رواية الراتل الفصل السادس و العشرون 26 بقلم اسماء ايهاب


 رواية الراتل الفصل السادس و العشرون 


كانت تقف بالشرفة تنتظر قدومه، والابتسامة الرقيقة لا تفارق ثغرها، وصدى كلماته اللطيفة ما زال يعانق أذنيها . النسيم يلاعب خصلاتها المنسدلة برفق، والطمأنينة تتسرب إلى داخلها ببطء .
وفجأة ،تمزقت تلك الأجواء الهادئة وتحطمت السكينة كزجاجٍ هش، حين لمحت سيارة زوجها تقطع طريق مركبة أخرى بعنف، انحصرت أنفاسها داخل صدرها وهي تراه يترجل من السيارة بخفة، يقفز فوق مقدمة السيارة بجرأة رجال الصاعقة، والسلاح يلمع بين يديه مصوبًا نحو السائق .
شهقت بفزعٍ، تراجعت خطوة إلى الوراء، ورفعت كفها المرتجف يغطي فمها، بينما عيناها اتسعتا في ذهولٍ يعجز عن التصديق .
ودون لحظة تردد واحدة، اندفعت بخطوات متسارعة نحو الدرج، يدفعها خوفها على زوجها دفعًا للأسفل .
وعند اقترابها من مكان الواقعة وجدت سعدون يخرج من السيارة بحذرٍ، فتجمدت أقدامها بالأرض وازداد خفقان قلبها بخوفٍ حتى كاد يقتلع قلبها، لم تستفيق من صدمتها إلا على صوت حمزة الذي يتحدث بتوسلٍ أن تصعد :
_ اية اللي نزلك يا رحيل، لو داوود لمحك تحت وخصوصًا دلوقتي، هيطيح فينا كلنا، اطلعي

بإرادة مسلوبة تقدمت من داوود الممسك بتلابيب ملابس سعدون، والذي ما أن لمحها حتى دفع سعدون نحو أخيه بعنف، والتفت إليها يرمقها بنظرات كبارود يخترق جسدها بقسوة، فتوجه نحوها بخطى سريعة يمسك بذراعها يضغط عليه بقبضته، وقال بغضبٍ :
_ أنتِ اية اللي نزلك 

جذبها معه إتجاه بوابة البناية، يهمس من بين أسنانه المطبقة :
_ اتفضلي على فوق أنا على أخري 

كادت أن تبرر له لِمَ نزلت، فأوقفتها جملة سعدون الذي قالها بصوتٍ مرتفع، في محاولة منه لإخفاء نية وجوده جوار منزلهم :
_ أنا كنت جاي أقول لرحيل حاجة مهمة وتخصها، مش جاي أعملها حاجة 

وقبل أن يأخذ داوود الغاضب ردة فعل كان سعدون ينال لكمة قوية من إلياس الذي حاول بذلك تهدئة غضب أخيه، لكن هذا لم ينال من هدوء داوود شيء، بل أسرع نحوه يلكمه فوق فكه بكل ما اوتي من قوةٍ حتى سقط الآخر أرضًا .
كاد أن ينحني ليقابله بكلمةٍ أخرى، فمنعته رحيل التي أسرعت إليه تمسك بذراعه، وقالت :
_ استنى عشان خاطري، عايزين نعرف هو عايز يقول اية 

حاول سعدون تفادي ما يمكنه أن يحدث، فقال بأنفاس لاهثة، يمسح الدماء التي سالت من جانب شفتيه أثر لكمة داوود :
_ والله حاجة مهمة، وإلا مكنتش جيت 

مسحت على ذراع زوجها برفقٍ تحاول بث فيه الهدوء الذي فقده، وقد تسلل القلق إلى قلبها مما يمكنه قوله، وهمست راجية :
_ خلينا نسمعه يا داوود، عشان خاطري 

لم تنزاح عيناه عن سعدون يزجره بنظرات حادة، فهرب سعدون من تلك النظرات حين قال :
_ أنا عرفت حاجة مهمة وعشان كدا جيت أقولك 

كان هذا تبرير لداوود قبل أن يكون حديث موجهه إلى رحيل، فزادت تلك الجملة من توتر رحيل التي حثته بنظراتها أن يكمل الحديث، وأمسك بذراع زوجها تحاول إخفاء ارتجافة يديها .

نطق بعد لحظات صمت ثقيلة، مرت عليها بصعوبة وكأنها تشكل حجر ثقيل فوق صدرها :
_ الست جليلة مش أمك الحقيقية .

تجمدت أطرافها، شددت على ذراع داوود أكثر حين داهمها دوار كاد يطرحها أرضّا، وهمست بصوتٍ محشرج :
_ أنتَ مجنون ؟! 

ترددت جملته من جديد بذهنها، ففقدت توازنها تحركت بعشوائية مندفعة نحوه، تصرخ بهسترية وانفعال :
_ مين دي اللي مش أمي!، أنتَ مريض؟!، جاي تنتقم مني ؟

أنتشل إلياس جسد سعدون عن الأرض، بينما تحرك داوود نحو زوجته، وأحاط جسدها بين ذراعيه، وحاول تهدئتها بهمسات رقيقة وتمسيدات حانية على خصلات شعرها .
انسابت دموعها على وجنتيها كنيرانٍ تحرق بشرتها، ونفت برأسها مرارًا تنفي تصديقها لكلماته المسمومة، لكنه أصر على تأكيد تلك الحقيقة حين قال بكلمات واثقة :
_ لو مش مصدقة روحي اسأليها .

زاد من قلبها اشتعالًا، وأخذت تتلوى بين ذراعي داوود كي يتركها، تهتف بحقدٍ من بين أسنانها التي تكاد تتهشم من شدة ضغطها عليها :
_ أنتَ كداب، وبتنتقم مني عشان فضحتك في العشيرة يا مجرم 

اعتقد داوود أنها تتحدث عن فضيحة هروبها من العشيرة قبل الزفاف، بينما هي كانت تقصد تلك الصغيرة "نورا" التي فقدت الحياة على يديه الملطختين بدماء براءتها .
ومن شدة ارتجافة جسدها، تصطك أسنانها ببعضها في ارتجافٍ مسموع، فجذب إلياس جسد سعدون مجبرًا إياه على التحرك معه نحو السيارة، لكن هذا لم يمنعه من قول :
_ قولتلك روحي أسألي، وهتقولك إني مش كداب ولا عايز انتقم منك 

دفعه إلياس عنوة داخل السيارة التي قادها هو يبعده عن المكان في أسرع وقت، وكلما ابتعدت السيارة عن مرمى بصرها كلما ازدادت شهقات بكاؤها، كادت تسقط بثقلها على الأرض لولا ذراع داوود الذي شدد على خصرها، لتهمس بتلعثم :
_ هو كداب، أنا عارفاه، عشان فضحته في العشيرة لما اعتدى على نورا وموتها 

ضمها إليه أكثر، وساندها لتتوجه معه نحو البناية، وهي تهزي بكلمات لم يفهم معظمها، هذا الموقف أقسى ما يتعرض له شخص في حياته، بعد كل تلك السنوات التي قضتها تعتقد أن تلك السيدة والدتها صدمتها الحقيقة، بدت ضائعة، مغيبة عن الواقع، لا يزال عقلها عند تلك الجملة التي قلبت كيانها رأسًا على عقب .

ساعدها في الجلوس الأريكة التي لم تدري متى وصلت إليها، وجلس إلى جوارها يمسد على شعرها بيده والأخرى تمسك بكفها البارد المرتجف، محاولًا بث فيها الطمأنينة والهدوء حين قال :
_ أهدي يا حبيبتي، هو أكيد بيكدب، مش أنتِ بتقولي أنه بينتقم منك ؟

لم يلقىٰ منها رد، قابله صمت موحش أثر قلقه عليها، وبعد لحظات مرت وكأنها ساعات، همست بنبرةٍ مختنقة :
_ أنا عايزة اروح العشيرة .. دلوقتي .

************************************
خرج رؤوف من مطار القاهرة، ووقف ينتظر سيارته حتى تقله حيث يشاء، يحاول ترتيب أفكاره التي تبعثرت منذ خطت قدماه خارج المطار، كان خائف مما هو مُقدم عليه، لكنه لم يتراجع ليتخلص من ذلك الحبل الذي يحيط عنقه ويضيق شيئًا فشيئًا حتى الاختناق .
وحين تأخرت السيارة أخرج الهاتف يحاول التواصل مع السائق، وعندها فتح الهاتف وجد إتصال من رقم مصري مجهول، دق قلبه بقلقٍ وأخذت عيناه تجولان في الانحاء يبحث عن شيء لافت للإنتباه يثير القلق، وحين وجد المكان خالي مما يتوقع رؤيته، فتح الإتصال واضعًا الهاتف على أذنه .
انتفض جسده بعنف حين تسلل إلى أذنه صوت يعلم جيدًا هوية صاحبه، واضطرب أكثر وتفصد جبينه عرقًا حين سأل بنبرةٍ هادئة :
_ رجعت مصر لية يا رؤوف؟

ابتلع ريقه بصعوبة، وأخذت عيناه تمسح المكان حوله بهسترية باحثّا عن أي غدر قد يلقاه، فجاءت الجملة التالية مجيبة على سؤال لم يطرحه :
_ متخافش محدش موجود عندك 

ما كاد يتلقط أنفاسه المنحصرة داخل صدره، حتى نطق الآخر بتهكمٍ جمد الدماء في عروق رؤوف :
_ بس ابنك معايا، وأنتَ عارف ضيوفي لازم يخرجوا من عندي ازاي

تراجع رؤوف خطوة، وكأنه تعثر في خطواته للأمام، ثم صاح بتحذيرٍ لا يخلو من الخوف :
_ إياك، إياك حاجة تمس ابني، إلا ابني هو ميعرفش حاجة عن كل دا 

_ بما إنك خايف عليه يبقى هتفضل ساكت، وكل تصرف غلط منك دا على حساب عمر ابنك الحيلة 

قالها بنبرةٍ ماكرة يفقه باطنها رؤوف، فتحدث سريعًا مستسلمًا لِمَ أراد :
_ مش هتكلم خلاص، وهسافر تاني 

تحرك خارج حدود المطار ليأخذ ابنه ويغادر البلاد بلا عودة، لكن أصدر الآخر أوامر صارمة حين قال :
_ عايزك تنفذ كل اللي هيطلبه منك قبل ما تسافر، وهتستلم ابنك و تغور بيه 

أغلق الهاتف بوجه دون كلمة أخرى تاركًا إياه يسبح في بحر الندم لمشاركته هذا الرجل فيما خطط منذ البداية، لو كان يعلم أن النهاية ستكون بذلك السوء ما خطى خطوة إتجاهه .
أخذ يتلفت حوله كالتائه يبحث عن سيارة أجرة بأعين خاوية، وقد تشوشت رؤيته لا يرى سوا الضباب الذي يخيم على عينيه، وكلمات ذلك الرجل تطرق كالطبول في عقله تفقده توازنه وتجعله يشعر أنه على وشك الجنون .

***********************************
دلف عمر إلى منزله يجر خلفه حقيبة سفر كبيرة، أغلق الباب وتوجه نحو غرفة المعيشة التي يجلس بها والده، مغلق الضوء وفاتحًا النافذة على وسعها حتى يدخل الهواء إلى الغرفة دون الحاجة لاستهلاك الكهرباء .
وضع عمر الحقيبة على الأريكة إلى جوار أبيه، فنظر له الأخير باستفهام قبل أن يفتح الحقيبة، فوجدها ممتلئ بأوراق النقود .
اتسعت ابتسامته وأخذ يخرج الأموال من الحقيبة بلهفةٍ، يسأل ابنه عن تلك الأموال ومن أين أتى بها، وكانت إجابة عمر صدمة جمدت والده حين قال :
_ دا حقك في عمارة أختك، اللي هي ورثي أنا ومايان، بيعت شقة منها النهاردة .

دوت الجملة بأذنيه كطلق ناري يكاد يُنهي حياته، ورفع رأسه ينظر إلى عمر، ثم هب واقفًا وقد جحظت عيناه، وتقدم منه بخطى سريعة يمسك بتلابيب ملابسه قائلًا بانفعال :
_ نعم!، يعني اية دا حقي، أنتَ مش قولت هتسيبلي نص العمارة 

حاول عمر التملص من بين يديه، وتحدث بضيقٍ يخرج ما يعتمل داخل صدره :
_ دا ورثنا، ومش هنرجع للذل تاني، وتطفحنا اللقمة وتدينا نجيب طقم مستعمل بعد ما نتذلل شهور عليه رغم إنك بتاخد مرتبتنا كل شهر يعني من فلوسنا 

دفعه والده بقوةٍ عنه، وقال بغضبٍ وصوت مرتفع :
_ دا أنا دفعت دم قلبي عليكم، أنا من حقي العمارة دي كلها مش نصها بس 

تأوه عمر حين ضرب ظهره بالحائط بعنفٍ كاد أن يهشم عظامه، وقال مشيرّا نحو حقيبة الأموال :
_ واحنا مش من حقنا حاجة، نرجع نشحت منك الجنية تاني، دم قلبك اللي بتقول عليه الفلوس دي اكتر منه بكتير 

رفع والده حاجبه الأيسر بتهكمٍ وصك على أسنانه من فرط الغيظ، فتقدم تلك الخطوات التي ابتعدها ابنه، ومد يده يقبض على ذراعه يدفعه نحو الخارج بلا رحمة، وصرخ به غاضبًا :
_ بقى كدا، طب أطلع برا، لا أنتَ ولا المحروسة أختك ليكم مكان هنا عندي، غوروا يا ناكرين الجميل 

فتح باب الشقة بيده الأخرى وألقاه بقسوةٍ على الأرض أمام الباب، وقبل أن يغلق الباب كان عمر يصرخ بقهرٍ وحسرة :
_ هنفضل العمر كله ندعي لعمتي أنها كتبتلنا العمارة دي

لوح الآخر بيده بلا أدنى اهتمام، وقال قبل أن يغلق الباب :
_ غور يالا من هنا 

وقف عمر، ينفض ملابسه وكفيه، وتوجه بخطى مهزومة خارج البناية، وغصة مريرة تحتل صدره تهدده بسقوط دموعه في أي لحظة، خرج من مكان كان به طيف والدته المرحومة، يأنس بوجود رائحتها العالقة بكل ركن به، نُزع أمانه، وأصبح وحيدًا رفقة شقيقته .

************************************
خرجت مايان من الجامعة التي أصبحت منتسبةً إليها رسميًا، حلم لم تكن تتوقع تحقيقه، ولكن وجوده بحياتها كان بمثابة طوق نجاة ينتشلها من كل حزن يسكن قلبها، ابتسمت بتلقائية حين تخيلت صورته المتحمسة وهو يخبرها أنها أصبحت حقًا طالبة جامعية، لن تنسى له ما فعله لأجلها أبدًا .
أخرجت الهاتف تتفقده بين الحين والآخر، قلبها يخفق بانتظار أسمه يضئ الشاشة يخبرها أنه وصل حتى يقلها إلى المنزل، وعندما لم تجد منه رسالة، وقفت على جانب الطريق تتشبث بأنفاسها المترقبة لقدومه، واللهفة بدت واضحة في بريق عينيها .

وما أن رفعت رأسها عن الهاتف حتى اصطدمت عيناها بوجه صلاح الذي يقف أمامها على وجه ابتسامة واسعة، ابتلعت ريقها بتوتر، خشية أن يصل إلياس ويجده يقف معها، لكنها محت أي ملامح للارتباك على محياها عندما قال بهدوء :
_ مبارك يا مايان، حلمك أتحقق 

أختصرت الطريق على نفسها حين خطت بعيدًا عنه تتلاشى أي احتكاك به، لكنه أوقفها حين أمسك بذراعها يمنعها من الإبتعاد، واردف :
_ أنا مش جاي اضايقك، أنا جاي اباركلك بس 

انتزعت ذراعها من كفه بعصبيةٍ وانفعال، وقالت باقتضابٍ حتى يتركها ويرحل :
_ شكرًا، الله يبارك فيك .

وللمرة الثانية قطع طريقها في الابتعاد عنه، يقف أمامها وعيناه لا تفارقان عيناها التي تحاول الهروب من نظراته التي تعلم معناها جيدًا، ولتتفاجأ به يقترب منه خطوة أخرى، يهمس بنبرةٍ لطيفة مليئة بالحب :
_ مايان أنا بحبك .

تراجعت خطوتين إلى الوراء، تبتسم بسخريةٍ تكفي لأن يعلم كم تستحقره، وقالت بنبرةٍ متهكمة :
_ مينفعش أنتَ تتكلم عن الحب يا صلاح، وعلى العموم أنا اتخطبت 

رفعت كفها المُزين بخاتم خطبتها، فتبدلت ملامحه تمامًا حين رأى تلك الحلقة الذهبية، تجلى الغضب على محياه، واشتعلت عيناه بشررٍ مكبوت، كانت نظراته قاسية لا تنذر بخير . 
وعلى حين غرة، قبض على كفها التي ترفعه أمام وجهه، يضغط عليه بقوةٍ يكاد يهشمه بين قبضته، وخرج صوته كفحيح الأفاعي :
_ مين هو ؟، ازاي تعملي كدا

قمعت تلك الصرخة التي كادت تصدح بقوةٍ، وحاولت تخليص كفها من قبضته القاسية، تهتف بحقدٍ اشعل قلبها :
_ أنتَ مجنون رسمي، أنتَ بعد دا كله جاي تحاسبني

استطاعت ابعاد كفها الذي يآن ألمًا عن قبضته، ودفعته عنها بكل ما يعتريها من غضبٍ، فمد يده يضغط على كتفها يثبتها مكانها دون حركةٍ، وقال بنبرةٍ تحمل الكثير من التوعد :
_ لو مبعدتيش عنه ورجعنا، هندمك 

_ عايز تندم مين يالا ؟

كان هذا صوت إلياس الذي دوى فجأة كالرعد يخترق مسامعهما، وانكمشت شفتاه في قسوةٍ، وكأنه على وشك أن يحرق كل ما أمامه دون أن يرف له جفن، أخرج حالته الغير طبيعة التي تختبئ خلف هدوء لا مثيل له .
أسرعت هي تحتمي بظهره سريعًا، وقد شعرت بالخوف حقًا من نظرات صلاح الغير مطمئنة، التفت إليها يكوب وجهها بين كفيه يتفحص وجهها الشاحب بعينين متلهفتين، ثم سألها باهتمام :
_ أنتِ تمام ؟

أومأت إليه، وقد سمحت لأنفاسها أن تخرج بارتياح في وجوده، ليرفع كفها يلثم باطنه بحنوٍ وقال :
_ يلا يا بسبوسة على العربية، وأنا جايلك أهو .

ذهبت إلى السيارة طواعية، وحين أطمئن إلياس أنها استقرت السيارة، التفت إلى صلاح الذي ينظر إليه بسخريةٍ يعقد ذراعيه أمام صدره، وقال باستهزاء :
_ وريني يعني هتعمل اية 

طوىٰ إلياس كُمي قميصه حتى المرفق، ووقف أمام صلاح مباشرةً، ينظر إليه نظرة كحد السيف، تحمل وعيدًا صامتّا بالبطش، زاد من حدة غضبه نظرات صلاح الاستفزازية، ولم يتمهل ولو لدقيقة قبل أن يلكمه بقسوةٍ ليرتد إلى الحائط وارتطمت رأسه بها .

تعالىٰ صراخ صلاح بألم مع بعض قطرات الدماء التي لطخت الحائط أثر جرح أصاب رأسه، وتجمع بعض الأشخاص حولهما، ولكن هذا لم يعيق حركة إلياس السريعة، أخذ يكيل له الكثير من اللكمات حتى نزفت شفتيه وأنفه، وبالنهاية استطاع شاب الفصل بينهما .

ابتعد عنه إلياس، وأخرج منديلّا ورقيًا يمسح يده الملطخة ببعض الدماء، وقال بنبرةٍ ساخرة :
_ جدع، خرجت أسوء ما فيا، ودي نقطة تتحسبلك 

مد يده وسط الشباب الواقفين يفصلون بينهما، يقبض على تلابيب ملابسه، واردف :
_ أنا إلياس القاضي يالا، احفظ أسمي كويس 

تركه يآن بألم والبعض يحاول مساعدته واسعافه، وتوجه نحو سيارته المصفوفة بالقرب منه، تقف إلى جوارها من مايان تفرك يديها، عيناها تزرفان الدموع، والتهم الخوف ملامحها حتى شحب لونها، فتقدم منها يرتب على كتفها يحثها على صعود السيارة، وقال محاولًا طمأنتها :
_ متخافيش، اركبي

استقرت السيارة، ومسحت على وجهها بكفها المرتجف، تزيح أثر دموعها وخوفها في آن واحد، فمد إلياس يده إليها بزجاجة مياة صغيرة، واردف بهدوءٍ وابتسامة لطيفة :
_ مش هسمحله يقرب منك تاني، أهدي 

كانت تعلم أن تلك الابتسامة لكي تهدأ، وعيناه لا زالت مشتعلة بالغضب كبركان على وشك الإنفجار، فأخذت من الزجاجة، تربت على كفه بحنوٍ قائلة :
_ ربنا يخليك ليا 

ابتسم إلياس واعتدل بجلسته حتى يقود السيارة، بينما رن هاتف مايان، لتخرجه من حقيبتها، وتفتح الإتصال بعدما رآت أسم أخيها يزين الشاشة :
_ الو، ايوة يا عمر 

صمتت تستمع إلى شقيقها الذي أخذ يخبرها بما حدث معه، كانت تحاول دثر ردات فعلها أمامه، لم ترد أن يعلم طباع والدها وأنه قام بطردها وشقيقها من منزله، فابتلعت غصتها وحمحمت تخرج صوتها طبيعي دون حشرجة :
_ بجد !، طب أنتَ فين دلوقتي ؟

أجاب شقيقها من الطرف الآخر، فأومأت برأسها وقالت :
_ كويس، طب أنا جاية أهو، إلياس هيوصلني

أغلقت الهاتف سريعًا حتى لا تتأثر بنبرة شقيقها الضعيفة، ووضعت يدها على عنقها حين شعرت بالاختناق، وعندما لمحها إلياس سأل بقلقٍ :
_ خير، في حاجة ولا اية

نفت بابتسامة باهتة، وهمست شارحة له الأمر :
_ هنروح نسكن على بيتنا الجديد، كان عمر مفضي شقة عشان يبيعها، بس هنقعد فيها احنا 

عقد إلياس حاجبيه بتعجبٍ وسأل مستفسرًا :
_ لية؟، في مشكلة ؟

نفت مجددًا، وأخفت عيناها الدامعتين عنه، وقالت بهدوءٍ اجادة إتقانه :
_ لا، كله تمام، بس حابين نغير يعني 

_ حلو، قوليلي العنوان 

قالها إلياس بتفهم، وتحرك بالسيارة بعدما أملت عليه العنوان بالتفصيل، واستندت على النافذة الزجاجية تنفصل في عالم من الألم تره يركض أمامها سريعًا، يذكرها بالعديد من المواقف المختلفة والتي كانت تنتهي ببكائها في زاوية الغرفة منكمشة على نفسها .

***********************************
وصل داوود مع زوجته إلى العشيرة، كانت تتسابق مع الريح في الوصول إلى منزل والدها الراحل، يزداد وجيب قلبها كلما تقدمت خطوة أخرى، وخلفها داوود يحاول تهدئتها ويذكرها بحملها، لكن كان عقلها منشغل بما تنوي فعله .
وأخيرًا استطاع داوود الإمساك بها، يمنعها من التحرك بهذا السرعة، وتفاجأ حين دفعته عنها بحدةٍ، تتحرك بخطوات أسرع من السابق حتى وصلت أمام منزل والدها .
تعالت أصوات أنفاسها المضطربة، وارتجفت ركبتيها لم تقاوم لتخطو أخر خطوة بينها وبين الباب، فسقط جسدها ببطء على الأرض، شاخصة البصر نحو الباب الخشبي المزخرف بالألوان الزاهية .
أسرع نحوها داوود يجلس خلفها يحيط بها يضمها إليه بحنانٍ ودفء، يمطرها ببوابل من الكلمات اللطيفة التي تساندها لتتماسك وتستطع المواجهة التي صممت خوضها اليوم .

علقت بذهنها ذكرىٰ طلاء ذلك الباب مع والدها الراحل، ضحكاته البشوشة وحنو اللامتناهي عليها، فأنسابت الدموع من عينيها بغزارةٍ، وهمست بصوتٍ مرتجف :
_ أنا خايفة، هي قاسية وبتعاملني وحش بس أنا معرفش أم غيرها 

قبل رأسها مرارًا، يحاول سحب خوفها من القادم، يخشى أن يحدث لها مكروه بين كل هذا الحزن والألم، بينما حاول هي القيام من مكانها، فعاونها حتى وقفت على قدميها، وتوجهت بخطى مخزولة يشوبها الحسرة نحو الباب، دقت بترددٍ وزاد اضطرابها حين فتحت السيدة جليلة الباب، وعندما لمحتها تسدت أمام الباب تمنع دخولها، تمرر عيناها بينها وبين زوجها بنظرات غاضبة، وقالت بحدةٍ :
_ أنتِ اية اللي جابك، أنا مش قولتلك لو جيتي تاني مش هفتحلك الباب 

ابتسم داوود ساخرًا، وقد تأكد له حديث سعدون دون أن يسألونها، لم تكن أم مشتاقة لابنتها، كان الحقد والكره يملئ نظراتها، والتفت نحو زوجته يشملها بنظرة مشفقة على حالتها وعلى ما ستكون عليه بعد أن تعلم الحقيقة، وبتلقائية اقترب منها يحيطها بذراعها يحتوي انفعالاتها .

سألت رحيل بنبرةٍ خافتة كان يختلط بها الرجاء :
_ أنتِ فعلًا مش أمي ؟

تجمدت أطراف السيدة جليلة بشكل ملاحظ، وجحظت عيناها بصدمةٍ ودهشة، ثم سألت بتلعثم :
_ مين قالك الكلام دا ؟

ابتلعت رحيل شهقات بكاؤها، وأجابت بصعوبةٍ بحروف مبعثرة :
_ سعدون، سعدون قالي، هو بيكدب مش كدا 

وحين طال صمت جليلة، صاحت رحيل بانفعال :
_ ساكتة لية؟، هو عايز ينتقم مني صح ؟

أخذت تصرخ بها ان تنطق بالحقيقة، حتى تأففت السيدة جليلة وصرحت بما مزق نياط قلب رحيل :
_ أنا كنت وعدت غياث ووفيت بوعدي، بما إنك عرفتي مش هقدر اكدب، أنا مش أمك .

انفجرت في البكاء بصوتٍ مرتفع، وأنين الخذلان لا يتوقف، بينما أكملت السيدة جليلة قائلة :
_ أمك ماتت وهي بتولدك، وغياث اتجوزني بعدها عشان نربيكِ سوا

استندت بظهرها على صدر زوجها الذي يحتويها من الخلف، وقالت بنبرةٍ يلمئها الحزن والحسرة :
_ كنتِ بتعامليني أسوء معاملة، عمرك ما حسستيني بحنانك، عمرك ما كنتِ كويسة معايا غير قدام أبويا 

رفعت رأسها تنظر إليها بأعين خاوية، وأكملت حديثها بذهول :
_ أنا كنت مستغربة، لكن عمر ما جيه في بالي إنك مش أمي، أنا معرفش أم غيرك 

جذبها داوود معه عنوة عائدين نحو السيارة، يكتفي بما تعرضت له من صدمات اليوم، فكانت مسلوبة الإرادة متقوقعة في صدمتها، تركته يعيدها إلى المنزل في سكون كي تختبئ في دفءٍ المنزل، وحنو زوجها الذي مال نحوها يقبل وجنتها قائلًا بصدقٍ يكشفه نظراته المُحبة الموجهة نحوها :
_ أهدي، أنا جنبك .

لم تتحمل جملته الحانية، فارتمت على صدره تتشبث بقميصه الأسود، وتخرج ما بداخلها من بداخلها على هيئة بكاء مرير يمزق ما تبقى من ثباتها .

***********************************
كانت كنزي تجلس على مكتبها بعدما انتهىٰ العمل، تراجع بعض الأوراق الخاصة بالحسابات، وقطع اندماجها في تدقيق الأرقام رنين هاتفها، أخذت الهاتف تضعه على أذنها وعيناها لا تفارقان الأوراق :
_ حموزة، وحشتني 

جاء صوت حمزة هادئًا من الطرف الآخر :
_ اية يا حبيبتي، قدامك لسة شغل 

نفت برأسها، وتنهدت بقوةٍ تنظر إلى الأوراق مجيبة :
_ لا خلصت وقفلت، بس أنا جوا براجع الحسابات 

_ لمي كل الورق، وانا هاجي اخدك نراجعهم مع بعض 

قالها حمزة قبل أن يتحرك من مكانه يستعد للخروج والذهاب إليها، لتمنعه حين قالت :
_ لا خليك أنا قربت أخلص خلاص، ابعتلي بس حد بالعربية 

لكنه تحرك نحو الخارج، قائلًا :
_ لا، أنا جاي أخدك 

ودعته بهدوءٍ وأغلقت الهاتف، واستمرت في مراجعة الأوراق مُصممة أن تُنهيها قبل أن يأتي زوجها .
وبينما هي غارقة في عملها، تسللت إلى أنفها رائحة دخان خانق، فانتفضت من مكانها تاركة ما بيدها، وهرعت تتفقد المكان، لتتفاجأ بألسنة اللهب تزحف من تحت الباب، تشق طريقها إلى الداخل في وحشيةٍ مخيفة .
صرخت بفزعٍ وتراجعت إلى الخلف مرتعبة، لكن النيران كانت تقترب منها كلما ابتعدت، تصارعت أنفاسها وتلاحقت في صدرها المثقل، راحت تبحث بعينيها عن مخرج، تتنقل بخطوات مضطربة بين الأرجاء، تضع يدها على بطنها تحميه، كأنها تستجدي القوة من جنينها كي تصمد.
لكن ثِقل الحمل أرهقها، فكل محاولة للركض كانت تفتك بجسدها، تشد عضلاتها وتضاعف ألمها، حتى غمرها عرق بارد، ووجع حاد يخترق خاصرتها.
تعلّقت يدها برفٍ خشبي تتساند عليها، صدرها يعلو ويهبط في لهاثٍ موجوع، عيناها تدوران يمينّا ويسارًا بلا طوق نجاة، والدموع تختلط بدخانٍ خانق يلهب حنجرتها، بينما الألسنة النارية تزحف بلا رحمة، تحاصرها أكثر فأكثر .
قاومت لتنجي بنفسها وجنينها، فأخذت تحبو مبتعدة عن النيران، لكن في النهاية استسلم جسدها للألم المبرح الذي يهاجمها، وارتخى تسقط على ظهرها، وتلاشت الرؤية رويدًا رويدًا تدخل في دنيا اللاوعي .

تعليقات