![]() |
رواية احفاد الثعلب الفصل السابع والعشرون بقلم شريهان سماحة
تطلعا كل منهما لمصدر الصوت ... هو بنظرات مضطربة حانيه يأكلها الأشتياق لطفله العزيز على قلبه.
وهي بنظرات مرتعبه يأكلها الفزع الشديد ... محدثه ذاتها برهبة منذ متى وهو يسمعهما !
انتقضت من جلستها أمام فراش العجوز بخطوات متعثرة تعود أدراجها للخلف حين شاهدت تقدمه الشرس بإتجاهه وكأنه بات لا يشاهدها قائلاً بتهجم واضح :
أخبرني لماذا ؟ هل هذا وعدك لي بالا تتركني ؟!
ادمعت عيناي العجوز التي تشيع بنظراتها من تقاسيم وجه القربية منه وهو يردد بخفوت مؤلم : الي
بدموعه تلك فقد سيطرته وبدأ باستياعب الكارتة ، سقط بالهبار تام يحني على ركبتيه أمام الفراش، ليتبعها تساقط دموعه الفريدة في حدث نادر لم يحدث منذ موت والده ... هاتفاً بعتاب محبة
وعدتني بالا تبتعد .. وعدتني بمرافقتي مدي الحياة .. وعدتني بأن تكون لي الأب الذي غادرني مبكرا ... وعدتني بأن تكون لي عائلتي وكل شئ بحياتي ...
لماذا لم تخبرني من قبل حتى أستطيع علاجك بما يتوجب عليا فعله !!
ولكن أنا لن استسلم مثلك ليأسك أيها العجوز الماكر وسأنقلك الأكبر مشفيات العالم وستتعالج وستنجوا .. هيا ... هيا ...
قالها وهو ينتفض من جلسته قابضا على يد العجوز يحثه يتفائله على النهوض برفقته وباليد الأخرى يمحوا بها دموعه المنسابة على وجهه بعنف ...
إلا أنه ذهل من تسرب يد العجوز من بين راحة يده ... مرددا بابتسامة باهته يصاحبها ومن شديد بنبرة صوت ينازع بها من بين الحياة والموت : - لا فائدة " الي " .. !!
هز راسه بحركات عنيفة ترفض بل ينفي جملته بتمني ... ليجني ثانية أمامه بحالة هستيرية أقرب الى الجنون ظل يردد بترجي من بينها بدموعه الغزيرة :
كلا .. كلا أرجوك ... لا أريد أن أشعر بذلك الفراق مرة أخرى .. يكفي ما مر بي حتى الآن .... ارجوك !!
عادت أدراجها إلى أن أتصدما ظهرها بحدود الحائط من خلفها وهي لا تصدق ما تشاهده يعينين مشنة ...
هل القاسي المتحجر يبكي !!
هل هو بالفعل أم ذلك شخص آخر ... يتأثر ، يحن ، يتألم ، يعشق ، يتوسل ، يبكي !
هل هو بالفعل أم انها تتوهم ، نعم فهي حتما تتوهم بحلم يصعب تحقيقه ، وإذا تحقق فهي في إذا في مشهد نادر من نوعه !
ولكن لما التعجب والدهشة الآن، قدموعها هي أيضا تسقط بغزارة بل وقلبها ينتفض بقوة من هول المشهد أمامها ....
فالعجوز صاحب القلب الطيب ، وأنيسها في هذه البلاد يحتضر !!
والأجنبي في حالة أقرب للأنهيار الهستري بهيئة طفولية نادرة كالطفل ابن العاشرة حين يودع أبيه المثواه الأخير !!
تطلعت للعجوز المستسلم للموت وهو يلمس براحة يده المرتعشة وجهه الباكي ليخليها من تلك الدموع ... وهو يهتف على فترات متباعدة :
كن ..ت أخشي علييييك عند م.. معرفتك !
اجابة بنيره باكية تهكمية :
ولكنني علمت ، وياليتني ما علمت !
انخفضت ضربات قلبه بشدة .. ورغم هذا جاهد الأخراج كلماته الأخيرة وهو يتطلع لها بعينين تتوسل في صمت لتنفيذ رغبته :
لسن قوي " الي "... وأرتف بجانها !! !!!!!
انتهي بمشاقة بالغة من تلك الجملة لينتفض بعدها جسده بشده من ثباته الواهن على الفراش ... انتفاضة جعلت " على " يهلع خوفا لتبرز مقلتيه الجاحظة وهو يحدقه بتطورات مرضه اللعين ... وما هي الا لحظات ... لحظات ! كان في مخيلته ينوي فيها عمل الكثير لإنقاذه، ولكنها لم تعطيه الفرصة لتنفيذها ، حين استكان جسده بلا حركه للابد مع تسرب خيط دمائي من فمه في الحال !!
ظلت تتطلع الضوء القمر المتخفي بين الغيوم الحاملة للمطر والتي تهطل بما تحمله ، ليستكين بزخاته الغزيرة على زجاج النافذة بجوارها في جلستها الهادئة امامها ... تحتضن ساقيها بذراعيها المنعقدة ، متكنا بدقتها بين ركبتيها ... تشاهد يتمعن قدرة الخالق في خلقه .. شارده بما مر عليهما منذ موت العجوز ا
هل العجوز توفي حقاً !
سؤالا مازال يتردد علي ذهنها المغيب كثيرا رغم رؤيتها للحظات فراقه الأخير .. وأنهيار " علي " على أثرها ... فلولا تعايشها لذلك اللحظات لكانت كذبت جميع من أخبرها بذلك الشي .. انسابت دمعاتها يتتابع على أثر ذلك المشهد وهي تتذكر موت الجد !
ذلك الجد الذي رغب في اسعاد الجميع رغم ما يجتاح صدره من ألم ....
رفعت أناملها تمحي بها دموعها المتساقطة مردد ذاتيا برضا . " الحمد لله على كل حال ....
فقط تتمنى عودة " علي " سليما معافي متجاوزا محنته علي خير ... لا تريد شيا أخر ....
على أثر تلك الأمنية تذكرت كيف كانت حالته عقب موت العجوز ... انهيار تام أمام جسده الراقد وهو يكذب الواقع بشدة ... فحينها علمت بأنه يعني له الكثير والكثير ، بل يمتلك قلبه لا جزء منه .. كانت تود او تقترب لتزيح عنه حزنه وألمه ... ولكنها خشيت قسوته ....
وبالفعل تحقق ما كانت تخشاه حين تفاجات بانقلاب حالته مائة وثمانون درجة بعد مرور وقت ليس بالهين في حين ظلت هي في ثباتها من خلفه ... حيث انتفض من جلسته بشخصية " علي " القديمة ... يمحي دموعه بتهجم ليستبدلها بعينين قويتان ... وجسد منتصب ... ومعالم وجه
قاسية رغم طبيعتها الوسيمة .....
غادر الغرفة بتجاهل تام كأنها باتت هواء يتطاير دون هيئة أو ملامح محددة .. تجرعت حنجرتها بريبة من حالة النقيض به ... فاستغلت مغادرته وأقتريت ببطء لتودع ذلك العجوز الذي عاهدت منه الحنان والطيبة .. أقدريت ودموعها تحفذت الهطول مرة اخرى ... اقتربت لتأكد على رجائه الأخير لها قبل رحيله ...
هبطت تجنوا أمام جثمانه مردد بإصرار وهي تتمعن في تفاصيل وجهه الشاحبة بقهر : - حسناً ايها العجوز .. لن اتخلي عنه كما رغبت ورغب من قبلك جدي !!
اقترب أصوات خطوات قاسية باتجاه الغرفة ، علمت صاحبها جيدا فاسرعت تبتعد السابق عهدها
قبل مغادرته ....
التتفاجئ بدخوله بصحبة جاك ورجال الأسعافات الذين اسرعوا في تنفيذ كل ما يتطلبه واجبهم المهني ... في حين تصاعدت نظرات ذلك الأشقر للقصوى ... نظرات تملكية بانها بات حقه هو !!
اندهشت من تفسيرها لنظراته بذهول، فأرتعب قلبها رغم حالة الحزن الذي يعيشها الآن ، فقررت الابتعاد من أمامهم والصعود لغرفتها تتوارى خلف جدرانها المحكمة من تلك النظرات الرصاصية التي باتت تخافها بشدة ....
وما هي إلا دقائق وشاهدت مغادرتهم جميعاً بجثمان العجوز متوجهين به لإقامة الطقوس الخاصة بديانته ومن ثم الصلاة عليه في أحدى الكنائس التشيع في النهاية جثمانه المثواه الأخير
أغمضت عيناها بألم تتطلق التنهيدة عميقة الحرية في الخروج حين تذكرت عدم قدومه لذلك القصر من حينها ... فعلي ما يبدوا أنه أنعزل في مكان مجهول هويته لأنه يمر بأسوء أيام حياته
تذكرت ليالي رعبها وهي وحيدة في ذلك المبني الضخم ... في منطقته الساكنة ... ننفر فرأ من تلك الحالة بالتوجه لرب البشر بصلاة طويلة المدى ... لتخرج منها بسكينة قلب تحتاجها في هذا الوقت العصيب !!
تذكرت أيضا جاك حين أتي بمرتان في ذلك الأسبوع ، وقف فيهما في حديقة القصر بنظرات متفحصة مطولة لمبنى القصر في باطنها الحيرة والتشتت والاشتياق في ظل صمتها الدائم
وخوفها المتصاعد من حالته الغامضة .. ولكن لأجل الحق كان يغادر صامتاً بعد عدة دقائق كما
اتي ..
رجعت من شرودها لأرض الواقع على صوت انذار يصدح لإحدى السيارات وهي تقتحم محيط القصر ، فأسرعت بفك عقدة تتوقفا والهبوط بساقيها متجهة بكل جسدها الزجاج نافذة بعيدة بخار أنفاسها عنه حتى تتمعن من وسط تدفق الأمطار في تلك السيارة بنظرات تأمل ... وبقلب يخفق ... التمني بجميع حواسها بأن يكون غائبها قد عاد ...
وبالفعل بعد ترجل صاحبها طارت بأنه هو ... ولكن ملامحه ليست واضحة ولكن يبدوا من هيئة جسده بأنه كان يعاني بالفعل !!
صعد للطابق الثاني بخطوات ثابتة إلى أن سمعت صوت انفلاق باب غرفته بعنف ....
حمدت الله كثيراً على العودة، وكافحت تتسرب داخلها بعد أن باتت تفارقها للإيد ... فاسرعت تؤدي إلى إحدى القيم لبدا سحور أول يوم من شهر رمضان المبارك بعد أن فارقها تريد في الطعام طوال هذا الاسبوع ....
في الصباح الباكر تقبل به وبمغادرته الأولى البريطانية .. فأسرعت بالاعتدال تستدعي نشاطها بعزيمة قوية ورغبة في إسعاده لتعويضه عن هذا الأسبوع المنصرم ... وذلك بتجهيز طعام اليوم بأشهى الأطباق التي يحبها كما علمها العجوز ....
فحتها كان حزينًا وأهمل طعامه طوال هذه المدة كما حدث معها بالفعل ....
فاسرعت تجهز حالها بعد أن اغتسلت وقرأت وردها بارتداء ملحقاتها السوداء فوق منامتها الحريرية وغطاء وجهها ... نعم لا أحد بالمنزل الآن ... ولكنها تخشي قدومه في أي لحظة كيوم وفاة العجوز ... فهو حتى الآن ليس بزوجها !!
هبطت تشرع في بدأ كل ما يفعله العجوز من عمل بعد أن تركت القصر على حالته منذ مغادرة جتماته ...
حيث كان لا رغبة لها يعمل شيئاً ... في حين كان الحزن يسيطر عليها بشدة ....
قرب أذان العصر أنتهت من جميع الاعمال ... لم يتبقى لها الا الاستمتاع بالطعام الذي أعدته منذ الصباح... ولكن لن تتم طهوه إلا قبل قدومه بفترة قصيرة حتى يتمتع بسخونته المطلوبة ....
تعلم أن معاد العودة بعد أذان المغرب بساعة كاملة حسب توقيت سان فرانسيسكو .. ولكن لا بهم ستفطر على أحدي التمرات التي بحوزتها وستنتظر قدومه وتتصنع بأنها تأكل بصحبته من أسفل نقابها حتى تشعر بنفس اهتمام العجوز من قبل وبالتالي تتحسن حالته النفسية ....
إلا أنها في عز إجهادها تذكرت شيئاً مهماً ظل العجوز يعيده عليها الاف المرات ... "تجهيز ملابسه قبل العودة"
لتبتسم شاردة على جملته التهجمية عقب نسيانها :
أخبرك بهذا لكي تتذكري ... لا أن تنسي !
كان يعدها لتتولى مسئولياته من بعده !!
فاقت من شرودها علي حالتها المرتبكة ، فكيف تدخل غرفته محددة له ملابس خاصة الداخلية
يا خالقي الطف بي !!
قالتها وهي تفزع من جلستها بتوتر جلي ، ليستقر بها الحال علي عدم الذهاب لفعل ذلك الشيئ بتالا ..
مضت نصف ساعة ما بين الرفض والقبول إلى أن خضعت أخير بطيب قلبها وقبلت أن تهيئه سريعًا دون التعمق بأي شيء يخصه .....
وضعت قدمها داخل الغرفة بالقشعريرة القوية تسري في جسدها ... ليتبعها صوت صك استانها .... فتلك المرة الأولى التي توضح بهذا الشكل في كارثة حقيقية كما تراها ....
رات غرفها يسودها السواد الكاحل بداية من المفروشات إلى لون السجاد والحائط .. كل شيء بها دون استناء .. ارتجف أوصالها مرة ثانية .. فاسرعت بخطوات اشبه للركض باتجاه غرفة ملابسه لتحضيرها بجالة ومن ثم مغادرة تلك الغرفة المخيفة ...
أذن أذان المغرب فتناولت ثمرة من أحدي التمرات التي لا يخلو منها حقيبتها نهائيا ثم تجرعت خلفه الماء ... توجهت الإعداد طاولة الطعام على موعد حضوره المحدد كما كان العجوز يعمل من قبل ...
وقفت تتطلع لهيئة طاولة المهرة بأصنافها المفضلة لديه ... تأمل أن يلين قليه المتحجر وتفتحمعه أهمية الصوم المسلمين ... نعم لابد من إسلامه أولا .. ولكن سترمي على مساععه بعض المحفزات قبل أن تتطرق لتلك النقطة بغايتها والأعظم ...
فقط تأمل أن يتخلى عن تحجره ويتوكل علي الله في أن يلين قلبه
أغلق بأنفاس أسد جائع متحفظا لتلقي فريسته تقتحم أذنها .. دب الرعب أوصالها وهي تلتفت
جاي لصاحبها والتي لم تعلم حتى تلك اللحظة كيف لم تزيد قدومه ....
فابتلعت ما في حنجرتها بارتباك أشد حين شاهدت عن قرب وجهه بذقن ناميه وعيناه الخضراء، الجمرتي لهب يتأجج نارها بعنفوانية ... انتفضت للخلف بفزع جلي ... مردده بتلعتم دون
أدراك للجرم الذي اقترفته :
... هذا .. ال العجوز ... اوصاااني ... انا صائمة ... رررمضان .....
بترت جملتها حين هجم عليها كما توقعت من هيئته الشرسة غاضب من بين أسنانه حين أشار بكف يداه للطاولة بتفور :
ما هذا !!
صمتت مرتجفة لم تسعى الأجابة إلا بكلمة واحدة فقط :
ص ... صائمه ... وأنت ....
وكيف تخرج الكلمات بحضوره الطاغي هذا .. فاحتما ستسقط ذات مرة مغني عليها أمام قسوته ذلك ....
برگان تاري بداخله ظنن منه أنه تفعل ذلك لأخذ مكان العجوز وبالتالي يتطلب عليه نسيانه فاغتاظ بشدة من مكرها ...
فأتجها دون تفكير طاولة الطعام يسحب مفرشها بعنف ليسقط جميع ما عليها في تهشم عنيف
صبح صوته في المكان أجمع .. مع نبرة صوته بقسوتها المعهودة : لن تأخذي مكانه أيتها الماكرة مهما فعلتي، واستعدي لمغادرة هذا القصر منذ الغد بلا رجعه