رواية احفاد الثعلب الفصل الثاني والثلاثون
خرجت جملتها دفعة واحدة أراحت بها ضيق صدرها ... إلا انها شاهدت غيث وجهه الذي ظهر
عقب جملتها... فهتفت سريعاً بارتباك وهي تشيح براحة يدها في الهواء بلامبالاة :
- أتعلم - سأقول لهم بأنك مشغول في عملك ... لا عليك !!
استدارت تهرب من أمامه في الحال قبل أن ينفجر بها بالتأكيد ... مؤتيه ذاتها على جرائتها تلك ....
إلى أن تسمرت قدميها عقب جملته الهادئة :
انتظري ... فأنا لم أعترض بعد !!
فقرة فاهها باندهاش فاستدارت لوجهته تهتف ببلاها واضحة :
رفع حاجبيه بتعجب اثناء قوله البارد :
أتصلي بهم !!
تجرعت ما في حنجرتها ببطئ .. غير مصدقه ما تسمعه أذنها هل ... هل القاسي وافق بالفعل..... " يا الهي "
هو نفسه لم يعلم لما وافق على محادثة ناس غرباء عنه .. قد يكون لم يريد أن يرفض لها رغبة كرد تجميلها بالعناية به ... أو قد يكون لشئ بداخله يدفعه لتنفيذ كلام العجوز بأعطائها فرصة وبأنها ليست كغيرها ممن قابلهم من النساء !!
هو لا يعلم !! ....
لا هو يعلم !!
نعم يعلم فهي تلك المشاعر التي تقضي على قوة الروح ليصبح أسيرها بين غمضة عين !!
يا الهي !! لابد أن ينزع تلك المشاعر الغريبة المضطربة بداخله بسكين حاد ... فهو ليس بعاشق متيم مثل الكثير من الشباب بل هو غيرهم تماما حيث يحمل على عاتقه منذ طفولته بمسئولية كبرى و لديه في الأيام القادمة إنتقام هام ... وهو لا يريد أن يقحمها معه في أمر لا ذنب لها به .
ولكن لا أراده له في ذلك الشعور اللعين !! حقا لا اراده له !!
خرج من شروده على محاولاتها المتكررة لجلب صورتهما هما الاثنان معاً أمام كاميرا هاتفها . ولكن لبعد المسافة بينهما لن تأتي الصورة كما يجب ... وذلك لجلوسها في نهاية الطرف الآخر من الاريكة التي يجلس عليها ...
ابتسم بابتسامه تهكمية أثناء فهمه لغرضها الظاهر له .. فهي تريد أخراج صورة بها بعض الحميمة بينهما أمام عائلتها دون أن تطلب منه ذلك بصفة مباشرة ... وفي ذات الوقت تحافظ علي بعد المسافة بينهم ...
حقاً هي مختلفة أيها العجوز ا
عقب جملته الذاتية خرجت منه كلماته بابتسامة هادئة :
ذلك الحاسوب يستطيع جلب الصورة كاملة من نفس مكاننا !!
لخجلت بشدة وتجمع الدماء في وجهها من شدة الأحراج ، فيبدوا لها بأنه أكتشف ما تفكر به .... تطلعت باستحياء الحاسوبه الموضوع على الطاولة أمامهم ... لتتفاجأ به يتحرك ببطء لتشغيله بذراعه المعافى مع أخذ الحيطة والحذر الجرح ذراعه الآخر ... قائلا بهدوء وهو ينظر لها :
أعطيني حسابهم للمواصلة عليه ...
مدت يدها المرتجفة من وسط ذهولها من تصرفاته العجيبة .. فهي لا تصدق و تخاف أن تصدق التفوق من غفوتها على حالته القديمة بقسوتها المتحجرة مرة أخرى ... لهذا لا أمان له حتى الآن من جانبها ...
فتح الاتصال وشاهدت والدتها وشقيقتها ندي بغطاء وجهها وبجوارهما شقيقتها رضوى ....
فهتفت على الفور بروح طفلة تشتاق لأسرتها :
ماما .. لدي وحشتوني جدا جدا ... رمضان مبارك ومتعرفوش أنا قد ايه سعيدة بالمكالمة دي ...
فهتفت والدتها بشغف حاني :
كل عام وانت بخير يا حبيبة قلبي وانت وحشتينا أكثر ... ونفسنا نشوفك قدامنا الثانية دي قبل الثانية اللي بعدها ...
تسربت إبتسامة على شفتاه أثناء تفحص حالتها الطفولية ... متخيلا هيئتها الباسمة أسفل ذلك الشئ نتيجة لضحكات عيونها الظاهرة اسفله ...
!!" علي" .. " على" -
اتسعت ابتسامته عندما أفتحم صوتها شروده وهي تهتف بأسمة بتلك الصورة التي يشتاق إليها كثيراً منذ موت أبيه ...
إلا أن النداء أتاه ثانيا .. فأنتفض من شروده على واقعه المحيط بأرتباك لم يعهده مطلقاً من قبل
رفع راحة يده يمسح بها مؤخرة رأسه بإحراج شديد ... محدثاً ذاته بابتسامة ساخرة " ويل لكي
أيتها الساحرة الصغيرة " .. فأجاب ندائها بعفوية :
- نعم " أنا " ..
لولا مكالمة الفيديو لكانت انطلقت في ضحكات متواصلة على طريقة لفظ اسمها الجديدة من لمه .. والتي تسمعها منه لاول مرة ... حتى انها كادت تجزم بأنه لا يعرف اسمها من الاساس !!
اعادت ضبط هيئتها الساخرة الذاتية وهي تهتف بشاشة وجه له لكي تلفت ذهنه للمكالمة : والدتي ترسل لك التحية ...
" يا الهي لقد نسيت أمر الاتصال " حدث بها نفسه بتوتر بالغ فالتفت براسه باتجاه الحاسوب بعد أن تحركت باتجاة " هنا " دون وعي منه .. قائلاً بارتباك :
مرحبا سيدتي .. ممكن لسؤالك الكريم ....
قبل أن تترجم " هنا " لوالدتها ما تحدث به بالأنجليزية هتفت هي بذهول شديد ظهر علي
ملامحها حين التفت " على " بكامل وجهه لها في شاشة الحاسوب :
ملى معقول ... من معقول ده كله جده وجلال الله يرحمهم !!
تطلع لها باستغراب من لغتهم تلك وعدم فهمه لحملتها .. فنظر لهنا يستقيت بها قائلاً بعدد إستيعاب : ماذا ؟!!
فأجابته بتردد يصاحبه الأرتباك :
تقول بأنك تشبه جدي كثيرا ووالدك !
أستمتع بكلام والدتها كثيراً ... فهتف على الفور بفضول :
حقا .. وماذا أيضا ١١٢
اندهشت " هنا " من حالته .. فهل هذا حقا الصامت القاسي ... أم ذلك الجرح أثر به ... أدركت حالها سريعا قائلة بتوتر :
لا شئ !!
فقالت ندي على الفور باللغة الأجنبية بفكاهتها المعهودة لكي تثأر من شقيقتها وفعلها في زفافها
وبتقول كمان يا بركة دعائك يا هنا .. دعائك اتحقق واتجوزتي واحد شبه جدك زي ما كنتي عوزة بالظبط !!
تريد الان ان تنشق الارض وتبلغها من شدة الأحراج ، انكمشت على نفسها داخل عبائتها ...
ووضعت راحة يدها علي ثغرها من فوق النقاب تكتم حنقها الشديد من طول لسان شقيقتها
متمتمه بخفوت شديد من بين ضغط أسنانها :
الله يخربيت يا ندي ... اتفضحت واللي كان كان 11
عقب جملة ندا تطلع لها باندهاش ... نظرات في باطنها لمعه خفيه .. فأن كان ولد شئ بداخله منذ فترة فعند تلك الجملة بالذات ذلك الشئ كبر وبدا ينتشر بتوغل داخل قلبه ... لتعلوا دقاته دون
سابق إنذار من نوعه طوال حياته ...
أخرجته رضوى من شروده وهي تهتف ببشاشة بلغته :
- مرحبا " على " معك الطبيبة رضوى أبنة عمك ... كيف حال يجرحك اليوم !!
أبعد نظراته بصعوبه بعد أن أصبح لا يريد أن يبعدها عنها نهائيا بعد اليوم .. متجرع حنجرته
الرجولية ببطئ شديد وهو يهتف لرضوى بتركيز :
مرحبا رضوي ... أنت إذا .. ممتين لكي كثيرا لإنقاذي ...
شرومان سماها54
فأقتحم صوت ندا الفكاهي حوارهما على غفلة باللغة العربية :
لا حضرتك متشكرهاش ... هو حد يطول مزة كده ومتعلجوش ... ده حتي غلط علي القولون
المصري .. يووووه قصدي علي العصبي يا جدعان متفهمولیش صح ||
انطلقوا جميعا دون استثناء في ضحكات مسترسلة دون انقطاع إلا هو الوحيد الذي يجهل ما تفوهت به ... فالتفت ل " هنا " يستفسر منها .. فاندهش بتعجب من حالتها السعيدة وصوت ضحكتها الاعذب ... إجتاحته رغبة قويه تجبره بمد يده لإزاحت ذلك العازل الغليظ عن وجهها حتى يشاهد ابتسامتها بتمعن شديد قد يكون أقرب إلى التصوير البطئ !!
مندهشا من نفسه بأن طول المدة الماضية لم يأتيه تلك الرغبة الرؤية وجهها الا الآن .. !!
من وسط ضحكاتها تطلعت مصادفا له لتشاهد ترقيه الهادي لها ... فتلاشت ضحكاتها تماماً ... والتفت الشاشة الحاسوب تتوارى بخجلها خلف محادثة عائلتها .. إلا أن رضوى فاجأتها بالعربية
بسؤال ممیت :
- هو أنت ليسه النقاب ليه يا " هذا " ومفيش حد غريب إلا جوزك !!
سؤال رضوی ... كان سؤال قلب والدتهما التي شعرت مثل رضوى بجفاء علاقتهما !!
أصاب " هذا " الارتباك وتبدل حالها وهي تجيب شقيقتها بتلعثم :
عشان ممكن أبيه حسين أو أبيه أحمد يجيوا فجأة ...
بدأ يلاحظ توترها وراحتي يديها التي تفركهما بارتباك فهتف بأستفسار لهما :
- ما الأمر ١١٢
فأتي صوت ندا تترجم له سؤال شقيقتها وأجابة " هنا " عليه فاستوعب حالتها جيدا .. بل
واخترق قلبه قبل أن يستوعبه عقله .. فصغيرته دائما تحفظ نفسها من الرجال حتى أمام أزواج أشقائها .. سعد قلبه وظهرت ابتسامته .. إذا هي مختلفة .
نعم مختلفة وصدقت أيها العحوز حقا !!
لم يشعر إلا بذراعه الغير مصاب يحيط ظهر " هنا " ليستند على الأريكة من خلفها .. مرددا
بابتسامة واثقة يساند بها حالتها المرتبكة :
أنا من قال لها ذلك ... خشية مرور رجلاً من خلفكما !!
رده القوي جاء كالسهم في قلب شكهم المتصاعد متوغلا به بقوة معلنا عن نهايته وفوزهما معا .... ابتسمت كلاً من رقية ورضوى برضا في أن واحد وهما يتبادلان بعضهما البعض بنظرات كل
منهما تفهمها جيداً وبينهما جملة واحدة .....
" فحتي لو كان بينهما جفاء ... فذلك الاشتياق من عينيه وتلك الكلمات الآن يمكنونها العاشق
وفعلها الفارق في مقامات الحب سيمحوه حتما "
عبر الهاتف في مكالمة سرية أجرها " على " مع " جال " كان مضمون ذلك الحوار ...
- ماذا تقول " الى " !!
قالها " جاك " بذهول تام ... ليسترسل حديثه ثانياً بنفسه درجة إندهاشه :
الى " أتعلم من تلك الشخصية التي تريد مراقبتها !!
أجابه " على " بهدوء مخيف :
يلي .. فأني أعلم من تكون ولهذا أريد تحركاته في الأواني الأخيرة لحظة بلحظة ، حتي تلك
اللحظة التي سترسل لي بها التقرير عبر الحاسوب ...
هتف " جال " بتأكيد مرة ثانية :
الي " حقاً تقصد براد فيليب رئيس مجلس الشيوخ الأمريكي ... ثم ما شأنك به ... يبدوا أنك.
نسبت بأنه وولده من أصحاب الضربة القاضية في أمريكا !!
أتاه صوت " على " ببرود تام :
- ليس لي شأن بأبنه ... بينما أنا قلت لك هو وفقط !!
حينها تأكد " جاك " مما يريد بالفعل ... والشغل ذهنه بالكثير من الأسئلة منها ما علاقته به ، وماذا يريد منه ، ولماذا يريد تحركاته ١١٢ .. ولكن في نهاية الأمر قرر تنفيذ أوامره كما تجب !!
بينما " علي " اقتنع بمبدأ الهجوم قبل أن يبدأ الطرف الآخر بالهجوم مرة ثانية و حتما ستكون الهجمة التالية أقوى واشرس من المرة السابقة ولهذا لن ينتظر أكثر من ذلك
من وقت إنهاء المكالمة وتصرفه ذاك وقد بلغ منها الحرج و الخجل حد النخاع !
تقدنت في الأنشغال ببعض الأعمال أو بالأحرى بالهروب !!
فكيف ستواجه وتضع عينيها بعينه بعد ذلك الفعل وهو لا يحل لها !!
لهذا اكتفت بالاعتكاف في غرفتها .. أدت فرضها ... قرأت قرآنها ... وها هي تجلس في جلستها المعتادة أمام النافذة .. يمر أمام عينيها كل تصرفاته القاسية في الشهور السابقة ، ودقائق أصابته ، ويوما واحد كان به انسان آخر غير الذي عاهدته من قبل !!.
تأكلها الحيرة عن تصرفه ذاك .. و لماذا فعل هذا ؟!
إلا أنها فاقت من شرودها تأئب الذات الأمارة بالسوء لتفكيرها به .. فهو حتى الآن علي غير ديانتها ولا يحل لها .. بل وقد يكون ليس مقدر لها من الاساس !!!
عند تلك الحقيقة المسلم بها يجب عليها الابتعاد حتى لا تتأثر به !!
ستؤدي ما عليها بأتجاهه كما وعدت الجد والعجوز طالما مازال يحتفظ بدينه وأفعاله تلك رغم النصيحة .. ومع الأيام سنلتمس طيب قلبه الذي أظهره اليوم وستطلب منه الأنفصال ....
مرت ثلاثة أيام على هذا الحال تعد الطعام له ... تنفذ ما يريحه ... تم تهرب بنفسها بين جدران غرفتها .. حتي طعام الأفطار تتناوله بها .. ولكن يظل العقل منشغل والقلب يأمل !!
شعر بتجنبها ورغم أنه يشاهدها بعض الدقائق أثناء اعداد الطعام كل يوم ... إلا انه بداخله بدأ يشتاق لوجودها .. بل بات متمنيا وجودها في كل حين ... ولكن ما كان بينهما في بداية تعارفهم ليس هين .. ويعلم بأن بينهما يحار لا تعد .. ولكن ليس هذا الوقت الجيد للشرح والتقرب .. بل هذا وقت الانتظام الشفاء جسده وعقله من عقد الماضي .. ومن ثم تطهيرها للأبد حتى يتهيئ باسترسال ما يشعر به تجاه من حركت فؤاده منذ مولده في العالم أجمع !!
بنظرات متفحصة مطولة راقب ارتباكها وهي تقف أمامه مطأطأة الرأس قائلة وهي تفرك راحة
يديها بتوتر ظاهري : الطبيبة رضوى ... اقصد رضوى شقيقتي ... اخبرتني بأنه حان وقت ازالة الخيط الخاص بالجرح
أبتسم بتهكم فلولا ازالة الخيط ما سمع صوتها لمدة ثلاثة ايام .. كالها بانت أنسان الي يضع الطعام ليفر هاربا من أمامه ....
حسنا .
أردف بها " على " ثم نهض من جلسته بريج عنه التيشرت الخاص به باليد الأخرى ولكنه توقف عن فعل هذا على اثر صوتها الصادح بفزعته المفاجئة أثناء استدارتها بسرعة الرياح لتعطيه ظهرها ...
فهم من جملتها أخيرا بعدم أكمال أزاحت ثيابه .. وبأنها لا تحتاج لهذا لكي تتم عملها ... فترك ما بدأه قائلا باندهاش :
كيف أذا 15
عندما تأكدت من عدم أكمال فعلته استدارت ببطئ تشرح ما ستفعله حيث أردفت ببلاهه وهي تشهر المقص في وجهه :
بهذا !!! سأقص كم التيشرت بهذا و أبدا عملي !!
" يا ألهي كل هذا من أجل عدم رؤية جسده ... كم أنت حقاً مختلفة يا إمرأة ... !! "
كانت تلك حديثه الذاتي ... غير مدرك حين هتف ممازحا كممثل كوميدي في الحال : كاد قلبي يقف الآن يا فتاة ... لماذا لم تخبريني بنيتك تلك من قبل ، حتى كنت أستطيع استبدال تیابی بثياب أقل ثمناً !!
انطلقت ضحكاتها عقب جملته بطريقته المازحة ... لم تشاهده من قبل يتلك الروح .. إلا أن ضحكاتها توقفت عقب جملته الصادمة الهادئة بعينيه المعاملة بهيام لكيانها : أفعلى ذلك دوما وأخرج لي صوتك ضحكاتك كثيراً ... فقدند تتها المتناغمة استعمرت قلبي رغم فقر اللقاء !!