رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس والثلاثون 


خرجت سمية من بوابة الشركة بخطوات مترددة قليلًا، والهواء الخارجي يلفح وجهها كأنه يوقظها من ثقل يوم طويل، كان حسام يسير إلى جوارها في صمت، نظراتهما تتقاطع ثم تهرب سريعًا، وكأن كليهما ينتظر من الآخر أن يبدأ الحديث.
توقف حسام فجأة، التفت إليها بابتسامة خفيفة تخفي خلفها شيئًا من التردد، ثم قال بنبرة تحمل اقتراحًا صادقًا:
"أيه رأيك نروح نتغدا بره سوا؟"
ارتسمت على وجه سمية ابتسامة دافئة، بدت كأنها انتشلتها من أفكارها الثقيلة، وأجابت بحماس واضح:
"موافقة طبعاً بس استئذن من سلطان الاول."
وقبل أن تكمل خطوتها التالية، اخترق صوتهما صوت مألوف قادم من الخلف، يحمل نبرة ابتسامة موجوعة لا تخطئها الأذن:
"يستأذن مني في أيه؟"
استدارت سمية سريعًا، وقد انقبض قلبها للحظة حين وقعت عيناها على ملامح أخيها الشاحبة، حاولت أن تخفي حزنها وهي تتحدث بصوت مكسور لأجله:
"إننا نتغدا بره أنا وحسام."
أومأ سلطان برأسه ببطء، وكأنه يحتاج إلى لحظة ليبتلع شعوره قبل أن يتكلم، خرج صوته مختنقًا لكنه حاول أن يبدو طبيعيًا:
"روحوا، ربنا يسعدكم بس متتأخروش."
لم ينتظر ردًا، استدار وصعد إلى الأعلى بخطوات ثقيلة، يجر خلفه وجعًا صامتًا وحزنًا متراكمًا لا يعرف كيف يبوح به.
تابعت سمية أثره بعينيها حتى اختفى عن ناظرها، وتنهدت بحرقة وهي تشعر بثقل يجثم على صدرها، التفتت إلى حسام وقالت بصوت ممتلئ بالعجز:
"أنا قلبي وجعني أوي على سلطان، ومش في إيدي حاجة أساعده بيها."
نظر إليها حسام بعينين هادئتين، وفي ابتسامته ثقة مطمئنة كأنها وعد غير معلن، وقال:
"متقلقيش على سلطان، أخوكي قدها، وقريب أوي هيتحل كل حاجة."
تسلل التفاؤل إلى قلب سمية دون استئذان، فرفعت حاجبيها بتعجب وسألته بفضول واضح:
"انت تعرف حاجة أنا معرفهاش؟"
ابتسم أكثر، مد يده وأمسك يدها بحنان صريح، وقال بنبرة يغلفها الحب والمزاح معًا:
"امشي يلا، هموت من الجوع."
شدها برفق لتتحرك معه، منهيًا الحوار قبل أن تنكشف أي أسرار، تاركًا خلفهما أسئلة معلقة وأمورًا مؤجلة تنتظر لحظتها المناسبة للظهور.
    ***********************
باليوم التالي...

ذهبت ترنيم بخطوات ثقيلة، تحمل بين يديها بعض الأوراق الهامة، صاعدة السلم المؤدي إلى منزل خالتها، قلبها ينبض بسرعة، وكل خطوة تشعر وكأنها تقربها أكثر من مواجهة لم تكن سهلة، طرقت على الباب بخفة، لكن الصوت الصادر لم يكن ليخفف من رهبتها، فتحت لها فريدة، ونظرتها كانت مليئة بالحقد والكراهية، كأنها تحاول أن تثبت لها مكانها من اللحظة الأولى، لم تمنحها فرصة لتتكلم، أبعدتها عن الباب بقوة، ثم تحركت إلى الداخل دون أي تردد.
دخلت ترنيم فوجدت الجميع مجتمعين حول طاولة الطعام، والجو مشحون بمزيج من المودة والضغوط غير المرئية، قبلت يد صباح وجلست على المقعد بجوارها، ثم التفتت إلى سلطان بنظرات تحمل لومًا، لكنها أيضًا كانت تنطوي على شيء لم تستطع فهمه بعد.
سمية لاحظت الحزن في عينيها وتكلمت بصوت حزين، محاولة كسر الجليد:
"عاملة ايه يا توته؟"
ابتسمت ترنيم بحزم، محاولة أن تبدو قوية:
"عايشة، أو بحاول أعيش."
تنهد سلطان بوجع، وعيناه تعكس ألمًا داخليًا، وفجأة أمسكت ابنته الصغيرة يده وقالت ببراءة:
"أكلني يا بابا."
أومأ لها برأسه وهو ما زال يراقب ترنيم بوجع وحزن، وبدأ يطعم ابنته، كل حركة منه تعكس خليطًا من الحب والغيرة، نظراته لا تفارق ترنيم، وكأن قلبه يتأرجح بينهما.
تكلمت صباح بنبرة حنونة، محاولة أن تخفف التوتر:
"مالك يا قلب خالتك؟ ليه بقيتي دبلانة كده؟ فين البنت اللي كانت كلها حيوية ونشاط، و الضحكة مش بتفارق وشها؟"
هبطت دمعة من عين ترنيم، وقالت بصوت مختنق، كل كلمة تحفر ألمًا في صدرها:
"ماما وحشتني أوي يا خالتو، محتاجها أوي، نفسي أترمى في حضنها وأقولها كل اللي وجعني، أنا الدنيا جات عليا أوي يا خالتو."
اندفع سلطان بغضب دفين، صوته يخرج مليئًا بالحب والامتعاض معًا:
"لا عاش ولا كان اللي يوجعك وأنا عايش يا ترنيم."
ابتسمت ترنيم بتهكم، بينما يتلعثم صوتها من شدة المشاعر:
"لا عايش حياته عادي يا سلطان، ولا كأنه عامل أي حاجة."
فهم مقصدها سريعًا، وصوت الحب يخيم على نبرته:
"محصلش يا ترنيم، لا قادر يعيش شبه الناس، ولا قادر يشوف حد غيرك."
ضغطت فريدة على أسنانها بغضب، وزفرت بضيق:
"هنفضل نتكلم كتير كده؟ عايزين نكمل أكلنا ونشوف مصالحنا."
استقامت ترنيم بجسدها، ونظرت إلى فريدة بنظرة تحمل استياءً واضحًا، ثم تكلمت بصوت مختنق، لكنها مصممة:
"سلطان، ممكن أكلمك كلمتين على انفراد."
أومأ برأسه بالموافقة، واستقام بجسده وأشار لها بيده إلى غرفة المكتب، تحركا معًا تحت نظرات فريدة الحاقدة، ونظرات سمية وصباح الحزينة والمراقبة، كل عين تترقب ما سيحدث.
دلفت ترنيم غرفة المكتب، وتبعها سلطان وأغلق الباب خلفهما، ثم نظر لها بحب وحنان:
"تعالي اقعدي يا ترنيم."
جلست على المقعد، وجلس سلطان امامها، ونظرهما اصطدم في لحظة صمت ممتد، حرك رأسه بلطف ليحثها على الكلام، كأنه يمنحها حرية التعبير دون أي ضغط.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وعيناها تتجه نحو الأوراق الممسكة بها، وقالت بصوت متردد:
"ا أنا عايزاك تمضي على الورق ده."
نظر إلى الأوراق بدهشة، وقال متسائلًا:
"ورق أيه ده؟"
تلعثمت ترنيم وهي تحاول ترتيب كلماتها:
"ها…ده ورق خاص بيا، محتاج امضتك عليه، بصفتك إنك كنت الواصي عليا."
تنهد سلطان بعمق، ثم قال بحزن يملأ قلبه:
"كنت الواصي!! عموماً، هاتي، أمضيلك على اللي انتي عايزاه."
ارتعشت يدها وهي تقدم له الأوراق، والتوتر واضح في كل حركة، أخذها سلطان، ودون أن يرفع عينيه عنها، بدأ يوقع على جميع الأوراق واحدة تلو الأخرى. ثم أعطاها الأوراق وقال بصوت دافئ مليء بالعاطفة:
"خدي اهو، مضيت على كله، وعايزك تعرفي إن هفضل واصي عليكي لآخر يوم في عمري، فاهمة يا بنت قلبي."
أغلقت ترنيم عينيها لحظة لتمنع دموعها من السقوط، ثم أومأت برأسها بصمت، وأخذت الأوراق بين يديها، متحركة سريعًا نحو الخارج، مغادرة المكان دون أن تنظر لأي شخص.
نظر سلطان إلى أثرها بحزن عميق، وتنهد بوجع، ثم نهض من مكانه، خرج من الغرفة هو الآخر، تحت نظرات الترقب والدهشة من الجميع، تاركًا وراءه صمتًا مليئًا بالأسى والتأمل.
     **********************
هبط غريب من أعلى الدرج بخطوات متسارعة، صدره مشدود وعيناه تضيقان من شدة الانفعال، ليجد والدته جالسة بجوار مريم، أغلق عينيه بضيق، كأنه يحاول أن يمنع الغضب من الانفجار، ثم اتجه إليهم بنبرة ساخرة محملة بالتهكم:
"خير، ربنا يستر من اجتماع الأفاعي."
نظرت سيمون له بعينين تلمعان بالغضب، جسدها مشدود، ويدها ترتجف قليلًا من حدة المشاعر، وقالت بصوت مرتفع:
"ولد! اتلم واتكلم بأحترام، متنساش أن أنا مامتك."
ابتسم غريب ابتسامة ساخرة، أدار جسده قليلًا وهو يتجه إلى الطاولة التي عليها المشروب، حركاته حادة وسريعة تعكس اندفاعه الداخلي، وتحدث مستهزئًا:
"اعتقد انك انتي اللي نسيتي يا سيمون هانم، مش أنا."
أخذ الكأس بدفعة واحدة، يده ترتجف قليلًا لكنه يسيطر على نفسه، ووضعه على الطاولة بسرعة قبل أن يعود إليهم مجددًا، نظر إليهم بعينين تختلط فيهما السخرية وخيبة الأمل:
"بس أيه الزيارة الغريبة دي، مش متعود منك على كده."
أغلقت سيمون عينيها بضيق، كتفها يرتعش من حدة الانفعال، وقالت:
"جيت اقابل باباك علشان مش موجود في المكان اللي متعود عليه."
ابتسم غريب بخيبة أمل، رأسه يميل قليلًا وكأن الصمت يثقل صدره، ثم تحدث بصوت مختنق، محاولة كبح شعوره:
"امم، يعني الزيارة دي مش علشاني، ده الطبيعي بتاعك، عموماً، لو عايزة بابا، اصبري ساعة هتلاقيه جاي."
تحرك بخطوات ثقيلة باتجاه الباب، ثم توقف فجأة، عينيه تحدقان في سيمون، صوته يحمل تهديدًا خافتًا:
"بلاش تسمعي كلام الحية اللي جنبك دي، ولا بحذرك من مين! ما أنتوا الاتنين نوع واحد."
أنهى كلامه ودلف مكتبه بخطوات سريعة، كتفيه منحنية قليلاً، وحزن وخيبة أمل يسيطران على كل حركة له.
تنهدت مريم بتهكم، يديها متقاطعتان على صدرها، وقالت بنبرة ساخرة:
"واضح أنه بيحبك أوي."
نظرت لها سيمون بضيق، وجلست بجوارها، وقالت بصوت منخفض مليء بالاستياء:
"كله من العقربة اللي معاه، كرهني بسببها، علشان عايزة ليه واحدة بنت ناس وفي مستوانا."
تعالت ضحكات مريم، كتفها يهتز بخفة مع كل ضحكة، وقالت بصعوبة لكنها تحاول تخفيف التوتر:
"شوف ازاي يا جدع، وانتوا الحسب والنسب يشرف بصراحة."
نظرت لها سيمون بعينين ضيقتين، جسدها مشدود بالكامل، وقالت بغضب:
"قصدك إيه!؟"
استقامت مريم بجسدها بالكامل، ظهرها مشدود، وعيناها تحدقان في سيمون بحزم، وقالت:
"ولا أي حاجة، فكري بس في كلامي، ولو موافقة قولي أوك وننفذ على طول."
أنهت كلامها، وتحركت إلى الأعلى، تاركة سيمون جالسة تفكر فيما قالته مريم، قلبها ينبض بسرعة، وعقلها يدور في كل كلمة وقصدها، بينما الصمت يعكس ثقل الموقف على أعصابها.
     **********************
جلست ترنيم أمام قبر والدتها، جسدها منكسر، كتفاها منحنيان كأن ثقل العالم كله استقر فوقهما. كانت أصابعها تنقبض في التراب ثم ترتخي، وكأنها تحاول التشبث بشيء لم يعد موجودًا، انحنت للأمام، وارتطم جبينها بركبتيها، وتعالت شهقاتها بشكل متقطع، حاد، موجع، يخرج من صدرها بلا سيطرة.
رفعت رأسها بصعوبة، شفاهها ترتعش، وعيناها محمرتان من البكاء، وتكلمت بصوت مهتز يكاد ينهار:
"وحشتيني اوي يا ماما الدنيا بقت وحشه اوي من غيرك، محتاجة حضنك يضمني، يحسسني أن الدنيا لسه بخير، محتاجه نصيحتك ليا، اللي كانت بتنلشني من الدوامة اللي أنا فيها دي، ليه سبتيني لوحدي يا فوفا؟ ارجعيلي لو دقيقه واحده أخدك فى حضني واشم ريحتك."
ارتجف جسدها بالكامل، ثم رفعت يدها ومسحت دموعها بظهر كفها بعنف، كأنها غاضبة من ضعفها. انزلقت نظراتها ببطء إلى الأوراق الموضوعة بجوارها، حدقت فيها طويلًا، وكأنها ترى مصيرًا مظلمًا مكتوبًا بين السطور، انخفض صوتها، وخرج حزينًا، مثقلًا بالحيرة:
"انا مش عارفه اللي بعمله ده صح ولا غلط؟ بس أنا محتاجة أعرف مين اللي قتل بابا حتى لو على حساب سلطان نفسه."
تسارعت أنفاسها فجأة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، الخوف تسلل إلى ملامحها بلا استئذان، وضعت يدها على صدرها، وكأن قلبها يؤلمها فعليًا، وانخفض صوتها أكثر، متكسرًا بين دموعها:
"بس مش هقدر اشوف سلطان بيتأذى أنا عندي الموت اهون من اللحظة دي قوليلي اعمل ايه يا ماما؟ مريم هي الوحيدة اللي تعرف مين القاتل، وعلشان تقول مين، عايزة أمضت سلطان على الورق ده، انا متأكدة أن سلطان هيخسر كل حاجه لو الورق ده وقع في ايد واحدة زي دي، أعمل ايه بس يا ربي؟ أنا تايهه وضايعة."
وفجأة، جاءها الصوت من خلفها، باردًا، قاسيًا، كأنه طعنة في ظهرها:
"القاتل عايشه معاه وجنبه، بتشوفيه كل يوم، بتتعاملي معاه وبتاكلي معاه على نفس الترابيزة."
انتفض جسدها بعنف، واستدارت له بسرعة، عيناها متسعتان، ملامحها مشدوهة، وقالت بعدم فهم، صوتها متوتر:
"انت تعرفه مين !؟"
تعالت ضحكاته، ضحكات خالية من أي رحمة، وتكلم بنبرة لئيمة تحمل شماتة واضحة:
"عز المعرفة."
نهضت بسرعة، تعثرت قليلًا ثم اندفعت نحوه، عيناها تلمعان بالدموع، يداها ممدودتان نحوه برجاء حقيقي، وصوتها يرتجف من شدة الانكسار:
"مين؟ ريح قلبي ابوس ايدك."
نظر إليها طويلًا، نظرة باردة، متشفية، اقترب منها خطوة بخطوة حتى أصبحت أنفاسه قريبة منها، ثم مال نحو أذنها وهمس بصوت خبيث تقشعر له الأبدان:
"معرفتك هتكون فيها راحتك وانا مش عايز راحتك عايزك كده تايهه ومش عارفه تعيشي حياتك طبيعية، عايزك كده عايشه مع اللي قاتل ابوكي وبتتعاملي معاه عادي وانتي متعرفيش أنه هو، علشان لما تعرفي في الاخر تتقهري وتموتي بحسرتك، انك كل ده كنتي عايشه عبيطة وهبلة، اشربي بقى الوجع والذل، واه متثقيش فى مريم كتير علشان مش هتقولك مين اللي قتل ابوكي بسهولة كدة حتى لو نفذتي اللي هتطلبه منك."
ما إن أنهى كلماته حتى دفعها بقوة. اختل توازنها وسقطت على الأرض، كفاها اصطدما بالأرض، وجسدها ارتج من الصدمة، رفع رأسه عنها بلا اكتراث، ثم غادر مسرعًا، تاركًا خلفه قلبًا محطمًا وروحًا تنزف.
صرخت بصوت حاد، صرخة خرجت من أعماقها، من بين شهقاتها المتقطعة:
"بترجاك تقولي مين القاتل؟ ابوس ايدك ريح قلب اختك، ياااارب أنا تعبت والله، عارفه أن عصيتك كتير بس انت غفور رحيم، ريحني من العذاب اللي انا فيه ده."
ظلت على الأرض، جسدها يرتعش، أنفاسها تتقطع، دموعها تنساب بلا توقف، حتى خارت قواها تمامًا، وبعد وقت طويل، نهضت ببطء، خطواتها متثاقلة، وعادت إلى المنزل، تجر خيباتها خلفها، وكأن كل خطوة تسحب معها جزءًا جديدًا من روحها.
     **********************
جلس غريب على الأريكة داخل غرفة مكتبه، ظهره مشدود، وقدماه تضربان الأرض بعصبية غير منتظمة، هاتفه بين يديه، يعيد الاتصال مرة تلو الأخرى، وكل مرة يمر الوقت دون إجابة، يزداد صدره ضيقًا ونبضه اضطرابًا، كان الغضب يشتعل داخله، مختلطًا بقلق لم يعترف به حتى لنفسه،
مر الوقت ببطء قاتل، إلى أن سمع صوت الباب يفتح أخيرًا، خرج سريعا رفع رأسه بسرعة، فتجمد مكانه حين رآها تدخل.
كانت ترنيم تجر قدميها بصعوبة، جسدها منحني قليلًا، وملابسها متسخة بالأتربة، شعرها مبعثر، وملامحها شاحبة كأن الحياة انسحبت منها.
انتفض من مكانه فورًا، قطع المسافة بينهما بخطوتين سريعتين، أمسك يدها بقوة لم يقصد بها الأذى بقدر ما كانت انعكاسًا لفزعه، وقال بصوت خرج متوترًا رغم حدته:
"ترنيم ايه اللي عمل فيكي كده؟ وكنتي فين طول النهار؟ ومش بتردي على اتصالاتي، ولا حتى رضيتي تخدي معاكي الرجالة زي ما قولت ليهم."
سحبت يدها من قبضته بقوة مفاجئة، نظرت إليه نظرة عابرة خالية من أي رد فعل، ثم تحركت ببطء نحو السلم، جلست عليه وكأن جسدها لم يعد يقوى على الوقوف، وخرج صوتها ضعيفًا، مرتعشًا:
"روحت الصبح زورت خالتو وبعد كده روحت زورت ماما فى قبرها."
توقف مكانه لحظة، ثم جلس بجوارها، ورغم النار المشتعلة في صدره، إلا أن صوته خرج هادئًا، كأنه يجبر نفسه على التماسك:
"طيب أية اللي وصلك للحالة دي يا ترنيم؟ انتي ناسية انك حامل واللي انتي فيه ده غلط عليكي وعلى اللي في بطنك؟"
أخفضت رأسها، كتفاها يهتزان، وتنهدت بوجع خرج من أعماقها قبل أن تتكلم بصوت مختنق:
"هيحصلي ايه يعني اكتر من اللي انا فيه ده؟"
مد يده ووضعها على ظهرها، يربت بحنان واضح، حركاته بطيئة، كأنه يخشى أن تنكسر بين يديه، وقال بنبرة يغلفها الحب والقلق:
"انا خايف عليكي انتي يا ترنيم مش قادر اشوفك بالحالة دي عارف ان اللي بتمري بي الفترة دي صعب عليكي بس انتي قوية وقدها وأيدي فى ايدك هنعدي الصعب سوا."
لم تتحمل أكثر، انفجرت دموعها بغزارة، جسدها ينحني للأمام، وصوتها يخرج من بين شهقات متقطعة:
"لو بتحبني بجد ساعدني اوصل للي قتل بابا يا غريب."
تجمد جسده في مكانه، ابتلع ريقه بصعوبة، استقام فجأة، وكأن الجملة أصابته في مقتل، خرج صوته متلعثمًا وهو يحاول الهروب من نظراتها:
"ها...ا انتي ايه طلعها في دماغك ده بس يا ترنيم؟ اللي حصل حصل خلاص معرفتك دلوقتي مش هتفيدك بحاجة."
رفعت رأسها بسرعة، عيناها حمراوان، نظرتها مشتعلة بالغضب والألم، وصاحت بصوت حاد:
"لا هيفدني يا غريب، هعرف مين اللي قتل بابا وهسلمة لشرطة واجيب حقة علشان يرتاح في قبره، ها هتساعدني ولا لا؟"
أغلق عينيه بقوة، كأنه يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار أو من أن تفضحه نظرة لا يريدها أن تراها، وبعد لحظة صمت ثقيلة، أومأ برأسه بالموافقة وقال بصوت خافت:
"ماشي يا ترنيم هساعدك بس ممكن ترتاحي شوية دلوقتي علشان المجهود غلط عليكي."
وقبل أن ترد، وقعت عيناه على الأوراق التي ما زالت ممسكة بها بقوة، كأنها طوق نجاة، فسأل بتوجس:
"ايه الورق ده يا ترنيم؟"
شدت الأوراق إلى صدرها وأخفتها خلف ظهرها بسرعة واضحة، وقالت بصوت مختنق:
"ورق يخصني أنا يا غريب."
استقامت بظهرها، تحركت نحو الأعلى وتابعها غريب، فتحت خزانة الملابس بخطوات ثابتة على عكس حالتها قبل قليل، فتحت خزنة صغيرة مخبأة بعناية، وضعت الأوراق بداخلها، أغلقتها بإحكام، ثم استدارت دون أن تنظر إليه، واتجهت إلى المرحاض.
ظل غريب واقفًا مكانه، يتابع أثرها بعينين ممتلئتين بالارتباك وعدم الفهم، تحرك نظره ببطء نحو الخزنة المغلقة، ظل يحدق فيها لثوان طويلة، ثم تنهد بصمت، وغادر الغرفة، تاركًا إياها تستريح، أو هكذا أقنع نفسه.
    ***********************
مرت الأيام ثقيلة، كأنها تتعمد أن تزحف ببطء فوق صدر ترنيم، ظلت حبيسة داخل غرفتها، جسدها حاضر وعقلها غائب، تهرب من الجميع بحجة النوم، وكأن النوم صار درعها الوحيد، كانت تلتقط الطعام كما لو كان واجبًا ثقيلًا؛ بضع لقمات تعد على الأصابع، تبتلعها بلا رغبة، بلا طعم.
كلما سمعت حركة الباب، تشد جسدها تلقائيًا، تغلق عينيها سريعًا، تتصنع الغرق في النوم، خوفًا من نظرة، من سؤال، من كلمة قد تجبرها على الحديث،
وفي الصباح، استيقظت فجأة، أنفاسها متلاحقة قليلًا، التفتت بعينيها نحو الجانب الآخر من السرير، بحثت بلا وعي، ثم توقفت، غريب لم يكن هناك،
تنفست بارتياح واضح، زفرة خرجت من صدرها مثقلة، كأنها كانت تحبسها منذ أيام، نهضت ببطء، جسدها متيبس، واتجهت إلى المرحاض، تركت الماء الدافئ ينساب فوقها، تحاول أن تغسل أكثر من مجرد إرهاق جسدي؛ تحاول أن تخفف ثقلًا عالقًا بداخلها.
بعد وقت، خرجت، وما إن رفعت عينيها حتى تجمدت خطواتها.
مريم كانت تجلس على الأريكة، تنتظرها،
زفرت ترنيم بضيق، كتفاها انخفضا قليلًا، وصوتها خرج مختنقًا، مشوبًا بتعب واضح:
"انتي ايه اللي دخلك اوضي من غير استئذان؟"
نهضت مريم ببطء شديد، حركة محسوبة، وابتسامة هادئة تستقر على شفتيها، تلك الابتسامة التي لا تطمئن، تقدمت بخطوات ثابتة نحو ترنيم، وعيناها لا تفارقانها، ثم تكلمت بتساؤل مصطنع:
"فين الورق اللي اديته ليكي علشان تمضي سلطان عليه؟"
شعرت ترنيم بأن حلقها يجف فجأة، ابتلعت ريقها بصعوبة، أصابعها تشابكت بلا وعي أمامها، وصوتها خرج مرتجفًا:
"م معايا لسه موقعش عليه."
عقدت مريم ذراعيها على صدرها، جسدها مال قليلًا للخلف، ونبرتها انقلبت إلى تهكم واضح:
"والله! اومال كنتي بتعملي عنده ايه من يومين ودخلتوا المكتب لوحدكم ليه؟"
استدارت ترنيم بظهرها، كأنها تحتمي بالابتعاد، كتفاها ارتفعا توترًا، وردت بصوت مضطرب:
"م ما أنا معرفتش اقوله يمضي عليه اتوترت وخرجت على طول من غير ما أقوله."
نظرت إليها مريم نظرة طويلة، مشككة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، يغلفها شر واضح، وقالت:
"براحتك شكلك مش عايزة تعرفي مين القاتل."
أغلقت ترنيم عينيها بقوة، كأن الجملة أصابتها في موضع حساس، انحنى رأسها قليلًا، وصوتها خرج مكسورًا:
"بترجاكي يا مريم قوليلي مين القاتل وانا اوعدك أن همضي سلطان على الورق اللي معايا."
حركت مريم رأسها بالرفض، ضحكة ساخرة خافتة خرجت منها، وقالت بسخرية:
"انا مش امك علشان تصعبي عليا وأضعف وأقولك الحقيقه يا حلوة، مضي سلطان على الورق اللي معاكي، وانا اقولك مين اللي قتل ابوكي، سلام يا قطه."
أنهت كلامها واستدارت فورًا، خطواتها سريعة، حاسمة، وغادرت الغرفة دون أن تلتفت، دون أن تمنح ترنيم فرصة لالتقاط أنفاسها أو الاعتراض.
ظلت ترنيم واقفة مكانها، تحدق في الفراغ حيث اختفت مريم. صدرها يعلو ويهبط بعنف، وكأنها كانت تجري دون وقوف، بعد لحظات، تحركت عيناها ببطء نحو خزانة الملابس، ثم أغمضتهما، رأسها اهتز في حيرة وألم،
لم تكن تعرف أي طريق تسلك، كل اختيار يحمل خسارة.
خرج صوتها خافتًا، متقطعًا، والدموع تنساب بلا مقاومة:
"يارب حلها من عندك، وساعدني اوصل للحقيقه من غير ما اذي سلطان."
ارتدت ملابسها، دون تركيز، ثم جلست على السرير. ضمت قدميها إلى صدرها، ذراعاها التفا حولهما بقوة، وكأنها تحاول أن تمنع نفسها من الانهيار، وضعت رأسها فوق ركبتيها، وانكمش جسدها على نفسه، وبكت بخوف، بقهر، وبوجع عميق لا تجد له مخرجًا.
      *********************
ظلت نهى تتحرك داخل المكتب بخطوات سريعة غير منتظمة، ذهابًا وإيابًا، كأن الأرض تضيق تحت قدميها، قبضتا يديها مشدودتان، أنفاسها متلاحقة، وملامحها مشوهة بغضب لا تجد له متنفسًا، كانت تسب ترنيم بأقذر الألفاظ، كلماتها تخرج حادة، متقطعة، كأنها تلقي بثقل ما يختنق داخل صدرها.
توقفت فجأة، استدارت نحو والدها، وعيناها تقدحان شرًا، وصوتها خرج مشحونًا بالغضب:
"هموت واعرف خرجت منها ازاي الزفتة دي دول كانوا متلبسين يا بابي."
لم يرفع رأسه فورًا، اكتفى بزفرة بطيئة، ثم تكلم بنبرة هادئة خالية من الانفعال، كأنه يضع حاجزًا بينه وبين ثورتها: 
"اللي اعرفه انهم خرجوا منها بكفالة ولسه التحقيق شغال فى القضية دي، اكيد جد اللي اسمه غريب ساعدهم يخرجوا."
ألقت بنفسها على المقعد بعنف، جسدها مشدود، فكها مطبق بقسوة، وكأنها تكتم صرخة. ارتجف صوتها وهي تقول: 
"يارب تاخد اعدام واخلص منها، أنا بكرهها اوي يا بابي."
أغلق عينيه للحظة، ضغط على صدغيه بنفاد صبر، ثم قال بصوت منخفض يحمل تحذيرًا مبطنًا: 
"انا مش فايق للعب العيال ده، خلينا نشوف شغلنا، ونركز فيه، مأجلين عمليات كتير بسببهم."
رفعت رأسها قليلًا، هدأ جسدها ظاهريًا لكن عينيها ظلتا مشتعلة، أومأت برأسها ببطء وقالت: 
"عندك حق يا بابي السماسرة مش ساكتين وعمالين يبعتوا على البضاعه، أنا هقوم اتصل بيهم وابلغهم أننا هنخلص بليل."
نهضت، سحبت نفسًا عميقًا، واتجهت نحو الباب، وقبل أن تخطو خارجه توقفت فجأة، التفتت بجسدها نصف التفاتة، وسألت بنبرة باردة خالية من أي إحساس: 
"هما كام راس دلوقتي؟" 
رفع رأسه هذه المرة، نظر إليها نظرة ثابتة، بلا رحمة، وأجاب بصوت مسطح: 
"تسعه، اربع ستات، وتلاته اطفال، واتنين رجالة."
أومأت برأسها دون تعليق، لم يظهر على ملامحها شيء، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء متعمد.
بقي عصام في مكانه، أطلق زفرة طويلة مثقلة، ثم أنزل بصره إلى الأوراق أمامه، عينيه تتحركان بين السطور بينما ذهنه غارق في حسابات لا تعرف الشفقة.
     ***********************
جلس غريب أمام والده، جسده منحني قليلًا كأن ثقلاً غير مرئي يضغط على كتفيه، كان صامتًا، ذلك الصمت الذي لازمه في الأيام الأخيرة، صمت رجل تائه بين أفكاره، بين خوفه مما يعرف، ورعبه مما قد يأتي، خرجت منه تنهيدة حارة، بدت كأنها انتزعت من صدره انتزاعًا، ثم تكلم بصوت منخفض مختنق: 
"ترنيم هتروح مني يا بابا، لو عرفت الحقيقة، هخسرها للأبد."
ظل إبراهيم ثابتًا في مكانه، ملامحه هادئة على غير العاصفة التي تضرب ابنه، وتكلم بنبرة متزنة: 
"حتى لو عرفت الحقيقه يا غريب، انت ملكش دعوة باللي حصل فى الماضي."
انتفض غريب فجأة، استقام بجسده، قبضته تشنجت، وصوته خرج حادًا غاضبًا: 
"ازاي مليش دعوة باللي حصل؟ معنى سكوتي وانا عارف الحقيقه مشترك فيها."
اقترب إبراهيم منه بخطوات بطيئة، رفع يده وربت على كتفه، لمسة أبوية تحمل ثقل اعتراف لم يقال بعد، ثم قال بنبرة خالصة، خالية من التهرب: 
"انا اللي قتلت ابوها يا غريب ولو انتقامها مني هيخليها ترتاح وتعيش حياتها طبيعيه معاك أنا مستعد اروح واقولها الحقيقه كلها."
اهتز جسد غريب، وكأن الكلمات صدمته في صدره، حرك رأسه بعنف رافضًا، وصوته خرج مختنقًا، مبحوحًا: 
"لا طبعا يا بابا مستحيل اسمح بده ولازم امنع ترنيم من أنها توصل للحقيقه."
تراجع إبراهيم خطوة صغيرة، نظر إليه بعدم فهم، عينيه تبحثان عن مخرج، ثم سأله بتساؤل: 
"ازاي مش فاهم؟ انت ناوي على أية؟"
رفع غريب رأسه ببطء، ملامحه تجمدت، عيناه لمعتا بتوعد بارد، وصوته جاء هادئًا على نحو مخيف: 
"اول حاجه، لازم أخلص من مريم، لأنها هي الوحيدة اللي تعرف الحقيقه، وعارفه انك أنت اللي قتلت ابو ترنيم، وبعد كده هضلل ترنيم عن الحقيقه."
أنهى كلامه، ثبت نظره على والده نظرة مطولة، نظرة تحمل قرارًا لا رجعة فيه، ثم استدار وتحرك باتجاه الباب، غادر المكان دون أن ينطق بحرف آخر، تاركًا إبراهيم خلفه غارقًا في حزن ثقيل، يراقب ظهر ابنه وهو يبتعد، مدركًا أن القادم سيكون أقسى مما يحتمل
      *********************


تعليقات