رواية الراتل الفصل الرابع و العشرون 24 بقلم اسماء ايهاب


 رواية الراتل الفصل الرابع و العشرون 


خرج من المطار غاضبًا، بخطوات تدق بعنفٍ كأنه يريد حفر أثر حنقه فوق الأرض . تكبد عناء السفر وكاد الغضب يأكله حيًا كما تبتلع النار ورقةً يابسة، وبالنهاية عاد صفر اليدين؛ لم يجد رؤوف لقد فر هاربًا قبل وصوله بساعة واحدة، فتحطمت آماله في الإمساك به هذه المرة والقضاء عليه .
زفر أنفاسًا حارة محملة بالضيق، وعيناه تجوبان المكان بحثًا عن سيارته التي طلب من رجاله تجهيزها، أخرج هاتفه ليُجرى إتصالًا بأحد رجاله، وهو يتمتم غاضبًا لشقيقه الذي يقف إلى جواره :
_ يعني كل دا على الفاضي، قدر يهرب مننا تاني 

كان إلياس لا يقل غضبًا عنه، لكنه استطاع السيطرة على جماح غضبه كالمعتاد، فربت على كتفه حتى يهدأ وقال :
_ أهدى هنقدر نلاقيه متقلقش 

كاد أن يتحدث داوود، فقطعه وصول سيارته أمامهما مباشرةً، وترجل منها شاب قصير القامة، يقول معتذرًا :
_ آسف على التأخير يا راتل، كنت مع أستاذ حمزة في المستشفى 

نظرا الأخوين إلى بعضهما بقلقٍ تجلى على ملامحهما، وسأل داوود بتوجس :
_ مستشفي لية ؟

نظر إليه الشاب بتعجبٍ واضح، وقد كان يعتقد أنه عاد من السفر سريعًا لعلمه ما حدث لزوجته، ليتنحنح قائلة بأسف :
_ مدام حضرتك في المستشفى 

تصلب جسده من هول الصدمة، كأن الدم تجمد في عروقه، واتسعت عيناه في ذهولٍ غير مصدق ما سمعه للتو، فيما بدا صوت شقيقه المنفعل وكأنه يتردد بعيدًا، مثل صدى غامض يطرق مسامعه .
جال بعقله الكثير من السيناريوهات عما تعرضت له من خطر، حتى انفصل عن الواقع تقريبًا، ولم يفق من حالته تلك إلا على يد شقيقه التي تدفعه نحو السيارة، حينها استفاق على نفسه، وأنهال بالأسئلة على الشاب بنبرةٍ يتجلىٰ بها الارتباك، فتلقىٰ الرد من الشاب حين قال :
_ أنا معرفش حاجة والله، أنا بس وصلت أستاذ حمزة وعمته على شقة حضرتك، ونزلوا بالمدام بتنزف وطلعنا على المستشفى .

اختصر له ما حدث بجملٍ متلعثمة، ليزيحه داوود من أمامه واستقل السيارة بمقعد القيادة . 
فطن شقيقه ما سيفعل ليفتح الباب المجاور له حتى يصعد السيارة سريعًا، وجعل الشاب يهرول إلى المقعد الخلفي، وما أن أُغلقت الأبواب حتى انطلق داوود بسرعة جنونية إتجاه المشفى، يدعو الله ألا يصيبها مكروه .
قطع المسافة في زمنٍ لم يدرِ كيف انقضىٰ، وكأنه كان يسبق روحه للوصول إليها، أوقف السيارة أمام المشفىٰ، وأسرع نحو الداخل تاركًا باب السيارة مفتوح، كل ما كان يفكر به هو أن يراها في أحسن حال .
تخبط في أروقة المشفىٰ كالشريد يبحث عن طريقه، عيناه تذرعان المكان بلهفة حتى لمح حمزة وعمته في آخر الرواق، تنفس بعمق وهرول نحوهما، وحين وصل بالقرب منهما، طنت أذناه بصوت الطبيب الذي يردد بأسف :
_ للأسف، خسرنا جنين من الأجنة .

علا وجيب قلبه، وتجمدت قدماه في الأرض عاجزًا عن التحرك خطوة أخرى، يحاول استيعاب ما تفوه به الطبيب للتو، كانت هذه الجملة أقسىٰ ما يمكن مواجهته الآن .
لاحظت عمته تجمده، شاخص البصر إلى الطبيب الذي يغادر بهدوء نحو غرفته، فمسحت دموعها وتقدمت منه بلهفة، تربت على كتفه بحنو قائلة :
_ الحمد لله أنها جت على قد كدا يا حبيبي 

_ اية اللي حصل ؟

سأل بنبرةٍ خافتة، قابضًا على كف يده المرتجف، يحاول التماسك والقوة حتى يقدر على مواساة زوجته .
فجاء الرد من حمزة الذي تقدم نحوه يخبره :
_ صحيت من النوم لقت جثة على السرير جنبها، جثة واحد من رجالة عزيز كان موقفه على الباب على ما ترجع من السفر 

لم يحتج داوود أن ينطق بكلمة، كانت نظراته كفيلة بإخبار حمزة بما يريده، فما كان من الاخير إلا أن هز رأسه مطيعًا، وتنحى جانبًا مشيرًا بيده نحو غرفة رحيل قائلًا :
_ ادخل لمراتك، و متقلقش 

أخذ نفسًا عميقًا، ومرر أنامله الباردة على عينيه لعل تختفي تلك الدمعة المخبئة أسفل جفنيه، ثم تقدم بخطى هادئة نحو الغرفة يواري خلفها بركانًا يوشك على الانفجار .
فتح الباب بخفة، ليجدها ممددة على الفراش، كفها فوق بطنها، ودموعها تتسابق للوصول إلى الوسادة . لم تنتبه إلى دخوله إلا حين استقر جوارها على طرف الفراش، يمسك بيدها برفق، متجنبًا ملامسة القُنية الوريدية، التفتت برأسها نحوه ، تتأمله بنظرات يختلط فيها العتاب والألم، نظرات كفيلة بتمزيق روحه .
ابتلعت ريقها بصعوبة، وهمست بنبرة مختنقة بالبكاء :
_ الاتنين ماتوا ؟

ابتلع مرارة كالعلقم في حلقه، وأغمض عينيه بقوة، يتحاشى النظر إلى عينيها المعاتبة، ثم قال بخفوت :
_ لا متخافيش، المهم دلوقتي صحتك 

دنا منها يلثم جبهتها بقبلة حانية، لتمسك بتلابيب قميصه قبل أن يعتدل بجلسته، تسأل برجاءٍ مرتجف :
_ داوود صارحني، ولادي راحوا 

انتزع ابتسامة باهتة على ثغره عنوة، ومد يده يمسد على خصلات شعرها، يهمس بعقلانية :
_ ربنا قدرلنا أن أول خلفتنا ميبقوش توأم 

فزعت مما استشفت من حديثه، وسألت بخوفٍ من إجابته الصريحة :
_ يعني واحد منهم مات 

تنهد بقوة، وقال بهدوءٍ يحاول استحضاره في هذا الموقف :
_ ربنا يعوضنا خير في اللي جاي .

انفجرت في بكاءٍ مرير، تمسد بأصابعها على بطنها في حنو، وحاول هو تهدئتها حين وضع جبهته على جبهتها، تضم رأسها بين كفيه، يهمس بهدوء وأنفاسه الساخنة المحملة بالألم ترتطم ببشرتها :
_ الحمد لله أنك بخير، وواحد منهم معانا وإن شاء الله هيجي الدنيا بالسلامة 

ازداد بكاؤها، واهتز جسدها بعنف أثر البكاء، تقول بنبرةٍ متحسرة :
_ افترقوا عن بعض حتى قبل ما يشوفوا بعض

حاول السيطرة على جم حزنه، وابتلع غصته بصمت، وأخذ يمسد على رأسها وكتفها بحنو لكي تهدأ، وقال :
_ أهدي يا حبيبتي، واحمدي ربنا 

رددت بالحمد لله مرارًا وسط بكاؤها الذي لا يتوقف، وألم مبرح يمزق قلبها على فقيدها، شهقاتها تتعالى بقوة تتردد بأذنه كأجراس إندار، تحذره أن ثباته قد يتداعى في أية لحظة، ينبهه كم هي بحاجة إليه جوارها لتمر تلك الأزمة على خير .
استلقى إلى جوارها على فراش المشفىٰ، يضمها برفقٍ إلى صدره، يحاول بث لها الطمأنينة في حديثه الهادئ الذي لا يمت لِمَ بداخله بصلة، داخله كاد يصبح رمادًا من قسوة شعوره بالحزن، لكنه كالمعتاد منه يختار إخفاء حزنه ودثر ألمه داخل أعماقه، ليبقى هو الجدار الوحيد الذي تتكئ عليه وسط انهيارها .

***********************************
فتح عينيه المنتفختين من قلة النوم على وقع جرس الباب، تململ بضيقٍ ووضع يده على وجهه محاولًا إكمال نومه، لكن دوى صوت الجرس استمر في أرجاء الشقة، فابتعد عن الفراش بانفعالٍ مرتسمٍ على ملامحه .
فتح الباب بعنفٍ من شدة ضيقه، وصُدم حين وجد زوجته أمامه ترفع النقاب عن وجهها، لم يتوقع أن تأتي له بهذا الوقت، بالأحرى لم يتوقع أن تأتي له بعد حديثهما الأمس، نظر خلفها وسأل :
_ الحاج معاكِ ؟

نفت برأسها، وقال بهدوء :
_ محدش معايا 

سمع صوت أقدام تقترب منهما وأحدهم ينزل الدرج، فأمسك بذراعها وجذبها إلى الداخل غالقًا الباب خلفهما، ثم رفع سبابته بتحذيرٍ أمام وجهها، قائلًا بحدة :
_ متشليش النقاب على الباب بعد كدا 

هزت رأسها، وعيناها تتفحصان ملامح وجهه الباهتة، وتقدمت منه تضع كفها الأيمن على ذقنه وسألت بقلقٍ :
_ أنتَ كويس ؟

تنهد يخرج أنفاسه الثقيلة، وأومأ إليها كإجابة صامتة منه، فرسمت ابتسامة هادئة على ثغرها، وقالت هامسة :
_ مقدرتش انام من القلق عليك، ومعرفتش اروح شغلي غير اما اطمن عليك 

_ متوقعتش 

أخرج كلمته مندهشًا، لتظن هي أنه يتحدث عن مجيئها إلى منزله، فضمت شفتيها بأسف، وتراجعت إلى الخلف خطوة مبتعدة عنه، ثم بررت قائلة :
_ بصراحة أنا مكنتش عايزة أجي من ورا اهلي بس هما مكانوش هيرضوا 

نفى برأسه، يفسر مقصده من تلك الكلمة :
_ قصدي متوقعتش إني أشوفك تاني بعد اللي عرفتيه امبارح 

طافت عيناها على وجهه، تتمعن في ملامحه بنظرات هادئة، وهمس بصدقٍ مبتسمة :
_ مكنش ينفع مجيش بعد اللي سمعته امبارح 

تلألأ القلق في عينيها، و نظرت إليه بتوجسٍ متسائلة :
_ مش هو عادي إني جيت و لا مكنش ينفع اجيلك البيت ؟

أقترب تلك الخطوة التي ابتعدتها، ولفت يديه حول خصرها يجذبها نحوه، لتستقر بين أحضانه، ثم قال بنبرةٍ عابثة :
_ أنتِ جاية شقتك، ولجوزك 

اتسعت ابتسامتها، ووضعت كفيها على صدره، تتميل يدلال بين ذراعيه هامسة بلطف :
_ صح، جاية لجوزي 

دنا يقبل وجنتها، فنظرت بخجل إلى الأرض، ورفعت سبابتها تشير نحو المطبخ قائلة :
_ هروح احضر فطار، نفطر وتيجي توصلني الشغل

شدد أكثر على خصرها، وغمز بعينه اليسرى مشاكسًا لها :
_ ولو طنشتي الشغل النهاردة وفضلتي معايا، يكون احسن 

أزاحت يديه عن خصرها، وقالت بمزاح :
_ كمان مروحش الشغل من وراهم، دا أنتَ عايز تبوظني خالص

خطت خطوتين نحو المطبخ، ثم التفتت إليه من جديد، تضيق عيناها عليه قائلة :
_ وبعدين في عندك مستشفى يا دكتور 

أومأ إليها، وارتسمت ابتسامة لطيفة على شفتيه وهو يراقبها تخلع نقابها وتتجه نحو المطبخ .
فرفع يده يمررها على خصلات شعره وقد امتلأ قلبه بسعادة لا توصف، وانزاح عنه ذلك الثقل المقيت الذي كبله منذ البارحة .
انتهيا من تناول الطعام ولملمت الصحون معًا، وقامت هي بغسلها وترتيب الشقة، ثم وقفت تعقد النقاب على وجهها حتى يخرج هو من الغرفة بعد تبديل ملابسه .

_ اية رأيك ؟

التفتت إليه تمرر عيناها على هيئته المنمقة، فابتسمت وتقدمت منه تعدل من ياقة قميصه، تقول بلطف :
_ شكلك سُكر خالص

أمسكت بكفي يده بكفيها، وضمت شفتيها بترددٍ تنظر إلى عينيه، ثم أخذت نفسها تبث لنفسها الشجاعة قبل أن تنطق بهدوء :
_ أنا جيت مخصوص عشان أقولك، أن أنتَ ملكش ذنب في اللي حصل، أنتَ كنت بتدافع عن نفسك وعن مامتك 

رفعت كفها الأيمن تمسد على ذقنه النامية، وقالت برجاء :
_ حاول تتخطى الموضوع عشان خاطري، وأنا جنبك ومش هسيبك، هنتخطى الحادثة دي سوا

قبل جبهتها بامتنان لوجودها معه بتلك الفترة القاسية عليه؛ فكان يعتقد أنها ستفر منه وتطلب الطلاق، لكنه صُدم حين وجدها أمامه تحاول تقويته على ما نفسه، ومقاومة ذلك الضباب الذي يسمى بالماضي، وهو أختار أنه يبني معها حياة هادئة بعيدًا عن أي شيء قد يورق حياتهما .

************************************
عادت مايان مع شقيقها من الخارج بعدما أثبتا ملكيتهما لبناية عمتهما، والابتسامة لا تفارق وجهيهما، وبريق السعادة يتألق في أعينهما .
كان الأمر أشبه بمعجزة من الله، رتبت لهما حياتهما في ليلة وضحاها؛ فلن يعود والدهما يهددهما بالطرد، بعدما أدرك أن لهما مأوى آخر يلجآن إليه .
وعلى ذكر والدهما وجدا يجلس على الأريكة، واضعًا ساق فوق الأخرى وكأنه ينتظرهما، وما أن أغلق عمر الباب حتى هب والده واقفًا، وصاح بغضب :
_ شفطوا العمارة بتاعتي في كرشكوا، أنا اصرف دم قلبي عليكم 

لتتحدث مايان بضيقٍ واضح على ملامحها :
_ دا حقنا، عمتو اشترتها منك بفلوس وكتبتها باسمنا 

ازداد غضب والدها من ردها، ليتقدم منها يهتف بانفعال :
_ وتكتبها باسمكم لية؟، أنا اللي بكع فلوس كل شهر قد كدا 

نظرت إلى شقيقها نظرات ساخرة، فهم مغزاها الآخر، وتقدم من والده يربت على كتفه قائلًا بهدوء :
_ بص يا بابا احنا هنعمل اتفاق مع بعض 

نظر إليه والده متعجبًا، لكنه سخر منه حين قال :
_ واية هو الاتفاق يا روح أبوك 

تجاوز عمر عن سخريته، وأشار نحو شقيقته قائلًا :
_ مايان جايلها عريس 

عادت نظرات والدها المتهكمة تهاجمها تذكرها بطلب صلاح للزواج منها، ابتلعت غصتها وأدارت وجهها إلى الجهة الأخرى .
ليتحدث عمر مجددًا، يلقى قنبلته بوجه والده :
_ لو شرفتنا قدامه، هنكتبلك نص العمارة، اية رأيك

لمعت عيناه ببريق الجشع، وتوجه نحو ابنته، يضم كتفها إليه، قائلًا بحنوٍ زائف :
_ بجد يا بنتي، ربنا يوفقك يا حبيبتي 

ثم اردف موجهًا الحديث إلى عمر :
_ العريس دا جاي امتى عشان نجهز نفسنا يا بني

_ هنحدد معاه ميعاد قريب 

أجاب عمر بهدوء، وسحب كف شقيقته، ثم نظر إلى والده قائلًا :
_ بس زي ما اتفقنا، تشرفنا قدامه هديك نص العمارة

أشار والده إلى عينيه وقال بسعادة :
_ من عنيا يا بني، هو انا عندي اغلى منكم 

أغلق عمر الباب خلفهما بعدما دخل غرفة شقيقته، لتتأفف مايان تلقى بحقيبة يدها على الفراش قائلة بخفوت :
_ نص عمارة اية يا عمر 

تحدث عمر بتعقلٍ حتى يطفئ غضب شقيقته :
_ سيبي بس الأمور تمشي وتعدي خطوبتك على خير، وأنا هتصرف 

لوحت بيدها بانفعال، وصاحت غاضبة تخشى أن تعود معاناتهما مجددًا :
_ أنتَ عارف لو خد نص العمارة هيعمل اية 

تنهد بقوةٍ يخرج ما يعتمل داخل صدره، وجلس إلى جوارها على الفراش، يخرج تلك الوثيقة من جيبه قائلًا :
_ عارف، وعشان كدا بقولك أنا هتصرف 

ختم جملته بابتسامة خبيثة توسعت شيئًا فشيئًا على ثغره، لتعلم مايان أن شقيقها يرتب ما سيفعله، فتركت له الأمر ولم تعلق من جديد على هذا الموضوع، فقط تشعر بالراحة؛ لأن والدها سيسعى ليخرج أفضل ما لديه في إستقبال إلياس وعائلته، وهذا ما يهمها الآن .

***********************************
اتكأ ذاك الرجل على ظهر المقعد الخشبي، الخوف مرتسم على وجهه الملئ بالتجاعيد، وجبينه يتصبب عرقًا غزيرًا كلما تذكر كيف فر هاربًا قبل أن يقع بين فكي الراتل .
رفع كفه الممتلئ بأصابعه القصيرة، يزيح العرق المتساقط على وجهه، فيما قلبه يخفق كطبلٍ مذعور.
تقدم بجذعه العلوي يصب بيده المرتجفة كأس من الخمر الذي أصبح أدمان بالنسبة له، وبدأ يتجرع بشراهه، لكنه أجفل حين صدح صوت رنين هاتفه فجأة، ابتلع ريقه بصعوبة وفتح الإتصال يجيب على الطرف الآخر بنبرة مرتجفة :
_ رجعوا مصر؟

أجاب الطرف الآخر بهدوءٍ أثار غضبه أكثر :
_ رجعوا يا رؤوف، ولو مكنش رجع بمزاجه كان رجع غصب عنه 

سأل رؤوف بفضول وهو يتجرع كأس آخر  من الخمر :
_ لية؟

دوى ضحكات الآخر من الهاتف بقوة، وقال بنبرةٍ خبيثة، تليق بما حاك من مكر :
_ حاجة بسيطة، حطيتله جثة جنب مراته على السرير، وضربت عصفورين بحجر واحد، وقعت بينه وبين عابد و حسرتوا على ولاده 

_ مراته اجهضت؟

سأل رؤوف بتوجسٍ، فجاءته الإجابة منه بأسفٍ واضح، وكأن مهمته لم تنتهي على خير :
_ للأسف، واحد منهم لسة عايش 

تأفف رؤوف، وهب واقفًا بعنف من على المقعد، ووقف أمام النافذة الزجاجية يتطلع إلى تلك الإطلالة الخلابة، وصاح بغضب ملوحًا بيده بعنفوان :
_ أنا هفضل لحد امتى اهرب منه من بلد للتانية، اخته وانتحرت اعملها اية يعني

لهث بانفعال، وصمت يستمع إلى الطرف الآخر، ثم صرخ بضيق :
_ أنا غلطان إني سمعت كلامك وهربت منهم

_ كنت هتموت سوا عرفوا انها انتحرت او أنتَ اللي موتها 

كان رده بارد، أشعل رؤوف بجمرات الغضب المشتعلة، فقال بحسم :
_ خلصني من الحوار دا عايز ارجع مصر 

_ بحاول 

اشتدد غضبه أكثر، فهتف بعنفٍ يطرق بقبضته على زجاج النافذة :
_ لا، لازم تحاول، أنتَ اللي وقعتني وخلتني اروح اتجوز زفتة الطين اللي اسمها دهب دي، وجابتلي مصيبة فوق راسي

لم يلقىٰ ردًا منه سوا وداع بارد، وأغلق الخط تاركًا رؤوف يثور أكثر ويضرب على النافذة بقوة حتى انكسر الزجاج بيده، وسالت الدماء تغطي كفه وتلطخ الزجاج .
التقط أنفاسه اللاهثة وتحرك عائدًا نحو مقعده، يسبه سبابًا نابي متوعدًا له أن يكون سببًا في سجنه أن لم ينتهي هذا الوضع .

***********************************
ساعدها على التمدد على فراشه بغرفته بمنزل العائلة،  بعدما قرر الطبيب خروجها من المشفىٰ، لم يرد أن تعود إلى تلك الشقة مجددًا حتى لا تصاب بالذعر، وتكون النتيجة مأساوية، لذلك طلب من إلياس المكوث بها حتى يرى ما يمكنه فعله بعد ذلك .
جلس إلى جوارها على الفراش، يمسد على خصلات شعرها برفق، وأشار بعينه بارجاء الغرفة وسأل بهدوء :
_ اية رأيك في الشقة، واوضتي

مرر أنامله على وجنتها اليمنى، يتأمل عينيها التي فقدت بريقها الخاطف، وهمس بابتسامة استطاع رسمها بصعوبة على ثغره :
_ هنا احسن والكل معاكِ

نظرت إليه نظرة خاوية، وانسابت الدموع الحارة تلسع وجنتيها، تهمس بصوتٍ محشرج :
_ أنا مش عايزة غيرك، طول الوقت مكنتش عايزة غير وجودك جنبي

قبل باطن كفها بحب، وقال بصدقٍ يظهر بعينيه :
_ وأنا جنبك يا حبيبتي 

ابتلعت غصتها، وسأل دون تمهيد :
_ لقيته؟، عملتله حاجة؟ 

صك على أسنانه بقوة، يكبح تلك السبة التي كادت تخرج من فمه، ونظر إليه بهدوء استطاع إيجاده ببراعة، وقال مجيبًا :
_ لا، ملقتوش ومعملتش حاجة متقلقيش

أغمضت عيناها، فتسربت الدموع من بين أهدابها بغزارة، وحين فتحت جفنيها قالت بما جال بخاطرها دون ترددٍ :
_ أنا خايفة أخسرك يا داوود، حتى لو أنتَ معندكش مشكلة أنك تخسرني أنا وابنك، بس أنا عندي مشكلة أنا مش عايزة اخسرك، ومش عايزة ابعد عنك ..ارجوك

أقترب منها بذهولٍ مما تتفوه به، قبل رأسها وضمها إليه برفق يربت على ظهرها، وقال بحنو :
_ مين قالك إني مستعد اخسرك يا رحيلي، صدقيني أنا مقدرش وابعد عنكم 

ابتعدت عنه قليلًا تنظر إليه بلهفة، وقالت :
_ يبقى تبعد عن الشر، وخليك معانا، عشان خاطري يا داوود 

كان رجاؤها بتلك الحالة التي أصبحت عليها كفيلة لتمزيق قلبه عليها، ولم يكن هناك مجال لرفض طلبها على الأقل حاليًا حتى تستقر حالتها الصحية، فأومأ إليها وقال بطاعة :
_ حاضر، هبعد عنه

رغم عدم اقتناعها بحديثه إلا أنه لم يكون هناك سبيل سوى تصديقه، فمالت برأسها على كتفه تتنهد بقوة، وهمست بضعف :
_ أنا عايزة ارتاح، عايزة أنام 

تركته وعدلت من وضعية نومها، مستعدة للغرق بتلك الدوامة اللطيفة التي تجعلها تترك كل شيء خلف ظهرها غير مبالية، فعدل الغطاء على جسدها، وقبل جبهتها بقبلة حانية، وخرج من الغرفة بهدوء .
وحين أغلق الباب قابله شقيقه إلياس الذي تقدم منه يضع يده على كتفه متسائلًا :
_ أنتَ كويس 

نفى برأسه، وقد زينت عيناه لمعة حزينة تظهر دون خجل أمام شقيقه فقط، ليحاوط إلياس كتفه متوجهًا به نحو الشرفة، ليخرج ما بداخله لعله يهدأ ويرتاح .
بينما هو مندمج في الحديث مع شقيقه يعبر بلتعثم عما يشعر، ويستقبل إلياس حالته بهدوءٍ وتفهم، دلف عزيز بخطى سريعة إلى الداخل، ودون مقدمات هتف بجدية :
_ مش عابد اللي عملها، عابد كان في المستشفى امبارح بعد ما خسر نص اسهم شركته .

تبادلا ثلاثتهم نظرات ذات مغزى، ليقف داوود عن الأريكة، يقف على سور الشرفة يراقب الطريق، وقال بهدوء ما قبل العاصفة :
_ في حد تبع رؤوف بيساعده هنا، وكان بيشتت انتباهنا عشان نسيب رؤوف ونرجع 

_ أكيد، مفيش تفسير تاني 

قالها إلياس بضيق، ليلتفت داوود نحو عزيز وقال :
_ شغلتك دي يا عزيز

أشار عزيز إلى صدره، وقال بجدية :
_ عندي، ولا يهمك

رفع داوود رأسه إلى الأعلى يستنشق الهواء المختنق بصدره، الأفكار تهاجمه بعنف تتصارع بداخل ذهنه، وأن لم يجد حل لكل هذا؛ فسيصاب بالجنون بالتأكيد .

************************************
دلف الجندي بهدوءٍ إلى مكتب الضابط صادق، فرفع صادق رأسه عن الأوراق يسأل باهتمام عما يريد، ليمد يده له بملصقٍ أسود، عليها رسمة لثلاث مخالب فضية تخدش السطح، وقال :
_ جالنا شحنة جديدة من السلاح يا فندم، وعليها نفس العلامة 

تنهد صادق، وأخذ يدقق في الملصق، يهمس بفضول لمعرفة هوية ذلك الشخص :
_ التلت مخالب 

أومأ إليه الجندي بإيجاب، واردف :
_ أيوة يا فندم، وكمان معاهم نفس جواب كل مرة، فيه مكان العصابة اللي كان معاها السلاح

ابتسم صادق ساخرًا، وأكمل عنه قائلًا :
_ وطبعًا هنروح نلقيهم متكتفين وجاهزين للقبض عليهم

لم يجيبه الجندي إنما ظل صامت حتى يتلقىٰ منه الأوامر، فوجد صادق يقف عن المقعد، ويلملم أغراضه سريعًا، وقال بهدوء :
_ هنروح نجيبهم، يشرفوا جنب اخواتهم 

تعليقات