رواية الراتل الفصل الثانى و العشرون 22 بقلم اسماء ايهاب

     


 رواية الراتل الفصل الثانى و العشرون بقلم اسماء ايهاب

قاد سيارته اتجاه عشيرة زوجته، عقله شارد بما حدث قبل سفره، عندما بكت زوجته بخوف من تلك المكالمة التي جاءتها من مجهول، حاول مرارًا تهدئتها، لكن كان لحملها عامل قوي في مبالغتها في ردة فعلها، وبعد معاناة طويلة معها سكنت تمامًا، وهدأت وكأن ما حدث لم يحدث من الأصل، ولزيادة أطمئنانه، أوقف أحدى رجاله على باب الشقة، حتى يعود لها .
زفر بضيق، وهو ينحرف بسرعة إلى جانب الطريق يوقف السيارة قبل أن يدخل إلى العشيرة، يعود برأسه إلى الخلف واضعًا يده على وجهه، فمال شقيقه إلياس إليه يضع يده على كتفه متسائلًا بقلق من حالته :
_ مالك يا داوود، أنتَ كويس ؟

نفى برأسه، بعد أن أخذ نفسًا عميقًا، يدل على مدى الثقل الذي يعتمل صدره، ليعود إلياس يربت على كتفه يقول بمؤازرة :
_ متفكرش هتتحل

أعتدل داوود بجلسته يضرب مقود السيارة بكلتا يديه، يخر جم غضبه به وبكفيه المتألمتين :
_ ازاي بس يا إلياس، احنا معرفناش مين اللي كلم رحيل، ولا عارفين نوصله

تحدث حمزة من الخلف، يحثه على الاستماع إلى مخططه، وفكرته النيرة :
_ قولتلك خليها تقابله، أنتَ مش راضي 

التفت إليه داوود بحدة، مستعد للانقضاض عليه، يصرخ بحدة بوجهه :
_ أسكت يالا، مش هودي مراتي تقابل العيل الصايع دا 

ارتد حمزة إلى الخلف بخوف من هيئة داوود الشرسة، ورفع يده باستسلام، يتخلى عن فكرته قائلًا :
_ خلاص براحتك، بس دا أحسن حل تعرف بيه مين اللي عايز يأذيك ... وبعدين هو أنا بقولك وديها لوحدها روح معاها بس متخليهوش يشوفك 

كاد داوود أن ينقض عليه، يفتك به حتى يزهق روحه، لكن منعته يد إلياس الذي دفعه إلى مقعده بعنف، يصيح بضيق :
_ ما خلاص بقى اهدى، بس على فكرة حمزة عنده حق 

زفر عزيز بضيق من تلك المجادلات التي لا تنتهي، ثم أمسك بذراع حمزة حتى يصمت، قائلًا بتعقل :
_ خلاص نتكلم في الموضوع بعدين، أهدى كدا يا داوود واتحرك على العشيرة خلينا نخلص من اليوم دا 

التفت داوود ينظر أمامه، وبدأ بقيادة السيارة بهدوء نحو العشيرة التي باتت على مقربة منهم، وحين استقرت السيارة أمام حدود العشيرة، ترجل من السيارة غالقًا الباب، ثم هتف بصوت مرتفع :
_ عزيز، روح هات ضرغام من العربية التانية

أغلق عزيز باب السيارة بعنف بعدما ترجل منها، واستند بذراعه على سطح السيارة، يصيح بذعر :
_ نعم، عزيز مين، لا يا عم مليش دعوة بضرغام 

أشار داوود بعينه إلى إلياس، يتحدث بسخرية :
_ هو دا اللي هنعتمد عليه، ونسلموا أختنا

ظهر الاحتقار على وجه إلياس، وقال :
_ غير مؤهل بالمرة 

ضرب عزيز كف بالآخر، وصاح بضيق منفعلًا :
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيكم عيلة مفترية، أختك دي تكدر بلد 

زجره داوود بنظرة حادة، جعلته يتراجع رافعًا ذراعيه إلى الأعلى، قائلًا بابتسامة مرحة :
_ مقصدش يا باشا، قصدي يعني نكدت عليا 

ضحك حمزة بصخب، وأشار إلى عزيز شامتًا، وقال بتشفي :
_ تستاهل، ياما قولتلك اتلحلح 

صاح داوود بحدة بكلمته المعتادة حين يريد إنهاء أي نقاش :
_ خلصت 

ثم تقدم من سيارة الحرس، يأخذ ضرغام معه متقدمًا من داخل العشيرة، خطواته واثقة، نظراته ثاقبة حادة، وقعت بالذعر على قلوب من يقابله وخاصةً وقد زاده هذا الأسد هيبة، حتى وصل أمام خيمة الريس عمران، أعطى السلسال الحديدي الخاص بضرغام إلى إلياس، وطلب من مساعد عمران الدخول، دخل الحارس الخيمة لدقيقة وعاد يقف أمامهم يقول بهدوء :
_ الريس مش جوا 

ابتسم داوود بسخرية، وأخرج لفافة تبغ مع قداحة من جيب بنطاله، وقال بنبرة يتقطر منها السخرية :
_ يعني أنتَ واقف زي قلتك، متعرفش خرج ولا لا 

صمت الشاب ولم يقدر على الرد، ليخطو داوود بخطوات هادئة يدور حول الخيمة، وفي لحظة خاطفة ألقى لفافة التبغ من يده على الخيمة، فشبت النيران في قماش الخيمة تلتهمها شيئًا فشيئًا حتى علا لهيبها، وفر الريس عمران من الخيمة هاربًا يصرخ بفزع .
راقب تحركات عمران الفزعة ومحاولة مساعده تهدئته، وتساعد بعض الشباب لإطفاء الحريق، فوضع يده على كتف إلياس، قائلًا بهدوء :
_ طلع جوا يعني، مكرهش في حياتي قد الكدب 

ربت على كتفه، مشيرًا نحو ضرغام الذي يستعد للانقضاض، وقال بجفاء :
_ سيب ضرغام 

نظر إليه إلياس وكاد أن يعترض، لكن لم يكن له الفرصة حيث جذب داوود من يده قيد الأسد يحرره، فركض بسرعة يزمجر بشراسة جعلت من يحيطون بالريس عمران، يتخلون عنه متراجعين إلى الخلف بخوف .
انتظر داوود حتى انقض ضرغام على عمران، يحاول غرز أسنانه بجسده ويجرحه بمخالبه، بينما تقدم هو بهدوء حتى ابعد ضرغام عنه قصرًا، ليسقط الريس عمران أرضًا يرتجف بخوف، اقترب منه داوود ودنى نحوه يبتسم بخبث قائلًا :
_ أنتَ بس مكنتش تعرف بتتعامل مع مين 

امتعضت ملامحه بغضب، وقبض على كف يده بقوة، ثم تحدث من بين أسنانه بحدة :
_ أنا امحيك من على وش الأرض، وادوسك تحت رجلي وسط عشيرتك من غير ما حد فيهم يتجرأ يقول بتعمل اية .. فاهمني طبعًا 

لم يكن الريس عمران لديه الطاقة للحديث، كان صامتًا يرتجف من هول ما تعرض له، وكاد أن يلتهمه هذا الوحش البري، بقى يحدق به بتيه، ومقلتيه تتحركا بأضطراب على كل المتواجدين حوله، بينما اعتدل داوود بوقفته، وأعطى إلياس قيد ضرغام يطلب منه التوجه إلى السيارة وأحضار ضيوفهم العزيز .
ما هي إلا لحظات حتى وجد فوزي يهرول نحوه، يمسك بالمدية مستعد لإنهاء مهمته على الفور، فأشار إليه داوود بعينه نحو عمران، ليلبى أمره ويسرع نحوه بشر ينطلق من عينيه، اقترب منه يدنو فوقه ورفع المدية كاد يطعنه بصدره، لكن باغته داوود حين جذبه بقوة من ملابسه يبعده عن الريس عمران، ثم نظر إلى أهل العشيرة المراقبون بصمت، قائلًا بصوت مرتفع وصوته الأجش يصدح بالارجاء بقوة :
_ هتسيبوا ريس العشيرة يتقتل، وأنتم ساكتين ؟

رفع فوزي نظره إليه بصدمة من ردة فعله، وكأنه يخبره بنظراته ألم تكن تلك رغبتك منذ البداية، لكن داوود تجاهل نظراته، وهمس بمكر مبتسمًا :
_ أولًا مش أنا اللي اقتل، وثانيًا أنتَ فاكرني هسيبك بعد اللي عملته في مراتي، أنتَ أهبل يالا ؟

وحينها أسرع رجال وشباب العشيرة وأخذه فوزي من بين براثن داوود، وطال كامل جسده منهم ما يكفي لأن يجعله طريح الفراش أو يزهق روحه بين أيديهم .
ابتعد داوود خطوة يشاهد تلك اللوحة الفنية التي صنعها ذكائه، وصاح بصوت مرتفع متشفي، يلقي عليهما نظرات قاسية متوعدة من التعرض له مرة أخرى :
_ اللعب معايا مش بالساهل، العب وهكسب .

قال جملته بغمزة ماكرة من عينه اليسرى، والتفت يغادر العشيرة، تاركًا خلفه من تعلم درسًا لن ينساه، ومن ذاق مرارة الخزي، يخطو خطواته الواثقة براحة احتلت صدره، وأثلج قلبه مشاهدهما في أضعف حالتهما، أخذًا ثأر نفسه وزوجته بذات اللحظة .

***********************************
عاد داوود إلى شقته، يطلق صفير كتغريد البلبل، وقد تخلص من مهمة ثقيلة للتو، أمر الحارس بتوجه إلى الأسفل، وفتح الباب بهدوء، لتنبعث رائحة المخبوزات من الداخل، من نغمات هادئة لأحد أغانيه المفضلة، اتسعت ابتسامته بتلقائية، وأغلق الباب خلفه متوجهًا إلى الشرفة باحثًا عنها، لكنه لم يجدها هناك، لكنه سمع صوت خلخالها يرن بأذنه بنغمة لافتة، التفت إليها على الفور، ليخط الضيق على ملامحها، وتتذمر غاضبة :
_ لفيت لية كنت عايزة أخضك 

ضحك داوود وتقدم منها، قائلًا بمزاح :
_ تخضيني اية يا حبيبتي، رنة خلخالك خرمت ودني

تأففت بضيق، وتوجهت إلى الردهة مرة أخرى، ليخرج خلفها ولم يستطع السيطرة على ضحكته الصاخبة، لتزجره بنظرات غاضبة، فجلس إلى جوارها على الأريكة، قائلًا :
_ طب متضايقيش دا أنا اتخضيت جدًا 

ذمت شفتيها، وعقدت ذراعيها أمام صدرها، وقالت بضيق :
_ بتتريق عليا يا داوود، على العموم عادي 

أحاط كتفها، وقبل رأسها باسترضاء، لتتنهد بقلة حيلة وضعف أمام سطوته عليها، فمالت برأسها على صدره، تكتفي بتلك القبلة والعناق اللطيف .
لكنها ابتعدت بعد دقيقة تتوجه إلى المطبخ، وخرجت وبيدها صحن عليها بعض المخبوزات الشهية، قدمت له الصحن، وقالت بحماس :
_ بعد ما مشيت قعدت أشغل نفسي وعملت فطير باللحمة المفرومة، دوق بقى وقولي رأيك 

أخذ قطعة من تلك الفطائر يتذوقها باستمتاع، ثم رفع عيناه بانبهار قائلًا بصدق :
_ تحفة 

ابتسمت بسعادة، ووضعت الصحن على الطاولة أمامه :
_ ألف هنا يا حبيبي 

همهم باستمتاع، وأخذ قطعة أخرى من الفطائر، وقبل أن يضعها بفمه، صدح صوت هاتفه من جيب بنطاله، فأخرج الهاتف ينظر إلى أسم المتصل بتعجب، والذي لا يتصل به إلا نادرًا، فتح الإتصال بقلق متسائلًا :
_ أيوة يا صهيب، في حاجة و لا اية

عقد ما بين حاجبيه يستمع إليه بهدوء، ثم اعتدل بجلسته يقول بتحفز :
_ عايز تجيب مين وأنا اجبهولك تحت رجلك 

صمت عدة لحظات يسمع صوت صهيب، وقال بجدية :
_ خلاص حفظت الأسم، بكرا يكون عندك عنوانه

وقبل أن يجيب صهيب، استطرد متسائلًا بهدوء :
_ تحب اتدخل في الموضوع 

وحين نفى صهيب احترم رغبته، ومساحته الشخصية التي لا يسمح لأحد منهم اقتحامها، فقال بعد تنهيدة قوية :
_ تمام، لو احتاجت حاجة كلمني، سلام 

اغلق المكالمة الهاتفية مع صهيب، وأجرى مكالمة أخرى مع أحد رجاله، اصدر أمره بنبرة صارمة أن يبحث له عن ذلك الشاب الذي يريده صهيب، ألقى الهاتف على الطاولة وأعاد ظهره إلى الخلف باسترخاء .
مدت رحيل يدها تمسد على خصلات شعره برفق، وسألت :
_ في حاجة ؟

ابتسم لها نافيًا برأسه، ثم اعتدل مقتربًا منها واضعًا يده على بطنها، متسائلًا :
_ أنتِ أخبارك اية، بتحسي بتعب 

وضعت كفها على كف يده تمسد عليه بحنو، قائلة بابتسامة هادئة تزين محياها :
_ لا، متقلقش أنا كويسة جدًا .. بس 

صمتت تضم شفتيها إلى بعضها بحزن، فانتبه إليها يسأل بأهتمام عما تريد قوله، فهمست بأسى :
_ أنا أمي وحشتني أوي يا داوود 

قبل جبهتها، وأحاط كتفها يقربها إليه يضمها إلى صدره، وسأل بنبرة خافتة يشوبها الحنان :
_ تحبي اجبهالك القاهرة ؟

نفت برأسها تعلم أن والدتها لن تقبل أن تأتي إليها، وربما أن ذهبت إليها لن تستقبلها كما وعدتها، لكنها اشتياقت لها في النهاية، لتجيب بهدوء :
_ لا عايزة اروح أشوفها في العشيرة 

لم يرد أن يخبرها بما دخل داخل العشيرة منذ ساعات قليلة، ليحاول اقناعها بالتروي قبل الذهاب إلى العشيرة مرة أخرى، فتحدث بهدوء :
_ خليها شوية يا رحيل، الأمور مش تمام دلوقتي بعد اللي عمله سعدون، استني كمان شوية 

تنهدت بقوة وقد كان لديه كل الحق، لم يكن لديها طاقة لفتح ابواب المشاكل من جديد، أومأت برأسها قائلة :
_ عندك حق، حاضر هستنى 

لفت ذراعيها حول خصره، تستند بجبهتها على كتفه، وسألت عن ذلك الأمر الذي أثار خوفها عليه :
_ هو أنتَ عرفت مين اللي كلمني على التليفون ؟

تقلصت ملامحه، وتجعدت جبهته، ينفى بنبرة جامدة :
_ لا، بس هعرفه، متخافيش 

ظهرت ابتسامة لطيفة على ثغرها، تهمس بصدق :
_ أنا مبخافش من حاجة وأنتَ جنبي يا داوود

ثم رفعت رأسها إليه، تمسك بذقنه حتى ترى عيناه، سألها بنظراته عما ترغب، فقالت بتردد :
بس عايزة أطلب منك طلب .

************************************
صباحًا، توقفت سيارة إلياس أمام منزل مايان، وترجل من السيارة متوجهًا نحو الباب، وقف أمامه وتردد في طرق الباب لذا أخرج هاتفه يرسل لها رسالة نصية بوجوده بالخارج، ودقيقتين فقط مرت قبل ان تفتح الباب ببطء، ووقفت أمامه بهيئتها المشعثة، تمسد على خصلات شعرها المجعدة حتى ترتيبها قليلًا، همست متعجبة من وجوده أمام منزلها في الصباح الباكر :
_ إلياس !!، اية اللي جابك هنا، لسة بدري على ميعاد الشغل ؟

استند بجسده على الحائط جواره، ينظر إليها بهُيام عيناه تمر على هيئتها التي بدت له لطيفة، وهمس بنبرة حالمة :
_ قمر صاحي من النوم يا جماعة و الله

قمعت ضحكتها من الخروج، وأشارت بيدها إلى الخلف قائلة بتحذير :
_ بابا صاحي، أسكت

مررت سبابته على شفتيه في إشارة منه للصمت، وقال بصوت خافت :
_ طب يلا غيري هدومك، وهاتي معاكِ شهادة الثانوي وبطاقتك وصور شخصية، استني

أخرج من جيب سترته ورقة مطوية، ومد يده لها بها قائلًا بجدية :
_ خدي هاتي الحاجات دي معاكِ 

مرت عيناها على ما هو مكتوب بالورقة، وعقدت حاجبيها باستغراب، متسائلة :
_ لية كل الحاجات دي، في اية؟

همهم إلياس يذم شفتيه، وقال بمزاح :
_ يا خسارة غبية، بس قمر والله 

صكت على أسنانها بغيظ، وكادت أن تهاجمه بحديث لاذع، ليتراجع إلى الخلف خطوة يشير إلى الورقة قائلًا :
_ هاتي الحاجات دي وغيري، وأنا مستني في العربية، متتأخرش عليا 

تأففت بضيق، متسائلة بعدم فهم :
_ لية طيب ؟

لكن لم يجيبها إنما تحرك نحو السيارة، لتنظر في أثره بحيرة وتوجهت نحو الداخل حتى تستعد .
وبعد عدة دقائق خرجت من الباب تعقص خصلات شعرها إلى الخلف، صعدت إلى جواره بالسيارة ترفع يدها بالأوراق، وسألت بهدوء :
_ أنا جاهزة، رايحين فين 

تجلت السخرية على محياه، ونطق بتهكم :
_ الملاهي، هنكون رايحين فين يعني بالأوراق الرسمية دي، رايحين الجامعة

سألت من جديد بفضول، وعينين متسعتين :
_ لية ؟

زفر إلياس بغيظ، فجذب خصلات شعره بقوة، وقال من بين أسنانه :
_ مايان ركزي عشان خاطري، أنا مقدرش على كدا، هنروح الجامعة لية؟

لم تجيب ولا زالت نظراتها البلاهة موجهة إليه بتساؤل، وقال بنبرة مغتاظة :
_ يا صبر ايوب، عشان نقدملك في الجامعة 

انكشعت البلاهة وتبدلت بالاغتباط، واحتلت الابتسامة الواسعة ثغرها، وخرجت منها صرخة متحمسة قبل أن تسأل بذهول :
_ بجد يا إلياس، بتتكلم بجد

تلاشت السعادة وانطفئت لمعة عيناها، حين أدركت أن والدها لن يسمح لها بأستكمال تعليمها الجامعي، لن يرضى بأهدار قرشًا واحدًا من مرتبها الشهري، ستقوم القيامة فوق رأسها، عند هذا الحد تحركت رأسها بتلقائية تنفي برأسها مرارًا، وهتفت بانكسار :
_ بس، بس مينفعش، مش هينفع اقدم للاسف، روح على المحل احسن

تعجب من ردة فعلها التي تبدلت في لحظات، وسأل باستفسار عما يدور في خلدها :
_ مفيش حاجة أسمها مينفعش، مينفعش لية ؟

_ أنتَ متعرفش حاجة 

همست بها بنبرة محشرجة، والتفتت تنظر إلى الخارج، تهرب من مواجهة عيناه، لكنه كان مُصرًا على أقناعها، فتحرك بالسيارة ليخرج من تلك المنطقة قائلًا :
_ لو فيه حاجة معرفهاش، عرفيني ومهما كانت هنلاقي حل 

تأفف بضيق تحت اصراره، والتفتت إليه من جديد تقول بجدية :
_ بابا مش هيرضى يا إلياس مستحيل، أنتَ متعرفوش 

أكمل قيادة السيارة دون النظر إليها، وأجاب ببساطة :
_ أنا هقنعه 

مررت يدها على وجهها بضيق، لا تقدر على قول حقيقة والدها له، مهما كان هذا والدها ولن تهز صورته أمام أحد، فتحدثت بهدوء حتى تقنعه أن الأمر مستحيلًا :
_ مينفعش، هتروحله بصفتك اية تقنعه أن بنته تكمل تعليمها

لترتسم ابتسامة ماكرة على شفتيه، والتفت إليها يغمز بعينه اليسرى قائلًا بثقة :
_ بصفتي عريس وجاي يتقدملها 

اتسعت عيناها بصدمة، وصاحت بعدم تصديق :
_ اية ؟!

نظر إلى ردة فعلها ضاحكًا، عينين متسعتين، شفتاها منفرجتان بشدة، ليضغط بسبابته على ذقنها إلى الأعلى حتى تغلق فمها، وقال بحنو :
_ اقفلِ بُقك دا، وقوليلي تحبِ تفطري اية قبل ما نروح الجامعة 

فاقت من صدمتها، وكادت أن تعترض وتلقي على مسامعه ذات الحديث مجددًا، ليسبقها هو قائلًا بحزم غير قابل النقاش في هذا الأمر :
_ هنقدم يعني هنقدم، وتبدأي دراسة مع السنة الجديدة ان شاء الله 

زفرت بهم، واسكانت في جلستها، دقيقة تفكر في حديثه عن خطبتهما، ودقيقة أخرى تفكر في ردة فعل والدها، وكانت بين الابتسامة والعبس حتى وصلها ضحكته الصاخبة تنتشلها من بين دوامة أفكارها، وضرب كف بالآخر قائلًا بمرح :
_ سلامة عقلك يا حبيبتي، فوقي معايا لسة بدري .

************************************
توقفت سيارة الأجرة أمام أحد البنايات القديمة، وترجل صهيب منها بهدوء رغم عيناه التي كانت تقدح شرارًا، أعطى السائق حقه، وتوجه بخطى واسعة نحو الداخل، يقوده غضبه المنقاد للفتك بذلك الشاب، وتلك الكلمات السامة التي ارسلها له كانت تتكرر أمام عيناه، ليزيد من اشتعاله أكثر فأكثر .
وصل أخيرًا إلى الطابق الثالث، أمام الشقة المنشودة، لم يتحمل أن يرسم الهدوء أكثر من ذلك، وفك قيود شياطين غضبه، فرفع يده يطرق على الباب الخشبي المتهالك بعنف .
جاء صوت من الداخل غاضبًا من طريقته لطرق الباب، فتفاقم غضبه اكثر وأصبح يطرق قوة، حتى فتح الباب شاب متوسط الطول، نحيف بعض الشيء، لديه لحية خفيفة وشارب، خصلات شعره تصل إلى كتفه، وقبل أن يتحدث موبخًا صهيب على ما فعله سبقه متسائلًا بحدة :
_ أنتَ أحمد نبيه ؟

شمله أحمد بنظراته قبل أن يجيب :
_ أيوة أنا، أنتَ مين ؟

أوجست في نفسه خيفة، حين ابتسم صهيب ابتسامة شيطانية جاءت من قعر الجحيم، ليبلع ريقه بارتباك متسائلًا من جديد عن هويته، لكن لم يجيبه صهيب بلسانه بل سدد له لكمة قوية اطاحته أرضًا، ليدلف الشقة غالقًا الباب خلفه، وتحدث بنبرة حادة معرفًا عن نفسه بغضب :
_ أنا اللي جاي أخلص منك القديم و الجديد 

وقف أحمد على قدميه بعدما استند على الحائط، يضع يده مكان تلك اللكمة جوار فمه، وقال بغضب :
_ أنتَ مين يا جدع أنتَ هو أنا أعرفك 

أقترب منه صهيب بخطى بطيئة، جعلت الآخر يتوخى الحذر مما هو قادم، وحين وصل أمامه ربت على وجنته اليمنى بقوة، متسائلًا :
_ وطالما متعرفنيش بعتلي الرسايل دي لية ؟

علم للتو أحمد هوية من يقف أمامه ويتهجم عليه في عقر داره، ليبتسم بسخرية، وينظر إليه من أعلى لأسفل بتهكم قائلًا :
_ اه أنتَ بقى جوز يثرب 

اعتصر صهيب فكه بين كف يده عندما أكمل جملته، فتعالت تأوهات أحمد من أسفل يده، ليشدد أكثر من قبضته صارخًا بغضب تكاد نيرانه تلتهم ذلك الشاب :
_ لو نطقت أسمها تاني، هقطعلك لسانك 

ترك فكه وأمسك بتلابيب ملابسه، يأمره بحدة :
_ هات تليفونك يالا 

دفعه أحمد بصدره، يصد هجومه الضاري عليه، وهتف بضيق :
_ مش جايب حاجة، واطلع من هنا، هو أنا كنت ضربتها على ايديها عشان تبعتلي

جذبه صهيب إليه بقوة، ولم يمهله الفرصة حتى نطحه برأسه بقوة، وقال من بين أسنانه :
_ اه كنت ضربتها على ايديها، وأنا عارف كل حاجة

رغم ما عاناه أحمد من ألم إلا أنه لم يستسلم بسهولة، وزاد الطين بلة حين ارتفعت ضحكاته الساخرة، يخبره بمكر :
_ يبقى كدبت عليك يا صاحبي، هي اللي جرت ورايا، وهي اللي بعتتلي الصور بنفسها 

هزت كلماته السامة ثبات صهيب وثقته، لينتهز أحمد هذه الفرصة ويدفعه عنه قائلًا :
_ ابقى اتأكد من أي بنت قبل ما تخطبها يا ناصح 

تصارعت أنفاس صهيب من شدة الغضب الذي تحرك من جديد، واندفع نحوه بقوة، يقبض على عنقه بكف يده بقسوة، لتتسع عينا الآخر بصدمة، ورفع يده يحاول دفع يد صهيب، وقد زحف الخوف إلى بدنه حين رأى بعين صهيب شيء من الأصرار على التخلص منه .
وتمكن منه ذلك الخوف حين همس صهيب بحدة ضاغطًا على فكه بقسوة :
_ متتغرش في الدقن اوي، و لا باللي سمعته عني، أنا صايع درجة أولى ومش بس كدا، أنا مجرم، قتلت شاب في سنك كدا وماخدتش ساعة حبس 

رغم تأثير هذا الحديث عليه، لكن كان من الضروري ذكره، وظهر تأثير كلماته على أحمد، فشحب وجهه وتراقص الذعر بمقلتيه، شدد صهيب على عنقه أكثر، وصرخ بانفعال :
_ التليفون فين يالا ؟

رفع أحمد يده يشير نحو الغرفة المقابلة بأنامل مرتجفة، يكافح لالتقاط أنفاسه المسلوبة، فدفعه صهيب من يده على الأرض، فارتفعت وتيرة أنفاسه اللاهثة، يسعل بقوة من شدة ما يشعر به من اختناق .

تركه صهيب على حاله وتوجه نحو الغرفة بخطوات سريعة، اخذ الهاتف وبحث عن صور زوجته، ليجد العديد من الصور لفتيات أخريات، دارت عيناه بالمكان فانتبه إلى وجود حاسوب محمول، ليأخذ الحاسوب والهاتف ويخرج من الغرفة، مر على أحمد المتسطح على الأرض بتعب، لا يزال يلتقط انفاسه بصعوبة، ليرفع يديه بما تحوي، ودوي صوته غليظًا مشبعًا بالغضب :
_ على الله بس تقرب مني أو من مراتي، وأنا ساعتها هنفذ واقتلك .

خرج غالقًا الباب خلفه بقوة، وهرول إلى الخارج سريعًا هاربًا من ذاته القديمة التي وقفت تتحداه أمام هذا الاختبار، وأثبتت تأثيرها عليه حتى الآن، أسرعت خطواته إلى الخارج وأنفاسه تنسحب منه، مشاهد متكررة تأتي بذهنه بتصوير سينمائي بطيئة، وصوت صراخات وأنين يقتحم هدوء الماضي الذي حاول دثره بكل الطرق الممكنة .

************************************
كان حمزة يخرج من المرحاض بعدما أغتسل، يجفف خصلات شعره بمنشفة صغيرة، ثم وقف أمام طاولة الزينة يمشط خصلات شعره، ويدندن أغنيته المفضلة، لكن قطع هدوء باله صوت زوجته الملهوف، وهي تركض اتجاهه :
_ الحق يا حمزة 

 القى فرشاة الشعر من يده، والتفت إليها بقلق، يسأل بتوتر :
_ في اية، هتولدي ولا اية 

نظرت إليه بغيظ، وأشارت إلى بطنها قائلة :
_ هولد اية انا لسة داخلة الخامس 

تنهد حمزة بارتياح، وجلس على طاولة الزينة، متسائلّا :
_ اومال في اية

زفرت بضيق، وتقدمت تقف أمامه، تتحدث بحنق :
_ ولاد عمك وافقوا نغم على جنانها، وكلموا العريس يجي يقعدوا معاه النهاردة، تقريبا جاي بعد ساعتين 

عكس ما توقعت كنزي، صدحت ضحكات حمزة تتعالى بالغرفة، وقال بشماتة :
_ عزيز هيتجلط فيها

ضربت كنزي كتفه، حتي يستفيق على نفسه، قائلة :
_ مانا بقولك عشان تكلموا على فكرة 

_ من عنيا 

قالها حمزة بابتسامة ماكرة، بحث بعينيه على الهاتف، حتى وجده وجاء برقم عزيز، وحين جاء صوته من الطرف الآخر صاح بتشفً :
_ اية يا برو، أخبارك اية وعريس نغم جاي النهاردة

جاء صوت عزيز من الطرف الآخر بذهول :
_ عريس نغم !

رسم حمزة بنبرته الآسف وقال :
_ اية دا أنتَ متعرفش ولا اية، عريس نغم جاء بعد ساعتين يشوفها 

أغلق عزيز دون الحاجة لسماع المزيد منه، فازدادت ابتسامة حمزة الخبيثة، ورسم البراءة بنبرته حين قال لزوجته :
_ فعل الخير دا احسن حاجة في الدنيا والله يا كنوزة .

مرت ساعتين بالضبط، كان أول الحاضرين بتلك الجلسة هو حمزة، الذي لا يريد أن يضيع عليه فرصة مشاهدة هذا العرض من البداية، وبالفعل لم يفوته مشاهدة المشادة الكلامية التي حدثت بين عزيز، ونغم، واخويها، التي انتهت بذهاب عزيز متوعدًا .

و من بعدها كان يرن هاتفه كل دقيقة والأخرى برقم عزيز الذي يسأل أن كان وصل هذا العريس أم لا، فكان يجيب مرة ويتجاهله ألف مرة، حتى وصل هذا العريس، وتعمد حمزة عدم أخبار عزيز، وانتظر الوقت المناسب .
وقد حان ذلك الوقت المناسب، حين بدأت الجلسة يغمرها الود والضحكات اللطيفة، والمجاملات المعتادة، فبعث له برسالة نصية قصيرة يخبره بوجود العريس وعائلته .

حمحم رجولية خرجت من والد العريس، واعتدل بجلسته بعدما وضع كأس العصير على الطاولة، وقال بهدوء مبتسمًا ببشاشة :
_ أنا يشرفني أطلب ايدك الآنسة نغم لابني يا أستاذ عزت 

تبادلا إلياس وداوود النظرات بضيق، وقد وقف رفض شقيقتهما حائلًا أمام موافقتهما على عزيز، واجبرتهما على تقبل رأيها، وقد كان هذا وعدًا منهما لها منذ ما حدث لشقيقتهما "دهب"، مرر داوود يده بخصلات شعره بغيظ، والتفت ينظر إلى عزت الذي ابتسم وكاد أن يتحدث، لولا أن قاطعه صوت عزيز الحاد الذي ردد بأذن الجميع :
_ على جثتي 

تسلطت العيون عليه، وهو يقف بالمنتصف، يحدق العريس بنظرات غاضبة، مشتعلة يكاد يحرقه حيًا، وقف داوود عن المقعد يقترب منه بضيق رغم سعادته بموقفه إتجاه ما يحدث، وعدم تخليه عن شقيقته، ليضغط على كتفه هامسًا بتحذير :
_ عزيز أهدى وكن 

ابعد عزيز يد داوود عنه، وتقدم من الأريكة الجالس عليها العريس ووالده، وارتفع صوته بغضب قائلًا :
_ يلا يا حاج من هنا أنتَ وابنك، أنتَ راجل كبير ومش قد الإهانة 

وقف الرجل عن الأريكة، ونظر بذهول إلى عزت الذي يرسل نظرات حادة إلى عزيز لعله يتراجع، يسأل بدهشة عما يحدث :
_ هو في اية يا استاذ عزت

أشار عزيز إلى الباب، وقال بنبرة حادة :
_ ما قولتلك يلا من هنا، أنا اللي بكلمك أهو 

ضرب الرجل كف بالآخر، وتوجه حيث باب الخروج، يصيح بضيق من ذلك الموقف الذي وُضع به للتو :
_ دي قلة ذوق، واحترام وأنا غلط إني جيت 

ولحق به ابنه الذي يظهر عليه الغضب، لكنه لم ينطق بحضرة والده، وكاد أن يتخطى الباب، ليأخذ عزيز عُلبة الحلوى، ونادى ساخرًا :
_ خد يا بسكوتاية، الحلويات بتاعتك 

انهى جملته وقذف العُلبة بوجهه، التقطها الشاب قبل أن يمس وجهه، ونظر إليه باستحقار قائلًا :
_ إنسان غبي ومتعرفش تتعامل مع بشر 

التفت مغادرًا، ليرتمي عزيز على الأريكة بارتياح، متجاهلًا نظرات الجميع له، حتى وقفت هي من مكانها، تتقدم منه بانفعال واضح بحركات جسدها العصبية، أخذت تشير بيديها بحديث يحمل من الغضب ما يكفي لاشعاله، فهب واقفًا أمامها، يتحدث باستياء : 
_ عارف أنك رفضتِ عارف، وعارف إني كنت غبي لما سيبتك قبل كدا 

ابتلع غصته المريرة، ومد يده نحو اللاصقة الطبية الموضوعة على عنقه وأذنه وجانب واقصى وجنته، وبقلب يقرع كالطبول، نزع عنه اللاصقة، ليظهر حرقه البالغ وجلده المتجعد، وندباته التي لا تبرأ، وتشوهاته التي تركت بصمتها بقلبه قبل جلده، فهمس بضعف وقد استنفذ طاقته كلها :
_ دا اللي مانعني أتكلم، خوفت تخافي مني، تقرفي مني وتبعدي عني 

كان يراقب نظراتها المصوبة على تشوهه، وعيناها الباكيتان، وكفها الصغير المرتجف التي تضعه على فمها بصدمة، لم ترى هذا التشوه من قبل كان دائمًا يخفيه خلف تلك اللاصقة، اقترب منها، لكنها لم تتراجع ظلت تنظر إليه بحزن، فتنهد بارهاق وهمس بلوع :
_ بس والله العظيم بحبك يا نغم .

***********************************
بأنامل مرتجفة ضغطت رحيل على ذلك الرقم المجهول مرة أخرى، قلبها يتواثب بين ضلوعها من شدة الارتباك، تضغط بتوتر على ثوبها كلما رن الهاتف لم تلقى منه ردًا، أعادت المحاولة عدة مرات، حتى جاءها الرد بذات الصوت، والذي أرسل القشعريرة إلى جسدها، وأحتل قلبها شعور سيء لا يمكنها وصفه .
تكرر صوته من جديد لتحاول حل عقدة لسانها والحديث، رغم تلعثمها بخوف :
_ أنا مرات داوود القاضي 

جاء صوته العميق من الطرف الآخر، قائلًا :
_ طبعًا عارف يا مدام، ها فكرتي ؟

هزت رأسها عدة مرات، وقالت بصوت خافت حاولت بأقصى جهدها أن تجعله طبيعيًا :
_ ايوة فكرت، أنا موافقة على عرضك، نتقابل امتى نتكلم ؟

أجابها بهدوء، حين قال :
_ بكرا نتقابل الساعة ٨ في مكان عام، هبعتلك اللوكيشن بكرا قبل الميعاد

ابتلعت ريقها بصعوبة، وازداد وتيرة دقات قلبها، حين خرجت كلمتها الأخيرة بتلك المكالمة :
_ اتفقنا .

تعليقات