رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني والثلاثون
غادر سلطان المنزل متجهًا إلى مكتبه في الحارة، حيث جلس على مقعده خلف المكتب وأمسك بهاتفه، يستمع بحذر لما يحدث داخل شقته، كانت أجواء الصمت تسيطر على المكان، وكأن الوقت قد توقف، إلا أن الأعصاب كانت مشدودة كالوتر، ظل يتجسس على الأحداث المحيطة به، متسائلًا في أعماق نفسه ما الذي يجري وراء الجدران، ولكن في لحظة مفاجئة، انطلق رنين هاتف فريدة، ليكسر ذلك الفوران الكامن في صدوره، انتبه سلطان بكل حواسه إلى هذه المكالمة، واستمع إلى حديثها بتركيز شديد، وكأن كل كلمة ينطق بها الطرف الآخر تحمل في طياتها مفاتيح فهم مشاعره وأفكاره.
تكلمت فريدة بصوت ناعس، كأنها تعبر عن هموم داخلية تمزق كيانها، وقالت:
"فيه أيه يا مريم على الصبح كده؟"
ردت مريم بصوت غاضب، يكشف عن احتقان مشاعرها، قائلة:
"نام عندها طول الليل، مقربش مني ولا لمسني."
أجابت فريدة بصبر، وهدوء يخيم على نبرتها:
"ما هو ده الطبيعي يا مريم، انتي عارفه ومتأكده أن غريب أتجوزك غصب عنه، عارفة أنه هو بيعمل كده علشان يحميها منك بعد ما أتأكدنا أن البنت اللي انتي بعتيها تخلص عليها وقعت تحت أيده، وبعدين، ما انتي تقدري تخليه يقرب منك بسهولة، ده انتي اللي قايله ليا، أعمل إيه علشان أخلي سلطان يقرب مني وأحمل منه تاني."
زفرت مريم بضيق، وتساءلت بإحباط:
"إنتي مالك هادية أوي كده؟ إيه اللي حصل؟ مش دي اللي انتي بتكرهيها علشان عايزه تاخد جوزك منك وكنتي عايزه تخلصي منها؟"
كانت مريم تحاول فهم حالة فريدة التي بدت متصالحة مع أوضاعها.
اعتدلت فريدة في جلستها، وجاء صوتها مرسومًا بمشاعر السعادة:
"لا، خلاص، سلطان قرر ينساها ويعيش ليا أنا وأولاده وبس، واتقبل فكرة انها بقت لغيره."
كانت كلماتها تعكس تحولًا عميقًا في موقفها، وكأنها تخطت كل العقبات التي كانت تعيق تفكيرها.
تعالت ضحكات مريم الشرانية وكلامها جاء بصعوبة، كأن كلامها يخرج من أعماقها:
"والله انتي ساذجة أوي يا بنت خالتي، سلطان ده بيعشق ترنيم، وأنا شفت ده امبارح في عيونه لما جات وشافت المأذون وشافتني، كان واضح من نظراته أنها مش بس واحدة من الماضي، ده هو كان شايف فيها كل شيء مثالي."
ردت فريدة بغضب، حيث كان الغضب يتدفق من كلماتها:
"على فكرة بقى، سلطان مش كداب، وأنا متأكدة أنه فعلاً ناوي ينساها ويعيش لينا إحنا وبس."
كانت مريم تتحدث بهدوء، وكأنها تحاول تهدئة عاصفة:
"طيب، فتحي عينك كويس أوي علشان ده مليون في الميه كمين يا فريدة، غريب عارف انك بنت خالتي، وأكيد قال لسلطان لأنهم اتحدوا مع بعض، وهو دلوقتي بيختبرك علشان يعرف اللي في نيتك لترنيم، ركزي يا فريدة، أي غلطة منك هضيعنا كلنا."
حركت فريدة رأسها بالرفض، مظهرة عدم تصديقها:
"لا لا لا، مستحيل يكون سلطان بيلعب عليا، ده أنا صدقته يا مريم، أنا مش عايزة حاجة غير أنه يحبني بجد، ونعيش حياة طبيعية مع ولادنا زي أي عيلة."
زفرت مريم بضيق، وصوتها كان يملؤه نفاذ صبر:
"فرريدة، سيبك من الندب ده، وخليكي عارفة، ترنيم هي وبس اللي عايشة في قلبه، ومهما عملتي مش هتقدري تدخلي قلبه ويحبك حتى ربع الحب اللي بيحبه ليها، زي ما أنا متأكدة من اللي عندي، أنه مافيش غير ترنيم في قلبه، كأنها فيرس منتشر في الرجالة، بس قريب أوي هنهي بأيدي على الفيرس ده، وهطهر قلوبهم منها، وساعتها هتيجي تشكريني لما ميكونش فيه غيرك قصاد سلطان."
ظلت فريدة صامتة تتفكر في كلام مريم، ثم استجمعت قواها وسألت بتردد:
"طيب المفروض أعمل إيه دلوقتي؟"
أجابتها مريم بتوضيح:
"زي ما احنا، تنقلي اخبار سلطان ليا أول بأول، وملكيش دعوة بالباقي."
ردت فريدة عليها بصوت مختنق، كما لو كانت تعبر عن قلق عميق:
"ماشي، بس أهم حاجه، أوعي تأذي سلطان يا مريم."
ابتسمت مريم بشر، وكر الغضب كان في صوتها:
"متخافيش على حبيب القلب يا بنت خالتي."
ثم أغلقت الخط معها، غير متأكدة إن كانت مستعدة لما قد يحدث، كانت مريم تحس بنبض قلبها يتسارع، عازمة على السيطرة، حتى لو كلفها ذلك أكثر مما تتوقع.
وضع سلطان الجهاز أمامه على سطح المكتب، وأغلق عينيه بغضب، وشعرت كلماته وكأنها صادرة من عمق عواطفه:
"يا بنت ال...يا مريم، ده أنا هطلع روحك بأيديا دول، اصبري عليا بس."
كانت مشاعره تضطرم، وكان يعلم أن الأمور لن تنتهي هنا، فقد قرر أن يتحرك بسرعة، فالحب كان دافعه الأكبر، وحماية ترنيم واجب عليه حتى لو ذلك الأمر كلفه حياته.
*************************
جلست سمية على مقعدها بغضب، ونظرت إلى حسام الذي كان منهكًا من العمل ولم يعرها أي اهتمام، ظلت تتنفس بصوت مرتفع حتى شعرت بوقوفه إلى جانبها وكأنها تتحدث إلى جدار، تصاعد غضبها، مما دفعها للصراخ:
"أنا تعبت وزهقت من طريقتك دي يا حسام."
دون أن ينظر إليها، تكلم بهدوء حذر، بينما استمر في تركيزه على ما كان بيديه:
"صوتك ميعلاش يا سمية، ولمي الدور شوية."
استقامت بجسدها واكتسبت شجاعة مقتربة منه، وتحدثت بغضب قائلة:
"ولو ملمتش هتعمل إيه يا حسام؟ انت بقيت حاجة لا تطاق بصراحة."
لاحظت كيف أن عينيه كانت تلمعان تحت أضواء الغرفة الخافتة، وكأنهما تعكسان كل ما في قلبها من ألم وقلق، كان غضبها يتجلى في كل حركاتها ونظراتها، لكن في نفس الوقت، كان قلبها يئن بمرارة من فقدان اللحظات الجميلة بينهما.
أغلق عينيه حتى يتحكم في غضبه وضغط على أسنانه، متمتمًا:
"روحي شوفي شغلك واستهدي بالله يا بنت الناس، أنا ماسك أعصابي بالعافية."
كان صوته يحمل قسوة أكبر من الشدة التي أظهرها، مما جعلها تشعر وكأنها ترقص على حافة الهاوية بين مشاعر الحب والغضب.
دفعته بقوة، منزعجة، وقالت:
"بصلي هنا وأنا بتكلم معاك، مش شايفني هوا قدامك بتكلم."
كان ضغط مشاعرها كفيلًا بتفجير بركان من الأسئلة في داخلها؛ لماذا كان على ذلك الشاب الخجول الذي أحبته سنوات أن يتحول إلى شخص غريب عنها الآن؟
احمرت عيناه من شدة الغضب، ونظر إليها والشرار يتطاير من عينيه، قائلًا بصراخ: "انتي بتمدي إيدك عليا يا سمية؟ انتي اتجننتي ولا إيه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة من هيئته المخيفة، وتحدثت بتلعثم:
"أ أنا ممدتش إيدي عليك، على فكرة، أنا كنت بزوقك علشان تنتبه ليا وأنا بتكلم، وبعدين أنت الغلطان وكمان بتزعقلي."
أتت كلماتها كغصن شجرة يتحرك في مهب الريح، ظنًا منها أنها قد تكون بمثابة ترياق لمشاعره المتفجرة، لكنها كانت مجرد صدى في قلوبهم المتصدعة.
اقترب منها بهدوء محذر، وتحدث من بين أسنانه:
"أنا اللي غلطان! والله طيب، غلط في إيه قليلي يا ست الهوانم؟"
تراجعت إلى الخلف، وارتعشت شفتاها بتلعثم:
"م من ت، تاني يوم خطوبتنا ونزلنا الشغل، مهنش عليك تخرجني زي أي اتنين مخطوبين؟ كل حياتك شغل وبس، وأنا آخر همك، حتى من يومها متصلتش بيا ولا مرة، حاسة أني مغصوبة عليك يا حسام، ده مش منظر واحد وخدني عن حب سنين زي ما بتقول."
كان حبها له يتأرجح بين الألم والأمل، كقارب ضائع في بحر عاصف.
ظل يقترب منها ببطء شديد وتحدث بصوت هامس:
"إنتي عارفة أن أنا واحد عملي، حاجه مش جديدة عليكي ولا فاجئتك بكده، أما بقى أنا لبه مش بتصل بيكي من يوم الخطوبة، اعتقد إنك نسيتي اللي عملتيه اليوم ده، وعصبيتك اللي ما كانش ليها أي تلاتين لأزمة، ونكدي عليا في أهم يوم في حياتنا، انتي مش بتشوفي نفسك غلطانة أبدًا؟ على طول شايفة نفسك ضحية، وأنا اللي باجي عليكي، أنا لو مش عايزك محدش يقدر يجبرني عليكي علشان أخدك غصب يا سمية، يعني دبلتي اللي في إيدك دي بكامل إرادة، علشان زي ما قلتي انتي حب سنين وحلم كان نفسي أطوله، أنا بحبك يا بنت الناس، بس لو شايفة أن طريقتي معاكي مش عجباكي أو حاسة إنك اتسرعتي في موافقتك عليا، احنا فيها وفي أولها، شوفي انتي عايزة إيه، وأنا معاكي."
كانت كلماته تحمل ثقلًا زمنيًا، كأنهما يعيشان في دوامة من الأحلام والواقع الملموس في وقت واحد، لكن الأمل كان ضئيلًا في قلوبهم الجريحة.
ظلت تتراجع للخلف حتى اصطدم ظهرها بالحائط، والدموع تتساقط منها، وقالت:
"أنت كمان حب عمري كله، محبتش غيرك، عيشت معايا طفولتي ومراهقتي، ولحد دلوقتي عايش جوايا، بس فعلاً تجاهلك ليا بيقتلني يا حسام. أنا يوم الخطوبة أعصابي كانت تعبانه من الضغوط اللي بعيشها، كان حلمي أن يوم خطوبتنا يكون مميز وجميل، بس طبعًا ما فيش حاجة بنتمناها بتحصل زي ما عايزينها بالظبط، أنا عارفة إن الحياة مش وردي طول الوقت وزي ما فيه سعادة، فيه حزن، بس بقالنا فترة كبيرة أوي في الحزن، لما قلبي بقى مكسور من كل الأحداث دي، ما فيش غيرك منفذ لغضبي ولوجعي ولحزني، انت الوحيد اللي بحس معاه إني طبيعية كأني قاعدة مع نفسي، أنا نفسي تفهمني يا حسام، تحاول تغير من نفسك علشاني، تحاول تحتويني في وقت زي ده، مش تتعصب عليا وحياتنا تبقى عبارة عن حلبة مصارعة."
كان صوتها عذبًا، ولكنه يحمل في طياته أنين الجراح المستمرة التي تلوثت بها روابطهما.
اقترب منها حتى الالتصاق، وحرك يده ببطء على وجهها، نظر لها بعينيها، وتحدث بصوت هامس:
"أنا ممكن أعمل كده يا سمية، بس ده هيفتح سكة للشيطان، ربنا يعلم أنا بجاهد نفسي قد إيه وأنا معاكي علشان مشاعري متتحكمش فيا وأعمل حاجة تغضب ربنا وتعكر حياتنا اللي لسه مبدأناهاش، أنا بحبك، وأوقات كتير ببقى نفسي أضمك في حضني وأعمل حاجات كتير أوي معاكي، بس ده هياخدنا لسكه تانية أنا مش عايزها، أنا عايز أحافظ على الحدود دي علشان ربنا يبارك في حياتنا بعد كده، الاحتواء ده مش وقت الخطوبة يا سمية، الاحتواء الحقيقي بعد الجواز، لأن وقتها هيكون معايا كل الصلاحيات وبالحلال وأقدر أحتويكي بكل الطرق الممكنة والغير، أنا بلهي نفسي بالشغل طول ما أنا معاكي، علشان منجرفش وراه كلام شيطاني وعواطفي تتحكم فيا، أنا مش عارف أوصلها ليكي أزاي، بس أنا راجل، وشغال مع حبيبتي وخطيبتي وطول الوقت سوا. من الطبيعي هركز في شغلي أكتر، علشان لو ركزت ليكي مش هعرف أشوف أكل عيشي ولا أكون قد ثقة أخوكي اللي أداها ليا."
ابتلعت ريقها بتوتر، وتحدثت بصعوبة:
"ب، بس برضه ده مش سبب لعصبيتك عليا كل شوية وتجاهلك ليا طول الوقت، أنا فاهمة قصدك، بس برضه مكانش هيحصل حاجة لو خرجتني شوية زي اي اتنين مخطوبين، ولا لما تلاقيني مضايقة، تحتويني بكلامك، مش بحاجة تانية، حسسني بوجودك جنبي في أصعب أوقاتي. هو ده قصدي يا حسام."
كانت هذه اللحظات تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرتهم على فهم بعضهم البعض والأهم، مدى رغبتهم في التغلب على الصعوبات معًا.
تعالت أنفاسه من قربها، ونظر إليها بحب، وتحدث بصوت هامس:
"ممكن أكون غشيم شوية في المواضيع دي، بس بحاول أتعلم."
لحظت اقتراب حسام القاتل منها، تكلمت بتلعثم:
"ح، حسام، ابعد."
لكن الأمر لم يكن سهلاً، فقد كان الصوت الذي يحذرها من الضعف يتنازع مع نور مشاعرها المتوهجة.
أغلق عينيه حتى لا ينجرف خلف إثارة مشاعره، ابتعد سريعًا، وتحدث بتلعثم:
"أ أنا هخرج أشم شوية هوا بره، واجيب حاجة أشربها، أجبلك معايا حاجة؟"
تنحنحت بخجل، وحركت رأسها بالرفض، قائلة:
"ل، لا مش عايزة."
خرج حسام سريعًا، وأغلق الباب خلفه، متحدثًا بلوم:
"اهدا يا حسام، بلاش تطاوع شيطانك علشان ربنا يبارك لينا في جوازتنا، اتحكم في مشاعرك أكتر من كده."
أنهى كلامه، وتحرك سريعًا إلى الكافتيريا، وضعت سمية يدها على قلبها حتى يهدأ قليلاً من قرب حسام لها، وارتسمت ابتسامة على ثغرها وهي تتذكر كلماته لها، كانت تلك الابتسامة تشع بالأمل رغم كل الصعوبات، وكأنها تقول له، حتى في أشد اللحظات عتمة، يمكن أن نعيد بناء ما تم تهديده بشيء من الحب والصدق.
***************************
جلست ترنيم في الحديقة المرافقة للفيلا، عينيها تتابعان الأفق المليء بألوان الغروب الدافئة، بينما كانت أفكارها تبحر في أمواج الضغوطات التي اجتاحت حياتها في الآونة الأخيرة، كانت تخيل نفسها تسير في ذلك الأفق، حيث تودع كل همومها وقلقها. تسربت دمعه من عينيها، لكنها شعرت بيد حانية تمسحها بلطف، ما منحها شعورًا بالراحة وسط كل هذه الفوضى، انتفضت في مكانها، ورفعت نظرها إلى الأعلى، لتجد إبراهيم، الذي جلس بجوارها مبتسمًا، وسأل برفق:
"الجميل بيعيط ليه؟"
ابتسمت له بحزن، قائلة:
"وحشتني اوي يا عمو إبراهيم."
كانت تلك الكلمات تنبع من قلبها، فإبراهيم كان دائمًا مرساها في الأوقات الصعبة بالاوان الاخيرة، نظراته المعبرة تخللت قلبها كأشعة الشمس التي تتسلل بين أوراق الشجر، فقال:
"وانتي اكتر يا قلب عمك إبراهيم، ها، قوليلي بقى، مين زعل القمر بتاعي؟ أوعي تقولي الولا غريب."
تهادت مشاعر الحزن في داخلها، ولكن لم تستطع إخفاء بعض الضحكات التي تعمدت أن تنفجر من بالها كطريقة للهروب من الواقع.
تنهدت بحرقة، وكأن الآلام تجسدت في صوتها المختنق:
"الدنيا كلها مزعلاني يا عمو إبراهيم."
كأنها كانت تحمل هموم العالم على عاتقها، نظر إبراهيم إليها بالعطف، وأحس بالفرصة لتهوين الأجواء، فقال مازحًا:
"ولا تزعلي، اهد الدنيا كلها علشان زعلتك."
كأنه يرغب في أن يلقي بأعبائها بعيدًا، لتستعيد قوة تلك الابتسامة التي سبق وأن أضاءت وجهها، ابتسمت له رغم حزنها، وردت:
"لا، وعلى أيه، مش مستغنية عنك، الطيب أحسن، المهم، قولي، كنت فين اليومين اللي فاتوا دول يا شقي."
كانت تعرف أن التخفيف من حدة المحادثة قد يمنحها لحظات من النسيان.
أرجع ظهره للخلف، وهو يضحك ساخرا: "بجدد شبابي اللي راح وعجزت."
كانت نبرة صوته تجعلها تشعر براحة، كما لو كانت داخل حفلة صغيرة من المرح، ردت عليه بالمزاح نفسه:
"فشر ده، انت لسه شباب وزي القمر كمان، أنا لو شفتك قبل غريب، مكنتش هحلك، كنت اتجوزتك وش."
تعرف أنها كانت تمزح، لكن كان هناك شيء أعمق في كلماتها، شيء يعبر عن الألفة والعاطفة، في تلك اللحظة، سمعوا صوت غريب يقول بضيق مزيف:
"والله! طيب فكري بس تبصي لغيري، وأنا أخزقلك عيونك الاتنين يا حبيبتي."
نظرت له بتحدٍ، وردت:
"والله وأشمعنا انت يا جوز الاتنين؟"
كانت تستمتع بلعبة الكلمات والتحدي، مع شعور قوي بأنها قادرة على مواجهة أي شيء، جلس بجوارها، منخفضًا بصوته:
"ما قلتلك، اللي فيها، وإن مافيش في قلبي غيرك."
كانت تلك الكلمات بمثابة وعد، وكأنها تعيد لها الأمل، لكن لم تصح إلا استفسارات إبراهيم المستغربة، حيث نظر إليهم باستغراب، ووجه تساؤلاته:
"ايه موضوع جوز الاتنين ده؟"
في تلك الأثناء، دخلت مريم تقول:
"ايه ده، احنا عندنا ضيوف ولا ايه؟"
كان صوتها مزيجًا من الفضول والاندهاش، لكنها كانت متخبئة خلف قناع من المرح، نظر إبراهيم إليها بدهشة، إذ كانت المتغيرات من حولهم تتسارع بسرعة، ثم استدار إلى غريب وترنيم، وحرك رأسه دون فهم، كأنه يحاول فك شفرة اجتماعية غير مفهومة، ردت ترنيم بخفة دم:
"الزوجة التانية ابنك، دنجوان عصره بقى جوز الاتنين."
ضحكات إبراهيم ارتفعت بشكل طبيعي على كلماتها، وكأنها كانت إحدى النكات المفضلة لديه، فقال:
"حلوة دنجوان عصره دي، وده حصل امتى وازاي؟"
جلست مريم بجوار إبراهيم، قائلة بطريقة تجمع بين المراوغة والكياسة:
"أنت حمايا بقى، نورت يا عمو."
ابتسم لها بعدم إرتياح، وكأن روح المرح بدأت تتلاشى قليلًا في الخفاء، فرد قائلاً:
"بنورك يا حبيبتي."
ثم نظر إلى غريب، قائلاً بجدية مرتقبة:
"غريب، تعالى، عايزك."
أومأ غريب برأسه موافقًا، واستقام ليتجه إلى الداخل مع والده، في حين كانت مريم تراقب كل شيء بعينيها الهاربتين، تشتعل داخليًا بالفضول تجاه ما يمكن أن يسفر عنه الحوار.
نظرت مريم إلى ترنيم بتحد واضح، وسألت بطريقة استفزازية:
"هو انتي شعورك بيبقى ايه لما الرجالة بتسيبك وتروح لغيرك؟"
كلماتها كانت كالرصاص، تسعى لإصابة هدفها في الصميم، ابتسمت لها ترنيم، وردت بهدوء واثق:
"بحس بالانتصار، لأنكم بتاخدوا البواقي مني، يعني بتكونوا مجرد بديل ليا، شبيه ليس إلا، لكن أنا هفضل الأصل عندهم، احط رجل على رجل، وبإشارة واحدة مني، يكونوا تحت رجلي."
في تلك العبارة، كان ثمة شعور بالتحكم والامتياز، وكأنها كانت تملك سلاحًا سريًا يضمن لها دائمًا مراكز الصدارة.
ابتسمت مريم بتهكم، وواصلت استفزازها:
"أمم...دي حلاوة روح مش أكتر، معذورة برضه، حبيب عمرك ضحك عليكي وطلع في الآخر متجوز وعنده بنت، والتاني يدوب اتجوزك كام شهر ورجع اتجوز عليكي."
كانت تستمتع برقصة الكلمات، وهي تحاول ردع ثقة ترنيم.
"وأمك ماتت بقهرتها لما جبتي ليهم العار، واترميتي في حضن عشيقك في المستشفى."
كانت تعتقد أنها قد لجأت إلى الحدود الأخيرة من المواجهة، إلا أن ترنيم، بابتسامة غامضة، نظرت لمريم كما لو أنها تجهل معنى الهزيمة، وبدأت تتلمس خططها المستقبلية في أذهانهم، كانت المواجهة قد تحولت إلى حلبة مصارعة غير مرئية، حيث لم يكن الانتصار له معنى، وإنما مجرد اللعبة ذاتها.
ظلت ترنيم محتفظة بابتسامتها، لكن في لحظة واحدة، ومع تجسد الغضب في عينيها، انقضت على مريم، قبضت بيدها القوية على عنقها، وأحست بنبضات قلبها تتسارع وهي تتحدث من بين أسنانها بصوت مهدد يخترق أجواء الغرفة:
"سيرة أمي هتيجي على لسانك تاني، هقطعهولك، بلاش تخليني أوريكي شغل الحواري اللي بجد، واعتقد انتي جربتيني قبل كده، لما كنتي بتلعبي على سلطان." كان بها شعور جارف من الغضب والحنق، وكأن كل كلمة متفجرة من داخلها كانت تهدف إلى ربط مريم بسلسلة من العواقب، ومضت تكمل بوعيد شديد:
"اقسم بالله، لو فكرتي تغلطي فيا أو في حد من أهلي، لكون شاربة من دمك، ومطلعة روحك بأيديا دول، فاهمة؟"
كانت هذه الكلمات تتسلل من بين شفتيها كأفعى سامة، تحمل تهديدا واضحًا لا يمكن تجاهله.
دفعتها مريم بعيدًا بغضب، ممسكة بشعرها بقوة وكأنها تمسك بذكرياتها المؤلمة، وهددت بحرارة:
"لا، فؤقي، مش كل الطير اللي يتاكل لحمة. أنا مش فريدة، أنا ممكن أدفنك مكانك، ومحدش يعرف ليكي طريق، خافي على نفسك مني، يا قطة."
فصاحت هذه الكلمات بحرارة، شديدة النفوذ، كأنها تعلن فيه انعدام الرحمة، وقد دفعت ترنيم يدها بعيدًا عنها، تهدد بنبرة استعلائية:
"خافي انتي على نفسك مني يا حلوة، والعبرة باللي هيضحك في الآخر."
كان في نبرتها قسوة تحذيرية، تدل على أن التفاهة لن تعود لها بالنفع، وأنها لن تتعامل مع هذه الأمور على أنها مجرد لعبة.
أنهت كلامها واندفعت نحو الداخل، صاعدة إلى غرفتها كمن شرع في تنفيذ خطة انتقام معقدة، نظرت مريم إلى أثرها بغضب، واستقامت بجسدها، متوجهة إلى الأعلى، وهي تتوعد بالانتقام من ترنيم، وتشعر في أعماقها بأن المعركة لم تنته بعد، بل إن الأوضاع قد بدأت للتو تقسيماتها، وكانت تحضر لخطتها بعناية، كصياد ماهر ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على فريسته.
**************************
بالمساء...
اجتمع سلطان وغريب وإبراهيم ومعهم ترنيم داخل الكوخ الخاص بإبراهيم، حيث كانت الأجواء ملبدة بالقلق والتوتر، نظر إبراهيم إلى النوافذ المحاطة بأشجار الكوخ الكثيفة وكأنها ستمنع من دخول أي شخص يغضبه من الخارج، نظر إلى غريب في حيرة وارتباك، وسأله بصوت منخفض محمل بالقلق:
"الصبح مرضتش تتكلم وقولتلي لما نكون في مكان تاني غير الفيلا وادينا اهو بعيد، ممكن تفهمني ايه موضوع مريم ده؟"
كان صوته يحمل نغمة تشي بالحيرة، كمن يخشى أن يعكر صفو هذه اللحظة التي تسبق العاصفة.
رد غريب بصوت مختنق، وكأن الأعباء الثقيلة على صدره تعيق تنفسه، وبدأت ملامح وجهه تعكس الصراع الداخلي الذي يعاني منه:
"دي تبقى العصابه يا بابا اللي قولتلك عليها قبل كده، هما والدكتور عصام، اتجوزتها علشان عايزة تأذي ترنيم وبعتت واحدة تقتلها فعلاً، لحقتها على آخر لحظة، ومنهم كمان مرات سلطان، اللي هو ابن خالة ترنيم، أنا وهو عملنا خطة علشان نوقعهم كلهم. ومن ضمن الخطة دي، أنا اتجوز مريم وهو يراقب مراته كويس أوي."
بدا غريب وكأنه يحمل عبءًا أكبر من طاقته.
نظرت ترنيم إلى سلطان بوجع وحزن، وكأنها تراه في ضوء جديد كلياً، ثم اتجهت بعيونها نحو غريب، ملؤها الأمل حتى وسط الظلام:
"أنا نفسي أمشي من هنا خالص، نفسي أبدأ حياة نضيفة بعيد عن العك ده كله."
أمسك غريب بيدها برفق، رافعًا عينيه إليها بحنان، وكأنما يحاول بث الطمأنينة في قلبها:
"هنمشي بس بعد ما نخلص منهم كلهم. هخدك بعيد وهنبدأ حياة جديدة مفيهاش غير سعادة وبس."
ولكن خلف كلمات الهدنة، كان هناك تصاعد مستمر للتوتر بين الجنسين في هذه الخطة المتشابكة.
أغلق سلطان عينيه بغضب وضغط على أسنانه بقلق، بينما كان يواجه تفكيره الخاص عن المخاطر المقبلة، التقت عيون ترنيم بعينيه، ورأت غيظه الواضح، فابتسمت ثم نظرت إلى إبراهيم قائلة:
"ما تيجي نهرب أنا وأنت يا عمو وفكك من الاتنين دول."
تعالت ضحكات إبراهيم وهو يضحك بارتياح متفاوت، وقال:
"وأنا موافق من دلوقتي."
لكن كانت النكات تتلاشى في أفق التوتر، وكأن عذوبة السعادة غير كافية لتبديد الغيوم الداكنة التي تتجمع حولهم.
لكن سلطان لم يستطع كبح مشاعره، فقد ضغط على أسنانه وقال بنبرة أكثر حدة:
"هو احنا جاين نقضيها هزار ولا ايه؟ ما تخلونا في اللي احنا متجمعين علشانه."
كان صوته يرتفع، معبرًا عن استيائه من مزاحهم، نظر غريب إليه بتعقل، كأنه يحاول ضبط إيقاع الاجتماع، وتحدث بهدوء حذر:
"هدي أعصابك يا وحش، احنا مش في الحارة هنا، تقعد بأدبك وتتكلم بصوت واطي."
كانت الكلمات تحمل وزناً ثقيلاً، مما جعل الجميع يشتد انتباههم إلى ما سيحدث في اللحظات القادمة.
رد سلطان بغضب، وهو يرفع صوته إلى حدٍ يكشف عن توتره المتصاعد:
"مش انت اللي هتقولي أتكلم ازاي واعمل ايه."
كانت تلك الكلمات كالسهم، حيث شاحت ترنيم بنظرها نحوهم، وعقدت ذراعيها على صدرها بعصبية، وضعت قدمًا فوق الأخرى لتعبر عن استيائها، في لحظة من الهدوء الدرامي، قالت:
"حلو شغل العيال ده، بجد، مهما تقولوا انكم هتتفقوا مع بعض، هتفضلوا كده أطفال في حضانة."
ابتسم إبراهيم على كلماتها، وكان واضحًا أنه يقدر روحها القوية، وقال:
"يسلم لسان بنوتي القمر."
أعاد الإبتسامة إلى الأجواء المتوترة لكنها لم تكن كافية لتخفيف التوتر الحاد المحيط بهم.
زفر غريب بغضب، تتملكه مشاعر الإحباط، ورد قائلًا:
"ما تهدا أنت كمان يا عم، هو فيه ايه؟"
استقامت ترنيم بجسدها، وصارت تعبر عن جديتها أكثر، فقالت بنبرة جادة توحي بمدى عمق تفكيرها:
"من الاخر كده، غريب عليه مريم ورجب، وسلطان عليه فريدة، وأنا عليا دكتور عصام وبنته."
نظر غريب إليها بتساؤل، محاولاً فهم أبعاد ما تقوله: "وتامر؟" حركت رأسها بالرفض بنذر من الحزن، قائلة:
"محدش يأذي تامر، اللي مأثر عليه ابوه، إنما هو طيب وغلبان والله، ومتأكدة أني مش ههون عليه."
وقف سلطان مغتاظًا، منتفضًا بغضب:
"إنتي مين قالك انك هتشاركي معانا؟ انتي هتفضلي في الأمان وبس، مش هقبل انك تعرضي نفسك للخطر يا ترنيم."
كان صوته مليئًا بالعاطفة الجياشة، حيث كان يحاول حمايتها من العالم الخارجي المليء بالمخاطر، عقدت ساعديها على صدرها، ووجهت إليه نظرة غاضبة، وكأنها ترفض الاعتراف بأنه يمكنه التحكم في خياراتها:
"وانت ايه دخلك اصلا في الموضوع إذا كان جوزي نفسه موافق."
بينما رد سلطان بصوت غاضب، مفعماً بالعزيمة:
"ماليش دعوة بحد، أنا مستحيل اسمح انك تعرضي نفسك للخطر."
وقف غريب خلف ترنيم، ونظر إلى سلطان بتحدٍ، وكان واضحًا أنه لن يتراجع عن موقفه، وقال:
"وانا جوزها وبقولك ترنيم هتعمل اللي هي عايزاه، وأنا هعرف احميها بطريقتي."
كانت تلك الكلمات فرصة لإظهار قوته كزوج، ووقوفه في صف شريكة حياته. اقترب سلطان منه، عابسًا، ونظر له بتحذير:
"بلاش احسن ما أزعلك."
لكن غريب لم يتراجع بل اقترب منه أكثر، وكأنه يريد تحدي قواه:
"لا، أنا عايزك تزعلني، وريني هتزعلني ازاي."
كل واحد منهما يسعى لإثبات قوته على الآخر، وكأن التوتر بينهما ينمو كالنار في الهشيم.
أمسكه سلطان من ملابسه بشدة، وعبوس الغضب يسيطر على وجهه، وقال بصوت مرتفع:
"بلاش تستفزني!"
شعرت الأجواء بالتوتر المتصاعد، إذ رد غريب بالمثل، ممسكًا من هدومه بقوة، عينيه تلمعان بتحدٍ، وقال:
"وريني هتعمل ايه، هات اخرك."
كانت كلمات غريب بمثابة الشرارة التي أطلقت العنان لموجة من التوتر، وكل منهما يعتقد أنه بإمكانه فرض هيمنته على الآخر.
تدخلت ترنيم بسرعة، محاولة وقف تصاعد التوتر بين الرجال، وقد اجتمع الغضب والقلق في عينيها، نظرت لهم بغضب، قائلة بصوت عالٍ:
"لا، واضح فعلا انكم اتحدوا علشان حمايتي، انتوا اتحدوا علشان تجلطوني." كان صوتها يعبر عن إستياءها من تصرفاتهما الطفولية، وارتباكها من تصرفاتهم التي بدت وكأنها تتجاوز الحدود.
كل ذلك كان تحت نظرات إبراهيم الثاقبة، الذي كان يتابع المشهد بصمت مطبق، ولكن الآن حان وقت تدخله، أخيرًا، تحدث قائلاً بحزم وهدوء:
"أقعدوا." نظر سلطان إلى غريب بغضب، ثم تجنب الجدال، جلس في المقعد بقلق وعدم ارتياح، كأنما ينتظر العقوبة، ضغط غريب على أسنانه بغضب، وكأنه يحاول السيطرة على انفعالاته، وجلس على الأريكة، مجبرًا ترنيم على الجلوس بجواره، غير مستعد للتخلي عن الصراع.
نظر إبراهيم إلى الثلاثة، وكأن شعاع الضوء يتخلل كثافة المشاحنات، ثم تحدث بنبرة حكيمة:
"أنا هقولكم تعملوا ايه، واللي هقوله هيتنفذ بالحرف، فاااهمين؟"
نظروا الثلاثة إلى بعضهم البعض، مع تصاعد الإدراك بأن هذا هو الوقت المناسب للحفاظ على سلامتهم، ثم أومأوا برؤوسهم موافقين على كلامه، وبدأ إبراهيم يملي عليهم خطة مفصلة، كانت بمثابة طوق نجاة يسمح للجميع بالابتعاد عن فوضى العواطف، والعمل معًا بدلاً من الصراع على الحماية.
****************************
بعد عدة أيام، استيقظت ترنيم من نومها ليلاً، تتقلب في فراشها بينما شعور الألم يثقل بطنها، فكان هذا الألم وكأنه شبح يلتف حولها أثناء نومها، يجرها ببطء نحو دوامة من الذكريات المؤلمة، نظرت بجوارها لتبحث عن غريب، لكنه لم يكن موجوداً في الغرفة، نهضت بصعوبة وسارت نحو الباب لتذهب إلى المطبخ لتعد لنفسها مشروباً ساخناً يخفف من حدة الألم، وهي تأمل أن يكون الشاي الساخن كفيلًا بإشعال بعض الدفء في قلبها، هبطت بخطوات متثاقلة على الدرج، وعندما وصلت إلى المطبخ، توقفت فجأة، مشدوهة ومنزعجة، فوجدت غريب يقبل مريم في وضع حميم جعلها تشعر بالغثيان، كانت تلك اللحظة كضوء ساطع اخترق عتمة خيالها، كجرح عميق يفتح من جديد، اندلعت الدموع من عينيها وكأنها نهراً يصب من قلب مكسور دون أن تستطيع السيطرة على نفسها، وشعرت باندفاع قوي نحو المرحاض، حيث كانت كل الأفكار السلبية تطغى على عقلها.
شعر غريب ومريم بوجودها، وكأنهما اجتازا حدود الواقع إلى عالم آخر حيث ترنيم ليست سوى خيال، ابتعد غريب بسرعه، وتبعها إلى المرحاض، وطرق الباب بصوت مهزوز وكلمات ملؤها القلق:
"ترنيم، ردي عليا، انتي كويسه؟"
كان صوته كشتاء بارد يخترق جدران الصمت، لكنه لم يستطع الوصول إلى قلبها المتألم.
ظلت تتقيأ في الداخل، وخرج صوتها مزعزعا بالدموع كأنها تعبر عن كل الألم الذي تعرضت له:
"روح يا غريب، ليها، بس ياريت الحاجة دي تحصل في اوضتكم، بلاش قرف."
كانت كلماتها محملة بوجع تفوق طاقتها على الاحتمال، وكأنها تطلب منه الرحيل إلى عالمه الجديد بعيدًا عنها.
حرك غريب يده على شعره بقلق، كأنما يبحث عن إجابة وسط الفوضى التي أحدثها في حياتها، وتكلم بتوتر:
"طيب اطلعي وانا هفهمك، علشان خاطري افتحي الباب ده."
في صوته، كان هناك نبرة من الخوف، ليس فقط من فقدانها، بل مما يمكن أن تحمله تلك اللحظة من اعترافات لم يكن مستعدًا لها بعد.
فتحت الباب وهي تشعر بدوار شديد، حركت رأسها ببطء حتى تعيد ترتيب أفكارها المتناثرة، كانت المؤشرات تدل على أن موقفها لم يكن سهلاً، لكنها أرادت أن تتماسك أمام غريب، المتشبث بحضورها، بلغة مختنقة وصوت متهدج، أتت كلماتها: "عايز ايه يا غريب، سيبت اللي في إيدك وجيت ورايا ليه؟"
أمسك غريب بيدها برفق، لكن لم يكن هناك رفق في حديثه الذي جاء بصوت متقطع، كأن الكلمات تكاد تعجز عن الخروج:
"ترنيم، صدقيني، معرفش ده حصل ازاي، أنا كنت عطشان، نزلت اشرب، ولقيت عصير، حطيت كوبايه وشربتها، وفجأة لاقيتها قصادي، معرفش ايه حصلي."
كان يعبر عن ارتباكه وكأن كل كلمة ينطق بها تحمل الصدمة التي تسيطر عليه.
أغلقت ترنيم عينيها بألم، كأنها تحاول طرد الصور المتشابكة التي كانت تتبادر إلى ذهنها، كانت تلك اللحظة ثقيلة على قلبها، فقررت محاربة تلك المشاعر الموجعة، بصوت مختنق، بدت كأنها تخاطب ذاتها أكثر مما تخاطب غريب:
"أنا مليش دعوة باللي بيحصل ما بينكم، انتوا حرين، بس ياريت تحترموا نفسكم ويكون الكلام ده في أوضتكم، عيب أوي المنظر اللي أنا شوفته ده."
كانت تلك الكلمات بمثابة صرخة شبه مكبوتة، مختزلة كل الخيبات والآلام التي شعرت بها في تلك اللحظة.
حرك غريب رأسه بالنفي، معبراً عن استنكاره ووجهه مأخوذ بتعبير اليقين:
"صدقيني يا ترنيم، أنا مستحيل أعمل كده مع غيرك، جسمي مش بيتقبل لمسة حد غيرك، معرفش ده حصل ازاي."
كان يتحدث وكأنما يحاول إقناعها بأن ما حدث لم يكن سوى نتيجة ظرف غريب، وفتحت كلماته عوالم من الشكوك والآمال المتقلبة في قلبها.
بدأت تتأرجح بشدة، كما لو كانت تحاول التمسك بواقع لم يعد لها، أمسكت رأسها بقوة وكأنما تحاول إعادة توازنها، وقالت بحسرة:
"اسكت يا غريب، كفاية كدب، أرجوك."
كانت تلك الكلمات بمثابة نداء أخير
أنهت كلامها وسقطت فاقدة للوعي في أحضان غريب، حيث أخذت الأفكار تتلاشى عنها وتترك عالماً مظلماً من المشاعر.
اتسعت عينا غريب بصدمة، وفي تلك اللحظة، بدأت يداه ترتعشان وهو يربت على وجهها بقلق، منادياً:
"ترنيم، ترنيم، ردي عليا."
كان قلبه يعتصر من الخوف والقلق، عما حدث أو عما ينتظرهم في الأيام القادمة.
حملها بين ذراعيه، صاعداً بها إلى غرفتها تحت نظرات مريم الشريرة، التي ارتسمت على وجهها ابتسامة انتصار، كانت تمثل فصلاً مراً من المشاعر المتجذرة في تحول حياتهم، وكأنها تستلذ بمشاهد التفكك التي تحيط بهم، أخذت ملابسها المبعثرة من على الأرض وصعدت بها إلى غرفتها، وكأنها اختارت أن تتوارى عن الأنظار، تاركة وراءها ما تعتبر علامات ضعفها.
طلب غريب الطبيب، وبعد وقتٍ قصير وصل إليهم، وبدأ بفحص ترنيم الغائبة عن الوعي، بدت علامات القلق مرسومة على وجه الطبيب، وعيناه تتأملان حالتها بأقصى درجات الحرص، وبعد فترة من الفحص، نظر إلى غريب قائلاً...
