رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الواحد والثلاثون
خرجت ترنيم، تشعر كما لو كانت مختنقة بالألم، تركض إلى الحديقة المرفقة بالفيلا، كاد أن يتبعها غريب، الذي بدا محتارًا بين مشاعر الواجب والعاطفة، لكن مريم، التي كانت تجلس بجوار المأذون، تكلمت بتساؤل، قائلة:
"رايح فين يا غريب؟ المأذون مستعجل وعايز يخلص."
نظر سلطان إلى غريب بتعبير يحمل الكثير من المعاني، ثم خرج هو الآخر، يركض خلف ترنيم بعنف، وكأنه يسعى للتصالح مع مشاعره المضطربة، أمسك وشاحها الذي كان يرفرف في الهواء مثل طائر محلق، وضعه على كتفها بلطف، كأنه يحاول أن يمنحها شيئًا من الأمان وسط هذه الزوبعة التي تعصف بحياتهم، وقال:
"ترنيم!"
ردت عليه بصوت مختنق، وكأن العواطف تتصارع داخلها، وقالت ممزقة بين الحزن والاحتقان:
"ليه يا سلطان؟ اشمعنا أنا اللي مكتوب عليا اتخذل منكم وبنفس الطريقه؟ ليه أنا اللي بترمى وبيتاخد غيري؟ المشكلة انكم انتوا الاتنين بتحبوني وانتوا الاتنين كررتوا نفس الطريقة، طيب العيب في مين؟ فيا ولا فيكم؟ رد عليا يا سلطان، انتوا بتعملوا فيا كده ليه؟"
كانت دموعها تتلألأ في عينيها، تعبر عن خيبتها، ودفاعها عن نفسها في مواجهة مواقف لم تخترها.
نظر لها بوجع وأسف، كأن كلماتها كانت خنجراً في قلبه، وقال بصوت خفيض يحمل ثقل القرار:
"كل اللي اقدر اقوله ليكي أن جواز غريب من مريم علشان يحميكي."
كلماته كانت مؤلمة، كأنها تسرق الأمل من عينيها.
نظرت له باستغراب، وفزع بالحيرة ملامح وجهها، قالت بتساؤل مشحون بالقلق:
"يحميني!! من مين؟ ومين مريم دي؟ أنا حاسه أني شفتها قبل كده؟"
كانت تساؤلاتها تزداد حدة، كأنما تبحث عن إجابات لتفكيك اللغز الذي استمر في محاصرتها.
زاغ ببصره بعيداً عنها، وأخذ يتحدث بصوت متعثر وكأن الأحداث تعصف بعقله، كاشفًا عن أغوار سر غامض:
"مريم العميلة اللي كانت شغالة معايا، وانتي من غيرتك عليا ضربتيها، وأنا وقفت الشغل معاها علشان غلطت فيكي."
تذكرت ذلك اليوم بوضوح، واتسعت عيناها بصدمة، وكما لو أن ضوء الحقيقة قد انكشفت أمامها، تحدثت بعدم تصديق:
"ايوه افتكرتها! طيب هي تعرف غريب منين وليه اتجوزها؟ لو كانت عايزة تنتقم مني، كانت انتقمت مني فيك مش في غريب."
كانت تعبر عن شكوكها، ويبدو أن الأحداث بدأت تربك خيوط القصة التي تعيشها.
اجلسها على المقعد على حافة الحديقة، وجلس أمامها، كأنه يحاول الاحتفاظ بها من الضياع وسط هذا الزلزال العاطفي، وذهنه مليء بالأفكار المتطابقة، فقال بحضور يفتقر إلى الوضوح:
"ترنيم، فيه لعبة كبيرة اوي بتحصل، وانتي محطوطه فيها، وكل اللي بنعمله وهنعمله ده علشان نحميكي، حتى أنا وغريب، رغم العداء اللي ما بينا، اتفقنا على حمايتك."
هزت رأسها بعدم فهم، وكأن الكلمات التي تلقي بها أمواج الفوضى لم تجد طريقها إلى عقلها المضطرب، عابثاً، صرخت بشغف: "لعبة إيه ومين دول؟ أنا مليش دعوة بحد! أنا تعبت، ونفسي ارتاح بقى يا سلطان. تعبت والله."
كان صوتها يحمل عبءًا من الشكوى والألم، مثل صدى لنوبة من الكوابيس التي لا تنتهي.
أخذ بيدها بلطف، كأنها طائر متأذٍ يحاول الطيران في سماء مظلمة، وابتسم لها بقلق: "اهدي يا ترنيم، حقك على قلبي يا بنت قلبي، أنا عارف انك تعبتي، بس هانت خلاص، ننضف الدنيا كلها حواليكي، وكل حاجة هترجع أحسن من الأول."
كانت كلماته بمثابة محاولة لبعث الأمل في قلبها المنهك، روح تمد يدها نحو النور.
نظرت له بدموع تتلألأ في عينيها، وخفق قلبها بآلام الفقد:
"مافيش حاجة هترجع زي الأول يا سلطان. لا أنت هترجع تاني ليا، ولا ماما هترجع تخدني في حضنها من تاني، ولا أنا هرجع ترنيم الشقيه المرح، كل حاجة ماتت خلاص جوايا، حتى حبك."
كان صوتها مكسورًا كزجاج أصابه الشروخ، مشحونًا بالخوف من الفقدان، كما لو أنها قد استسلمت لصخرة اليأس.
أنهت كلامها وقامت باستقامة جسدها، محملة بثقل الوجع، وضعت قدمها بحذر كمن يسير على أرض غير مستقرة، ثم تحركت نحو الداخل، عندما دخلت، نظرت حولها بانكسار، ولمحت غريب ومريم صاعدين إلى الأعلى، التفت مرة أخرى ونظرت لسلطان بوجع وكسر في قلبها، كما لو كانت تدرك أن اللحظات السعيدة آخذة في التلاشي، بعد لحظة من الصمت الثقيل، ركضت إلى الأعلى، وقد غمرتها مشاعر الحزن، دلفت غرفتها، وارتمت على السرير كطفلة فقدت طريقها، وبدأت تبكي بصوت خافت وكأنها تتوسل للعالم أن يعيد إليها براءتها المفقودة.
****************************
صعد غريب مع مريم إلى الغرفة، فأغلق الباب خلفه بغضب، نزع سترته ورماها على الأريكة، ثم حل عقدة عنقه وجلس على حافة السرير بصمت مطبق، غارقًا في أفكاره حول حالة ترنيم، اقتربت منه مريم وجلست بجواره، وضعت يدها برفق على كتفه، لكن قبل أن تلمسه، أمسكها بغضب وضغط عليها بشدة، وتحدث من بين أسنانه:
"حسك عينك تفكري تلمسيني فاااهمه، انتي اخرك معايا اسمك اللي انكتب على اسمي، غير كده متحلميش."
ابتسمت له بدلع وتحدثت بصوت هامس: "طيب، ما تسيب نفسك ليا وجرب، مش هتندم."
كانت كلماتها كالنسيم الخفيف الذي يسعى لاختراق جدران الغضب التي أحاطت به. ضغط أكثر على يدها، وقال باستخفاف: "اللي معاه واحده زي ترنيم مستحيل أي حد تاني يعجبه."
الكلمات خرجت منه كأنها طلقات رصاص، وكأنه يريد أن يدافع عن نفسه، بل ويؤكد لنفسه أنها لا تمثل شيئًا أمام ما يجمعه مع ترنيم.
أنهى كلامه ودفع يدها بعيدًا عنه بقوة، ثم استقام بجسده واتجه إلى المرحاض، نظرت إلى أثره وابتسمت بإعجاب، وقالت:
"ماشي، لما نشوف نسبة ثباتك الانفعالي قد ايه يا غروبتي، واللي ميجيش بالذوق نجيبه بطريقتنا بالعافية."
أنهت كلامها وضحكاتها تعلو، بينما كانت تخطط لمتاهات السيناريوهات في عقلها، وتحصد النتائج المضمونة من تلك اللحظة. استقامت في وقفتها، ونزعت ملابسها، وظلت بقميص قصير كانت ترتديه أسفل الملابس، واستلقت على السرير، تنظر إلى باب المرحاض.
بعد عدة دقائق خرج غريب، نظر إليها بضيق واتجه نحو باب الغرفة، اتسعت عيناها بصدمة، وقالت:
"أنت رايح فين كده؟"
كأنما شعر بغربته الحقيقية في تلك اللحظة، وهو يضع يده على مقبض الباب، قال: "رايح أطمن على مراتي."
أنهى كلامه وخرج من الغرفة، متجهًا إلى غرفة ترنيم، فتح الباب ودلف إلى الداخل، ليجدها نائمة على السرير، والدموع تتلألأ على وجهها، وكأنها كانت قد انتظرت عودته، حتى في أعمق آلامها، اقترب منها بوجع وحزن، وجلس بجوارها، يربت على ظهرها بحنو، وتحدث بصوت هامس: "ترنيم، حبيبتي، ردي عليا."
كانت كلماته كفراشة تبحث عن طوق نجاة في بحر من الهموم.
انتفضت في مكانها، ونظرت له بغضب، وتحدثت بصوت مختنق:
"جاي ورايا ليه يا غريب، سايب عروستك لوحدها ازاي في وقت زي ده."
لكن في جوفها، كان هناك شعور بالذعر من فكرة الوحدة، الأمر الذي زاد من اشتعال غضبها، أمسك يدها وقبلها بحب وأسف، وقال:
"أنا آسف يا ترنيم، أكيد سلطان شرح ليكي كل حاجة، وفهمتي أنا عملت كده ليه."
الأمواج التي اجتاحت قلبه لم تكن بالأمر السهل، لكنه كان يأمل أن تفهم تداعيات قراراته.
أبعدت يدها بغضب، وقالت:
"انتوا الاتنين زي بعض بالظبط. عيونكم فارغة وبتقولوا أسباب ملهاش أي تلاتين لازمة، عمري ما شوفت حد بيحمي حد يروح يتجوز عليه."
كانت كلماتها تحمل في طياتها جروح عميقة، وكأنها تعبر عن الفوضى الداخلية التي كانت تشعر بها.
"أنا مش شايفه غير إنك راجل شهواني زيك زيه بالظبط، لا وكنت عمال تنتقد فيه وتكرهني فيه، وتوعدني بحاجات كدب، وهعوضك وكلام كتير أوي محصلش، وأنا بقولك اهو يا غريب، مصلحتي في أنك تطلقني، ومتقلقش، مش علشان أرجع لسلطان ولا حاجة، أنتوا الاتنين أثبتوا ليا إنكم كلكم صنف واحد نسخه بالكربون، وكرهتوني في الرجاله وأي شئ مذكر."
هنا، كان غضبها قد بلغ ذروته، بحيث أدركت أنها لا تريد العودة إلى شيء ماضي، بل كانت تسعى لبناء مستقبل جديد بعيدًا عنه وبعيدًا عن سلطان أيضًا.
حرك رأسه بالرفض، وقال:
"أنا عمري ما هطلقك يا ترنيم، أنا بحبك، وبعدك عني معناه موتي."
كانت كلماته تتدفق من قلبه، كأنها صراخ حقيقي في صراع لعدم الفقدان.
"أنا متفهم غضبك ومقدره، بس اهدي وفكري بالعقل، وانتي هتفهمي كل حاجة، أنا إيه يخليني أتحد مع سلطان، اللي هو ألد أعدائي، ويعتبر بيشاركني في قلبك، إلا لو كان الموضوع خطير ويخصك، ويستاهل أن أضحي بأي حاجه حتى لو كرامتي علشان أحميكي."
نظرت في الاتجاه الآخر وعقدت ساعديها على صدرها، وقالت بصوت مختنق: "ميخصنيش لا أنت ولا هو، أنا عايزة أطلق وأبعد عنكم انتوا الاتنين، وأركز على حياتي ومستقبلي."
كان قلبها يشعر بالثقل، وكأنها تحمل ثقل العالم على كاهلها، وقررت أنها لن تعود إلى الوراء مهما كان الثمن.
زفر بضيق وحرك وجهها إليه، ونظر في عينيها، وقال:
"إنتي مش كان نفسك تبقى أم؟ أنا مستعد أحققلك أمنيتك دي، بس توعديني إنك مش هتسبيني في يوم من الأيام يا ترنيم."
كانت الكلمات تحمل شيئًا من الأمل، كأنها شعلة صغيرة تحاول البقاء رغم العواصف،
نظرت له بحزن وقالت:
"مبقاش ينفع يا غريب، أنا دلوقتي اللي بقولك مش عايزة أجيب أطفال لا منك ولا من غيرك، مش عايزة يعيشوا في دنيا غدارة وظالمة زي دي، مش عايزة أجيب أطفال لما يكبروا يلموني: جبتهم ليه في الدنيا دي؟ كان أحسن قرار منك إنك ترفض عبطي وهبلي دول."
كوب وجهها بين يديه، وتحدث بصوت مختنق:
"أرجوكي يا ترنيم، متعمليش كده، انتي بطريقتك دي بتزودي عذابي."
كان صوته مليئًا بالتوسل، كأنه يناشد روحها بضرورة أن تبقى على قيد الحياة في هذا الواقع القاسي.
دفعته بقوة، وقالت بصراخ غاضب:
"واللي انت عملته فيا ده إيه؟ مش عذاب برضه لما استخدمت أكتر طريقة وجعتني قبلك ونفذتها انت كمان، لما قللت مني ووجعتني، وروحت جبت واحدة واتجوزتها بحجة إنك كده بتحميني، بلاش تعيش دور الضحية يا غريب علشان مش لايقة عليك."
كانت الكلمات كسهم أصاب قلبه، وأدرك أنه لن يستطيع الإفلات من مسؤوليته.
احتضنها بقوة حتى تهدأ، وقال بتوسل: "طيب، اهدي علشان خاطري، واللي انتي عايزاه هعمله ليكي."
ولكن كان هناك شيء في عينيها يشير إلى أنها قد فقدت الأمل في أن يكون لهما مستقبل معًا.
ظلت تدفعه بعيدًا عنها والدموع تنهمر منها، وقالت بصراخ:
"طلقني يا غريب، بقولك طلقني."
قبل رأسها بحب، وقال:
"ماشي بس اهدي دلوقتي يا ترنيم."
كانت لحظات صعبة جدًا، وكأن الوقت توقف بين صراخها وكلماته.
ظلت تدفعه وتكلمت بدموع:
"أنا بكرهك يا غريب، بكرهكم كلكم."
ضمها أكثر داخل أحضانه، وكأن كلماته لا تكفي لتعبر عن كم يحاول أن ينجو بحبهم، واستمر يربت على ظهرها حتى شعر بسكونها، كأنها أخيرًا عثرت على ملاذ من الزلزال الذي يعيشونه، نظر لها، فوجدها غفت في حضنه، وفي تلك اللحظة، أحس بانكسار عميق، وضع رأسها بهدوء على الوسادة، وتمدد بجوارها، وظل ينظر لها حتى غط في سبات عميق، متمنيًا لو يكون الغد أفضل من اليوم الذي يعيشان فيه.
*****************************
وصل سلطان إلى المنزل بحزن شديد؛ دلف إلى داخل شقته ليجد فريدة تجلس على الأريكة، تنتظره بقلق، عندما رآها، نهضت سريعاً، واقتربت منه بوجه مليء بالدموع المزيفة، قائلة:
"أخيراً جيت! شوف بقى، أنا بستحمل أي حاجة علشانك، لكن اللي اسمها ترنيم دي تطلع لحد شقتي وتحاول تضربني، علشان تنزل اللي في بطني ده، اللي مش هقبل بي أبداً، الغيرة وصلت معاها أنها تحاول تأذي اللي في بطني، اللي هو من صلبك، يا سيد المعلمين."
كانت كلماتها تتدفق بحيوية، مما أضفى على الموقف طابعاً يضج بالتوتر، وكأنها تعبر عن مشاعر مكبوتة تزايدت مع كل لحظة.
نظر إليها سلطان نظرة طويلة، عيناه مليئتان بالشك، ثم قال بعدم تصديق:
"بقى ترنيم عملت كده!"
حيث كانت الدهشة ترتسم على وجهه.
أومأت برأسها تأكيداً، وأضافت:
"أيوه، عملت كده، والناس كلها شفتها وهي بتحاول تسقطني، لو مش مصدقني، اسأل أهل الحارة."
ابتسم لها ابتسامة ذات مغزى، واقترب منها ليقول:
"مصدقك طبعا يا ام العيال."
وربت على ظهرها برفق، كان صوته يحمل لمسة من الطمأنينة، وكأن على عاتقه مسؤولية الرحمة والعطف، ليخفف من وطأة الصراع الذي كان يعتمل في قلبهما.
نظرت له باستغراب، وتساءلت بعدم تصديق:
"أنت بتتكلم بجد ولا بتخدني على قد عقلي؟ أصل متعصبتش وبتتكلم بهدوء، وأنا مش متعودة على كده منك."
شعرت بالفضول مختلطاً بالدهشة، حيث كان هناك شيء مختلف في أسلوبه، شيء يدل على تحسن محتمل في أدواتهم للتفاهم، مما جعلها تشعر بالخجل عن مشاعرها المتضاربة.
أمسك يدها بحنان، وتكلم بنبرة هادئة:
"لما قعدت مع نفسي وفكرت بهدوء، لقيت أن أهم حاجة دلوقتي هي مصلحة أولادنا، اللي بيحصل ما بينا بيأثر على رنيم، وهيأثر على اللي جاي، قلت ليه منديش بعض فرصة ونعيش حياتنا هادية زي زمان؟"
ابتسمت بسعادة، وتعجبت قائلة:
"بجد يا سلطان؟ يعني خلاص مش هتفكر في ترنيم تاني خالص؟"
كانت تعابير وجهها تتأرجح بين الأمل والتفاؤل، وكأنها تبحث عن تلميح جبين يظهر لها النور في نفق أزمة حياتهما.
أجابها بابتسامة هادئة:
"بجد يا فريدة، أصل هي دلوقتي واحدة متجوزة، واتقبلت حياتها معاه، وكل واحد مننا راضي بالنصيب."
كان صوته يحمل ثقة واضحة، وكأنه يضع حداً لألم الماضي بطريقة تؤدي إلى بداية جديدة.
احتضنته بسعادة، وقالت:
"أنا فرحانة أوي يا سلطان، والله العظيم بحبك أوي."
أحست بالراحة والسكينة تتسلل إلى قلبها، وكأن الكلمات أصبحت بمثابة تعبير عن الأمل الذي تجدد في حياتهما.
ربت على ظهرها بحنو، وقبل رأسها، قائلاً:
"يلا بقى، روحي حضري أكلة حلوة على ما أغير هدومي وأجيلك."
أومأت برأسها بالموافقة، وركضت باتجاه المطبخ، نظر إلى أثرها بغضب، ثم تحرك باتجاه غرفته، وبحث بعينه خارج الغرفة قبل أن يغلق الباب بإحكام، تحرك سريعاً وبدأ يضع سماعة صغيرة داخل الغرفة حتى يتنصت عليها، ويعرف ما يدور خلف ظهره، ثم بدل ملابسه وخرج من غرفته، وتأكد من وجودها داخل المطبخ، وضع أيضاً سماعة أخرى بالخارج، وانتهى قبل أن يتجه نحو المطبخ.
قبل رأسها، وأثناء انشغالها بإعداد الطعام، وضع سماعة صغيرة أسفل الرخامة، ثم ابتسم لها قائلاً:
"يلا بقى، خلصي بسرعة، أحسن هموت من الجوع."
كانت تلك الابتسامة تحمل معاني مخفية، وإرادة كبيرة لرصد كل لحظة تمر بها، وكأن وراء الأبواب حكايات لم ترو بعد.
قبلت خده بسعادة، وقالت:
"أنا خلصت، يلا، حط الأطباق على السفرة، وأنا جايه وراك على طول."
أومأ برأسه وأخذ الأطباق، ثم خرج من المطبخ، وبدأ في وضعها على الطاولة، بعد مرور بعض الوقت، جلسوا حولها وبدأوا يتناولون طعامهم بهدوء تام.
****************************
في صباح اليوم التالي...
استيقظت ترنيم من نومها وهي تشعر بألم شديد برأسها، كأن جبلًا قد استقر على جبهتها، مما جعلها تدرك أن الليلة الماضية كانت ثقيلة وأثرت عليها نفسيًا وجسديًا، نظرت بجوارها لتجد غريب يغط في نومه بعمق، ملامحه تبدو هادئة لكنها لم تكن تتناسب مع المشاعر التي كانت تعصف بها، زفرت بضيق، محاوله دفع أفكارها السلبية بعيدًا، ثم اعتدلت في جلستها ودفعت شعرها البني الطويل للخلف، كأنها تتمنى أن تتخلص من الأفكار الحزينة التي تشغل بالها، عندما شعر غريب بحركتها، فتح عينيه الواسعتين ونظر إليها بحب، وكأن نور الصباح قد أشرقت لتوه، قائلاً:
"صباح الخير يا قلبي."
لكن ترنيم نظرت في الاتجاه الآخر ولم تجبه، شعور الغضب والخذلان كان يجتاحها، اعتدل في جلسته وقبل رأسها برقة كأنه يحاول أن ينقل لها بعض من هدوئه، ثم تحدث بنبرة مليئة بالرجاء: "علشان خاطري يا ترنيم، بلاش طريقة معاملتك دي معايا، قلتلك سبب جوازي من مريم ايه، وأنا نمت جنبك عشان تتأكدي أني مش هقرب منها مهما حصل، أنتي أصلاً عارفه أن جسمي بيرفض لمسة أي واحدة، أنتي الوحيدة اللي بيتقبل لمستها."
لكن ترنيم ظلت محتفظة بصمتها ولم ترد عليه، فقد كانت مشاعرها متناقضة، بين الحب والشك والخوف من المجهول.
زفر غريب بضيق، وأرغمها على النظر له، محاولاً استجماع كل العاطفة الموجودة في عينيه ليخاطب قلبها، ثم تابع بحب:
"ترنيم، أنا بعشقك، وعلشان احميكي مستعد أعمل أي حاجة حتى لو هضحي بعمري كله علشان تعيشي، طيب، أنتي عارفة أن اللي كانت عايزة تموتك في خطوبة اخت سلطان كانت تبع مريم؟ وهي اللي اعترفت عليها وقالت كل حاجة تعرفها عنها، وقالت بلاوي سودة عليها، وعلشان نقدر نوقعها هي واللي معاها، كان لازم خطوة الجواز دي، مريم مش سهله ومينفعش نستقل بيها خالص، ولازم تبقى تحت عيني اربعه وعشرين ساعة."
زفرت ترنيم بضيق وتحدثت بصوت مختنق، كأن الكلمات تخنقها:
"طيب، وهي كانت عايزة تقتلني ليه؟ أنا أصلاً قابلتها مرة واحدة بس وكانت بتحاول تقرب من سلطان وضربتها، مش معقول كل الكره ده عشان علقه بسيطة زي دي، وكانت تستاهلها بصراحة."
كان عقلها مليئًا بالأفكار المظلمة، وبدأت تشك في كل ما حولها، بما في ذلك علاقاتها وأمنياتها.
أغلق عينيه بضيق ثم تابع بتوضيح:
"هي كانت عايزة تقتلك بناءً على طلب بنت خالتها، اللي هي فريدة."
اتسعت عيناها بصدمة، وسألت بعدم تصديق:
"فريدة مين؟ قصدك على فريدة مرات سلطان؟"
أوما رأسه بالتأكيد وقال:
"ايوه هي، ومعاهم تامر أخوكي وكمان رجب ودكتور عصام وبنته نهى، بصي، هما عصابة كبيرة ولوحدي مش هقدر عليهم، علشان كده أنا وسلطان هنحميكي منهم، لأنك أنتي الوحيدة الهدف المشترك ليهم كلهم."
كان صوته يحمل قلقًا شديدًا، وكأن هذه الكلمات تشعره بعبء ثقيل يتراكم على كتفيه، مما زاد من حيرة ترنيم وصدمتها.
أغلقت عينيها بدموع، تضغط على جفنيها علها تمحى صور هذه التهديدات التي طالت حياتها بظلم، تحدثت بصوت مختنق:
"كل دول أنا هدف مشترك ليهم، وأنا أصلاً في حالي، ده أنا لو أكلة ورث الدنيا كلها مش هيكون ليا أعداء كتير كده. بس عادي، حاجة جديدة هتنضاف لمعاناتي، أتعودت خلاص."
كان موقفها يعكس مرارة الموقف الذي وجدت نفسها فيه، وكأنها أصبحت ضحية لعالم لا يرحم، في لحظة من اللحظات، شعرت بضعفها، لكن أيضا بذاك الإصرار الذي يوقظ في داخلها روح المقاومة، فهي لا تريد أن تكون مجرد ضحية في قصة مأساوية.
أمسك غريب يدها وقبلها بحب، قائلاً:
"مش عايزك تخافي يا ترنيم، إحنا في ضهرك ومش هنسمح لحد يأذيكي."
كان صوته يغمرها بحنان لم تشعر به منذ فترة طويلة، مما جعلها تشعر بأن هناك من يقف إلى جانبها في مواجهة هذا الخطر. حركت كتفيها وتحدثت بعدم اكتراث: "عادي، مش فارقة، صح، هو عمو إبراهيم مظهرش ليه من وقت ما رجع معانا مصر؟" كانت تطرح السؤال وكأنها تبحث عن شيء يخفف عنها الضغط النفسي الذي تعاني منه. ابتسم لها وتحدث بمزاح:
"لا، انسي عمو إبراهيم، هو دلوقتي عايش دور سي روميو مع جوليت بتاعته، كده كده هو مش عايش معايا هنا، عنده مكان زي الكوخ عايش فيه لوحده."
تحدثت بتهكم قائلة:
"واضح كده، أنا العيلة عندك كلها كده، ابن الوز عوام."
أصدرت ضحكة خفيفة، كأنها تلاعبت بالكلمات وتعتزم على إحراج غريب بشيء من المرح، تعالت ضحكاته، حيث قال:
"على فكرة، أنا مكنتش كده، أنتي الوحيدة اللي خلتيني عاشق ولهان."
شهد بابتسامة دافئة، كان هناك شيء في عينيه يشير إلى الشغف الذي انتابه بفضل وجودها، وكأن لترنيم القدرة الفائقة على جعل القلب ينبض بصورة لم يعرفها من قبل، ثم اقترب منها وكاد أن يقبلها، لكن ما كاد أن تلتقي شفتيهما حتى توقف فجأة بينما سمعوا صوت طرقات على الباب، وكأن تلك اللحظة قد جرفتهم بعيداً عن الأحلام إلى واقع أكثر قسوة، نظر لها باستغراب ونهض من على فراشه، واتجه نحو الباب ليجد مريم تعقد ذراعيها على صدرها، وكان يبدو عليها التهكم:
"صباحية مباركة يا عريس."
ظهرت على وجه غريب ملامح الغضب مع ارتفاع حواجب الدهشة، أغلق عينيه وتحدث بتسأل:
"عايزة ايه يا مريم؟"
نظرت إلى الداخل نحو ترنيم بغضب واضح في عينيها، ثم قالت:
"والله المفروض كانت دخلتنا أنا وانت امبارح، بس حضرتك شكلك نسيت وقضيت الدخلة هنا مع الهانم."
كأن كلمتها كانت صاعقة، ألقت بظلالها على اللحظة الحالمة، نهضت ترنيم من على فراشها واقتربت منهما، وضعت يدها على ذراع غريب وقالت باستفزاز:
"سوري بقى يا عروسة، القديمة تحلى، وأنا كنت مخنوقة شوية وغروبتي مرضييش يسيبني أنام لوحدي، جه أخدني في حضنه علشان يطمني."
في تصرف غير متوقع، حيث أثارت تعليقاتها استفزاز مريم، التي كانت تشعر وكأنها صبي تفوق عليها في أسلوب اللعب.
حاول غريب كبح ضحكاته، وقد تفاجأ بما فعلته ترنيم، حيث لم يكن يتوقع أن تأتي بمرحة من هذا النوع في تلك اللحظة. ضغطت مريم على أسنانها بغضب، قائلة:
"آه طبعاً، ده حقك، كله إلا نفسية السنيورة، ما أنتي اتخزوقتي مرتين ورا بعض، والرجالة بتطفش منك على طول."
كانت كلماتها كالرصاصة، تسللت داخل الغرفة وعلقت في الهواء الكثيف. تكلم غريب بغضب محذراً إياها:
"مريم، احترمي نفسك أحسنلك."
حركت ترنيم يدها على صدره وتحدثت بدلع، محاولة تخفيف حدة الموقف:
"سيبها يا حبيبي، ما هي محروقة مني برضه، وربنا ما يوريك صورم الستات لما يكونوا محروقين من اللي أحسن منهم."
لكن الغضب الذي كان يسكن عيني مريم كالحمم المتفجرة تأجج أكثر، وجعلت ترنيم تشعر بقلق السكون الذي يخيم عليها، نظرت لهم بغضب شديد وتحركت من أمامهم، وذهبت إلى غرفتها، ابتعدت ترنيم عن غريب بضيق، ثم دلفت إلى الداخل، حيث جلست على السرير الخشبي، وضعت رأسها في يديها، وأرجعت شعرها إلى الخلف ببطء، وكأنها تحاول إخلاء عقلها من همومها، تحدثت بصوت مختنق، مختلط بالدموع:
"أنت عارف إيه الموجع في كلامها؟ أن هي كان عندها حق، أنا واحدة بتطفش منها الرجالة، وكل واحد فيكم أتقن دوره في تعذيبي."
كان الألم في صوتها كفيل بإثارة مشاعر غريب الذي جلس بجوارها وأحتضنها بقوة، محاولاً أن يخفف عن قلبها المكسور، وتحدث بأسف عميق:
"حقك عليا يا حبيبتي، سيبك من كلامها، أنتي عرفتي الحقيقة وعرفتي سبب جوازي منها ليه."
تمسكت به بقوة، وكأنها تمسك بخيوط الأمل، وتحدثت بصوت مختنق، مليء بالعزم:
"بس مننكرش أن كلامها فيه جزء من الحقيقة يا غريب، عموماً علشان تبقى عارف بس، أنا هعمل معاها كده على طول علشان متتفاجأش من اللي هيحصل."
كانت تعبر بكلمات تحمل في ثناياها مخاوفها وآلامها، ومع ذلك كان هناك شبح من القوة في عينيها، عازمة على مواجهة كل شيء.
ابتسم لها بحب وإعجاب، مُعجباً بقوتها وجرأتها، ثم قال:
"اعملي اللي يريحك، وأنا في ضهرك يا عمري."
وقد تمسك بها بقوة، وقبل رأسها بحب، كأنه يمنحها عناقًا دافئًا من الأمان الذي كانت في أمس الحاجة إليه، في تلك اللحظة، أدركت ترنيم أنها ليست وحدها في هذا المعركه؛ لديه قدرة على البقاء بجانبها وإعطائها الدعم الذي تحتاج إليه، حتى في أحرج أوقاتها.
