رواية احفاد الثعلب الفصل الثامن والثلاثون
على مائدة الطعام لاحظ وجهها الخجول المتجهة في طبقها ، وصمتها الدائم وتجنبها له منذ ما حدث ، انخفض بوجهه قليلاً ومازالت عيونه تراقبها بصمت يلتقط أولى لقيمات طعامه من شوكته المعده لهذا .. ظل يمضغها ببطء متلذذ بطعمها الفريد ورائحتها الشهية ، وما أن انتهى حتى خرجت كلماته الهادئة لأزالة ذلك الحاجز بينهما ....
- في ذلك اليوم الذي تذوقت به طعامك ، أعجبني جدا ولم أقتنع بأنه طعام العجوز !!
رفعت بصرها ترمقه باندهاش عقب جملته الصريحة ....
وكأنه حقق هدفه المنشود واسرع يلتقط عينيها داخل عينيه بلين حاني كأنها قطعة بلورية بخشی تهشمها ... أكمل حديثه يغمر أحدى عينيه بطريقة مرحه :
ما فاتكم في جريمتكم أنه لم يكن ماهر ابدا بتلك الدرجة في أعداد الطعام !!
عقب جملته المرحه انطلقت ضاحكة بلا إستيعاب بأن قاسيها بملامحه الكستنائية يتمتع بروحالدعابة ، إلا أن تلك الضحكة تلاشت عقب جملته التالية وثبات عينيه المصوبه الملامحها بشعاع أعجابا يتوغله بوادر عشقا :
لا تحرميني من تلك الابتسامة وصوتها العذب فهى اصبحت منذ أن تسربت الأذني غذاء روحي
انخفضت بمقلتيها المذهلة تستنشق الكثير من الهواء ليساعدها على التنفس السريع مما الدفع صدرها للعلم والهبوط في أن واحد، تحدث نفسها بحياء بأن هذا كثيرا عليها وان استمر بهمه وجملة تلك فالأفضل لها الهروب من امامه ....
أجل الهروب فهو خير دفاع لهجومه الجرى، وبالفعل بصوت متعلثم وقفت من مقعدها دون تمهد قائلة:
الحياة ... نسيت الحياة ال
باغتها قبل هروبها بالقبض على معصمها يتملك يجبرها على عدم الهروب ، مما دفعها لتنفيذ رغبته ووقفت باستسلام في مكانها ، حتى نهض من مقعده ووقف أمامها مباشرة يحوط ظهرها بلمسات اطرافه الهادئة - منخفضا بوجهه و بنية جسده العلوية باتجاهها يحتضنها باطمئنان هامنا في أذنها مباشرة بخفوت شديد :
ما إيك ماستي !!
" كفاية أقسم بالله هيغمى عليا "
اغمضت عينيها بشدة أثناء قولها هذه العبارة ذاتيا بتوسل ، تتمنى لو كان يسمعها ويتفهم موقفها ويبتعد ، ولكنها تفاجات يعلو ضربات قلبها دون توقف بعنفوانيه بديلا عن ذلك ، مما اسمعت صدره في الحال متفاجئا بجملتها الخافتة المتعليمة المتتالية :
لم أمر بتلك المشاعر والاحاسيس من قبل ، فرفقا بي !!
هز راسه بهزات متتالية راضية حين استوعب خوفها و سبب هروبها فالسعت ابتسامته واشتد من احتضانها أكثر هامساً بعاطفة جياشة :
وأنا لم أمر بها طيلة حياتي ، ولا كنت أصدق أنها ستتوغلني بهذا الشكل تجاه امرأة في يوما من الأيام ، فرفقاً بي أنت يا طفلتي ، ومع هذا لا تخافي ستخطوا معاً أبجدية مشاعرنا حتي
تسطر بخيوطاً من ذهب في عنان السماء !
ابتعدت عنه مطأطأة الرأس تفرك راحة يديها ببعضهما البعض قائلة بخجل :
م... مشاعر وفقط لا أريد شيء آخر !
فتح أهدابه الكستنائيه باندهاش حتى فهم مقصدها فقال متعجبا :
لماذا ألسنا زوجين ؟!
تجرعت ما في حنجرتها قائلة بارتباك :
كلا زوجين ! ولكن ليس بالطريقة الشريعية كما رغبت وحلمت طوال سنين عمري !
باندهاش جلي سألها :
وما هو الفرق بين طريقتنا والطريقة الشرعية تلك ؟!
بكلمات صادقة قوية قالت :
ذلك العقد الذي تم زواجنا به ما هو إلا عقد عرفي لم اعترف به حتى وأن كان مسجلاً في سجلات البلاد، فما هو إلا لأثبات حقوق المرأة المادية واثبات نسب أطفالها بعد أن يمحى كبريائها كا أنتي أمام نفسها أولاً وأمام الآخرين ...
أما الزواج الشرعي فهو زواج حلله الله تعالي ورسوله بل وحفظ فيها كرامة المرأة وعزة نفسها وجعلها كملكة على عرش أنوثتها وحفظ حقوقها بما يرضي الله ولم يقتصر تكريمة للقناة على هذا بل جعل للفتاة الباكر ولي يوكل امام عريسها بتزويجها حتى يحفظ حياءها ، ويجب اعلان اشهار زواجها بسعادة يفرح لها القاصي والداني ، فمن حفظت وعفت نفسها لا يحق لها إلا العلانية هكذا كرمني ديني ...
بعد انصاته لكلماتها وفهم مغزى مضمونها، شحب وجهه بعض الشيء هامشا بشوق :
- ستقتليني في اليوم مائة مرة حتما !!
خجل أصابها فانخفضت بعينيها ثانيا على أثر جملته الصريحة الجريئة ، تقسم ذاتيا بأن من يسمعها منه سيقتنع بأنه عاشق متيم حد النخاع، ولكن قبلها عليها هي أن تقنع نفسها بأنه هو القاسي نفسه دون غيره ، فحقا أن الله يهدي من يشاء ...
باغتها في عمق تفكيرها باحتضانها مرة أخرى قائلاً بعاطفة داخلية :
من سيكون وليك وسارسل له هو وعائلتك أجمع الحضور زفافنا ...
حينها لم تأتيه أجابتها المنتظرة ولكنه تفاجئ بصوت بكائها يغزوا أذنه وصدره ، أبتعد قليلاً للخلف قائلاً يربيه وهو يحتضن براحتي يديه جانبي وجهها :
لماذا البكاء الآن ؟!
اجابته من وسط دموعها المتساقطة بتتابع :
جدي ال كنت أحلم به دائما هو وكيلي ولكني لم أحظى بهذا قط .. بل وخرمت منه للأبد !!
شرد في ذكراه ومحاميه ، و كلمات والده العاشقة عنه، واحتياجه الشديد له عند مغادرة كنف والدته ، كان يحتاج لشخص يحتوي ذاته الجريحة، و روحه المتألمة ، كان يحتاجه حقا !
حتى استفاق على واقع مرير بأن لأحد حوليه ، بل لأحد يتذكره من الاساس !
تذكر لقائه بمحاميه العجوز وعينيه المنصدمة المتفحصة لملامحه وهيئته وكلماته التي هزي بها
دون ترتيب بأنه يشبه شخص ما يسكن القاهرة !!
حينها توالت زيارات ذلك المحامي و توسلاته الزيارة الجد في موطنه بعد تأكده التام بأنه ابن جلال ولدهم .....
العتاد والانتقام هو عنوان مكالماته التالية مع ذلك الجد !
فاين كان حين كان يحتاجه ؟! و لماذا الآن ظهر ؟ وكيف يطلبه بكل جرثه ترك حياته واهدافه
والذهاب كطفل مطبع ينعم بأحضانه 15
تارك خلفه انتقامه المنشود الذي سعى بكل تخطيط ودهاء له منذ سنوات !!
متذكرا حين أخبره بزواجه من مجهولة والذي حينها كاد أن يقلع شعر رأسه من جذوره ، فكيف
يرتبط اسمه باسم امرأة بعدما أذاق نيران خيانتهن !
هجره بقسوة غير مبالي بدموعه ولا برجاءته الذليلة ، حتى ذلك اليوم الذي فتح فيه رسالته أو وصيته كما صح التعبير، و معرفته لعجزه الدائم منذ مقتل والده ، ليتضح أمام بصيرته الغافلة بأن له سبب مانع للتوصل اليه بنفسه ، هذا الأمر وبكاء عربيه العجوز المتوسل له يومها في
الهاتف، هو فقط ما شفع لتلك الزيجة من ذات الرداء الأسود أن تتم وتأتي لبيته !
بيته وذات الرداء الأسود !!
هنا رجع لواقعه المرفرف بجناحين كالطير السعيد مبتسما لملكة الرداء المتوجة دون منازع داخل مقلتي عينيه الخضراء قائلاً بأنفاس حاره تحوط روحها الحزينة : كيف هذا ومن زوجك لي اذا 11 ثم سمعت أحدى شقيقاتك في تلك المكالمة بأنك كنت تتعلي
زوجاً شبیه به، وهذا ما أكدته ايضاً والدتك ، فأذا كيف حرمتي منه للأبد وأنا امامك الآن !!
تحجرت دموعها في مقلتيها عقب جملته الحرجة فيبدوا بأنه لم ينسي شيء مما ذكر في تلك
المكالمة ....
جرب بريميوم
شعرت باحراجها فهتفت بعجالة تغطي عليه بدهاء أثناء محي دموعها : جدو شاكر .. عاوزه يبقي هو وكيلي في زواجي الشرعي ... ....
رمقها بنظرة حانية قائلاً :
و ماذا افكل ما ترغبين به سيتحقق رغم أنف الكون !!
بابتسامة هادئة قالت بشغف :
قل إن شاء الله أولاً وأخيرا، فيجب تقديم مشيئة الرب قبل النية !!
بادلها الابتسامة نفس ابتسامتها التي تسعد قلبه قائلاً :
شش ، عفوا كيف تنطق !!
بضحكه اجبرته أن يتمعن بنغمتها العذبة قالت :
إن شاااااء الله !
اااان تششاء الله .. هكذا !!
إيماءة هادئة ونظرات رضى استرسلت حديثها قائلة :
أريد ... أريد قبل أن ترسل له بأن تذهب للحج في بيت الله الحرام !!
بنظرات حائرة قال دون وعي :
وماذا يعني هذا .. معذرة لا أفهمه !!
تفهمت عدم معرفته ، وسعدت لكرم الله عليها بأنه سيتعلم علي يديها هي أصول الدين
الإسلامي وقواعد نهيه ، بتفسير مفسر قالت بهدوء :
هي خامس ركن في الإسلام وهي زيارة لبيت الله الحرام بمكة المكرمة وجميع الأماكن المقدسة بالمدينة المنورة والصعود على جبل عرفة ، هو أن تذهب بجميع ذنوبك لرب الكون تعود إن شاء برحمته مغفورا الذنب حتى لو بلغ ذاتك من كثرة ذنوبك حد اليأس ، ولهذا أرغبه لك ولي قبل زواجنا حتي يكتب عقد ارتباطنا علي صفحة بيضاء خالية من الذنوب أمام الله
سبحانه وتعالى ....
بنظرات ضاع صاحبها ما بين طفولة هوجاء وانتقام فلح قال برغبه جياشة :
حدثيني عن ذلك الدين أكثر، بداخلي فجوة كبيرة تجاهه أريد أن اشبعها !!
وفرقت عينيها بميلاد دموع علي سطحها الشفاف ، غير مصدقه ما تسمعه أذنيها حتى فاجتها
بحملة أخرى :
أنت من دفعتني للبحث عنه بأخلاقك والسماح لتلك الفجوة بأن تتسع !!
بنظرات أمل بين ملامح وجهة الراغبة قالت بترقب :
هل هذا يعني بأنك ستصوم معي منذ الغد و تلحق ما فاتك في الشهر الفضيل !!
ابتسامة مشرقة أثارت وجهه الوسيم متمعناً ببطء في نور وجهها الواهج كوهج البدر في سواد
الليل الفاحم قال :
لا بأس انا معك وسأحاول ، وان فشلت لك أن تصيري !!
بابتسامة مماثلة لابتسامته هتفت بود.
لا تخف وسيطول صبري أكثر مما تتخيل !
باحتياج داخلي لنفسه الضائعة قال بشغف :
اذا أخبريني لماذا ذلك الصوم ولماذا يتلك الطريقة وما أهميته .....
باطمئنان قالت :
لا تتعجل سأخبرك بكل شئ في وقته دعني أخبرك أولاً بثاني ركن بالأسلام بعد نطق الشهادة الا وهو الصلاة وكيفية الوضوء لها ، وحتى تتقنها سأخبرك بالركن الثالث والرابع ، أما الأخير
اتركه حين تكون بجوار بعضنا البعض في أولى مراسم الحج !!
يد حانية توغلت داخل شعرها كيد ساحر الخفة ، ليلحقها قبله عميقه طبعت ببطء علي جبينها وكأن صاحبهما يتمني دفء قربها ، كان ذلك الحلم المميز الذي أفتحم عالم أحلامها الهاديء بل
والفريد من نوعه منذ أن ولدت |
تمللت بهدوه به شيء من التمغط فوق فراشها تشعر قبل أن تفتح عينيها بتراقص الكون من حولها ... نعم جميع ما به دون استثناء، وكيف لا وقلبها يدق بأوتارة الرقيقة طرنا .. ابتسمت
بخفه في وسط ملامحها النائمة ، تتذكر ليلة البارحة حتى بزوغ فجر اليوم .....
هل حقا أجاد بعض الشيء قراءة الفاتحة بعد تعلم طال الخمس سويعات ؟! هل أولى ركعاته. و سجوده لرب العالمين هي ركعتين الفجر ليوم الثامن عشر من رمضان !!
هل حقا أعلن إسلامه قبل انتهاء أيام المغفرة به ؟!
يا الله كم أنت كريم لتجعل من الأجنبي الغافل عنك روحا ثانية تبغي قربك !!
تذكرت معاناته في التعلم وثقل لسانه باللغة العربية، ولكن ما كان يسعدها هي رغبته الخالصة
بابتسامة صافية عادت لعلمها الممتع واحساسها الشديد بأنه واقع ملموس تكاد تجزم حينها بأن رائحة عطره النفاذة توغلت داخل أنفها !
عقب ما توصلتله من أفكار ماكره انتفضت من نومتها الناعمة تفتح عينيها بححوظ تام ، بدأت من خلالها بتفحص دقيق لكل شيء من حولها حتى هيئتها وشعرها المندفع للأمام خلف فزعتها الصباغية ...
تجرعت ما في حنجرتها بارتعاب حين شاهدت كل ما يحوطها وهي نفسها على ما يرام !!
إذا لماذا هذا الشعور القوي بداخلها !!
تفكيرها الحائر بناء على شعورها أكل عقلها وتمنت لو عرفت حقيقة ذلك الأمر ذات يوم ....
احاطة ذلك الاحساس المرهف بغلاف أليق داخل ثنايا ذاكرتها ، و نهضت من فراشها علي أمل كبير به يشعرها بباقى التزاماتها نحوه واحاطته بكامل رعايتها ، فهو كالطفل الثانه الآن الذي يحتاج ليد حاليه يا نشبت و يثق بها لتعلمه أولى خطوات الطريق الصحيح لنعيم الحياة وجنة الفردوس !!