رواية الراتل الفصل الخامس و العشرون
مر شهر ثقيل، ترك بصمته القاسية على ملامح رحيل؛ ذبلت تقاسيمها ، وخبا بريق عينيها، أما تقلباتها المزاجية فكانت تنهشها وحدها بلا رحمة، كل ليلة تراودها الكوابيس ذاتها، تجرها إلى ذلك المشهد المقيت "جثة باردة ممددة على فراشها"
تفزعها حتى تُطلق صرخات هستيرية تُوقظ جدران البيت قبل أن تُوقظها .
أما عن زوجها فكان يحاول جاهدًا أن ينتشلها من غياهب تلك الحالة، وبالفعل استطاع تهدئة انفعالاتها إلى حد كبير، ورغم انشغاله هذا الفترة بتقصي عن مكان غريمه وشركائه بالقاهرة، إلا أنه لم يغفل عنها، كان يد العون الذي مدها بالقوة، والملاذ الذي سبحها من عتمتها إلى دفء حنوه .
وتلك المدة كانت كافية حتى يقوم ببيع شقتهما، ويشتري أخرى يبدأ بها ذكريات جديدة معها، وأيد الجميع فكرته وبالأخص هي .
راقبت تحركاته بالغرفة بنظرات هادئة، لم تنبس بكلمة واحدة، يُبقي ما يخطط لفعله سر يخفيه بين طيات صمته، وهذا ما يثير قلقها أكثر، وحين طال شرودها به، اقترب منها يجلس إلى جوارها بهدوء، ثم رفع كفه يمسد على خصلات شعرها، يهمس بحنو :
_ أنتِ كويسة مش كدا ؟
أومأت إليه بابتسامة باهتة لم تصل لعينيها، فأمسك ذقنها يجبرها على النظر إلى عينيه، فعلقت نظراتهما في صمتٍ يحكي بين طياته حديث خفي، وهمس بهدوء متعمقًا في عينيها أكثر :
_ في عيونك كلام كتير، بس أنا مبحبش أسمعه بحب أقرأه ويفضل سر بيني وبين عيونك
أطرقت رأسها إلى الأسفل، فعاد ليرفع وجهها نحوه من جديد، وقال بمزاح وغمزة مشاكسة من عينه اليسرى :
_ ممنوع تبعدي عيونك قبل ما نخلص كل أسرارنا
ابتسمت عنوة على نبرته المرحة، وفردت كفها الأيمن على وجنته تستشعر وغزات شعيرات ذقنه النامية، وقالت بهدوء تحاول قدر استطاعتها أن تظهر له مدى تعافيها :
_ متقلقش عليا أنا تمام جدًا، الحمد لله، ممكن بقى ننزل عشان زمانهم مستنيين تحت
أومأ برأسه، ووقف عن الفراش يمد يده لها في دعوة لمساعدتها عن القيام، فوقفت معه ونظرت نحو المرآة تتأكد من ترتيب خصلات شعرها المنسدلة على كتفها الأيسر، وثوبها البُني الداكن الذي ينسدل بحرية على جسدها، تنهدت بقوة قبل أن تُلبي دعوته في الخروج .
بينما بالأسفل حيث شقة السيدة لقاء، كان الجميع يجلسون في إنتظار داوود وزوجته . وكان الأكثر تذمر على تأخره هو إلياس وقد بدت على ملامحه الضيق، ينظر في ساعة يده كلما مرت دقيقة أخرى، وعمته تجلس إلى جواره تحاول تهدئة انفعالاته، تربت على كتفه بحنوٍ قائلة :
_ يا حبيبي أهدى، مش هنتأخر متقلقش
تأفف بضجرٍ وأخرج هاتفه من جيب بنطاله، يجيبها بغيظ :
_ مش هنتأخر ازاي بس يا عمتي، الساعة بقت ٨ والباشا لسة منزلش
حاولت تهدئته من جديد، فعدل من ياقة قميصه الأبيض، وقالت بهدوء مبتسمة :
_ يا حبيبي لو اتأخرنا نص ساعة مش هيحصل حاجة يعني
كاد أن يهدأ قليلًا، لكن جاءت جملة حمزة من الخلف، اشعلت غضبه مجددًا :
_ هو في عريس بيتأخر عن خطوبته بردو يا لوكا، الناس هترفضوا على فكرة
هب واقفًا بغضب، والتفت إلى حمزة بنظرات حادة قاسية جعلته يتراجع إلى الخلف خطوة، يبتسم ببلاهة قائلًا :
_ أنا عامل على مصلحتك يا إلياس يا حبيبي
صرخ إلياس بأسم شقيقه بصوت مرتفع حتى يتعجل، ليتفاجأ به يفتح باب الشقة، ينظر إليه بتعجبٍ من ملامحه الغاضبة، وصراخه عليه بهذا الانفعال، ليتحدث بهدوء رافعًا كتفيه إلى الأعلى :
_ في اية يا إلياس، مانا نزلت اهو، متوتر لية كل حاجة هتعدي تمام باذن الله
قطب حاجبيه غاضبًا ، وعدل سترته الكلاسيكية بعصبية، ثم صاح بضيق :
_ مش متوتر ولا زفت، احنا اتأخرنا على الناس وعيب اوي في حقنا
ابتسم داوود بسخرية على حالته التي يشهدها لأول مرة، وقال بتهكم قمع معالمه عن تعابير وجهه :
_ عيب آه، ماشي يلا بينا قبل ما نتأخر عشان عيب
************************************
بمنزل مايان، كانت تقف خلف نافذة غرفتها تراقب الطريق من الخارج حتى وصول إلياس وعائلته، تفرك كفيها بارتباكٍ بدا واضحًا على ملامحها، كلما رآت سيارة تشبه خاصته يتعالى وجيب قلبها بقوة حتى تتصارع أنفاسها من شدة التوتر .
يمر بعقلها الكثير من التخيلات كلما مر الوقت، شيء يخبرها أنه تراجع عن فكرة زواجهما، وشيء آخر يدافع عنه بضراوةٍ، حتى أصبح هذا الصراع يزيد من توتر تلك اللحظات التي تمر ببطء .
منعت نفسها بصعوبة من أن تبعث له برسالة، وقررت الإنتظار بصمتٍ حتى يأتي بمفرده .
ووسط دوامة الأفكار التي تكالبت عليها، وجدت سيارته تصف أمام منزلها، وترجل منها يمسك بيده باقة من الورود الحمراء، فارتسم على ثغرها بسمة واسعة تدل سعادتها بتلك اللحظة، وأخذت تتأمل هيئته الرجولية المكتملة بأناقة دائمًا ما تجدها به . كاد أن يلفت إلى النافذة لتتراجع هي إلى الخلف مختبئة بعيدًا عن نظراته، وتوجهت إلى المرآة لتتفحص هيئتها، تمرر كفيها على ثوبها الحريري ناصع البياض، وخصلات شعرها المجعدة، ابتسمت برضا وازداد بريق عيناها بسعادة فيما دخل شقيقها الغرفة يخبرها أن إلياس قد وصل، لكنه ابتلع حديثه، ونظر إلى شقيقته بانبهار، وتقدم منها يقبل رأسها بحنو وقال :
_ اية الحلاوة دي بس، أحلى عروسة شوفتها في حياتي
سعدت برأي أخيها، وأجابت بامتنان :
_ حبيبي يا عمر، ربنا يخليك ليا
خرجا سويا يستقبلا إلياس وعائلته، والذي حين رآها لم يخفض عيناها عنها، وارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه عكس ما كان عليه حين تأخر عليها، قدم لها باقة الورود وارسل لها قبلة خفية في الهواء، توهجت وجنتيها بالحُمرة من فرط الخجل، وأخذت منه الباقة سريعًا متوجهة نحو الفتيات لتقلي عليهم التحية .
جلس الجميع في غرفة الضيوف، يتبادلون حديثًا هادئًا تعرفوا من خلاله إلى بعضهم البعض، والابتسامات تتناثر على الوجوه لتخفف من وطأة الرسمية .
وبعد برهة استأذنت مايان لتُحضر الضيافة، فقاطعتها رحيل بعرضٍ رقيق أن تساعدها، فرحبت مايان بايماءة ودودة، وأخذتها معها نحو المطبخ .
دلفتا الفتيات بحوامل معدنية يرتص عليها أكواب المشروبات، وصحون صغيرة للكعك، فأسرع داوود يحمل عن زوجته الحامل المعدني، وكذلك فعل عمر مع شقيقته، وقدمت لكل فرد صحن من الكعك المزين، وجلست جوار شقيقها الذي أحاط كتفها بحنو .
تلك الأجواء الهادئة انتزعت منها التوتر، وتسربت الطمأنينة إلى قلبها، فسكنت مبتسمة بسعادة، لكن قاطع ذلك صوت والدها الذي قال دون داعي :
_ كلوا يا جماعة، دا جاتوه من الغالي ومن مكان غالي اوي .. مكلفني كتير والله، مكلفني ألــ
تجمدت مايان بصدمةٍ من حديث والدها، ورفعت عيناها نحو شقيقها باستنجاد أن يسيطر على الموقف، وقد توغلت البرودة إلى قدميها من شدة الحرج، ليبتسم عمر بمجاملة، وقال بمرح مقاطعًا حديث والده :
_ قصده يعني ألف هنا يا جماعة، نورتونا والله
قابل الجميع ارتباك عمر بابتساماتٍ مجاملة تحاكي خاصته كأنهم يودون تلطيف الموقف، بينما مال حمزة نحو أذن إلياس يهمس بمزاح :
_ حماك شكله جلدة، خايف واحنا طالعين يقولنا هاتوا تمن الكهربا اللي استهلكتوها والكراسي اللي قعدتوا عليها
التفت إليه إلياس يرمقه بنظرة حادة، وهمس من بين أسنانه المطبقة بغيظٍ من حديثه :
_ كلمة تانية تخرج منك يا حمزة، والمح بس أنها زعلت مايان، وأنا هفصل راسك عن جسمك وهعلقها في صالة شقتك بدل النجفة
نظر له حمزة باشمئزاز، واعتدل بجلسته قائلًا بخفوت :
_ دا انتوا عيلة فقر، ملهاش في خفة دمي
وقبل أن يتحدث إلياس كلمة، كان داوود يضع صحن الكعك من يده، وهمس لأخيه كي يبدأ الحديث كونه الأكبر من بينهم :
_ اتكلم بقى، مستني اية
حمحم إلياس بارتباك، ووضع الصحن من يده، وعدل من ياقة قميصه، يقول بهدوء موجهًا حديثه إلى والد مايان :
_ يا عمي، أنا يشرفني أطلب ايد الآنسة مايان منك على سنة الله ورسوله
لم تمر حتى لحظات تردد على محياه إنما قال على الفور بحماس :
_ وأنا موافق، على بركة الله نقرأ الفاتحة
نظرت مايان إلى شقيقها بنظرات ذات مغزى، وأغمضت عيناها بضيقٍ لاحظه إلياس قبل أن يرفعوا ايديهم يقرأون الفاتحة .
ابتسم إلياس ببشاشة، ودس يده بجيب سترته يخرج منها عُلبة مخملية خضراء اللون، لتتحدث هذه المرة عمته التي قالت بهدوء :
_ طب يا حاج احنا كنا عاملين حسابنا نلبس دبل
وكانت المرة الثانية الذي يسرع فيها والد مايان حين قال :
_ وماله يا بني
لكن قطع تعجله عمر الذي ابتسم قائلًا بمزاح يخفي خلفه ضيق من تصرفات والده :
_ اية يا بابا، مش نستنى نعرف رأي مايان
نظر عمر إلى مايان، ومرر كفه على خصلات شعرها بحنوٍ وسأل بهدوء :
_ نلبس دبل ؟
رفعت رأسها تنظر إلى إلياس الذي رمقها بتحذير أن ترفض، لتبتسم على نظراته لها التي اختلط بها التحذير والرجاء، فأومأت برأسها إلى شقيقها موافقة .
تقدم إلياس منهما عقب موافقتها، وربت على كتف عمر في إشارة ليتركه له مقعده المجاور لمايان، فجلس هو إلى جوارها وأخرج تلك الحلقة الذهبية يتأملها للحظات، قبل أن تستقر تلك القطعة البراقة في بنصرها شاهدة على بداية جديدة في حياتهما . ومن بعدها وضع خاتم أنيق يتوسطه فص ألماس أخضر اللون، وما أذهل الجميع أنه انحنى يقبل كفها برقة وهمس بلطف :
_ مبارك عليا يا ست البنات
تبادلا حمزة وداوود النظرات الخبيثة، ينتظرون أن ينفردوا به حتى يكون أساس الحفل الذي سيقيمه عليه حمزة .
مدت يدها بحرجٍ تأخذ الحلقة الفضية الخاصة به، تدسها ببنصره بهدوء، وحينها بدأت تنهال عليهما المباركات يستقبلونها بابتسامة وامتنان، حتى تقدم عزيز من إلياس يتحدث بحقدٍ من بين أسنانه :
_ مبارك يا إلياس، مسهلين الدنيا على نفسكم، وجت على الغلبان ووقفت
لكزه إلياس في صدره بحدةٍ وزجره بنظرات حادة، وقال محذرًا :
_ شيل عينك من أم الجوازة خليها تتم على خير
أقترب عزيز منه من جديد، يهمس :
_ أقسم بالله ما هسكت عنكم غير لما اتجوز البت دي
أشار في نهاية جملته نحو نغم الساكنة جوار مايان بعد أن هنئتها بخطبتها، فجاء الرد من داوود الذي فصل بينهما، يتمتم غاضبًا إلى عزيز :
_ يا بني كن احنا ضيوف عند الناس، هتفضحنا
مرت ساعة أخرى مفعمة بالسعادة، والابتسامة لم تفارق محياهما وهما يستقبلان التهاني والدعوات لهما بالخير ببهجة صافية .
وانتهت الجلسة وقد جمعت هي كل تلك السعادة بقلبها وأحكمت الإغلاق، تودعهم بوجهٍ بشوش وابتسامة واسعة، وبريق عيناها يتلألأ بوضوح .
صافحته بحرارةٍ بعدما خرج الجميع نحو البوابة، ليعود مقبلًا كفها، وكأنه أعتاد على فعلها، يقول بصوتٍ هادئ يتخلله الكثير من السعادة :
_ سلام يا بسبوسة، هكلمك لما أوصل
أومأت إليه مبتسمة، وغادر هو أمام عينيها بهيبة فرضت سطوتها على قلبها المسكين الذي أصبح أسير له دون مجهودٍ .
أغلق عمر الباب خلفهم، والتفتت إلى الداخل حيث والده الذي كان منشغل بجمع ما تبقىٰ من كعك بصحون الضيوف، قبض على كفه بقسوة حتى خدست أظافره لحم كفه، وقال بغيظٍ مكتوم :
_ يعني لو كان قالك كتب كتاب كنت وافقت في ساعتها يا بابا، لية كدا كان براحة شوية الناس تقول اية اللهفة دي
ضرب والده كف بالآخر، والتفت إليه يهتف بصوت مرتفع :
_ يعني أنا الحق عليا اللي بمشي الدنيا وبسترها
كاد أن يجيب عمر عليه، أن مقصده كان على حماسه ولهفته أمام الضيوف، وكأنه يريد التخلص من شقيقته، لكن منعته مايان حين أمسكت بذراعه تجذبه معها نحو الغرفة، قائلة بهدوء :
_ خلاص يا عمر، الموضوع خلص، بلاش نكد النهاردة
وبذلك انهت النقاش قبل بداية، وقد كانت أن نهايته لن تعجب احداهما، رمت على والدها نظرة متحسرة قبل أن ترافق شقيقها إلى الغرفة، ليتحدثان عن ما تلك الأمسية اللطيفة .
***********************************
كان سعدون يجلس على أحدى المقاهي البسيطة، ينفث دخان لفافة التبغ ويراقب ارتفاعها في الهواء حتى اختفائها تمامًا، عيناه تلمعان ببريقٍ غاضب وشراسة واضحة على محياه، وقطع شروده في الفضاء رنين هاتفه، وبلهفة أخرج الهاتف يفتح الإتصال واضعًا الهاتف على أذنه .
كانت تزداد ابتسامته اتساعًا مع كلمة كلمة تخرج من الطرف الآخر، وخصوصًا عندما أنهى الحديث بجملة كان يسعى إليها منذ ترك العشيرة :
_ ولقيت عنوان بيته، وأجرت عربية ليك هتوصلك بعد شوية
و كان رد سعدون متشفي بنبرةٍ قاسية حين قال :
_ ابعتلي عنوانه خليني افش غلي
_ حاضر
أغلق الهاتف واضعًا إليه على الطاولة الصغيرة أمامه، وألقى لفافة التبغ من يده يسحقها أسفل قدميه بعنفٍ كما يرد أن يسحق خصومه تمامًا، أخذ يعد الدقائق حتى أتت السيارة تصف أمام المقهى، وترجل منها شاب يسأل عن سعدون بين الناس .
أسرع سعدون نحوه يأخذ منه مفتاح السيارة، وسلمه بعض من الأوراق المالية، وحينما استقر بمقعد السيارة جاءته رسالة بموقع المكان الذي يقطن به داوود .
أوقف السيارة بالقرب من منزل "آل القاضي"، يراقب الأجواء الخارجية بهدوء وصبر لم يتحلى بهما في حياته، لكن جاء الوقت حتى يتروىٰ قبل أن يصدر منه فعل أحمق يكون جزاءه روحه بالنهاية .
وبعد دقائق قليلة، توقفت سيارة داوود أمام المنزل وخرج منها بهدوءٍ يتوجه نحو زوجته يساعدها على الترجل، وحين رآهما أمامه تغضنت ملامحه بغضبٍ وقست نظراته أكثر حتى صارت وكأنها تحتضن النيران، صك على أسنانه بكل حقد يسكن صدره اتجاههما وقال :
_ والله هحسرك عليها، وهحسرك عليه يا بنت الريس غياث .
وبأكماله لجملته كانت تدلف مع زوجته إلى المنزل، والابتسامة تزين ثغرها تروي له ما شعرت به إتجاه ابنة العائلة الجديدة "مايان"، وختمت حديثها المتحمس حين قالت :
_ كان يوم حلو اوي والله
أحتضن خصرها بذراعه يقربها إليه، وهمس بصوتٍ دافئ يفيض حبًا :
_ والله أنتَ اللي حلو يا حلو
تعالت ضحكتها خلف كفها التي تضعه على فمها تكبح صوتها، وهمست بولهٍ :
_ والله بحبك يا المحبوب
عقد حاجبيه متعجبًا، وردد :
_ محبوب !
توقفت عن السير، ونظرت إليه مبتسمة، تشرح له ما تقصدك :
_ معني اسمك يعني المحبوب أو الحبيب، وأنتَ عندي المحبوب والحبيب يا حبيبي
علا وجيب قلبه بسعادة غامرة، وكاد أن يجيبها بما يحاكي حديثها، ليقطع غمرة تلك المشاعر التي فاضت بينهما فجأة، صوت حمزة الذي همس بالقرب منهما :
_ بعد إذن الحب، عايز اعدي
شهقت رحيل بحرج، وابتعدت عند داوود تأخذ من الحائط طوق للنجاة في هذا الموقف، بينما التفت داوود إلى حمزة يزجره بنظرات يعلم ماهيتها الأخير جيدًا، ليمسك بيد كنزي التي تحاول كبح ضحكتها بصعوبة، وتوجه نحو الدرج قائلًا :
_ يلا يا أم "مالك"، ملناش دعوة بحد
أسرعت خطواته نحو الدرج، فيما توجه داوود نحو زوجته التي تقف منزوية بخجل، ليلتقط خصرها بذراعه مجددًا يهمس بالقرب من أذنها لتتجاوز ذلك الموقف :
_ احنا نطلع نكمل حكاية المحبوب دي في شقتنا
***********************************
_ حُط بقى الكرسي دا في الزاوية اللي هناك
كان هذا صوت يثرب التي تشير إلى زوجها بالمكان المناسب للمقعد الوثير، فقد كانت ترتب غرفة النوم بعدما تبدل الأثاث بها .
وضع صهيب المقعد بالمكان التي أشارت إليه زوجته، وجلس عليه يلتقط أنفاسه اللاهثة بارهاقٍ بدا واضح على ملامحه، يقول بتذمر :
_ دي مكنتش أوضة نوم دي اللي غيرناها، في اية احنا بنأسس عمارة
_ خلاص خلصنا اهو
قالتها زوجته وهي تعدل من حجابها الذي انزلق قليلًا عن رأسها، بينما زفر هو بارتياحٍ وعيناه تذرعان الغرفة بدقة، قائلًا :
_ بقى شكلها أحلى من الأول
_ بكتير
أجابته وهي تجلس على طرف الفراش، ليعتدل بجلسته ينظر لها بمكر يتراقص بعينيه، وقال :
_ بدأ العد التنازلي يا زوجتي العزيزة
ابتسمت تنظر إلى الأسفل، وهمس تجاري حديثه :
_ باقي من الزمن أسبوع يا زوجي
تنهد بقوة واتكأ بظهره على ظهر المقعد قائلًا :
_ أخيرًا
وقبل أن تنبس بكلمة دلفت والدتها إلى الغرفة تسأل بحماس :
_ اية يا ولاد خلصتوا
وقفت يثرب عن الفراش، تشير بيدها بأركان الغرفة قائلة :
_ خلاص يا ماما خلصنا، اية رأيك ؟
دارت عينا والدتها على الغرفة من الأثاث الأبيض البراق مع لمسات من اللون الفضي تُعطي له مظهر فاخر، والسجاد الفاتح الذي أعطى اتساع وإنارة للغرفة، وبعض من الديكورت البسيطة التي ابرزت جمال الأثاث، لتبتسم برضا، وقالت :
_ اللهم بارك تحفة، ربنا يفرح قلبكم يا بنتي
ثم أشارت لهما نحو الخارج، واردفت بهدوء :
_ يلا تعالوا أبوكِ برا وجايب أكل معاه
أومأت إليها يثرب لتغادر والدتها نحو الردهة، بينما توجهت هي نحو الفراش تأخذ نقابها التي فكت عقدته منذ أن وطأت قدميها الغرفة، والتفتت تغادر خلف والدتها، لكن قطع زوجها الطريق عليها، يقبل وجنتها اليمنى بلطفٍ وغمز بعينه بمشاكسًا لها، وقال :
_ مع حبي، صهيب القاضي .
حينها فرت هي نحو الغرفة، وقد تلطخت وجنتيها بالحُمرة القانية من فرط الخجل، وتعالت دقات قلبها في ارتباك حين لامست ذقنه بشرتها، جلست بأنفاس متهدجة على مقعد طاولة الطعام حتى عاد والديها من المطبخ، لترسم ابتسامة هادئة على ثغرها تزيح ذلك التوتر الذي غمرها بغتة، وتقدم يجلس جوارها يخصها بابتسامة خبيثة أصبحت تلازمه منذ أن أعتادا على بعضهما البعض، وقد تحول من هادئ مسالم إلى آخر مشاكس ماكر .
***********************************
تجرع رؤوف من زجاج الخمر الكثير حتى أصبح لا يرى أمامه من شدة الثمالة، تشوشت رؤيته فما عاد يرى سوا ذلك الوجه الذي لا يفارق عينيه، جحيم حياته الأبدي ويتردد في أذنيه صوت صراخها القوي الذي يُخلع له القلوب .
اغرورقت عيناه بالدموع من قسوة هذا الشعور الذي يراوده كلما تذكرها، ويلوح بكفيه في الهواء بهسترية لعلها تختفي، لكن الليلة كانت الأقسىٰ على الاطلاق، لم تبارح ذهنه وعيناه ولو دقيقة، حتى أن صراخها احتل أذناه بشكل قوي .
وقف عن المقعد، يترنح بخطواته حتى وصل أمام ذلك السراب المبتسم ببشاشة لاق بوجهها الملائكي البريئ، أخذ يلوح بيده في الفراغ يصرخ بغضب :
_ سبيني في حالي بقى، سبيني، أنا معملتش فيكِ حاجة
زادت بسمة السراب ومعها زاد بكاؤه، وتلاشت قوته ولم تتمالك قدميه الوقوف، فسقط على ركبتيه، يهمس بتوسل :
_ سامحيني، وسبيني بقى كفاية، أنتِ اللي انتحرتي، أنا معملتش فيكِ حاجة
كرر الكلمات بشكل مختلف مرارًا حتى تحشرجت نبرته، ولم يعد قادر على أخذ أنفاسه، فأخذ يلهث بقوة حتى ارتمىٰ بجسده على الأرض، وغرق في النوم ككل يوم بعد وصلة من التعذيب النفسي ينكب على وجهه ويأخذه النوم معه في رحلة طويلة .
حل الصباح، استيقظ هو من نومه، يتأوه بألم من تشنج عضلات جسده، وبصعوبة استطاع الجلوس على الأرض يمرر كفه على وجهه لعله يستفيق .
وحين رفع عيناه قابله ذلك الحائط الذي يظهر عليه شبح زوجته الراحلة كل ليلة، لينتفض من مجلسه على الفور، وتقدم من الفراش يأخذ هاتفه وضغط عدة مرات على الشاشة، ثم وضع الهاتف على أذنه، وعندما جاءت الإجابة من الطرف الآخر، همس دون ترددٍ :
_ أنا هنزل القاهرة
قابله الصمت للحظات، وعندما استوعب ما قال رفيقه، قال بتحذير :
_ مينفعش يا رؤوف، أنتَ بتلعب بالنار
صرخ رؤوف بانفعال وعيناه تدور بالمكان :
_ النار دي ماسكة فيا في سنين، وجيه الوقت اللي اطفيها
تنهيدة عميقة خرج من الطرف الآخر قبل أن يتحدث مجددًا لعله يتراجع عما بباله :
_ هتندم، والباشا مش هيسيبك تمحي كل حاجة
ولكن هذه الجملة أثارت حفيظة رؤوف الذي صرخ من جديد بغضب :
_ يتفلق، أنا بموت كل يوم، احجزلي أول طيارة على مصر
أغلق الهاتف وألقاه على الفراش، ثم توجه نحو خزانة الملابس ليلملم ثيابه سريعًا، ويفر من هذا العذاب الذي يأكل من جسده وروحه كل ليلة، ربما هو كان يخاف من أشياء لا وجود لها، لعله يهرب من ذلك كله لكنه بالتأكيد لا يعلم يهرب إلى الراحة والهدوء أم إلى عذاب أكبر لن يتحمله .
************************************
مر ثلاث أيام عليهم، كان الهدوء يسود الأجواء، ينتظرون الاحتفال بزفاف صهيب، الجميع يستعد ولكل واحد طريقته الخاصة في الاستعداد، لكن الكل ينفق على شعور السعادة لزواج شقيق لهم .
انحرف داوود بسيارته إلى الشارع المقابل لمنزل العائلة، أختصارًا للطريق وللتخلص من ثرثرة حمزة التي لا تنتهي، ليتفاجأ بسيارة أمامه قائدها هو نفسه سعدون، فأشار بيده نحو السيارة متسائلًا بدهشة :
_ مش دا سعدون ؟
توقف على جانب الطريق ينظر إلى سعدون الذي يراقب المنزل بتركيزٍ شديد، لينظر حمزة إلى تلك السيارة، وهمس مؤكدًا :
_ هو سعدون، عينك صقر، جبته ازاي ؟
رمقه داوود بضيق، والتفت من جديد أمامه، يضع يده على سلاحه، وأصدر الأمر إلى حمزة قائلًا :
_ كلم إلياس يجي من الشارع التاني
نفذ حمزة ما أراد، ولحظات حتى لمح داوود سيارة شقيقه تقترب منهم، ليسرع إتجاه السيارة قبل أن يراه، لكنه بالفعل قد رآه، ليشعل محرك السيارة وكاد أن ينطلق بسرعة، ليجد سيارة أخرى تقطع طريقه من الأمام .
نظر بين سيارة داوود بجواره وتلك السيارة الأخرى، وقبل أن يتصرف ويعود بالسيارة إلى الخلف، كان داوود يترجل من سيارته بسرعة رهيبة، ويركض قافزًا بخفةٍ على مقدمة سيارة سعدون، يشهر السلاح بوجهه فقط يفصل بينهم زجاج السيارة، ودوى صوته كالرعد يخترق المسامع قائلًا بحدة :
_ لو حاولت تتحرك بالعربية، هصفيك .
