رواية الراتل الفصل الثالث و العشرون
جلست على المقعد المعدني المبطن، بأحد المطاعم الشهيرة والراقية، ومدت يدها تضع جهازًا صغيرًا بخفة أسفل سطح الطاولة، فيما كانت عيناها تجولان في أرجاء المكان تبحثان عن ذلك المجهول .
لكن صدى صوت زوجها في أذنها، عبر سماعات مخفية، يحذرها من لفت الانتباه بتلك الحركات المرتبكة، فتجمدت في مكانها، يكسو التوتر ملامحها، تقبض على طرف ثوبها من أسفل الطاولة، في محاولة لإخفاء ارتجافة أصابعها .
الانتظار كان ثقيلًا، يضاعف من ارتباكها أكثر، رغم أن زوجها طمأنها من قبل أنه سيكون بالقرب منهما، يسمع ويرى ما يحدث بالتفصيل .
تنكمش معدتها كلما فُتح الباب ودخل شخص جديد إلى المطعم لظنها أنه الشخص المنتظر، وتتنهد بارتياح حينها يتخطاها مبتعدًا، رغم أنها هي من أصرت على زوجها لخوض تلك الخطوة، وحاولت أقناعه لساعات، إلا أنها تراجعت الآن بخوف ينهش احشائها، ويرجف أوصالها .
تحفزت خلايا جسدها حين همس زوجها بصوت رخيم كنسمة باردة تسللت إلى عظامها، فبعث القشعريرة إلى بدنها، يخبرها أنه تعرف على أحد زوار المطعم ومن ربما يكون هو الهدف، جف حلقها، فابتلعت لعابها بجهد مرير، وأخذت نفسًا عميقًا تتهيأ لِمَ هي مقدمة عليه .
ولم تمر سوى لحظات حتى لمحت رجلًا طويل القامة يعبر من باب المطعم، يتوجه نحوها بخطوات ثابتة، ونظرات غامضة اربكتها، وأغرقت نفسها برهبة مباغتة، مد يده مصافحًا، وكانه تعرف عليها منذ لحظة دخوله من الباب، يهمس بصوت عميق يتردد صداه في أذنيها :
_ مساء الخير يا مدام رحيل، أنا عابد عبد الجبار
مدت يدها المرتجفة، باردة كالجليد، فالتقطها كفه الدافئ، وضغطعلى كفها بابتسامة واثقة، ثم جلس أمامها بخفة المتحكم في الموقف، وسأل بتكلف :
_ تشربي اية يا مدام ؟
هزت رأسها نافية، وهمست بشكر خافت، لكنه كان مُصرًا، فطلب لها عصير البرتقال وطلب لنفسه قهوة تركية، والتفت إليها ينظر إليها بصمت غامض، لتضطر أن تحمحم هي تخرج صوتها هادئ تخفي تلعثم حروفها المرتبكة، وقالت :
_ ممكن تدخل في الموضوع، أنا مستعجلة شوية
أومأ إليها، واراح ظهره إلى الخلف، واضعّا ساق فوق الأخرى، وبدأ يسترسل الحديث بنبرة هادئة يشوبها المكر بين طياتها :
_ وأنا مش هعطلك، زي ما قولتلك احنا مصلحتنا واحدة، أنا هبعدك عن سجن داوود وهحميكِ
استندت رحيل بمرفقيها على الطاولة، وسألت بفضول لم تقدر على إخفاء عن نظراته المتربصة لأي حركة :
_ إزاي، مصلحتك اية ؟
تنهد عابد، ورفع يده يرتب خصلات شعره الطويلة، قائلًا بهدوء :
_ أنا هتكلم بوضوح
نظر إليه تلك النظرة الغامضة مجددًا، وقال بثقة مفرطة :
_ أنا عايزك تجبيلي ملفات مهمة لشركة داوود، وفلاشة دايما معاه عليها كل شغله، مقابل إني اطلعك من بيته
صمتت رحيل عدة لحظات تستوعب ما يطلب، وقد هدأ توترها تدريجيًا، ثم سألت بفضول :
_ واية اللي خلاك تفكر إني اساعدك، اشمعنا اخترت مراته ؟
أجابها عابد باستخفاف واضح بزوجها :
_ اللي سمعته أن اتجوزك غصب عشان مشكلة بينه وبين أهلك، و اللي سمعته أنه حياتك معاه جحيم
سمعت سبة نابية خرجت من فم زوجها واخترقت مسامعها عبر السماعات، لتكبح ضحكتها على غضبه المشتعل كلما مرت دقيقة أخرى وهي برفق ذلك الرجل، وقفز إلى بالها أن تزيد الأمر اشتعالًا، فنظرت إلى الأسفل، تهمس بنبرة آسفة :
_ اه والله يا أستاذ، تصور أن أنا يتعمل فيا كل دا، داوود ظالم وقاسي اوي
جالت عيناه على ملامحها الهادئة الجذابة رغم بساطتها، وقال بنبرة ذات مغزى زادت من اشتعال داوود على الجانب الآخر :
_ وأنا مقدر، وبقدر كل حاجة تمنها غالي
كاد أن تتحدث إلا أن قاطعها النادل الذي وضع الأكواب على الطاولة أمامهما، وعندما انصرف أشار لها عابد على الكوب وقال مبتسمًا :
_ اتفضلي
حمحمت في محاولة منها لتبث الهدوء إلى نفسها، بعد ارتفاع صوت داوود الغاضب الذي يصدح في أذنيها، وهمست ممتنة :
_ شكرًا
أومأ عابد برأسه، يسلط أنظاره عليها يتمعن النظر إليها ويدقق في ملامحها بشكل اخجلها، وحين شعر بخجلها بدأ يسترسل كلماته لها يغازلها بلطف وبحديث مبطن، لكنها استطاعت فهم مغزى حديثه .
بينما في سيارة حمزة، المصفوفة على الجانب الآخر من الطريق أمام المطعم، كان يحاول داوود فتح، ويمسك حمزة بذراعه يمنعه من الخروج .
دفعه داوود عنه، يهتف بغضب :
_ سيبني يا حمزة، والله لادخل افلقهم نصين
جذبه حمزة بعنف، حتى اعتدل بجلسته، يرتفع صوت أنفاسه اللاهثة بغضب بالسيارة بعدما سمع بعض الكلمات اللطيفة والمغازلة الموجهة إلى زوجته، ثارت ثائرته وكاد أن يذهب ليفتك به وينتهي هذا الهراء، فقال حمزة بنفاذ صبر وهو ينظر إلى صورة رحيل التي تظهر من زجاج المطعم الشفاف :
_ أهدى بس يا داوود، متبوظش كل حاجة في لحظة تهور
حينها صدح صوت رحيل بالسيارة من هاتف داوود تتحدث بهدوء :
_ أنا موافقة
كان هذا السبيل الوحيد لها للتخلص من ذلك الرجل، ومن ذلك الموقف نهائيًا . ظل حمزة يتمسك بذراع داوود حتى لا يتهور فجأة، ويذهب كل ما خططوا له سدى .
انتهى اللقاء على وعد منها بتسليمه ما طلب منها خلال أيام قليلة، وفي المقابل تكون في حمايته وأمانه بعيدًا عن داوود، غادر عابد وبعد عدة دقائق تحرك داوود متوجهًا لها .
ألقى جسده بعنف على المقعد أمامها، واجفلت هي حين وجدته أمامها بغتة، صك على أسنانه بغيظ، واتكأ بمرفقيه على الطاولة يقترب منها بجذعه العلوي قائلًا بحدة :
_ أنا قولتلك بلاش أم المشوار دا، أنا جوايا نار بتغلي
كانت عيناه تحتضنان لهب الغضب بشكل لم تره من قبل، لتبتلع ريقها بصعوبة تحاول تخفيف حدته بقولها الهادئ :
_ خلاص بقى يا داوود، موقف وحش وكان لابد منه، والحمد لله خلص وعرفت هو مين وعايز اية
كاد أن يتحدث بغضب أشد، لكن قاطعته يد حمزة التي ربتت على كتفه جعلته يلتفت إليه، فقال بهدوء وعيناه تجولان بالخارج بترقب :
_ ما خلاص يا داوود وتعالى نروح بدل ما يرجع تاني ويشوفك معاها
تنهد داوود بقوة، ووقف عن المقعد يشير إلى الباب قائلًا :
_ اتفضلي قدامي
وقفت رحيل عن المقعد وتوجهت نحو باب الخروج في هدوء، وتبعها داوود وحمزة، لكي يعودون إلى المنزل، يعمل عقل داوود على تريب أفكاره وانهاء هذا الموضوع في وقت قصير متوعدًا لعابد بأشد الوعيد
************************************
اجرى داوود عدة مكالمات هامة، ليتمكن من القضاء على عابد نهائيًا من سوق العمل، لم يتوقع أن يكون عابد هو من يضمر له العداء مترقبًا الفرصة لإلحاق الأذى به .
أنهى تلك المكالمة غالقًا الهاتف، تزامنًا مع دخول زوجته إلى الشرفة وبيدها قدح القهوة الخاص به، تنحنحت تجذب انتباهه لها، فالتفت إليها ينظر إليها بنظرات هادئة لا تحمل أي مشاعر، أو هي تظن ذلك، فكانت نظراته تحمل لها الإمتنان والشكر، أشارت بعينها نحو القدح وقالت بهدوء :
_ القهوة يا حبيبي
مد يده يأخذ القدح من يدها، وشكرها بخفوت، متوجهًا إلى المقعد الخشبي ليجلس عليه باريحية،
فتقدمت هي بتلقائية تجلس على المقعد المجاور له، وتنحنحت تسأل بتوجس :
_ مالك؟، هو أنتَ لسة مضايق إني روحت قابلته ؟
_ المفروض إني أكون مرتاح لما عرفت عدوي
قالها شادرًا، عيناه لا تنزاح عن سٓبا القمر، فأومأت له توكد على حديثه، ليخرج منه تنهيدة عميقة اخرج بها ما يعتمل بصدره من ضيق، والتفت ينظر إليها عيناه تجولان على ملامحها، وهمس بصدقٍ :
_ بس أنا غيران عليكِ، مضايق إني وافقت تقعدي معاه لوحدك، كلامه معاكِ لسة بيتردد في وداني
حلقت فراشات السعادة بقلبها، وارتسمت ابتسامة لطيفة على ثغرها :
_ للدرجادي؟
ترك القدح من يده على الطاولة، ورفع يده يمرر أنامله على وجنتها بلطف، يستشعر نعومة بشرتها، وتسللت أنامله نحو عنقها يتلمس الوحمة، قائلًا بنبرة دافئة تخون صلابته :
_ للدرجادي يا جُلناري
تعجبت كونه أعاد على مسامعها تلك الكلمة من جديد، لتسأل مندهشة :
_ اشمعنا جُلناري ؟
أجابها بهدوء، وعيناه تسمرتمان ببريق عيناها اللامعة بلهفة لسماع أجابته :
_ صوت الاسم طالع زي طقطقه النار في ليل الصحرا حامي بس بيدفي
تعالت ضحكتها بسعادة وشبت عن المقعد، تطبع قبلة لطيفة على وجنته اليمنى قائلة :
_ اية الرومانسية دي بس
ما كاد يجيب بفخر، حتى قاطعه رنين هاتفه، أخرج الهاتف من جيبه، وتغضنت ملامحه حين وقعت عيناه على ذلك الاسم .
فتح الاتصال، يستقبل حديث الطرف الآخر بصمتٍ مطبق، بينما تعابير وجهه تفصح عن ما يختلج داخل صدره .
ودون أن ينبس بكلمة واحدة، أغلق الهاتف وهب واقفًا عن المقعد، وعندما سألته زوجته عما حدث، تبدلت ملامحها الساكنة إلى أخرى حادة، تنافي أي تعبير أخرى قد رأته على وجهه، كان غاضب بل أصبح كجمرة متوهجة من شدة الغضب يأكل بعضه بعضًا .
ابتلعت ريقها في وجل، ووقفت إلى جواره تضع يدها على ذراعه تحثه على الحديث، متسائلة بخفوت ونبرة مضطربة :
_ في اية يا داوود ؟
_ أنا مسافر
نطقها باختصار لكنها كانت كفيلة لينقبض قلبها خوفًا، لتشدد بتلقائية على ذراعه تسأل بتوتر :
_ فين ؟
التفت إليها، فرأت في عينيه حقدًا دفينًا تغذيه مُضاضة ألم لم يُمحَ بعد، وازداد الأمر سوءًا حين انفرجت شفتيه في ابتسامة ساخرة تظهر شراسة ملامحه، يهمس بشماتة :
_ لقيت رؤوف، جوز دهب .
شهقت شهقة حادة، ووضعت يدها على فمها بصدمة، أخبرها سابقًا أن أجل ذلك الحقير سيكون على يديه يومًا ما، لكن لم تتوقع أن يكون صادقًا إلى هذا الحد .
فاقت من تلك الأفكار التي تعصف برأسها بقسوة، على خطواته الحادة خارجًا من الشرفة، انتفضت مرتعبة، وهرولت خلفه تحاول أقصاءه عن ما ينوي فعله، تذكره أنه سيصبح لديه أبناء الآن، ولا يمكنه المجازفة بحياته، وأن لم يكن لأجلها، لأجل أطفاله على الأقل .
بينما هو عقله مغيب تمامًا عن الواقع، يتخيل كيف سيقضي على رؤوف بطريقة اكثر دموية .
وقفت أمامه تمنعه من أن يخطو خطوة أخرى إتجاه خزانة الملابس، أحاطت وجهه بين كفي يدها برفق، وهمست برجاءٍ :
_ عشان خاطري يا داوود، فكر في ولادنا، فكر فيا، أنا مقدرش أعيش من غيرك يا حبيبي
كانت نظراتها المشوشة من كثرة الدموع، ترجوه أن يتخلى عن فكرة انتقامه، اهتز كتفيها أثر بكاؤها، وهمست بتوسل :
_ بلغ عنه، ارميه في السجن، وخليك جنبي .
ودون أن يُظهر تأثره بأي كلمة، أزاحها من أمامه برفق، وأغلق حقيبته الصغيرة، حملها وغادر، دون أن ينظر إليها، فسيُضعفه رجاؤها وبكاؤها، وهو قد حسم أمره وانتهى ذلك .
اجفلت حين سمعت صوت باب الشقة يُغلق خلفه، علا وجيب قلبها، وارتجفت أنفاسها قبل أن تضع يديها على وجهها، وانفجرت في بكاءٍ مريرٍ، حسرةً على آلت إليه الأمور، وخوفًا من مستقبلٍ على شفا الانهيار إن هو نفذ تهديده .
***********************************
فرغ صهيب من صلاة قيام الليل، وسحب سجادته جانبًا، وتوجه نحو الفراش يجلس عليه بهدوء، ويستند بظهره إلى الوسادة .
وبنفسٍ مطمئنة في تلك الأجواء الهادئة، شرع في التسبيح باحثًا عن الطمأنينة، غير أن ماضيه المؤلم باغته، وبدأت تتقافز في ذهنه الذكريات السيئة تهاجمه من كل حدب وصوب كجنود حربٍ شرسة .
أختنقت أنفاسه فجأة، وتصبب جبينه عرقًا، عيناه تجمدتان على باب الغرفة وكأنه ينتظر دخول وحشٍ سيفترسه، وأطياف مرعبة تحاوطه لتعيد عليه ما حدث في الماضي .
فتح باب الشقة بعدما عاد من سهرته المعتادة، والتي تمتد حتى قُبيل الفجر مع أصدقائه .
وقبل أن يغلق الباب، تناهى إلى سمعه صوت جلبةٍ من الداخل تداخل مع صوت آنينٍ متقطع، وكأن أحدًا يختنق بالألم . تسلل الخوف إلى أوصاله، واضطربت دقات قلبه، وكل ما فكر فيه هو والدته، اندفع مسرعًا نحو غرفة والدته ليرى ما قد حل بها .
وحين وصل أمام الغرفة، اتسعت عيناه في ذهول، وتقطعت أنفاسه داخل صدره، وسقط المفتاح من كفه المرتجف، فدوى صدى الصوت وسط هذا السكون .
انتبه إليه هذا الشخص الملثم، واقفًا أمام جثة والدته التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبيده سكين حاد النصل تقطر منها الدماء على الأرض، قطرة بعد أخرى، وكأنها تنزف عمره لا دمها .
عيناه لم تفارقان جسد والدته الذي سكن تمامًا، تُغلف عقله الصدمة، لا زال عاجزًا عن استيعاب ما يحدث أمامه .
لكن انقشعت تلك الصدمة بمجرد أن وجد هذا اللص يندفع بجسده نحوه بعنف، يشهر السكين في وجهه، وعيناه تطلقان شرر الغدر .
وبلحظات، استجمع صهيب قواه، واندفع مقاتلًا، كان الاشتباك ضاريًا، لا سيما أن جسده الضعيف في الثامنة عشر لم يكن قادرًا على مجاراة قوة ذلك الرجل الذي يفوقه حجمًا وعمرًا اضعافًا .
لكن تحكمت به روح الانتقام، ويغذيها نزف دماء والدته الذي يتسري إلى قدميه، وبحركة خاطفة استطاع صهيب لكم الرجل بقوة أجبره على تراجع إلى الخلف خطوة، وبذلك الوقت استغل الفرصة وهجم عليه يقبض على تلك السكين، وحاول غزرها بقلبه لينتهي أمره .
احتدمت المعركة بين شد وجذب كان واثقّا بها اللص أن النصر حليفه، غير أن غضب صهيب كان أعتى .
وبقوة الحقد الذي يملأ صدره، نجح في غرز السكين بقلبه، اثخنه وتركه يسقط، بينما أسرع نحو والدته يجر خلفه رجفة الألم والذهول .
شهق بقوة وكأنه غريقًا نجى للتو، يزيح تلك الذكرى الخانقة عن رأسه، أحاط رأسه بين كفيه وصوت آنين بكائه يرتفع في الغرفة، ولازالت عالقة بذهنه الصورة الأخيرة لتلك الليلة .
جالس على الأرض عيناه تفيضان بالدمع، ووالدته فاقدة للحياة بين ذراعيه المتحضنة جسدها بتشبثٍ، وجثمان اللص الذي توفى على يديه على بُعد خطوات منه والدماء يحيط به بشكل مهيب .
ارتفع صوت بكائه، يضرب بكفيه على رأسه، ذلك ما كان يؤرق حياته مهما مرت السنوات عليه .
وكان طوق النجاة له هو صوت رنين الهاتف الذي صدح بجواره، أسرع ينظر إلى الاسم الذي ينير الشاشة، اخذ الهاتف يفتح الاتصال سريعًا، ويده تمر لتمحو دموعه، فجاءه صوتها القلق تهمس :
_ صهيب، أنتَ كويس؟، أنا قلقانة عليك من ساعة ما مشيت من عندنا
لم ينبس بكلمة، صوته سيفضح ما يعانيه، لينهش القلق قلبها أكثر، وهمست بارتباك :
_ صهيب، هو أنتَ مش عايز تكلمني ؟
زفر بقوة، يزيح ما يملأ صدره من ألم، وقال بصوتٍ خافت يظهر ضعفه في تلك اللحظة :
_ أنا عايزك جنبي يا يثرب .
_ طب قولي مالك عشان خاطري طمني أنا قلقانة
ارتجافة صوتها أوضحت بداية نوبة بكاء، ليسود صمت مطبق منه للحظات، قبل أن يهمس بنبرة محشرجٍ :
_ أنتِ لازم تعرفي حاجة مهمة
_ خير ؟
سألت بتوتر، ليحاول الحديث عدة مرات، غير أنه لم يقدر على النطق بكلمة تخص هذا الموضوع، ولتكرار سؤالها المتوتر، همس بثقل :
_ أنا قتلت وأنا عندي ١٨ سنة
قابله شهقة حادة منها، وصوتها المرتجف يصرخ بأذنه قائلة :
_ قتلت ؟، إزاي يعني، صهيب أنتَ بتتكلم بجد ؟
_ بجد يا يثرب، أنا قتلت حرامي كان داخل يسرقنا، وقتل أمي
صدمة أخرى وقعت على رأسها، وداهمها الدوار حتى ظنت أنها سيغشى عليها، وبعد دقائق من محاولة استجماع نفسها، همست :
_ ممكن تقولي كل اللي حصل .
***********************************
صباحًا، كانت تجلس مايان على الأريكة المجاورة للنافذة، تستنشق بعض الهواء النقي تستعد لبدايةٍ يومٍ جديدٍ، عقلها يجول في أفكار متفرقة، علاقتها التي توطدت مع إلياس وجملته الواضحة لها أنه سيأتي لخطبتها عقب عودته من السفر، ودراستها التي أصر إلياس أن تُنهيها بمساعدته، ورسائل صلاح التي لا تتوقف كل يوم .
تنهدت بعمق، تزيح خصلات شعرها المجعدة عن عينيها، وأخذت تراقب الطريق والمارة بهدوء كعادتها كل صباح، قطع خلوتها الهادئة مع نفسها، اندفاع شقيقها عمر إلى غرفتها دون استئذان، التفتت إليه بدهشة من فعلته وكادت أن توبخه، إلا أنه أوقف الحديث على طرف لسانها حين وقف أمامها بأنفاس لاهثة وكأنه أنهى للتو سباقًا طويلًا، وعندها نطق بكلمات قصيرة هزت كيانها :
_ عمتك ماتت
كتمت صرختها بكف يدها التي وضعته على فمها، وحدقت فيه بعينين مذعورتين، اغرورقتا بالدمع . ليقترب منها يضمها إليه بحنو، يحاول مواستها بعدما أقتحم هدوئها بخبر كالصاعقة، تنهد تنهيدة طويلة، وقد ارتسم الذهول على ملامحه، وقال :
_ حقك عليا، خضيتك على الصبح، بس أنا مش مستوعب اللي حصل، وأنتِ كمان مش هتصدقي
رفعت رأسها تستفسر بعينيها عن ما حدث، ليبتعد عنها قليلًا يراقب باب الغرفة خوفًا أن يمر والدهما فيسمعه، التفت إليها يخبرها بصدمة تجلت على حركات يديها التي تلوح في الهواء :
_ عمتك سابت العمارة اللي ابوكِ اجبرها تشتريها منه، باسمنا احنا الاتنين
سقطت فكها بالأرض من شدة صدمتها، وتعلقت عيناها بعينا شقيقها بشكٍ، لعله يتراجع الآن ويخبرها أنه كان يمزح ليس إلا، لكن لم تتغير تعابير وجه شقيقها، لتسأل بتلعثمٍ :
_ هو أنتَ بتتكلم جد؟
أومأ إليها عمر، والتفت يراقب الطريق، وقال بهدوء :
_ ابن عمتك كلمني من شوية وقالي، عمتك اصلًا ماتت من اول امبارح .
رغم حزنه على وفاة عمته، إلا أن عقله بدأ يرتب ما يمكنه فعله وشقيقته، حتى يتخلصا من قبضة والدهما، وتحكمه في حياتهما، ربت على كتف شقيقته يتحدث بخفوتٍ :
_ حياتنا هتبقى أحلى إن شاء الله، و هنقدر نقف قدام ابوكِ لما إلياس يجي يخطبك
تنهدت بارتياح، والقت نفسها بين أحضان شقيقها تبث لنفسها الهدوء، فرفع يده يمررها على خصلات شعرها، وقال :
_ فاكرة قولتلك اية لما كنتِ زعلانة أن إلياس دفعتلك فلوس الجامعة
رفعت رأسها تنظر إليه، ونطقا سويًا تلك الجملة المعتادة من شقيقها، لتتمسك بالأمل :
_ لا تُفكر، لها مُدبر .
************************************
_ وصلت بيروت و لا لسة يعني ؟
كان هذا صوت حمزة الذي يتحدث مع داوود عبر الهاتف، وإلى جواره يجلس عزيز يهز قدمه اليمنى بتوتر، فجاء صوت داوود من الطرف الآخر بحدة :
_ وصلنا بقالنا ساعة، ورايحين على مكانه
علم أن خلف صوته الحاد بركانًا على وشك الانفجار، لينظر حمزة إلى عزيز بضيق، وقال بهدوء :
_ طب حاول تهدأ يا داوود
صرخ داوود بانفعال من الطرف الآخر :
_ مفيش حاجة اسمها اهدى، انا هاجي براسه
تجلى الغضب على وجه عزيز، وانتشل الهاتف من يد حمزة :
_ هات كدا
صرخ به بغضب، وأن كان أمامه لفتك به على ما يتفوه به :
_ راس مين يا داوود، قولنا بالعقل، أنتَ هتيجي على الأخر وتخيب
وحين لم يجد فائدة من الحديث معه، تحدث بضيقٍ من نبرة داوود الباردة، وقد أثارت استياءه، :
_ اديني إلياس
جاء صوت إلياس الهادئ كعادته، ليزفر عزيز بارتياح وقد اطمئن قلبه الآن أن هناك متعقل واحد بتلك العائلة، وقبل أن ينبس بكلمة، طمأنه إلياس بجدية :
_ متقلقش يا عزيز، أنا معاه
_ فهمه أن الأمور متتاخدش كدا يا إلياس، الموضوع مش لعبة
همهم إلياس متفهمًا لحديثه، ثم قال بهدوء :
_ عايزك بس تحط واحد من رجالتنا قدام باب شقة داوود عشان مراته لوحدها
_ اعتبره حصل
أغلق الهاتف، والقاه بعنف إلى حمزة الذي تذمر بصوت مرتفع، يسب داوود وتهور أفعاله في بعض الأوقات، ووقف عزيز متوجهًا نحو الشرفة ليجرى إتصال هاتفي بأحد رجاله ليكون حارسّا على باب رحيل حتى عودة داوود .
تقدمت كنزي من زوجها مبتسمة وبيدها كوب من الشاي، وسرعان ما تلاشت ابتسامتها حين وجدته غاضب، لتضع الكوب على الطاولة أمامه، وتتوجه تجلس إلى جواره تربت على كتفه متسائلة بهدوء :
_ مالك يا حبيبي؟، مين الجاحد اللي قدر يعكر مزاجك
مازحته في نهاية جملتها، فمن يقدر على تعكير صفو زوجها المرح، رفع ذراعه يحيط بكتفها يقربها منه قائلًا :
_ هو في غير بهايم العيلة دي، ناس متعرفش حاجة عن الهدوء
_ لية، اية اللي حصل ؟
سألت بفضول يلمع في عينيها، لكن قرر عدم الإفصاح عن أي شيء قد يجعلها تتعرض للتوتر والخوف، وقد طلبت منه الطبيبة ألا تتعرض لضغط شديد، لذلك فضل أن يبرر غضبه لسبب واهي، فقال :
_ مفيش حاجة داوود وإلياس سافروا على غفلة كدا، وسابوا الشغل فوق راسنا
لاحت ابتسامة هادئة على ثغرها، وربتت فوق صدره برفق، قائلة بلطف :
_ معلش يا حبيبي، ربنا يقويك
اعتدل بجلسته حين لمح نغم تخرج من المطبخ مع عمتها، وقال بمرح معتاد منه :
_ يلا نعمل عمل خير بقى بدل القاعدة الغم دي
قطبت زوجته جبينها بعدم فهم، فجاء إجابة زوجها عن تعجبها حين نادى على نغم وأشار إلى الشرفة قائلًا :
_ عزيز في البلكونة، معلش ادخلي هاتيه
أومأ إليه ببساطة وحسن نية متوجهة إلى الشرفة، لتتسع ابتسامته يعدل من ياقة كنزته بفخر .
بينما دلفت هي بهدوء إلى الشرفة، ووقف دون أزعاجه حتى انتهى من مكالمته، وحين التفت رآها تقف خلفه تمامًا، وبتلقائية ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغره، وربت على سور الشرفة في دعوة منه لها أن تقف جواره قائلًا :
_ واقفة كدا لية، تعالي
ابتسمت بهدوء، وتقدمت تقف جواره تاركة مساحة شخصية مناسبة، ثم رفعت يدها تشير إليه أن حمزة من بعثها لأنه يريده .
فطن على ما فعله صديقه، لتتسع ابتسامته مشيرًا إلى حمزة من خلف الزجاج الشفاف، وقال :
_ لا حمزة مش عايزني، حمزة بيشغل دماغه وبيعمل اللي عليه
ثم أشار إليه وهمس :
_ لعل البرنسيسه بس ترضى عليا
ابتسمت خجلًا، وأدارت وجهها تشاهد الطريق، لم تتوقع يومًا أن تتطور علاقتها به دون عن أنه صديق مقرب للعائلة، وصديق الطفولة ممتاز، لم تستوعب بعد كلماته لها ونظراته التي تخجلها، وبوحه بحبها كلما سنحت له الفرصة، لكن هذا لا يشعرها بضيقٍ، بل هناك شعور لذيذ يباغتها كلما تصرف هكذا، وكأنها كانت تنتظر ذلك منه منذ مدة ولا تدري .
_ اية مش نتخطب بقى، ونغني يا دبلة الخطوبة
انتشلتها جملته من أفكارها التي تعج بذهنها، فالتفتت إليه، وسكنت عيناها عليه لبرهة، وكأنها تفكر فيما ستقوله، وبعد لحظات أخرى بدأت تشير بيدها بلغة الإشارة التي يفهمها جيدًا، تخبره أن موعد خطبتهما حين يعود أشقائها من السفر، ثم هربت من أمامه سريعًا، كعصفور يلوذ بعشه خوفًا من الصياد .
ظل متسمر لثوانٍ يستوعب ما أشارت به، وهروبها من أمامه سريعًا، لينظر إليها من خلال الزجاج وهي تركض نحو المطبخ، ليلوح بيده في ضيق، قائلًا بصوت مرتفع حتى يصل إلى مسامعها :
_ اديني فرصة اخد رد فعل يا مهزأة
***********************************
بعد ليلةٍ مرهقةٍ أثقلتها بالبكاء المرير، قضتها تتمنى لو كان بامكانها منعه من السفر، غفت دون قصدٍ منها وقد نال الإرهاق من جسدها، حاولت مرارًا الإتصال به، وبعثت له بالكثير من الرسائل كما علمها، لكن كانت النتيجة واحدة في النهاية .. الهاتف مغلق .
وحين فتحت عينيها، كان الانتفاخ يفضح دموع الأمس المعلقة على وجنتيها، وضعت يدها على عينيها لعل يتبدد ذلك الاحتراق، خرجت منها آنة مرهقة وهي تحاول فتح عيناها من جديد .
وأثناء ذلك لاحظت ثقل على الفراش، تلاشى ضيقها وعلمت أنه قد عاد وغفى إلى جوارها، وبلهفة التفتت إليه لتطمئن على حاله .
تبددت تلك الابتسامة، وأصابتها رجفةٍ قوية، اهتز جسدها على أثرها، حاولت الصراخ عدة مرات ولم تقدر كأن هناك خفية تكمم فمها، ويصعب عليها أخراج صوتها، تهدجت أنفاسها بشكلٍ مخيف، وزحفت مبتعدة عن الفراش، لم تسعفها قدميها للخروج من الفراش بشكلٍ صحيح، حتى سقطت بقوةٍ عن الفراش، وهنا أطلقت صرخة قوية، دوى صداها حتى خارج الغرفة .
لكنها لم تتوقف إنما استمرت بالزحف بجسدها المرتجف شاخصة البصر بذعر على الفراش، وقد كان تتسطح عليه جثة لشخص تغيرت ملامحه حين أصاب بطلق ناري برأسه، والدماء جافة على الفراش الأبيض .
بدا الألم على ملامحها المرتعبة، وبدأت في الصراخ بصوتٍ مبحوح، لعل أحدهم يسمعها ويأتي لإنقاذها، استمرت في المحاولة حتى رأت الدماء تلطخ ثوبها الوردي، تنزف الدماء بغزارة، لتسقط عبراتها بقهرٍ على حالها، وزحفت من جديد حيث طاولة الزينة حتى تأخذ هاتفها، وبعد محاولات عديدة والدماء تلوث الأرض تحتها، وصلت إلى هاتفها، حاولت الوصول إلى زوجها ومهاتفته، لكنه أختار الوقت المثالي حتى لا يجيب .
ابتلعت لعابها بصعوبة، وشهقات بكاؤها تتعالى، وقررت الإتصال بحمزة حتى لا تفزع كنزي، وبعد لحظات جاءها صوته الناعس، لتهتف سريعًا باستنجاد :
_ بالله عليك الحقني يا حمزة .
