رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس والثلاثون
أغلق غريب عينيه بضيق، وتكلم بصوت مختنق، وكأن وزر العالم كله يجثم على صدره، وبدا أن كل ما في قلبه من مشاعر مختلطة تحاصره في تلك اللحظة، فهو علم أن الحفاظ على ترنيم ليس فقط من تهديدات الواقع، بل من وطأة مشاعر الخوف التي طالما طاردتهما، تمتم بصوت منخفض:
"كل اللي هقدر اقوله ليكي، انتي معايا في أمان ومش هسمح لحد يأذيكي."
كانت كلماته تحمل وعوداً تؤكد لأعماقها أنه ليس بمفردها، بأن هناك من يقف إلى جانبها مهما كانت التحديات.
لكنها، وهي تعانق نار الغضب، انفجرت قائلة بصراخ:
"أنا مش عايزه رد بالألغاز يا غريب، أنا عايزه أعرف انت مين وليه اللي كان جوه بيتكلم معاك بأحترام كده كأنه يعرفك كويس؟ أوامرك ليه؟ طريقتك كل ده عايزه أفهمه، عايزة أعرف أبو اللي في بطني ده إيه بالظبط."
كانت كلماتها تحمل الألم والقلق، مما جعل وجدانها يتصارع مع واقعها المفروض عليها.
زفر غريب بضيق، ونظر حوله إلى الفضاء المحيط، ثم أمسك يدها بحنان وتكلم بنبرة همسة، كأنما يخشى أن يزعج الهدوء:
"هفهمك كل حاجه يا ترنيم بس مش دلوقتي، صدقيني، في الوقت المناسب هفهمك كل حاجه."
كان يعتقد بأنه إذا أخر الإجابات، قد ينجح في حماية مشاعرها قليلاً من ضغوطات الوقت، محاولاً أن يعطيها الأمان الذي تحتاجه، لكن في داخله كان يدرك أن كل لحظة تمر تعني مزيداً من التعقيد في موقفهما المقلق.
نظرت ترنيم إلى سلطان، ثم تجاهلت غريب وأبعدت يده عنها، وركضت خارجة، وكأنما أنقذت نفسها من دائرة من المشاعر المتلاطمة.
اقترب سلطان منه، وعينيه تتقدان بالتحذير:
"أقسم بالله لو كان في نيتك أذية ترنيم ما هرحمك، مهما كانت سلطتك، ده مش هيهمني في حاجه وهدفنك مكانك فااااهم."
أنهى كلامه وخرج سريعاً خلف ترنيم، ليجدها تقف تبكي، ربت على ظهرها بحنان، لكنها انتفضت مكانها وصرخت:
"ابعد عني، ملكش دعوة بيا، أنا بكرهك وبكرهكم كلكم، انتوا كلكم كدابين!"
تنهد بحزن، وتحدث بنبرة مختنقة:
"اهدي يا ترنيم علشان خاطري، ومهما كان ده مين ولا سلطته ايه، هحميكي منه ومش هسيبك معاه."
ردت بوجع، وهي تتحدث بنبرة منكسره، كانت تتأرجح بين مشاعر الإحباط والحب:
"لا، حنين أوي يا راجل، اللي يشوفك وانت بتتكلم كده يقول عليك ملاك، عمرك ما أذتني في حياتك، وأنا كل اللي فيه دلوقتي بسببك يا سلطان، انتوا بتعملوا فيا كده ليه؟ عملت معاكم ايه علشان تعذبوا فيا وتضحكوا عليا بالشكل ده؟"
جاء صوت غريب من خلفهم، وكأنه صوت طيف يحمل الصدق، إذ لامس الكلمات أعماق قلبها:
"إنتي انقى قلب قابلته في حياتي يا ترنيم."
ظل ينظر إليها بعينين تعكسان كل ما يجول في نفسه من مشاعر صادقة وقلق.
ثم اقترب منها وأمسك يدها برفق، كأنه يحاول نقل القوة إليها، وحرك يده الأخرى على بطنها، متأملاً عينيها بحثًا عن تلك الأمان التي فقدته:
"وحياة ابني اللي في بطنك، بحبك يا ترنيم وعايز احميكي من الدنيا كلها، حتى من نفسي، واللي بعمله واللي هعمله كله لحمايتك انتي وابني، كل اللي اقدر اقوله ليكي، أنا مش زي ما انتي شيفاني بعيونك، يا ترنيم، أنا غريب ضرغام اللي عرفتي، بس فيه حاجه صغيرة خالص هتعرفيها قريب اوي، وده لمصلحتك ومصلحة ابني، علشان كده بطلب منك تثقي فيا ومتخافيش مني مهما حصل."
كان صوته متحشرج، وكلمات مثل هذه لم تقال من قبل، كانت تلوح لها الأمل وسط خيوط الألم.
نظرت إلى سلطان بلوم، ثم انتقلت نظراتها إلى غريب مره اخرى، وقلوبهم تتزاحم بالأفكار، وتكلمت بصوت مختنق:
"أنا ممكن اسامحك على أي حاجه، الا انك تأذي اللي في بطني أو اي حد غالي عليا يا غريب، علشان وقتها هتتفاجئ بواحده تانيه خالص انت متعرفهاش."
كانت كلماتها تهتز بنبرة تحذير، لا تعكس فقط قوة شخصيتها، ولكن عمق خوفها على طفلها الذي لم يأت إلى الحياة بعد.
ابتسم لها بخفة، وتحدث بنبرة هادئة، وكأنما كان يزيل العقبات التي تفصل بين قلبيهما:
"ودي اكتر حاجه بحبها فيكي، وبتفاجئيني بيها، شخصيتك القوية يا ترنيم."
كانت تلك الابتسامة تحمل أكثر من مجرد كلمات، بل كانت وعدًا بالدفاع عنها والمضي قدمًا معًا.
أغلق سلطان عينيه بضيق وتحرك سريعاً أمامهم، أوقف سيارة أجرة وتركهم، مغادراً المكان وكأنه يحاول الهروب من مشاعر مؤلمة، ظلت ترنيم تتابعه بحزن، تنظر إلى ظهره بعيدًا، وكأنما تحمل آلامه في قلبها، ثم نظرت إلى غريب وأومأت برأسها له، قائلة:
"هستنى اليوم اللي تقولي فيه الحقيقة كلها، يلا بينا."
كان هناك شيء من الأمل في كلماتها، ربما كان شيء يمكن أن ينمو بينهما.
ابتسم لها، أمسك يدها بشغف، وأشار بأصابعه إلى رجاله الذين أتوا إليهم بالسيارة، صعدوا بها سوياً، تحركوا إلى الفيلا.
*************************
وصل سلطان إلى منزله، وعندما رأته فريدة، ركضت نحوه وعانقته بقوة، عينيها مليئتين بالدموع، قالت بصوت مكسور:
"أنت خرجت ازاي؟ أنا عرفت انك اتقبض عليك مع المخفيه وجوزها."
ابتعد عنها، ونظر إليها بنظرة تحمل معاني اللؤم، قائلاً بتساؤل: "عرفتي منين؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وتحدثت بتلعثم، محاولة إخفاء القلق الذي يغمرها:
"ها...ناس قالوا ليا."
كانت تعي تمامًا أن تلك 'الناس' قد تكون مصدراً مجهولاً لسرها الكبير، لكن خوفها من أن تكتشف هو ما دفعها لمتابعة الحوار.
ابتسم لها، ولكن بنبرة هادئة يغلب عليها التوتر:
"أمم...ناس!! طيب ابقى عرفي الناس أن أنا وهما خرجنا بكفالة."
كان صوته يحمل نبرة من التحدي، كأنه يحاول تأكيد سلطته رغم كل شيء، ثم تركها وذهب إلى غرفته، تاركًا وراءه أثرًا من الخوف والترقب.
أخذت نفساً عميقاً بصعوبة، ثم تحركت خلفه، تساعده في نزع ملابسه، بينما حركت يدها على ظهره العاري وتحدثت بدلع:
"وحشتني أوي يا سلطان."
التف لها، ونظر إليها بغضب، وكلماته تتسرب من بين أسنانه، وكأن روحًا من الغضب تخترق جدران عواطفه:
"في إيدك تثبتي ليا حبك يا فريدة، لو فيه أي حاجة مخبياها عليا قوليها، وأنا هديكي الأمان، وهحميكي من أي حد."
كانت كلماته كالسيف الذي يقطع الشكوك، وقد وضعت عليها عبءًا ثقيلاً.
ابتلعت ريقها من جديد بصعوبة، وتحركت بعيداً عنه، وحركت رأسها بالرفض، قائلة:
"ها، قصدك إيه؟ مش فاهمة حاجة يا سلطان."
كان عنادها ضروريًا، لكن في أعماقها كانت تعيش حالة من الرعب إذ لم تكن تعرف كيف تتعامل مع الموقف.
ابتسم بضيق، وتحرك نحو المرحاض، قائلاً:
"قصدي انتي فاهمة كويس أوي يا فريدة، فكري في كلامي براحتك أوي، وهستناكي."
كانت كلماته واضحة، لكنه كان يعرف أنها لم تستطع هضم كل ما دار بينهما، أنهى حديثه وأغلق الباب خلفه، مما جعلها تشعر عن غير قصد بأنسجة شعور العزلة تتعزز من جديد.
ظلت تتابعه بنظرات مليئة بالخوف والتوتر، جلست على حافة السرير، تفكر في كلماته التي تحمل مغزى واضح، في أعماقها كانت تدرك أن هناك أشياء تحاك في الظلام، وأشياء لا تزال بحاجة إلى كشف.
******************************
وصلت ترنيم مع غريب إلى الفيلا، وكان يبدو أن مريم تجلس على الأريكة بأريحية أكثر، لكن سرعان ما اعتدلت، وعرفت ملامح ابتسامة لئيمة على وجهها، وتحدثت بنبرة ذات مغزى:
"أنا قولت برضه مستحيل غريب باشا ضرغام يفضل في مكان زي ده، حمدالله على السلامة يا بيبي."
نظرت ترنيم إلى غريب باستغراب، حيث شعرت بأن مريم تعرف شيئًا خطيرًا عنه، ثم توجهت بنظراتها إلى مريم وتكلمت بتساءل:
"شكلك عارفة حاجات كتير أوي عنه، أنا معرفهاش."
استقامت مريم بجسدها واقتربت منها ببطء، واخفضت صوتها إلى همسات سرية قائلة:
"أكتر مما تتخيلي، أنا أعرف حاجات لو عرفتيها، مستحيل هتكوني واقفة هنا."
أغلق غريب عينيه بغضب، وأمسك بذراع مريم بحزم، موجهًا تحذيرًا:
"حرف تاني هتنطقيه، هدفنك مكانك هنا، اتفضلي اطلعي أوضك."
تعالت ضحكات مريم، وغمزت له بدلال بينما ردت:
"أنت تأمر يا سيد الناس."
تحركت نحو الدرج، ثم توقفت والتفت إليهما قائلة:
"نسيت أقولك، فتح عينك، بقى فيه عضو جديد منك يا غريب باشا."
وصعدت إلى الأعلى وتركتهم وراءها.
نظرت ترنيم إلى غريب بضيق، وقالت:
"هو أنا ليه بقيت عاملة شبه الأطرش في الزفة؟ فيه حاجات كتير بتحصل وأنا مش فاهمة حاجة."
زفر غريب بضيق، واقترب منها أمسك يدها برفق، وقال:
"ترنيم، كل اللي بيحصل ده فيه أذيتك إنتي، وأنا بحاول أحميكي، ومن مصلحتك تفضلي كده، مش عارفة أو فاهمة حاجة، بس كل اللي عايزه منك إنك تثقي فيا وتديني الأمان."
ابتسمت ترنيم بوجع، وتحدثت بنبرة حزينة:
"للأسف، مبقتش أثق في حد، ولا حتى في نفسي، أنا تعبانه وعايزة أنام، تصبح على خير."
قبل أن تتحرك، مال غريب بجسده، وحملها بين ذراعيه، نظر في عينيها، وتحدث بنبرة همسة:
"أنا هنا علشانك، علشان راحتك وحمايتك، حضني ليكي الأمان، عايزك تكوني فاهمة ده وعارفة."
واتجه نحو الدرج، وصعد بها إلى الأعلى، أغلقت عينيها، والدموع تغمر صدره.
تكلمت بصوت هامس:
"أنا تايهه يا غريب."
ابتسم لها بحب، وقال بنبرة عاشقة:
"أنا ليكي المرسى يا ترنيم، سيبي نفسك ومتخافيش."
فتح باب الغرفة ودلف إلى الداخل ثم أغلقه بقدميه، وضعها على السرير، وجلس أسفل قدميها، خلع حذائها ورماه على الأرض ثم استقام بجسده واقترب منها، تمددت بجوارها، وأخذها داخل أحضانه مقبلاً رأسها بحنو، قائلاً:
"نامي ومتخافيش يا قلب وروح غريب، عيوني وقلبي هيسهروا على حمايتك."
أغلقت ترنيم عينيها، ودموعها أغرقت صدر غريب، رفع رأسها إليه، ونظر إلى وجهها، وأزال عبراتها بأصابعه، تنهد بحزن ووجع، وراح يحرك يده على شعرها برفق، حتى شعر بأن أنفاسها قد انتظمت، علم أنها ذهبت في سبات عميق، قبل رأسها بحنو، ثم أغلق عينيه ليشاركها في عالم أحلامها، علهما يلتقيان بالأمان والحب المفتقدين في الحقيقة.
****************************
بعد مرور عدة أيام...
لم تر ترنيم سلطان إطلاقًا؛ فقد كان قلبها يشتاق إليه، تبحث عنه لتشعر بالأمان في حضرته، على الرغم من محاولات غريب المستمرة لكسب قلبها، استلقت على فراشها في حيرة، ثم اعتدلت ونظرت بجوارها دون أن تجد غريب، زفرت بضيق واستقامت بجسدها، ثم اتجهت إلى المرحاض، وبعد زمن قصير، خرجت ترتدي ملابسها وأنوار النهار تتسلل عبر النوافذ، هبطت إلى الأسفل باحثة عنه، لكنها لم تجده، بينما كانت تبحث، سمعت صوت مريم يناديها:
"مش هنا اللي بتدوري عليه، مشي من شوية راح يقابل حبيب القلب."
التفتت ترنيم إلى مريم، وعقدت ذراعيها على صدرها، وبتهكم سألت:
"ومين بقى حبيب القلب إن شاء الله؟"
اقتربت مريم منها حتى كادت أن تلامسها، همست بجوار أذنها بنبرة مشوقة:
"سلطان، سلطان الدسوقي."
ثم ابتعدت قليلًا، تاركة ترنيم تشعر بالدهشة.
ابتسمت ترنيم استخفافًا، وعلقت بتهكم:
"سلطااان!! أممم، قلتيلي بقى عشيقي؟ أوك، مش سلطان ده يبقى جوز بنت خالتك برضه؟"
أومأت مريم برأسها، متجهة إلى المقعد لتجلس، حيث وضعت قدمًا فوق الأخرى وأجابت:
"أمم، جوز بنت خالتي، بس المصلحة مفيهاش لا عزيز ولا غالي، وأنا بنت خالتي آخر همي، كل اللي يخصني هو شغلي وبس، وده اللي بسعى ليه، مستعدة أعمل أي حاجة في مقابل أن أوصل لهدفي حتى لو كلفني الأمر أقتل بنت خالتي نفسها، بس ما علينا، ده مش موضوعنا، ممكن نعمل اتفاق مع بعض، مصلحة مقابل خدمة، إيه رأيك؟"
نظرت إليها نظرة مطولة، ثم سألت باستغراب:
"وإيه هي المصلحة اللي قصاد الخدمة اللي أنا مش عارفها أساسًا؟"
ابتسمت مريم، وبنبرة لئيمة ردت:
"أقولك مين قتل أبوكي، قصاد تخلي سلطان يمضي على كام ورقة."
نظرت ترنيم إليها باستغراب وعدم فهم، وصرخت:
"تقوليلي مين قتل بابا؟! مين قالك أصلاً إن بابا مات مقتول؟"
ضحكت مريم وهي تتحدث بصعوبة:
"ده انتي عايشة في مية البطيخ وبيتلعب بيكي الكورة كمان."
حركت ترنيم رأسها ونزلت دمعة على خدها وهي تتكلم بصوت مرتعش:
"قصدك إيه؟ إن بابا مات مقتول؟ مش موته عادية زي ما كانوا قايلين ليا؟"
أومأت مريم برأسها بالتأكيد وأجابت:
"أيوووه بالظبط كده، أبوكي مات مقتول على أيد."
ثم فجأة صمتت، وتحدثت بنبرة همسه:
"أوبس، مش هينفع أقولك مين غير لما تمضي سلطان على الورق اللي هدهولك."
اقتربت ترنيم منها وأمسكتها بقوة من عنقها، بصراخ حاد:
"انطقي وقولي مين اللي قتل بابا بدل ما أدفنك مكانك هنا دلوقتي."
دفعتها مريم بقوة، فسقطت ترنيم على الأرض، بينما ضغطت مريم بقدميها على بطنها، قائلة:
"أنا اللي ممكن أدفنك انتي واللي في بطنك مكانك، ومحدش يعرف ليكي طريق، بلاش أنا، علشان لو حطيتك في دماغي همحيكي من الدنيا كلها."
وفي تلك اللحظة، تدخل غريب ودفع مريم بقوة حتى أسقطها على الأرض، ثم ساعد ترنيم على الوقوف، متحدثًا بغضب شديد:
"إنتي اللي استعجلتي على موتك يا مريم."
ثم أخرج سلاحه ووجهه نحوها، لكن ترنيم تدخلت سريعًا، ممسكة يده وهي تقول بتوسل:
"لا بلاش تعمل كده، ارجوك يا غريب."
وقفت مريم وعقدت ذراعيها على صدرها، تنظر إلى غريب بتحدي.
تحدث غريب بغضب:
"سبيني أخلص عليها يا ترنيم، دي شيطانة وخطر عليكي."
نظرت ترنيم إلى مريم بدموع، ثم قالت لغريب:
"أنا اللي استفزتها لحد ما عملت معايا كده، ارجوك بلاش يا غريب."
نظر غريب إلى مريم بغضب وضغط على أسنانه، مكملاً:
"دورك جاي، متستعجليش، اعرف بس ترنيم بتدافع عنك ليه، وبعد كده لينا كلام تاني."
أنهى كلامه وأمسك يد ترنيم، راغمًا إياها على التحرك معه إلى الأعلى.
ظلت مريم تتابعهم حتى اختفوا من أمام عينيها، ثم ضغطت على أسنانها بغضب، وتحدثت بتوعد:
"مبقاش أنا لو محرقتش قلبك عليها يا عم النحنوح."
أنهت كلامها وصعدت إلى غرفتها.
**************************
باليوم التالي...
تحركت ترنيم بقدمين مرتعشتين نحو المكتب الخاص بسلطان في الحارة، قلبها ينبض بشدة مع كل خطوة تخطوها، وكأن الوزن الذي تحمله على عاتقها أصبح لا يحتمل، كل تلك المشاعر المتضاربة، الخوف، والحزن، والغضب، يمكن استشعارها من تعابير وجهها ونظراتها المتوترة، عندما رآها، وقف بسرعة واقترب منها، العرق يتصبب من جبينه وكلماته كانت مليئة بالقلق:
"ترنيم، انتي كويسة؟"
نظرت له بعيون مليئة بالدموع، قلبها يتفطر من الألم، وحركت رأسها بالرفض، وكأنها تخبره بأن لا شيء على ما يرام، أمسك بيدها برفق وجلسها على المقعد أمامه، بينما قلبه مثقل بالهموم، ثم جلس هو أمامها، وكان الخوف واضحًا في عينيه، وكأنه يدرك ما كان يدور في ذهنها من أفكار سوداء:
"اتكلمي يا ترنيم، قلقتيني عليكي؟"
نظرت له بوجع وحزن، وذكريات مأساة فقدان والدها تتجدد في عقلها، وانكسرت نبرتها وهي تقول بصوت مختنق:
"مين قتل بابا يا سلطان؟"
اتسعت عينا سلطان بصدمة، وتكلم بارتباك، محاولاً إبعاد نفسه عن تلك الحقيقة القاسية:
"ها، م مين قالك إن أبوكي اتقتل؟"
صرخت بصوت مكتوم من بين شهقاتها، وكأن الألم الذي تحمله كان ثقيلاً للغاية:
"متردش على سؤالي بسؤال يا سلطان، مين قتل بابا؟"
زفر بضيق، والأفكار تتزاحم في عقله، احتجزت كلماته في حلقه، كأنها صمامات أمنية تمنعه من إغراقها بمزيد من الألم:
"منعرفش يا ترنيم، القضية وقتها اتحفظت وقيدت ضد مجهول، علشان معرفوش يوصلوا للجاني."
حركت رأسها بالرفض، وقد تفجرت دموعها كالبراكين، وتحدثت بأنفاس مكسورة، تبحث عن إجابة رغم ويلات الواقع الذي تعيشه:
"وليه ضحكتوا عليا ومحدش قالي الحقيقة؟"
أجابها بصوت مكتوم، ممزوج بالأسى، وكأن حزنه يكاد يسبب له آلاماً جسدية:
"علشان وقتها كنتي صغيرة، ومكنتيش هتقدري تستوعبي اللي حصل ده، ولما كبرتي شوية، محبناش نقولك علشان تقدري تكملي طريقك، ومعرفتك بحاجة زي دي مكانتش هتفيدك بحاجة."
تعالت شهقاتها، وصوتها أصبح خافتًا وصعبًا، مزيج من الاستسلام والغضب، وكأن الروح التي كانت مفعمة بالأمل بدأت تتلاشى، وفوضى المشاعر تملأ قلبها:
"انتوا ازاي تداروا عليا حاجة زي كده؟ بأي حق تخفوا عني الحقيقة؟ انتوا بتعملوا فيا كده ليه؟ كل ما فوق من صدمة ترجعوا تدوني صدمة أكبر منها، أنا تعبت، مبقاش فيه كلام يوصف اللي حاسة بيه والخذلان اللي بشوفه من أقرب ناس ليا، أنا بكرهك يا سلطان، بكرهكم كلكم، ومش مسامحة أي حد فيكم."
كانت كلماتها تتدفق مثل النهر الجارف، تحمل معها سيلًا من مشاعر الغضب والخيبة، كل جملة كانت بمثابة سلاح، تخترق جدران الصمت التي حاولوا بناءها من حولها، لقد عانت من صدمات متكررة، وكان كل هؤلاء الذين يعزفون على أوتار القلق والحذر قد ألقوا عليها أعباءً لم يكن يفترض بها أن تتحملها، تذكرت كل لحظة شعرت فيها بالوحدة، وكيف أن الشكوك كانت تلازمها كظل، يتبعها في كل خطوة، لقد أرادت أن تعرف، أن تفهم لماذا اختاروا إخفاء الحقيقة عنها.
قبل أن تتحرك، وقف سلطان أمامها وتحدث بصوت مكتوم:
"اهدي يا ترنيم، وفكري بعقل شوية، أبوكي لما حصل ليه كده، انتي كان عمرك صغير خمس سنين، ازاي كنتي هتقدري تستوعبي اللي حصل ده؟"
صرخت في وجهه، وكان في نبرتها مزيج من الغضب والحسرة:
"ماشي كنت صغيرة وقتها، طيب ولما كبرت، ليه محدش قالي الحقيقة؟ ليه سبتوني على عمايه ومعرفش حاجة؟"
لم يكن رد سلطان سوى محاولة يائسة لتهدئة الموقف، لكنه عرف أنها لن تصغي الآن، كان قلبه مثقلًا بالألم، رد عليها بهدوء، وكان الحزن يعتصر قلبه:
"علشان من وقت ما كبرتي، والدنيا حلفت ما تسيبنا مبسوطين، من وقتها والدنيا عمالة تدينا فوق دماغنا، نطلع من مصيبة نقع في مصيبة أكبر، مكانش فيه الوقت اللي نقعد فيه ونحكي ليكي اللي حصل."
نظرت له نظرة مطولة، واستطاعت أن ترى بوضوح الألم الذي يعيشه، ورغم كل شيء، ظهر الحزن في عينيها كأنها كانت تنظر إلى مرآة تعكس معاناتهم جميعًا، وكلماتها خرجت بصوت مختنق:
"ياريتني ما كبرت، وفضلت صغيرة يا سلطان، كان زماني في حضنك دلوقتي."
حرك يده برفق على وجهها وتحدث بصوت مختنق، وكأن الألم الذي يشعر به كان يصب في كل كلمة نطق بها:
"ياريت يا ترنيم، أنا نفسي يكون اللي بيحصل ده كله مجرد كابوس، وهنصحي منه، والأقيكي لسه زي ما انتي جنبي، وفي حضني."
ابتعدت عنه، ودموعها تتلألأ في عينيها، تجسد جميع العواطف المكبوحة والحسية التي كانت تحاول التعامل معها:
"أنت اللي أسست الكابوس ده من الأول يا سلطان، وشدتنا كلنا فيه، أنت اللي نهيت بأيدك على أحلامنا الجميلة، وعيشتنا في كوابيس ملهاش نهاية."
أومأ برأسه بحزن وقال:
"عارف، وقريب أوي هنهى كل ده بأيدي، وهرجع كل حاجة زي ما كانت."
ابتسمت بتهكم، وقد سكن الألم عينيها، وكأنها تتذكر مشاهد كئيبة من الماضي:
"اهي دي أحلام اليقظة."
ثم تحركت تجاه الباب، ووقفت مرة أخرى واستدارت له، وكأنها تستعرض كل ما تحملته في قلبها، وقالت:
"أنا هفتح قضية بابا من أول وجديد، وهوصل للقاتل، وهسلمه بإيديا للشرطة."
أغلق عينيه بنفاذ صبر، واندلعت نيران الغضب في صوته، وكأنه يكاد يخرج عن طوره:
"هتفتحى علينا باب تاني، واحنا مش ناقصين! نخلص الأول بس من الأفاعي اللي حوالينا، وبعد كده نشوف القضيه دي."
تكلمت بغضب وحنق، وكأنها لا تستطيع كبح مشاعرها أكثر:
"أخلصوا انتوا براحتكم! أنا هعمل زي ما قولتلك يا سلطان."
تنهد بضيق، ثم قال بعصبية ملحوظة:
"طيب، ممكن متخديش أي خطوة إلا لما تقوليلي الأول قبلها، علشان أبقى معاكي."
تذكرت كلمات مريم لها بالأمس، كأنها خطت على جراح قديمة، وابتسمت بوجع وغصة في القلب:
"أكيييد هقولك، أنت الأساس في الموضوع كله، سلام."
أنهت كلامها وغادرت المكان بسرعة، تاركة سلطان يتابعها حتى اختفت من أمام أنظاره، بينما كانت أفكاره تشوش وتدور حول ما سيأتي، شعر بشيء غريب بعد كلماتها، مزيج من القلق والفخر، وتنهد بغضب وعاد مرة أخرى إلى مكتبه، حيث واجه مجموعة من الأوراق التي كانت مثقلة بمسؤولياته وصراعاته الداخلية.
*************************
جلست مريم على الأريكة بلامبالاة، ساقا فوق أخرى، تميل بجذعها للأمام وهي تمرر المبرد على أظافرها بعناية كأن العالم حولها غير موجود، كانت تدندن بنبرة خفيفة مع الأغنية المنبعثة من هاتفها، صوتها واثق ومرتاح، إلى أن اخترق الجو صوت غريب وهو يصرخ في رجاله بالخارج.
كان الغضب في نبرته واضحًا، كأن كل كلمة تخرج من حنجرته تحمل تهديدا، توقفت مريم للحظة عن دندناتها، مالت برأسها قليلًا دون أن ترفع عينيها، ثم قالت بنبرة هادئة بلا اهتمام، كأنها تلقي معلومة عابرة:
"أنا عارفه مكانها فين."
التفت غريب بسرعة، عروقه بارزة عند صدغيه، ونظر لها بعينين يملؤهما الغضب المكبوت، قال بصوت منخفض لكنه حاد كسكين:
"ولما عارفه مكانها ساكته ليه من بدري؟ انطقي، ترنيم فين؟"
رفعت مريم جسدها ببطء عن الأريكة، أسندت مبرد الأظافر على الطاولة، ثم ابتسمت تلك الابتسامة المستفزة التي تتعمد بها إثارة غضبه:
"في الحارة عند المعلم سلطان."
اشتد فكه بقوة حتى بدا كأنه سيكسره من شدة الضغط، اتسعت فتحتا أنفه، وقال بصوت يغلي:
"مين اللي قالك إنها هناك؟ هي؟"
هزت رأسها نفيا دون أن تفقد ابتسامتها الباردة:
"لا، فريدة شافتها وهي داخلة عنده المكتب وقالتلي."
قبض غريب يده بقوة، أصابعه تصدر صوت الاحتكاك، وعيناه تلمعان بشرر صريح كأن النار اشتعلت داخله، تحدث وهو يحدق في نقطة ما أمامه:
"ماشي يا ترنيم، أنا هوريكي."
في تلك اللحظة، دلف إبراهيم من الباب، وتوقف لحظة عندما رأى ملامح غريب المشدودة، تقوس حاجباه بدهشة وهو يقول:
"فيه إيه يا غريب؟ عيونك بتطلع شرار كده ليه؟"
ابتلع غريب غيظه بصعوبة وقال بصوت متقطع من شدة الغضب:
"أعمل معاها إيه تاني؟ برضه بتحن ليه، وبتروح عنده، مهما قدمت ليها الحب، مش شايفاني."
اقترب إبراهيم منه، لمح مريم التي كانت تتابع المشهد بشماتة صامتة، فشعر بالضيق منها، أمسك ذراع غريب بحزم وسحبه معه إلى غرفة المكتب، أغلق الباب خلفهما وأخذ نفسًا عميقًا ثم قال بنبرة هادئة:
"متظلمش ترنيم يا غريب، هي بتحاول تديك فرصة، بس هي مشوشة، اللي عاشته مش سهل على واحدة في سنها، سيبها تاخد مساحتها، وفي الآخر، بحنيتك عليها وحبك ليها انت اللي هتفوز بقلبها، متنساش إنك أبو اللي في بطنها، يعني الأولوية ليك انت."
جلس غريب على المقعد وكأن الأرض سحبت قدميه، وضع رأسه بين يديه، وصوته خرج مهزومًا، مختنقًا:
"أعمل إيه يا بابا؟ أنا بحب ترنيم، وبغير عليها، بموت لما بشوف حب سلطان في عيونها، بحس إنها مغصوبة عليا، وجودها جنبي، تأدية واجب مش أكتر."
اقترب إبراهيم ووضع يده على كتفه، وهز رأسه بتفاهم صادق:
"عارف إنها صعبة عليك، بس الحب الصادق هو اللي بيستمر، وانت حبك لترنيم صادق وحقيقي، وعلشان كده، ربنا رزقك باللي في بطنها، حتة منك، مكافأة على حبك ليها."
لم يمهله القدر لحظة، فجأة سمع صوت صادم، وسمع صراخًا حادًا ممزوجًا ببكاء، قفز غريب من مكانه واندفع إلى الخارج.
وجد ترنيم منهارة، دموعها تغرق وجهها، وصوتها يرتجف وهي تصرخ في وجه مريم:
"انطقي! مين اللي قتل بابا؟ انطقي بقولك!"
اتجمد غريب وإبراهيم في أماكنهم للحظات؛ الصدمة سلبت منهم القدرة على الحركة، تبادلا النظرات، الخوف مرسوم في عيونهما.
رفعت مريم رأسها، وببرود غريب ابتسمت وقالت وهي تنظر لهما:
"والله القاتل مش بعيد عنك، بس نفذي اللي طلبته منك، وأنا هقولك كل حاجة."
ثم خطت خطوة للأمام، وقفت أمام غريب تحديدًا، نظرت له نظرة تحمل معنى لا يريد فهمه الآن، ابتسمت ابتسامة غامضة، ثم صعدت إلى غرفتها ببطء وكأنها تركت وراءها قنبلة موقوتة.
انزلقت قدما ترنيم وسقطت على الأرض، تحتضن بطنها وتصرخ بألم يشق القلب.
وقف غريب وإبراهيم عاجزين تمامًا، ملامحهما مشدودة كأن الزمن توقف، والصدمة حبست أنفاس الجميع في تلك اللحظة.
**************************
