رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الرابع والثلاثون
وصل غريب ومعه ترنيم إلى الفيلا، فاستقبلتهم مريم التي كانت تجلس على الأريكة في حالة انتظار، عندما رأتهم، نهضت ببطء، اقتربت منهم، وحركت يدها برقة على صدر غريب، ثم نطقت بلهجة تغلب عليها الغنج:
"بقولك ايه يا روحي عايزاك النهاردة."
أغلقت ترنيم عينيها بغضب، وأبعدت يد مريم عن غريب، وتحدثت من بين أسنانها بحدة وصرامة:
"سوري يا حبيبتي بس غريب مش هيروح مع حد، أصل أنا حامل ومحتاجه جنبي أوي."
كانت كلماتها تحمل الكثير من التوتر، كأنها تسعى لتحصين علاقتها به في تلك اللحظة.
ثم أمسكت يد غريب، وقالت بدلع:
"صح يا غروبتي؟"
وقد كانت عيناها تتلألأين بالقلق حيث تخشى فقدانه.
كتم غريب ضحكته، وأحاط بها بذراعه مقبلاً رأسها، قائلاً بحنان:
"صح يا قلب وعمر غريب."
اقتربت مريم من أذن غريب، وقالت شيئاً جعله ينتفض ويبتعد عن ترنيم، ثم رد بتوتر:
"طيب روحي انتي يا ترنيم وأنا جاي وراكي."
كان قلقاً حيال ما قد تكون مريم تخطط له.
نظرت له باستغراب، وسألت بفضول:
"هي قالتلك ايه في ودنك خلتك تغير رأيك؟"
لم تفهم السبب وراء تصرفاته المضطربة.
نظر إلى مريم بضيق، ثم أعاد انتباهه إلى ترنيم، وقال بسرعة:
"مافيش يا قلبي، هي بس عايزاني في موضوع يخصها ربع ساعة بالكتير وهكون عندك."
في تلك الأثناء، كان يشعر بمزيج من القلق والضغط.
نظرت مريم إلى ترنيم بابتسامة لئيمة، وكأنها ترى في عينيها فرصة للسيطرة على الموقف، وقالت:
"ابقى اقفلي بابك عليكي كويس يا روحي."
عقدت ترنيم حاجبيها، ثم صعدت إلى غرفتها بشجن، مما جعل غريب يشعر بقلق متزايد.
ضغط غريب على أسنانه بغضب، وأمسك بذراعها بقوة، مجبراً إياها على التحرك معه إلى غرفتهم، دفعها إلى الداخل، وأغلق الباب خلفه بقوة، ثم نظر إليها مع الشرر يتطاير من عينيه، وقال بنبرة حادة:
"قولي بقى اللي عندك كله وتعرفي ايه بالظبط."
اعتدلت في جلستها، ونظرت له بابتسامة واثقة، كأنها استمدت قوتها من موقفها الحالي، وقالت:
"معالي المستشار والمافيا والاتفاقات اللي بتحصل ما بينكم، سيمون هانم، وكرهها لبنت الحارة ودكتور عصام، والأوضة المقفولة اللي اتفقتوا تدخلوها، أممم... آه وكمان خطتك انك توقعني أنا وبنت خالتي، تحب أكمل ولا وصلت ليك اللي أنا
أعرفه؟"
اقترب منها ببطء، وأمسك شعرها بقوة، كما لو أنه يحاول تخويفها لإجبارها على الرد. وقال:
"طيب، حلو مدام اللعب بقى على المكشوف، يبقى كل واحد مننا يكشف ورقه لتاني."
أبعدت يده عنها برقة، وشرحت بحذر:
"أمم... ورقي مش من مصلحتك كشفه بس أنا عندي معلومات لو عرفتها هتوفر عليك وقت ومجهود."
كانت تحاول إغراءه بالمعلومات، عالمة أن ما لديها قد يشكل ورقة رابحة في هذا النزاع.
عقد ذراعيه على صدره، وظهر عليه التردد. قال:
"وأيه المقابل؟"
بينما كان يحاول موازنة المخاطر والمكاسب.
استقامت بجسدها، وطرحت بفخر: "سلطان، تخلصنا منه، أقولك اللي عندي وهتبقى كسبان، صدقني، انت كده كده عايز تخلص منه."
كانت واثقة من أن هذه الخطة ستعود عليها بالفائدة.
رفع حاجبيه إلى الأعلى، وقال بتساؤل: "وأنا مش مضطر أعمل كده مدام حاجة هتزعل مراتي."
اقتربت منه، وحركت يدها على صدره بطريقة مغرية، وتحدثت بصوت همس، وكأنها تدغدغ مشاعره:
"بس وجوده مش في مصلحتك طول ما هو عايش، ترنيم مش هتحبك، إنما موته مصلحة للكل، انت مراتك هتحبك لما يبقى مافيش غيرك قصادها، وإحنا الشغل بالمكتب هيبقى لينا، وهنعرف نصرف شغلنا زي الأول."
دفع يدها بعيد عنه، وابتسم بتهكم، مما زاد من التوتر في الجو؛ وقال:
"طيب وبنت خالتك مش ده جوزها برضه وأبو أولادها؟"
جلست على السرير، وضعت قدم فوق الأخرى، وشعرت بقوة موقفها. قالت ببرود:
"مصلحتي فوق الكل، وموت سلطان في مصلحتي."
نظر إليها طويلاً، وفكر في نهاية اللعبة التي تسعى إليها، ثم قال:
"موافق، بس من هنا لحد ما ده يحصل، أياكي تمسي شعره من ترنيم فاااهمه."
تعالت ضحكاتها، وكانت تلعب في ذهنيتها خيوط اللعبة التي نسجتها، وقالت بحيوية:
"فاهمه طبعاً يا روحي، وجدعنة مني هقولك حاجة بخصوص ترنيم، تامر أخوها، ناوي يخطفها وينتقم منها علشان كانت السبب في موت أمه."
اتسعت عينا غريب بصدمة، ثم انفجر غضباً: "امته وفين انطقي؟"
ردت عليه بهدوء، لكنها في داخلها كانت تشعر بتصاعد التوتر:
"دلوقتي، حالاً هو عندها."
دفعها بقوة من أمامه، وركض سريعاً إلى غرفة ترنيم، كان يشعر بحالة من الرعب والخوف، وأراد إنقاذها، حاول فتح الباب، لكنه كان مغلقاً من الداخل، طرق على الباب بغضب، صرخ:
"افتحي الباب يا ترنيم، ترررنيم ردي عليا."
ردت عليه بصوت مرتعش، وكأنها تخشى العواقب:
"أنا هنام يا غريب، روح نام في الأوضة التانية."
تحدث بصراخ غاضب، كانت أعصابه مشدودة:
"افتحي الباب يا ترنيم، أنا عارف أنه عندك."
تكلمت بصوت مختنق، مما جعل قلقه يتزايد:
"علشان خاطري سيبنا لوحدنا يا غريب، متخافش عليا، أنا كويسة."
طرق على الباب بقوة، وصراخه كان يزداد إلحاحاً، ثم قال:
"افتحي الباب لكسرة يا ترنيم، أخوكي جاي علشان يأذيكي."
ردت عليه بصراخ، وعواطفها بدأت تتداعى:
"قولتلك أنا كويسة يا غريب، ارجوك كفاية وسبنا لوحدنا شوية."
أغلق غريب عينيه بغضب، وركل الباب بقدمه، ثم صرخ بصوت مرتفع، وهبط إلى الأسفل، وكان في داخله يتصارع مع أفكاره وتحذيرات قلبه، مصمماً على إنقاذ ترنيم مهما كانت التكلفة.
****************************
داخل الغرفة...
جلست ترنيم على السرير، ونظرت إلى تامر بعيون مليئة بالدموع، تشعر بعمق الألم والحسرة، كانت تلك اللحظة محملة بالكثير من المشاعر المتناقضة، حيث تجسدت فيها خيبات الأمل وآلام الفقدان، بتأوه مختنق، تكلمت:
"لما انت يا أخويا، يا حتة مني، عايز تأذيني؟ خليت إيه للغريب؟ المفروض تكون انت حمايتي، أهرب من الدنيا كلها وأجيلك أستخبى فيك."
أكثر ما كان يؤلمها هو شعورها بالوحدة، فهي كانت تشعر كأنها عالقة في زوبعة من المشاكل والصراعات التي لا تنتهي.
"أنا وحيدة في الدنيا، يا تامر، من يوم موت ماما، ماليش حد، ماشيه اتخبط في الدنيا، أنا ضايعه ومحتاجك تاخد بأيدي يا أخويا."
كلماتها كانت صرخة استغاثة، تعبير عن الحاجة الماسة لوجوده بجانبها، حتى لو لم يكن يراها كما كانت تأمل، كانت تأمل أن تكون حديثها معه كبداية جديدة، لكن خوفها من رد فعله كان يسحبها إلى أعماق اليأس.
ابتسم لها بطريقة ساخرة، ثم اندلع الغضب في صوته:
"دلوقتي بقيتي لوحدك ومحتاجاني؟ فاكرة زمان لما كنت مجرد هامش في حياتك؟ كانت كل حياتك لسلطان وبس، ممنوع نتكلم معاكي، ممنوع نقرب منك، ممنوع نقول رأينا ليكي، كتير قلت لامك إن اللي بيحصل ده غلط، إحنا رجاله وميصحش نشوف اللي بيحصل ما بينكم ونسكت، بس، الله يرحمها، كانت سامحة بكل التجاوزات دي، بحجة إنه هو اللي مربيكي، قللت مننا ومن رجولتنا، لحد ما جبتي ليها العار وماتت مقهورة بسببك، اللي زيك مكانها دلوقتي الدفن، حرام تعيش في الدنيا زي البني آدمين."
تنهدت بوجع، واندفعت دموعها بغزارة وهي تقول:
"عندك حق في كل كلمة قلتها، إحنا فعلاً اتجاوزنا حدودنا كتير، بس كنت صغيرة مش فاهمة حاجة، وكبرت ولقيت سلطان هو العالم بتاعي، هو كل حاجة بالنسبالي، هو الراجل الوحيد في حياتي، هو الحاكم الناهي في كل كبيرة وصغيرة تخصني، اتعودت أطلب منه كل حاجة: فلوس، لبس، مصاريف دروس، خروج، حتى الإحساس بالحب والأمان، علشان كده أهملت في حقك ومأخدتش بالي إني هملاك، إني جرحتك. فهمت ده متأخر، أوى، يا تامر، بعد فوات الأوان، وللأسف، أنا اتعاقبت بما فيه الكفاية، الدنيا أخدت حقها مني تلت ومتلت، و دلوقتي، بقولك، محتاجة أخويا، سندي وضهري، يحميني من كل حاجة، حتى من نفسي."
أمسكها تامر من شعرها بغضب، وصوته مليء بالتحدي:
"بت، أنتي مفكرة إن شوية السهوكة دول هيجوا معايا زي حيلة أمه؟ لا، فؤقي! أنا تامر رجب يا بت الطلبجي."
أغلقت عينيها في محاولة لتجميع نفسها، وعواطفها تتقاذف بين الندم والخوف، ثم قالت بصوت مختنق:
"على الأقل، بلاش تأذيني، علشان اللي في بطني، يا تامر، ده مذنبهوش حاجة، صدقني."
نظر إليها مدهوشاً، وبصوت غير مصدق قال:
"أنتي حامل؟"
أومأت برأسها، ونظرت إليه بعيون حزينة، زادتها عواطفها الضائعة وجعاً:
"آه، يا تامر، أختك حامل، يا ترى، لسه هتفضل على موقفك مني؟"
دفعها بغضب، فسقطت على السرير، تكلم بصوت هامس، لكنه مليء بنبرة تهديد:
"يبقى عقاب ليكي إن ده ينزل ميجيش من واحدة فاجرة، شبهك."
أخرج سكين من جيبه، واقترب منها ببطء:
"ابنك قصاد أمي، نبقى خالصين."
رفع يده، وقبل أن تصل السكين إليها، كانت يد غريب تمسك بها، وتدفعه بعيداً عنها بعد أن قفز من الشرفه في اللحظة الأخيرة، ضغط على أسنانه بغضب، وكانت عيونه مليئة بالتحدي والنبل:
"أنا هعرفك إزاي تدخل بيت غريب ضرغام، يا ابن رجب، وتتهجم على مراته."
وانهال عليه باللكمات، وضربه بغضب شديد حتى سقط على الأرض، والدماء تسيل من وجهه. كان المشهد عنيفًا، كل ضربة كانت تعكس مشاعر الألم والخيانة التي تملكت غريب، لم يكن هدفه فقط انتزاع الانتقام، بل كان يشعر أيضًا بمرارة الفشل في حماية ترنيم، ثم، أخرج غريب سلاحه، ووجهه نحو تامر وهو يختنق بصوته:
"أنت اللي كتبت نهايتك بإيدك، يا غبي."
كانت عيناه تشتعل بغضب.
نهضت ترنيم سريعاً، ووقفت أمام تامر، حائطةً جسمها عن طريقه، وحركت رأسها بالرفض، بينما كانت الدموع تتدفق من عينيها وكأنها نهر حزين:
"بلاش، أرجوك، ده مهما كان أخويا، مش هقدر أشوفه بيخسر حياته، وحياتي عندك، يا غريب، سيبه كفاية اللي عملته فيه."
كلماتها كانت محملة بالعاطفة، كأنها تصرخ في أعماق روحها، وقلوبهم جميعًا كانت تنبض في إيقاع واحد مفعم بالخوف والحب.
تكلم غريب بصراخ، صوته يوحي بالألم والقلق:
"أبعدي من وشي، يا ترنيم، اللي زي ده مينفعش تدافعي عليه، ده شيطان، ووجوده في الدنيا خطر عليكي."
كان نبرته تنبض بحماسة مفعمة بمزيج من الغضب والحب، يخشى أن تخسر شخصًا عزيزًا لم يكن يستحقه.
حركت رأسها ببساطة، عازمة على أن تكون صوت العقل في هذه الفوضى، وهي تتكلم بدموع:
"مش هقدر أشوفه بيتأذى، صدقني، مهما كان، هيفضل أخويا، من لحمي ودمي."
وكأن كل كلمة تخرج من فمها كانت محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من إنسانية؛ كانت تراود فكرة الأمل، ولكنها في ذات الوقت كانت تشعر بضغط الواقع الذي يحيط بهم، وفي تلك اللحظة، دفعها تامر بقوة على غريب، وركض إلى الشرفة وقفز منها، هارباً كما لو كان يبحث عن الخلاص من الفوضى.
سقط السلاح من يد غريب، وتكلم بخوف، كما لو كان العجز يتغلب عليه:
"ترنيم، أنتي كويسة؟ طمنيني عليكي."
كان صوته مليئًا بالقلق، كأنه يتوسل لها أن تبقى آمنة، وكأن وجوده في حياتها يكفي ليحميها من الخطر، كانت أفكاره تتقاذف بين الخوف على سلامتها وبين الغضب مما قد يحدث حال غيابه عنها، في قلبه كانت هناك حاجة ملحة لاحتضانها وحمايتها من كل صراع عاطفي قد يهدد مستقبلهم،
اعتدلت بوقفها، وقالت بصوت مختنق، يحمل مزيجاً من القوة والضعف:
"متقلقش عليا، أنا كويسة يا غريب."
احتضنها بغضب، وصوته مليء بالحب والقلق:
"أنا خوفت عليكي أوي، يا ترنيم، ودي أول مرة أخاف، بترجاكي، حافظي على نفسك، علشان أنتي اللي بتقويني."
حركت يدها ببطء، وتمسكت به بقوة، كأنها تستمد منه القوة في تلك اللحظة الحرجة، وأومأت برأسها بصمت. ظلت ساكنة داخل أحضانه، تحاول أن تستشعر الأمان الذي يقدمه، بينما كان الصمت يغلفهما، مال بجسده، وحملها بين ذراعيه برفق، وكأنها جوهرة ثمينة، ووضعها على السرير بحذر شديد، ثم تمدت بجوارها، محتفظاً بها داخل أحضانه، مقبلاً رأسها برومانسية تائهة، وقال بصوت هامس جاء كنسمة رقيقة:
"بحبك يا ترنيم."
رفعت رأسها إلى الأعلى، ونظرت له بابتسامة حزينة تعكس عمق مشاعرها المتخبطة:
"أول مرة تقولها ليا صريحة، يا غريب."
حرك رأسه بالرفض، وكأن الكلمات تتزاحم في فمه:
"بالعكس، قولتها ليكي كتير، بس أنتي اللي مكنتيش بتاخدي بالك منها."
تنهدت بحزن، ونظرت أمامها مرة أخرى، وقالت بصوت مختنق، في محاولة للتصالح مع مشاعرها:
"يمكن علشان قررت أشوفك بشكل تاني ومختلف، قررت أشوفك أبو اللي في بطني، مش غريب اللي اتجوزني غصب، وفرض نفسه عليا بالقوة."
ابتسم لها بسعادة وامتنان، وقال:
"بجد، يا ترنيم؟"
أومأت برأسها بنعومة، وقالت:
"أنا استمراري معاك لحد اللحظة دي كان لسببين: أول سبب، علشان تحمي سلطان وأخويا، والسبب التاني، علشان أحقق لماما أمنيتها، لكن قررت أديك فرصة أغير بيها فكرتي عنك، بس، إياك يا غريب، تستغل ده وتستخدمه بطريقة توجعني، علشان وقتها هبعد بجد، ولو عملت أي حاجة مش هرجعلك."
احتضنها بقوة، وتنبه لما تعانيه، وتكلم بحب:
"مش هتندمي، يا ترنيم، والقرار اللي أنتي أخدتيه هيغير حياتنا للأحسن، نخلص بس من العقارب اللي حوالينا، ونبدأ حياتنا مع بعض من أول وجديد، بعيد عن كل المشاكل دي."
تمسكت به، وأغلقت عينيها، وذهبت في سبات عميق، كأنها تغفو في أحضان الأمان. ظل غريب يحرك يده على شعرها بحنو، وينظر أمامه بتفكير عميق، مستعيداً كلمات مريم له، عازماً على تغيير مصيرهما معاً.
****************************
بعد مرور عدة أيام...
كانت ترنيم تعمل بالمشفى، تدور الأفكار في عقلها كالعواصف، تشعر بالخوف مما هو آت. عانت في الآونة الأخيرة من الكثير من الضغوطات، بين العمل الطويل والبيئة المشحونة بالأحداث، انتفضت مكانها عندما شعرت بيد تربت على ظهرها، كأنها تذكير مفاجئ بتوجسها المتزايد، التفتت سريعاً، فوجدت غريب وهو ملثم ومعه سلطان، والذعر يتسلل إلى قلبها، تكلمت بصوت مرتبك، غير قادر على كبح الفوضى في صوتها:
"ا انتوا دخلتوا هنا ازاي؟"
كانت ملامح غريب، المغطاة بالقناع بوضوح، تحمل لمسة من الغموض المقلق، تحدث بصوت هامس:
"قولتلك دي حاجة سهلة عليا، المهم تعالي، ورينا الأوضة دي فين."
نظرت إليهم بخوف وحيرة، وأومأت برأسها، ثم تحركت ببطء شديد أمامهم، متوغلة داخل عواصف مشاعرها، تنظر حولها وتراقب المارة في المكان، ثم استدارت لوحت بيدها إليهم، لكن قبل أن تتحرك، قال غريب:
"عايزك تتكلمي مع اللي واقفين على الباب، تشغليهم شويه لحد ما نعدي."
أومأت برأسها بالموافقة، وتحركت نحو الغرفة، ووقفت أمام الممرضة التي لم تكن حتى مستعدة لما قد ينتظرها، قالت بنبرة جادة، لكن مرتبكة:
"إنتي رايحة فين كده؟"
ابتلعت ريقها بتوتر، وهي تدرك أن كل ما يقوله غريب وسلطان يتجاوز حدود ما هو مألوف، فقالت:
"ها...داخلة أخد حاجة من جوة."
تكلمت الممرضة بغضب:
"سبق وقولتلك ممنوع تدخلي هنا إلا بإذن من دكتور عصام."
عينيها كانت مشدودة إلى غريب وسلطان وهما يقتربان منها بخطوات محسوبة، ومن الخلف بدأ غريب بتكميم فم تلك الممرضة، وحين صرخت ترنيم بخوف، كان صوت سلطان الهمس هو من أسكتها، كأنما يثير في أعماقها إحساسًا بالذنب أو الخوف، بعدما فقدت الممرضة وعيها أثر المخدر، وضعها غريب بجوار الحائط كأنها كائن بلا قيمة، تحرك سريعاً وفتح الباب، ودلفوا الثلاثة إلى الداخل، لكن الغريب بالأمر لم يكن هناك ما يثير انتباههم، فقد كانت الغرفة تقليدية وبسيطة، نظروا إلى بعضهم البعض بشيء من الارتباك، ثم تحركت ترنيم نحو المعدات الطبية وأمسكت بها، قائلة بتعجب:
"غريبة الأوضة مفيهاش حاجة غير معدات طبية ملهاش لازمة، أمال ليه مانع دخولها؟"
شعرت بقلق متزايد.
هنا شعر غريب بشيء غير عادي، وكأنها مجرد خطة كيدية أعدها عصام لهم، كان هذا الشعور مزيجًا من القلق والإدراك، حيث اختلف الوضع تمامًا عما كانوا يتوقعونه. تحدث سريعًا، وقد ارتسمت علامات القلق على ملامح وجهه:
"ده كمين من اللي اسمه عصام، لازم نمشي حالا."
التفوا له سريعاً، بقلوب تخفق بشدة، وتحركوا نحو الباب، لكن كانت الصدمة حينما وجدوا عصام ومعه الشرطة يقفون أمامهم كالسد المنيع، وهو يحمل دليلًا قاطعًا ضدهم.
نظرت ترنيم بعينين غامضتين من عصام وابنته، شعور بالخيبة والكراهية يتدفق في عروقها، أغلق سلطان عينيه بغضب وضغط على أسنانه، وعواطفه تتأرجح بين الألم والغضب، عندما أدرك المخطط الذي دبره عصام لهم، الرغبة في الهرب كانت تعتمل في داخله لكنه علم أنه يجب أن يثبت وقوفه بجوار ترنيم.
تكلم عصام بنبرة غاضبة، مليئة بالثقة والتحدي:
"أهو حضرتك زي ما بلغتك، دكتور ترنيم بتاخد أدوية غير مصرح بها من وزارة الصحة إلا لحالات معينة، وبتبعها خارج المستشفى، وجوزها وابن خالتها بيساعدوها في السرقة دي."
لم يكن ذلك مجرد اتهام، بل كان بمثابة رصاصة في قلب كل أحلامهم، وقف غريب وسلطان أمام ترنيم في محاولة لحجب الرؤية عنها، كأنهم يشكلون جدارًا من الحماية في مواجهة العواصف التي تقترب.
لكن الضابط أمر بإحضارهم للتحقيق معهم وهما متلبسان أثناء قيامهم بتلك التهمة، ويبدو أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة بشكل كبير، اتسعت عيني ترنيم بخوف، وامسكت بغريب وسلطان بأيدٍ مرتعشة، وانهمرت دموعها بغزارة كأنما تعكس دهشة العالم من حولها، اقترب منها الشرطي ليأخذها، لكن تكلم غريب بغضب، صوته يعلو رغم الضغوط المحيطة:
"محدش يلمسها، هي هتمشي لوحدها."
كان هذا الحراك كالأمل الصغير في مكنون عاصفة الأزمات.
نظرت ترنيم له بخوف، لكنه تكلم بنبرة هادئة، محاولة الحفاظ على أشلائه المتناثرة:
"متخافيش، هكلم جدي المستشار وهو هيتصرف."
أومأت برأسها له، وكانت هذه الحركة بمثابة التعهد بأنهم سيواجهون هذه المحنة سويًا. تحركت أمامه بخطوات ثابتة، مسؤولة عن مصيرها ومصيرهم، تابعهم سلطان وتحركوا إلى الخارج مع الشرطة، كأنهم بين سياج من الزهور على وشك أن يتحول إلى سجن.
صعدوا السيارة، وظل غريب محتفظاً بيد ترنيم ليطمئنها، دس أنفاسه في الهواء المشحون بالقلق والاضطراب، واتجهوا إلى قسم الشرطة حيث يبدو أن قدرهم قد كتب في سطور هذه اللحظة الحرجة. تعالت ضحكات نهى الشامتة، وهي تتخيل النجاح الذي حققته على حسابهم. فقالت:
"ده انت دماغك دي ألماظ يا بابي، قدرت توقعهم بكل سهولة."
رد عليها بثقة، عاقدًا العزم على المضي قدمًا:
"من اللحظة اللي جات فيها علشان ترجع لشغل، فهمت السبب اللي هي راجعة علشانه، رميت ليها الطعم، وهي بكل سهولة أكلته، وكنت متأكد أنهم هيجوا يساعدوها. وبكدة نقول ليهم باي ونرجع تاني نشوف شغلنا اللي وقف بسببها."
هذه الكلمات كانت تعيد ترتيب مضاعفات الأحداث في ذهنه، تاركة له فقط خيار التصعيد ومواجهة العواقب مهما كانت شديدة.
أومأت رأسها بالتأكيد، وقالت:
"طبعاً يا بابي، الشغل جاهز على التنفيذ، على طول التحاليل كلها طلعت وجاهزة."
ابتسم لها بشر، وتحرك أمامها وكأنه قائد مجموعة يعلن عن نهاية المعركة، وأشار بيده على الممرضة، قائلاً:
"فوقيها وخليها تروح النهاردة إجازة ليها."
أنهى كلامه واتجه إلى مكتبه، حيث كانت الملفات والأوراق تنتظره مثل جيوش مستعدة للقتال، نظرت نهى إلى الممرضة بتكبر، وأمرت طبيباً آخر ليوقظها، وهي تشعر بالثقة التي تسري في عروقها، تركتهم، متوجهةً نحو الغرفة المجاورة لتجديد نشاطها.
***************************
جلست ترنيم بجوار غريب، وذعر الخوف يسيطر عليها مما ينتظرهم، ربت غريب على يدها برفق، عاقدًا العزم على تهدئتها بنظرة عميقة مليئة بالطمأنينة، لكن سلطان تفجر بغضب شديد، قائلًا:
"عجبك انت كده الوضع اللي ترنيم بقت فيه، قولتلك من الأول بلاش ندخلها معانا! عملت فيها عشر رجاله في بعض وقلتلي هتقدر تحميها. وأهي دخلت مكان زي ده."
ضغط غريب على أسنانه بغضب، كأنه يحاول كظم ثورته، وقال:
"أنا مش فايق ليك دلوقتي، لا الظروف ولا المكان يسمحوا بده، اسكت احسنلك، علشان أنا على آخري."
نهض سلطان بغضب واقترب منه، وكأن الشرر يتطاير من عينيه، وقال:
"علشان عارف نفسك غلطان وبسببك ترنيم دخلت مكان زي ده."
وقف غريب أمامه كالجبل الراسخ، ممسكًا بالغضب، وقال:
"مراتي وانا هعرف احميها كويس أوي، النهاردة هتكون نايمة في سريرها، اطلع منها انت وبلاش تعيش دور الواصي."
تكلمت ترنيم بصوت مختنق، وكأن كلماتها كانت محملة بالهموم، وقالت:
"ممكن تهدوا انتوا الاتنين شويه ارجوكوا، مش وقته اللي انتوا بتعملوا ده."
نظرت إليهم بتعب واضح، وكان قلبها يخفق بسرعة، كأنها تحاول أن تقنعهما بأن الوقت ليس وقت النزاعات، بل وقت التضامن. شعر غريب بأن كلماتها كالعزف على أوتار قلبه، فقد أوسع لهما عذابهما، نظر غريب بغضب إلى سلطان، ثم عاد ليجلس بجوار ترنيم، ممسكًا يدها، ربت عليها برفق ليخفف من قلقها، وضعت ترنيم رأسها على صدره، وصوتها يرتجف خوفًا:
"أنا خايفة أوي يا غريب، احنا اتمسكنا متلبسين بقضية، والتهمة ثابتة علينا."
حرك غريب رأسه بالنفي، مقبلاً رأسها بحنو واضح، وقال بصوت مطمئن:
"والله العظيم متقلقيش، ساعة بالكتير وهنروح من هنا، مكالمة واحدة بس هتم، وبعدين هنبقى في الأمان."
أغلق سلطان عينيه بضيق، ملتفتًا بجسده إلى الجنب الآخر، محاولًا كبح رغبة الانتقام التي تكاد تعصف به.
وفي تلك اللحظة، دلف الضابط إلى الغرفة، موجهًا نظره ذات معنى إلى غريب، ثم جلس على مقعده خلف المكتب، تحدث بنبرة هادئة، وكأنما يستجيب لأمر أعلى:
"الأوامر جات، تقدر سيادتك تاخد المدام والمعلم سلطان وتمشي."
استقام غريب بجسده، ممسكًا يد ترنيم، ونظر إلى سلطان بضيق، مرددًا بنبرة رجولية:
"قصاد عصام خرجنا بكفالة، والتحقيق لسه شغال. مش عايزه يشك في أي حاجة."
هز الضابط رأسه موافقًا، وقال باحترام وإجلال:
"أوامر سعادتك."
نظرت ترنيم إلى سلطان ثم إلى غريب بعدم فهم، قبل أن يتحركوا نحو الباب، كانت مشاعر الخوف تتراقص في عينيها، مرسلة إشارات غير واضحة، تحرك سلطان خلفهم، مما أجبر غريب على التوقف، وتساءل بغضب:
"أنت مين بالظبط وحكايتك إيه؟"
نظر غريب له بهدوء، متجاهلاً سؤاله، وأجبر ترنيم على التحرك معه، لكن يدها انسلخت من يده، ونظرت إليه بعدم فهم، قائلة:
"أنت مين؟"
أغلق غريب عينيه بضيق، وتكلم بصوت مختنق، وكأن وزر العالم كله يجثم على صدره، وبدا أن كل ما في قلبه من مشاعر مختلطة تحاصره في تلك اللحظة، فهو علم أن الحفاظ على ترنيم ليس فقط من تهديدات الواقع، بل من وطأة مشاعر الخوف التي طالما طاردتهما، قائلاً...
