهب واقفًا أمامها يتحدث بنبرة حادة :
_ بصِ يا نغم، أنا فعلًا غلط لما سيبتك تتخطبِ، بس أنتِ أكثر واحدة عارفة إني مبكررش الغلط مرتين .

انهى حديثه وغادر من أمامها، تاركًا إياها تترجم هذا الحديث برأسه، وتزداد صدمتها بصديقها، فأرتمت على المقعد خلفها تنظر أمامها بشرود غير مصدق ما تغير بين ليلة وضحاها، لكنها متأكدة الآن أنه لن يستسلم .

***********************************
نظرت في المرآة، تراقب وجهها الشاحب الذي فقد حيويته، عيناها الذابلتين التي تحيطهما شعيرات دموية من أثر البكاء الذي فلق كبدها من شدته، 
منذ مواجهته لها ولم تراه أو تسمع صوته، لتخبرها والدتها صباحًا أن والدها قد دعاه على الطعام، وقد بلى دعواته بالفعل ويجلس بالخارج مع والديها، وكانت هي تخشى الخروج، تخشى أن تراه في عينيه نظرة مشمئزة منها، حاقدة عليها .
نظرة على نفسها نظرة أخيرة قبل أن تلبى نداء والدتها، وتخرج بقلب يتواثب بخوف من مواجهته مرة أخرى، توقفت أنفاسها للحظات فقط حين قابلت عيناه التي تنظر إلى بهدوء، وكأن شيئًا لم يكن مما أثار ريبتها أكثر، وتباطأت خطواتها حتى وصلت أمامه تلقي عليه السلام بنبرة خافتة، ورد عليها بتمتمة هادئة لا تثير الشك بنفس والدتها .
استأذنت والدتها لكي ترى الطعام، ووالدها ذهب لإجراء مكالمة هامة واهية فقط ليتركهما معًا قليل من الوقت، ما أن ابتعدا والديها حتى نظرت إليه تهمس بلهفة :
_ صهيب، أنا آسفة، عشان خاطري قول أي حاجة 

تجاهل النظر إليها، وسأل مباشرةً :
_ اسمه اية ؟

صمتت بعدم فهم، ترمقه باستفهام، ليرفع رأسه ينظر إلى وجهها الشاحب، ثم سأل مجددّا :
_ الواد دا اسمه اية ؟

ابتلعت غصتها حين رأت نظراته جامدة نحوها، وطأطأت رأسها إلى الأسفل، تهمس بخزي :
_ أحمد نبيه من عابدين 

هز رأسه بهدوء، وتراجع بظهره على الأريكة، ولم ينبس بكلمة أخرى، ابتلعت ريقها بصعوبة، وتقدمت تجلس إلى جواره على الأريكة، أخذت كف يده بين كفيها، تهمس بصوت مختنق :
_ أنا آسفة والله، أنا مش عايزاك تبعد عني يا صهيب 

تساقطت دموعها تحرق بشرتها، وتجلد ضميرها، واردفت من بين شهقاتها الحادة :
_ أنا عارفة أن أكيد نظرتك ليا اتغيرت وشايفني مش كويسة، بس والله العظيم كنت صغيرة، كان بيهددني هيقول لأهلي 

تنهد بقوة، وبدأ في شرح لها ما يعتمل في صدره :
_ أنا صدوم يا يثرب، مكنتش أتوقع أن يوصلني صور لمراتي زي دي، أنا مش عارف أوصفلك النار اللي حاسس بيها 

شددت على كف يده، وقالت مبررة :
_ حقك عليا والله، في كل فرصة كنت بحاول أبعد عنه بس كان بيهددني، ومع أول فرصة جاتلي لما عرف واحدة تانية، بعدت عنه خالص وتوبت وقربت من ربنا 

وضعت يدها على فمها، تمنع صوت شهقاتها من التعالي، واستطردت حديثها بهمس :
_ صدقني من بعدها معملتش حاجة تغضب ربنا، ومبسيبش فرض وحفظت القران كله 

_ عارف 

نطقها بعد لحظات من الصمت، لترفع كفي يديها تمسح على وجهها، ثم سألت بارتباك تبحث عن الإجابة في عينيه :
_ طب ناوي على أية؟ هطلقتني ؟

كاد أن يتحدث، لكن قطعه صوت والدها الذي دلف من الشرفة، قائلًا بترحاب :
_ منورنا يا صهيب

ابتعدت عنه بمسافة كافية أحترامًا لوالدها، تخفي عيناها الباكية عنهما، بينما أجاب صهيب بهدوء مبتسمًا :
_ دا نورك يا عمي، تسلم 

جلس والدها على المقعد القريب منه، يراقب ملامحهما يستشف منها ما يدور بينهما، ثم يربت على ركبته، متسائلًا :
_ ها يا حبيبي كنت عايزني في أية ؟

خفق قلبها بشكل هستيري، خشية أن يخبر والدها أنه يريد الأنفصال عنها، أو الأسوأ أن يخبر والدها بعلاقتها السابقة، تصارعت أنفاسها للخروج بصعوبة، تترقب ما سيقول لوالدها بخوف جعل البرودة تزحف إلى أطرافها، لينطق بجدية بجملة جعلتها تزفر بارتياح مطمئنة :
_ عايز أحدد فرحي أنا و يثرب يا عمي .

************************************
فتح حمزة باب الشقة، يدلف إلى الداخل بهدوء، علق المفتاح على الحائط والتفت يبحث عن زوجته، ليجدها تجلس على الأرض أمامها صحن كبير به بقايا قشور فاكهة المانجو، ليشهق جاثيًا على الأرض، يقول بحسرة :
_ أنتِ كلتي المانجا كلها ؟

ابتلعت كنزي ما بفمها، وأشارت بيده بلامبالاة نحو المطبخ قائلة :
_ سبتلك واحدة في التلاجة 

صرخ بغيظ منها مشيرًا نحو الصحن أمامها :
_ دا أنا جايب قفص 

أنهت من الطعام، وأخذت محرمة ورقية تمسح فمها ويديها، قائلة بضيق :
_ بقولك أية بقى متبقاش بخيل 

جحظت عيناه بصدمة، وهمس :
_ بخيل !!، بخيل بكرشك دا 

وضعت يدها على بطنها البارزة، ثم قالت بضيق :
_ والله أنا باكل ليا ولابني 

رفع طرف شفته العلوية بتهكم، وقال ساخرًا منها :
_ ما هو هيطلع مفجوع زيك

تجاهلت سخريته، و ربتت على الأرض جوارها في دعوة منها للجلوس جوارها، قائلة :
_ تعالى بس عشان عايزك في موضوع 

جلس إلى جوارها، عاقدًا قدماه أسفله منتظرة ما ستقول، لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تتحدث بهدوء :
_ أنتَ عارف من يوم الفضيحة اللي زفتة عملتها في السنتر، ومعظم زبايني مبقوش يجوا البيوتي، عشان كدا فكرت في فكرة حلوة 

استفهم بنظراته المصوبة نحوها، لترفع يدها تمسد على ذراعه قائلة بهدوء :
_ عايزة أعمل لايڤات على التيك توك عشان ناس تانية تعرفني وتعرف السنتر 

نظر إليها بعدم تصديق، حتى رأى الجدية على ملامحها، ليسخر منها قائلًا :
_ اه، ونسميكِ كنزي تاتو 

زفرت بضيق، قائلة :
_ مش بهزر يا حمزة بتكلم بجد 

رفع كتفيه برفض، وقال بهدوء وجدية نادرًا ما يخرجها في الحديث :
_ مش موافق طبعًا .. أنتِ بتشتغلي من فترة كويسة في المجال دا وأكيد اللي اتعاملوا معاكِ عارفين أنها كدابة، مش عشان مفيش زباين زي الأول يبقى بسبب البت دي، الرزق بيجي في وقته

أحاط كتفها بذراعه، ثم عاد لمزاحه قائلًا :
_ سيبك من اللايڤات وكبسوا كبسوا عشان الجو لبش أصلًا اليومين دول 

ضحكت بخفة، ومالت على صدره تحاول أقناعه بدلال من جديد، وهو يعترض مشاكسًا لها، في أجواء سادتها الحب والمودة بينهما .

************************************
في مشهد مهيب كان يقف داوود على عتبة الغرفة التي يقطن بها فوزي، ويقف الأسد "ضرغام" أمام قدميه، يطلق نحوه نظرات كأسهم مسمومة تخترق جسده بقوة .
أنتفض فوزي من مضجعه، يتأوه بألم واضعًا يده على كتفه المُصاب، ابتلع ريقه بصعوبة وعيناه لا تنزاح عن الأسد، يراقبه بحذر خشية أن ينقض عليه في أي لحظة، كلما أقترب منه داوود وبيده الأسد خطوة، كلما تراجع إلى الخلف بخوف وأطراف مرتجفة .
زمجر الأسد بشراسة وحاول الهجوم عليه، لكن يد داوود التي حكمت تحركه منعته من تمزيق لحمه بين أنيابه، فشهق فوزي وهب مبتعدًا عن الفراش، يهمس بارتجاف :
_ أبعده عني، متخليهوش يقرب 

جلس داوود على ذلك الفراش، يمرر يده على فرو ضرغام، قائلًا بنبرة ذات مغزى :
_ ضرغام شاطر، وبيسمع الكلام، ومبيقربش من حد من غير أذني 

ثم التفت بعينين متسعتين بحدة، تشبه عينا الصقور، يتحدث من بين أسنانه بتحذير :
_ بس لو غضبت من حد، هو بيتولى المهمة وبيخلص عليه خالص 

سأل فوزي بخوف من زمجرة الأسد، ونظراته الحادة :
_ قولي عايز أية ؟

وبهدوء استقام داوود، وتقدم نحوه بخطوات مدروسة ترسل لها الرعب أكثر، وتجعل جسده يرتجف بوضوح :
_ عايز اللي وزك عليا 

ابتعد فوزي من أمامه خطوتين، يعترف على من بعثه لمقتل داوود :
_ الريس عمران هو اللي طلب مني أقتلك عشان اللي عملته في أبنه 

صمت داوود ينظر إليه بتمعن، ثم تراجع خطوة تاركًا فوزي يواجه الأسد، وتحدث بجمود :
_ هرجعك عشيرتك .. بس بشرط 

سأل فوزي بلهفة عما هو ، ويتراجع إلى الخلف يكاد يتلصق بالحائط من خلفه، ليخبره داوود بجدية :
_ عايز رأس الريس عمران 

صمت فوزي بصدمة، لن يتجرأ ويقتل ريس عشيرته بالتأكيد، فهذا ليس من قانون العشيرة، كاد أن يعترض، لكن أتى تقدم "ضرغام" منه بمثابة تهديد واضح بألا يتردد في فعل ما يطلبه منه، ليصرخ بهلع في لحظات :
_ موافق

صرخ داوود بحدة بأسم الأسد، ليسرع نحوه، وفي لحظات كان يقف بخنوع أمامه، ليبتسم داوود بحنو له، ثم يرفع نظره نحو فوزي المرتجف، يتصبب جبينه عرقًا، وقال بسخرية :
_ خليك بقى مطيع زي ضرغام .

************************************
رن هاتف رحيل برقم مجهول، فتجاهلته عدة مرات، ولكن عاد المتصل يلح من جديد، لتعتقد أنه داوود من رقم آخر، لتفتح الإتصال بتردد، وصمتت حتى سمعت صوت رجولي من الطرف الآخر يسأل بجدية :
_ مدام داوود القاضي ؟

عقدت ما بين حاجبيها بتعجب، وهمس مستفهمة :
_ مين حضرتك ؟

تجاهل سؤالها، وأكمل حديثه قائلًا :
_ أنا سمعت عن جوازك من داوود، لو عايز أمان من غير ما تكونِ تحت تحكمات داوود، أنا ممكن أساعدك، مصلحتنا واحدة صدقيني، فكرِ كويس و كلميني على الرقم دا 

سأل هذه المرة بانفعال :
_ أنتِ مين أصلًا ؟

_أنا واحد عايز يساعدك بس من غير مقابل، مش هيكون مساعدتي ليكِ مقابل جوازة 

قال جملته بمغزى، يسخر من داوود بنبرة خبيثة، ليغلق الهاتف من بعدها دون أن يتحدث اكثر من ذلك، ارتفعت وتيرة دقات قلبها بارتباك، وبأنامل مرتجفة بحثت عن رقم داوود، وحين جاء صوته هتفت مرتجفة :
_ الحقني يا داوود .

تعليقات