![]() |
رواية احفاد الثعلب الفصل الرابع والعشرون بقلم شريهان سماحة
لن أطيب خاطرك ببعض الكلمات، ولكن حان الآن لسرد لك بعض التفاصيل المهمة التي ستجعلك تفهمين الأمر جيدا ...
رفعت وجهها باتجاهه بذهول وهي تستوعب مغزي تلك الكلمات المحيرة .. فتجرعت بارتباك حنجرتها لما سيهبط على أذنها من أمور صادمة .. فهكذا حدثتها نفسها عند رؤيتها الملامحه الجدية ... لازمت الصمت تحسه على استرسال حديثه ...
والذي استأنفه قائلاً :
- لقد لازمت السيد جلال ما يقارب العشر سنوات قبل زواجه ... كان ناجحاً في عمله وذاع صيله من الشرق والغرب .. كان طيب القلب ولكن كنت أشعر بتحرره الزائد وبتقليد مجتمع ليس مجتمعه .. وكان ذلك التصرف متوقعا منه حين الي ذات يوم بتلك اليهودية لمنزله كزوجة له ...
لم أكن حينها استوعب ما حل به من كارثة ... فهو رجل في الخمس والثلاثون من العمر ويجب أن يتزوج لكي يستقر في الحياة كجميع البشر ... أما من تزوج فهي كغيرها والأهم أنه كان ظاهر عليه بوادر العشق في ذلك الحين ...
لم يمر سوي ثلاثون يوما وعلت أصوات المشاحنات والشد بينهما .. لم أهتم بالأمر فالبعض من المتزوجون يحدث معهم الكثير من ذلك .. إلى أن مر عامين على هذا الوضع تعود هو ذلك وتعودت معه .
إلى أن صدحا صوتهما ذات يوم في أحدى المشاجرات ... كان مضمونها الظاهري الذي وصل لي في غرفة تحضير الطعام ... بأنه هناك حمل لم يكن في حسبانها نهائيا ويجب أجهاضة في أقرب وقت ممكن .. جن جنون سيدي جلال بل وهددها بصوت مسموع ، بأنها سوف تتلقي المصير نفسه على يداه هو ، وليضيع مستقبله وحياته غير مباليا .. فلقد سلم الحياة بهذا الشكل ....
جبنها جعلها تنصت أخيرا الأرادته وأكملت الحمل في ظل سعادة سيدى وتلبية رغباتها من حين الآخر حتى لا يتأثر الجنين ... و جاء وقت الولادة بالفعل ورزق بمولودا صبي كانت تجتاحه السعادة بغير حسيان لنفيض على وجهه بفيضان جلي خاصة عندما تلقاه بين ذراعيه من أحدي الممرضات .. كان حينها كالطفل الذي تلقي أجمل هداياه ... سلمه لي بين راحتي يداي وهو يهتف بأنه لن يأتمن أحد عليه إلا انا .. وهما ذاهبا ينهي أجراءات المشفي حين ذاك ...
حين تلقينه كاني تلقيط قطعة من قلبي بل وملك حينها جميع حواسي باستباحيه تامة ....
تفاجئنا بعد ميلاده بنفورها منه في بداية الأمر ... الأمر الذي أذهلنا لهذا كنت أنا والسيد جلال لعوضه بحنان فائض عن حاجته .. إلى أن حدثت مشادة كلامية عنيفة بل أكثر عنفاً منذ زواجهم لم أستفسر منها شئ سوا أن الطفل ما هو إلا مسلم وسيكون مسلم تابع لسيدي جلال مدي الحياة ليكون ردها أكثر تهجما حين أخبرته بأنه ليس ب " على " وأنما هو " كريس " يهودي الديانة ... مشادة عنيفه لم تنتهي إلا بسريان كلمتها حين أطلقت له الوعيد بأنه اذا لم ينفذ ما ترغيه - سوف يصبح في يوم وليلة بدولها هي وطفلها وسيختفون للابد !!
كل يوما بعد تلك المشاجرة كنت أشاهد سيدي كبر خمسون عاما يكسو وجهه الحزن الدائم .... كان كثير ما يوصيني به حتى إذا سافر لمسقط رأسه لأنه كان لا يستطيع أصطحابه معه بسب رفضها وبسب رفضه هو الأخراج جواز سفر باسم " كريس " - ولهذا كان لا يأمتها عليه ودائما ما كان يقول لي كن أنت عيني لحمايته ... خاصة بأنها كانت تمده بطباع وافكار يهودية عنصرية في غيابه ... وكنت أنا من يقف لها بشكل غير مباشر لترويض نفس الطفل ... لهذا كانت تحمل لي الكره الدائم .. إلى أن ......
تعجبت متصدمه من حديثه المفجع ، ولكن لما تردد في الاستكمال فحنته بنظرات عينيها.
المراقبة له بفضول لتكملة ما كان يسرده......
فتجرع تردده بشجاعة تم هتف باستسلام :
إلى أن شاهدتها ذات مرة وسيدي جلال في أحدى زيارته في القاهرة و" علي " لم يتعدي الثامنة أعوام بص ... بصحبة رجل ضخم في غرفة نوم سيدي وفي داخل بيته بعد أن أرسلتني الشراء بعض الأشياء الغير مرغوبة لها في ذلك الوقت .. كنت ذهبت بالفعل ولسوء حظها بأن جميع ما تحتاجه توفر أمامي دون بذل مجهود لهذا عدت أدراجاً من حيث أتيت لأشاهدها في ذلك الموضع الحميمي .. !!
لم تدرك في وسط انصاتها الجيد لما يتفوه به بأنها عند تلك النقطة أطلقت شهقه عالية جدا تعبر عن صدمتها الغير متوقعة ...
فاسترسل العجوز حديثه باستياء دون اهتمام لرد فعلها قائلاً بشرود : أبغضتني أكثر من زي قبل وتوالت تهديدتها لي بالموت اذا أفشيت سرها .. ومن ثم أنها متها المتتالية لي بالتقصير في عملي حتى تفاجات ذات يوم بأخرهما ب .. بأني تعديت عليها ...
على ذلك الأمر غضب سيد جلال كثيرا وطردني من بيته ... ولكني عذرته لأنها تمكنت بتمثيلها المتمكن من تحويل الأحداث فوق رأسي، باتقان محكم قد أكون صدقته أنا شخصيا ...
هتفت بلجلجه مضطرية :
15" و "على
لم أعلم عنه هي منذ أن غادرت إلى أن جانبي الخبر المفجع بعد عامان يموت السيد جلال والذي التشر بكافة الصحف حين ذاك ب .. ب
- بماذا ؟
بمقتله على باب بيته من مجهولين أصابوا جسده بالكثير والكثير من الطلقات الحية ....
للمرة الثانية كان رد فعلها شهقة قوية دون حسبان ... هل ما سمعته من كوارث يتحمله بشر ... هل كان يعلم الحد بما حدث لفلذة كبده ومنعنه أعاقته من البحث عن الجناة .. ومن هم هؤلاء الجناة الدين يحملون كل هذا الكره الرجل كرس حياته للعلم فقط ... تصارع عقلها بأفكاره ... وخفق قلبها بدقاته الهادئة .. حين علمت ما كان يحمله الجد من الالم مميته تقسم الظهر الممشوق في ريعان شباب ..
أناها صوته يستأنف حديثه بهدوء :
توجهت لبيتهم مرة أخري بعد سماع ذلك الخبر للأطمئنان علي الطفل بين يدين تلك المرأة والذي كان بلغ حينها العشرة أعوام ... تفاجات بمغادرتها المنزل نهائيا بصحبته ... مرت الأيام ليتبعها السنوات ولم أعلم عنهما شي حتى ظهر لي " على " منذ عشر سنوات يخبرني بأنه بحث عني كثير وبأنه يحتاجني في حياته .. ثم أنه اشتري قصر في تلك المقاطعة ، وأنه يجب أن أتي معه في ذلك القصر .. أنا وهو فقط .. وعلمت عندما أتيت بصحبته بأنه أكمل تعليمه ومازال
يلتحق بالدراسة حتي ينهل منها ما يحتاجه ...
وحين وجهت له الحديث عن والدته تملكه الغضب الموحش الذي يظهر للصورة الأولى به أمام عيني .. ومنذ ذلك الحين وأنا اشاهد شخصاً غير " علي " الذي ربيته .. شخص أكثر كرها وتهجما ... يشرب الكحوليات ويعاشر النساء بانتقام أعمى وما خفي كان أعظم ... شخصا حين أساله عن تلك السنوات التي غاب عن عيناي فيها تخرج منه جملة واحده غامضة دون غيرها :
" علمت بانك برى .. وأن أبي غدر به ... وسيأتي اليوم الذي سأنتقم فيه حتماً "
بعد ذلك اليوم الذي خرج فيه مكنونات العجوز بأشياء صادمه بل ومشجعة عن غموض الأجنبي المست الأفعال القاسية بعض العنر .. ولكن ذلك المشهد الهجومه عليها ظل كخنجر حاد في كرامتها أخفته في مكان متخفي بداخلها لكي لا تتأثر به كلياً وتعلن نفورها منه .. وبالتالي ستكون سبب آخر للقضاء نهائيا على شاب مسلم عربي حكما عليه بأن يكون أجنبي يهودي من أم يهودية أمريكية طيلة سنوات عمره الماضية .. ويرجع ذلك لأجل العامل الأهم في الزواج وهو أن شقيق والدها لم يحسن اختيار زوجة له و أم لأولاده ... ولهذا السبب كان هو عزاءها
الوحيد لأفعاله القاسية !!! ...
رافقت العجوز في تلك الأيام المتتالية أكثر عن ذي قبل خاصة بعد اختفاء " على " بشكل غير مباشر من أمام أعينها .. و من أجله هو الذي اشتد عليه بوادر التعب، وزيادة عدد مرات الأعماءات في ظل تعجبها الواضح لرفضة الصارم بعدم الذهاب لأي طبيب للأطمئنان عليه .... حتى بدأ ذاتها يشك في إصراره الغامض وأنه مريض بالفعل ويعلم ويخفي عليها والكارثة التي وعت لها بأنه قد يكون يخفي هذا أيضا عن طفله البالغ المتعلق به حد النخاع !!
في أحدى الأيام أراحت العجوز بوجهه الشاحب في الحديقة الخارجية والذي أنفي سؤالها عن مرضه حين واجهته به ... تم الهت تحضير الطعام كالعادة وما يتطلبه من عمل يقوم به طيلة اليوم ... وخرجت ترافقه في جلسته على أحد المجالس في حديقة القصر ...
رسم ابتسامة هادئة على شفتيه من قلبه عند رؤيتها مقبله عليه .. قائلة باستفسار :
مرحباً أيها العجوز كيف حالك الآن ؟!
مرحباً بنيني ... في أفضل حال .....
اندهشت متعجبه من كلمته فهتفت باستفسار :
- لماذا تناديني بنيتي ؟!
هتف بإصرار في ظل محافظت علي ابتسامته الهادئة :
لأنك و " على " بالفعل أبنائي الذين ليسوا من صلبي ....
على ذكر جملته .. هنفت بسؤال براود ذهنها منذ فترة :
لماذا ليس لديك عائلة ؟!
تسربت ابتسامته ليتملكه بوادر الحزن حين قال شاردا :
لأن زوجتي الذي أحببتها منذ أن كنت طفل توفت بعد عام واحد من زواجي بها ... فاقصرت من
حينها مشاعري عليها هي فقط دون أي إمرأة غيرها ....
وصلها حزنه العميل فاسرعت تهتف ياسف :
اعتذر منك فلقد جعلتك تتذكر الماضي دون قصد ...
لا عليك فأنت على كل حال لم تكن تعلمي ...
ثم سحب شهيق يكفي لأزاحت مشاعر الحزن الشديد الفراق محبوبته في ذلك الوقت .. عائد لواقعه هاتفاً بترقب :
... و يجب أن ترافقيهم في هذا الغذاء ....
لقد أتصل السيد " الي " منذ قليل ... وأخبرني بأن السيد " جاك " سيرافقه علي الغذاء اليوم و
لا شأن له بي ... ولا شأن لي برفقته ...
تعجبت متصدمه من ذلك الخبر .. فقالت يتفور على الفور :
أطلق تنهيدة قوية قائلا بعدها بنصح :
صدقيني بنيتي عناد " الى " ليس جيدا لك وأنا أخشى عليك ....
انتفضت من جلستها عقب جملته قائلة بقوة :
لن أرافقهم وما يفعله يفعله .. فلا يجوز لي مرافقته ولا مرافقة ضيفه .. وسأذهب الآن أختلي
بغرفتي قبل أن يأتي هو ورفقته المزعومة ....
قالتها لتستدير عائده أدراجا للقصر بتهجم واضح يجعلها تكاد تحدث ذاتها من كثرة ذهولها من ذلك الوقح ... عن أي مرافقه يتحدث ... هل هي من الأصل ترافقه الترافق غيره ... حقاً أكثر من وقح ...
لم تدرك حين تحدثت بجملتها الأخيرة بأن الباب الحديدي للقصر فتح وطلت سيارته بالفعل خلفها سيارة الحراسة الخاصة به ...
في ظل هي لم تشعر بوجودها يسب حديث ذاتها الناري من فعل ذلك المغفل وطلبه العجيب ....
إلا أنها أدركتها عندما توسطت طريقها كمانع بينها وبين باب القصر الداخلي ....
حينها رفعت راسها من انخفاضها لتشاهده أمامها يترجل من مقعد السيارة الخلفي ويتبعه من
الجهة الأخرى الرجل المرافق له ...
يا إلهي أنه السائق ينظرته المتفحصة العربية لها !!
انتفضت من صدمتها بتخطيها المتجاهل لهما وعلامات الاستياء الشديد تتملك من صفحة وجهها .....
إلى أن خطت بأقدامها أولي درجات القصر القليلة ليأتيها صوته القوي من خلفها يصدح عالياً
بدهاء عظيم :
- ألن تصافحي رفيقي !!
تصلبت قدمها قبل أن تستكين على المدرج التالي عندما اخترقت جملته اذنها ...
ازداد حنتها القصوى من ذلك الأمريكي ... فحقا تود لو تستدير الآن و تصفعه على وجهه بكل
قوتها ... فليس خساره به .. وهي ستكون كريمة بسخاء علي شبيه الرجال هذا ...
إلا أنها رأت أن أفضل شيء لذلك الوقح وأفعاله المستفزة هو التجاهل بعينه .
سحبت شهيق يكفي لراحة صدرها من كل ما تمر به ثم أكملت صعودها بلا مبالاة اجملته وبل له شخصيا.
الأمر الذي جعل الحنق يطفو على ملامح وجهه فورا لتمحى نظرات الدهاء من عيناه والابتسامة الباردة من على شفتاه ...
ليتحرك دون أدراك من ثباته ، يعدو خلفها بخطواته الواسعة إلى أن وصل إليها قابضاً على معصم يدها بقوة وتملك ... مجبرها قصراً دون النظر إليها على متابعته لداخل القصر ...
الفصل الخامس والعشرون من هنا