رواية أنا لها شمس الجزء الثانى ( اذناب الماضي ) الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم روز امين


 رواية أنا لها شمس الجزء الثانى ( اذناب الماضي ) الفصل التاسع والثلاثون


« أنتَ لا تُدرك حجم المعاناة وما مرِرتُ به من ويلاتٍ أفسدت داخلي كي تَلُمْ عَلَيَّ وتأتي لتنتقدُ اختياراتي،ربما لو وضعك القدر محلي لسلكت نفس الدربِ بذاتهِ، لا أحد يعلم مقدار قلقي وما يسكنني من ألامٍ و أوجاعِ،ما زال يلازمني نفس الشعور بالخوف وعدم الأمان، حتى أنني لا أفقهُ ما هو المعنى الحرفي للسكينةِ والطمأنينة وكيف الحصول عليهما للفرار والنجاةِ،لقد أصبحت أسيرةً للخوف والإرتياب، تصيبني نوبات هلعٍ من فكرة العوزِ والحرمانِ،أنا لم أكن يومًا طامعة ولم يحدث أن تطلعتُ على حياة غيري من العبادِ،جُل ما أطمحُ به هو أن يراني الناس،لقد سئمتُ من دور الحاضر الغائب وتجاهل الجميع ونظرة التقليلِ والإنكارِ ،والأن قد وضعتني الظروف عند مفترق طرقٍ، تتصارعُ أمامي الإختيارات وعليا أن أتخذُ قرارًا وأحدد اتجاهاتي، إما أن أتمسكُ بحقوقي وأنتزعها مِن مَن سلبني إياها وأظهر أمام الجميع بمظهر القوةِ والثباتِ، أو أتنازلُ كعادتي وأتوارى عن الأنظار ثم أنتظرُ المزيد والمزيد من التقليل والإهاناتِ، وأنا اخترتُ الطريق المناسب لما أحياه وفرضتهُ عليا الحياةِ.» 

«زينة البنهاوي» 
بقلمي «روز أمين» 

༺༻༺༻٭༺༻༺༻
وقفت أمامهُ كالفرخ المبلول تترجاهُ بعينيها قبل اللسان: 
-إهدى يا فؤاد وخلينا نتفاهم بالعقل

-وهو فين العقل ده يا مدام...قالها بأعين تطلقُ سهامًا حادة تتطايرُ هُنا وهناك ليتابع ببحة بصوتهِ نتجت من فرط عصبيته: 
-أجيبه منين مع واحد حقير مؤذي حي وميت 
ازدردت لعابها ونطقت وهي تحتضن كفه بين خاصتيها في محاولة منها لامتصاص غضبه: 
-طب اهدى علشان صحتك يا حبيبي
واستطردت حديثها كي تهديء من ورعه:
- يوسف وعدني إنه هيحل الموضوع من غير شوشرة. 

زفر بحدة كي يخرج ما بداخله من غضبٍ عارم اقتحمه نتيجة معرفته بذاك التصرف الحقير الذي قام به المدعو عمرو وأثار حنقه وغيرته المرة، قيمها بنظراته قبل أن يقول بعصببة ظهرت بصوته: 
-البسي هدومك يا هانم ويلا علشان نطلع على جناحنا وأنا هتصرف. 

هرولت وساقيها تتخبطُ ببعضيهما ترتدي ثيابها على عَجلة من أمرها وهي تراقب نظراته وتحركاته، بعد قليل وداخل الجناح، كانت تقف جانبًا تفركُ كفيها ببعضيهما وهي تتابع حديثهُ مع نجلها عبر الهاتف حيث نطق بجدية بمجرد ما استمع لاستجابة الشاب: 
-ايوا يا يوسف بيه

-أهلاّ يا باشا...ما أن نطق بها الشاب حتى رد الأخر متهكمًا: 
-باشا إيه يَلاَ، ده أنتَ اللي باشا 
ثم تابع بحدة مبالغ بها: 
-بقى بتتحرك من ورى ظهري يا يوسف، وكمان بتشجع أمك في إنها تخبي عليا مصيبة زي دي؟! 

أشارت بكفها والهلع تجلى بنبراتها المرتبكة أثناء دفاعها عن نجلها: 
-هو مشجعنيش والله، انا اللي طلبت منه.... 
ابتلعت باقي ما في جوفها من كلمات حين رمقها بنظرة تحذيرية يحثها على الصمت من خلالها فأخرصتها والتزمت الصمود، تيقن الشاب ما حدث بفطانته من خلال ما استمع من مناوشات بين والداه فتحدث بهدوءٍ مدافعًا عن والدته: 
-أنا وافقت ماما إحترامًا لرغبتها وخوفها على مشاعر حضرتك لما تعرف حاجة زي كده
-يوسف... قالها بحزمٍ وتابع: 
-أكتر حاجة بكرهها هي المبررات الخايبة، إيثار مراتي وأظن إن من أبسط حقوقي إني أعرف كل حاجة تخصها وخصوصًا موضوع زي ده
لم يجادله الشاب فتحدث ممتصًا حالة الغضب التي أصابته: 
-حضرتك عندك حق، أنا آسف وصدقني مش هتتكرر
زفر بقوة كي يستعيد هدوئه ثم نطق بجدية: 
-إتصلي بالزقت المحامي بتاع البيه وخليه يجيب معاه الوصية واستناني بكرة في شقتك الساعة تمانية بالليل إنتَ واختك وهو
-حاضر... قالها يوسف بهدوء ليأخذ الاخر نفسًا عميقًا ثم تحدث: 
-تصبح على خير يا يوسف 

نطق يجيبه: 
-وحضرتك من اهله يا بابا
اغلق الهاتف ثم تطلع إلى تلك المنكمشة على حالها وقد اغرورقت عينيها وتلألأت بحبات الدموع، ساقتهُ قدماه وبدون إضافة حرفٍ سحبها ليدخلها بين أحضانه، تشبثت بثيابه بقوة ثم أخرجت تنهيدة حارة تنم عن ارتياحها، نطق بصوتٍ حنون بعدما رأف بحالها: 
-عرفاني بتجنن لما بتخبي عليا حاجة، ليه بتعملي فيا كده؟! 

همست برقة وصدقٍ: 
-خفت عليك يا حبيبي. 
شدد من ضمته لها وتنفس بهدوءٍ ثم سحبها معهُ ليتسطحا فوق الفراش وظل محتضنًا إياها حتى غفى كلاهما وغاصا في سباتٍ عميق

           ༺༻༺༻٭༺༻༺༻
صباح اليوم التالي، ولچ بصحبتها إلى غرفة الطعام لتنطق وهي ترى الجميع مصطفًا حول الطاولة: 
-صباح الخير
رد جميعهم التحية بينما مال فؤاد على والده مُقبلاً رأسه وهو يقول:
-أخبار صحتك إيه يا باشا
-أنا تمام يا حبيبي 
انتقل ايضًا إلى والدته  ليحصل منها على بركة يومه وبعدها جلسا وباشرا الطعام، تحدثت عصمت التي كانت تباشر إطعام الصغير وذلك بعدما تطلعت لثياب زوجة نجلها البيتية: 
-متأخرة في النوم النهارده يا إيثار، مش رايحة الشغل ولا إيه؟! 

-مسمعناش المنبه يا ماما، فاتصلت بيهم وبلغتهم إني أجازة النهارده 
تابعت وهي تتطلعُ على ذاك العظيم: 
-عامل إيه يا بابا

أجابها بابتسامة ودودة لابنته التي لم ينجبها: 
-أنا تمام يا بنتي، أهم حاجة تكونوا انتم والاولاد كويسين وبخير
استمعوا إلى صوت فريال الحماسي التي ولچت للتو: 
-صباح الخير، عندكم فطار ليا ولا أروح أفطر في أي رستوران

اتسعت ابتسامة علام وتحدث بسعادة: 
-ده أنا أبعت اجيب لك مطاعم القاهرة كلها لحد هنا
إحتضنته من الخلف بسعادة وهي تقول: 
-حبيبي يا بابا، ربنا يبارك لي فيك يا سعادة المستشار
نطقت تاج بدلالٍ على جدها الحنون: 
-خلي بالك يا جدو أنا بغير

هزت رأسها ونطقت لاستفزازها: 
-أنا بنته قبل ما يشوفك يا مفعوصة إنتِ، هتساوي نفسك بيا ولا ايه؟ 
هبت واقفة لتترك مقعدها وتحركت نحو مقعد جدها ونطقت وهي تعانقهُ بدلالٍ مزاحمة عمتها: 
-كده، طيب يا عمتو، أنا بقى هخلي جدو يختار بينا ويبلغك بنفسه إن تاج فؤاد هي التوب في قلب علام باشا

هتف الصغير بغيرة وضحت عليه وهو يوبخ شقيقته: 
-أنا التوب يا نجرسية، وبطلي تحضني في رقبة جدو هتخنقيه يا أوڤر
تعالت ضحكات الجميع،بينما حاوط علام كف ابنته الحبيبة وتحدث وهو يخلص حاله بدهاءٍ من تلك المعضلة: 
-فيري الجميلة أول بنوتة تتولد في البيت، واللي نورته زي ما نورت حياتي كلها، أغلى وأجمل ما هداني ربنا 
مالت تقبل وجنته متأثرة بحديث والدها حيث تجلى الصدق من بين نبراته، أشار لها فؤاد بعينيه ونطق بممازحة: 
-خدتي جرعتك من الدلع والحنان، إركني على جنب يا حبيبتي 

ضحكت وبالفعل جلست بأحد المقاعد ليتابع علام وهو يحتضن ذراعي الصغيرة التي لفتهما حول عنق ذاك الحنون الذي يغمرها بدلاله الدائم: 
-أما بقى قلب جدها فدي جت علشان تنور البيت كله هي وزين باشا خليفة جده 
ابتسم الفتى وغمرت السعادة قلبهُ، وتمتم يشكر جده باحترامٍ يليق بشخصه، بينما شددت الفتاة من عناقه وباتت تغمرهُ بالقبلات الحميمية: 
-وإنتَ نور عيون تاج يا جدو
ربع ساعديه بحدة وبدا الغضب على وجههِ وشفتيه الممطوطة للأمام مما أدخل الجميع في حالة من الضحك على هيئة ذاك المشاغب الصغير، مما جعل عصمت تحتضنه: 
-إنتَ بقى روح قلب نانا من جوة

نطق علام لانقاذ حاله من غضب ذاك الصغير: 
-وقلب جدو كمان، ملوك ده ده بهجة البيت ومصدر سعادته وسعادتي أنا شخصيًا. 

حرك رأسهُ ونطق بأسى: 
-أنا زعلان منك يا جدو ومش بكلمك خلاص. 

نطق الجد بملاطفة: 
-وهتقدر على بعادي يا صديقي، طب مين هيروي معايا الورد وشجرة الريحان الجديدة
وتابع بما جعل عينيه تتسعُ من شدة السعادة: 
-ومين هيروح معايا النادي يوم الجمعة هو ومشموشة
رفع يده للأعلى وتحدث متحمسًا: 
-أنا، بجد يا جدو هناخد مشموش معانا 
أومأ له ليصفق الصغير بحماس، سألت عصمت ابنتها من باب الفضول والاطمئنان على حياتها: 
-جوزك وولادك مفطروش في البيت ولا ايه يا فريال؟ 
-اه يا حبيبتي... قالتها وهي تقطم بعض الخبز ثم تحدثت بعدما مضغته: 
-ماجد عميد الجامعة عازمهم على فطار جماعي النهارده، وبوسي وفؤاد نايمين ومش بيقوموا الوقت
ثم تطلعت على إيثار وسألتها: 
-شكلك مش رايحة الشركة النهارده 

-قومت متأخرة وقولت أريح النهارده 
أجابتها بسعادة: 
-كويس جداً، خلينا ننزل بعد العصر علشان فيه كام حاجة عاوزة أشتريهم وكنت حابة أخد رأيك معايا
-أوكِ يا فيري
نطق فؤاد يذكرها بموعد المساء: 
-متتأخريش برة ومتنسيش ميعاد زيارتنا ليوسف
-هروح معاكم يا بابي... هتف بها الصغير وما أزهل فؤاد هو صوت تلك المقبلة عليهم وبيدها صحنًا به نوعًا من البيض المطهو والتي ما أن استمعت إلى حديث فؤاد حتى هتفت هي الأخرى كالأطفال: 
-وأنا كمان خدوني معاكم إلهي يسعدك
نطقت وهي تضع ما ببدها أمام فريال وهي تقول بحبورٍ: 
-أول ما لمحتك وإنتِ داخلة، جريت وعملت لك البيض بالبسطرمة اللي بتحبي تاكليه من إيديا
مالت فريال برأسها تستنشق رائحة البيض الشهية ثم هتفت متحمسة:
-الله الله على الروايح يا زوزة،أحلا واحدة تعمل بيض بالبسطرمة في مصر كلها 

-ان شالله يخليكِ يا بنت الأصول... قالتها ثم حركت بصرها سريعًا لتسأل ذاك الذي يتابع تناول طعامه: 
-مردتش عليا يا سيادة المستشار؟ 

أجابها ساخرًا: 
-مستنيكِ لما تخلصي فقرة استعراض البيض بالبسطرمة يا شيف شربيني
-يعني أروح أجهز نفسي؟... قالتها بلهفة ليحبطها جوابه: 
-طبعاً لا
-دايمًا كده كاسر بخاطري...نطقتها بحزنٍ لتتابع تشتكية لكبير العائلة: 
-يرضيك كده يا سعادة الباشا

نطق علام لمراضاة تلك المرأة البسيطة التي يكن لها الكثير من المعزة والاحترام: 
-خدها معاكم يا سعادة المستشار 

-مش هينفع يا باشا، أنا رايح أتكلم مع يوسف في موضوع خاص بيه هو و زينة

ضيقت فريال ما بين عينيها وسألتهُ بريبة: 
-خير يا فؤاد، موضوع إيه ده؟ 

أجابها باقتضابٍ: 
-حاجة قانونية خاصة بورثهم يا حبيبتي 
أومأت بتفهم وأجابته: 
-أه، يوسف كان بلغنا إنه مش هياخد ورثه 
ابتسم علام وتحدث متفاخرًا بتربية يده: 
-يوسف عمره ما فشل في إنه يخليني أفتخر بيه 

نطقت إيثار تنسب الفضل لأهله: 
-ده تربية إيدك يا باشا، كان لازم يطلع نزيه وضميره حي

أجابها بابتسامة ودودة: 
-الفضل الأول لربنا ثم ليكِ يا إيثار، إنتِ اللي زرعتي جواه بذرة الضمير الحي وأسستي صح من البداية
اكملت عصمت على حديثه: 
-ده حقيقي يا باشا، الشهادة لله يوسف من يوم ما دخل البيت وهو يشرف وتربيته تخلي أي حد يفتخر بيه
أشادت فريال أيضاً بتربية الشاب أما فؤاد فنهض يتحدث بانسحابٍ: 
-يلا أشوفكم على الغدا إن شاء الله 

طالعه علام وسأله باهتمام: 
-عامل إيه في قضية سعد عبدالوهاب يا فؤاد؟ 
-كله تمام جنابك... قالها باحترامٍ ليتابع: 
-كنت عاوز أتناقش مع سعادتك في كام نقطة فيها وأخد رأي سعادتك، لو رجعت من عند يوسف بدري نقعد مع بعض نص ساعة، لو اتأخرت يبقى بكرة بإذن الله

-إن شاءالله يا حبيبي. 
وقف زين وتحرك مع أبيه وهو يقول: 
-بابي، كنت عاوز أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم 
مسح على رأس الفتى وقال بنبرة حميمية: 
-لو الموضوع مش مستعجل ممكن نأجله لبكره يا حبيبي، لو ضروري هتصل بيك وأنا في الشغل وندردش
تحدث الفتى: 
-خلينا بكرة أفضل، أنا مبحبش التواصل على التليفون

ابتسم يجيبهُ: 
-اتفقنا يا بروفسير 
ابتسم لمداعبة والده وكاد فؤاد أن يتحرك للخارج فقطع طريقهُ ذاك المشاغب حيث نطق بقوة: 
-ازاي هتمشي قبل ما تبوس مشموش يا بابي

نطق بعدما فقد صبره: 
-يا ابني أنا مش طايق أبوسك انتَ شخصيًا، هبوس القطة؟! 

استدار ليكمل بطريقهُ لتقاطعه مرة أخرى عزة التي هدرت تسأله: 
-مدتنيش عقاد نافع يا باشا

-في إيه يا ماما؟...قالها وهو يقلب عينيه بسأمٍ ثم التف بنصف جسده يطالعها مسترسلاً:
-عقاد نافع في إيه؟ 
نطقت: 
-في الموضوع اللي كلمتك فيه
هتف بنفاذ صبره: 
-عزة، أنا متأخر على شغلي، انجزي وقولي عاوزة إيه وسيبك من اسلوب ما انتَ لو كنت بتهتم كنت عرفت لوحدك ده. 

أخبرته باستقطاب: 
-خدني معاك عند يوسف 
-مش هينفع، فيه أسرار هتنفتح ومينفعش تكوني موجودة هناك

مصمصت شفتيها قبل أن تنطق بافتخار: 
-أسرار على عزة، ده أنتَ طيب قوي يا سيادة المستشار 
نجدتها إيثار قبل أن يفتك بها: 
-روحي اعملي القهوة لبابا يا عزة
وتحدثت لحبيبها: 
-يلا يا حبيبي علشان ما تتأخرش على مواعيدك 
طالعها بعدم اكتراث قاصدًا فتحدثت بعدما احتضنت كفه ورافقته للخارج: 
-هو أنتَ لسه زعلان مني؟ 

نطق بتهديدٍ مباشر مصاحبًا نظراتهِ الحادة: 
-إوعي تفتكري إن اللي حصل هيعدي بالساهل، يبقى لسه متعرفيش جوزك كويس يا مدام
تذمرت بدلالٍ تسألهُ: 
-وأنا عملت إيه لكل ده يا فؤاد؟ 

نطق مذبهلاً من استنكارها لرد فعله: 
-بقى تخبي عني مصيبة زي دي وشايفة نفسك معملتيش حاجة يا مدام؟! 
وتابع مستنكرًا: 
-وكنتي عاوزة تعملي إيه أكتر من كده يا إيثار؟ 
تعلم أنها اخطأت لكن يشفع لها حبها الكبير ونية عدم إزعاجه، نطقت بدلالٍ في محاولة منها لتهدأت ثورة حبيبها: 
-طب دلعي ليك في الچاكوزي والمساچ وكسر حدادي على ماما علشان أدلعك، كل دول ما يشفعوليش عند حبيبي؟ 
باغتها بإجابته: 
-دي نقرة ودي نقرة يا مدام
وتابع باستفزازٍ أثار حنقها: 
-وبعدين ده واجبك على فكرة
احتدت ملامحها وكأنها تحولت لأخرى وهي تقول بحنقٍ: 
-هي بقت كده، أوكِ يا فؤاد، قابل بقى يا حبيبي 

انتهت من كلماتها واستدارت لتتحرك عائدة للداخل بخطواتٍ واسعة، نطق وهو يشيع مغادرتها: 
-إنتِ هتهدديني
-أهو ده اللي ناقص كمان...قالها بصوتٍ هامس ليستقل مقعدهُ بالكنبة الخلفية ثم تحرك السائق منطلقًا للأمام بعدما اتخذ الإشارة من سيدهِ. 

          ༺༻༺༻٭༺༻༺༻
داخل قرية كفر ناصف، يقف عزيز بجوار شقيقه وجدي متطلعًا برضا على المطعم وهو مزدحمًا بالزبائن بعد غلق مطعم المدعو" عمرو البنهاوي "وتشميعهُ بأمرٍ من النيابة العامة وحبس طلعت والمالك الوهمي الذي اشتراه عمرو لتخليص حاله من تلك التهمة التي كانت ستزج به إلى السجن المؤكد، أتى قرار الغلق بعدما تبين استخدامهم للحوم الحمير وطهوها وتقديمها للمستخدمين على أنها لحوم أبقارٍ وماعز، نطق عزيز بزهوٍ: 
-أخيرًا المطعم رجع زي ما كان 

تحدث وجدي برضى وحمدًا: 
-الحمدلله يا عزيز، ربنا مبارك لنا في فلوس أبونا الحلال، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح

-عندك حق،عمرو حاول بكل قوته يضيق علينا عيشتنا علشان ينتقم،بس ربك اسمه العدل،والحمدلله،نصرنا على شره وخلصنا منه
حك وجدي ذقنه وتحدث:
-أنا لحد الوقت مش مصدق إن عمرو البنهاوي بكل شره ده مات،لا ومات موتة بشعة،ده أنا لولا يوسف أكد لي إن الطب الشرعي أكد إن الجثة اللي لقيوها في الحريق جثته مكنتش صدقت إنه يموت بالسهولة دي 

-محدش كبير على الموت يا وجدي،مكنش فيه حد في شر نصر البنهاوي، وأهو غار في ستين داهية، وبموتة أوسخ من موتة أبوه وعلى ايد عيل شمام ميسواش تلاتة مليم

وتابع بابتسامة: 
-تعرف إيه اللي يضحك في موضوع موت عمرو يا وجدي
طالعه شقيقه ينتظر تكملة الحديث فتابع الأخر متهكمًا: 
-إن عمرو بكل جبروته ده حياته تخلص على إيد واحدة ست

-أه والله عندك حق 
فأكمل عزيز حديثه الساخر: 
-بس البت مراته دي باين عليها ولية قادرة، البت فحمت جثته من غير ما يرف لها جفن 
أجابه وجدي: 
-ربنا يكفينا شر قسوة القلوب، وفي الأخر محدش يعرف هو عمل معاها إيه يوصلها لانها تحرقه وهو حي 
نطق عزيز مستشهدًا: 
-يعني هيكون عمل فيها ربع اللي عمله في اختك
تنهد وجدي والألم شق صدره قبل أن ينطق بأسى تجلى بنظراته:
-مسكينة إيثار،شافت على اديه هو أهله ذل وإهانة وأذى محدش يتحملهم، واللي يحزن إننا كنا مشاركين معاهم في أذية اختنا الوحيدة
نطق مبررًا أفعالهم بالماضي كي يحث شقيقه على الخروج من دائرة الشعور بالذنب: 
-اللي حصل زمان كان غصب عننا يا وجدي، إحنا كنا غلابة قوي ونصر وابنه استغلوا فقرنا، ده أحنا كنا بنقضي عشانا نوم يا جدع
مش صحيح يا عزيز، احنا كنا مستورين وأحسن من غيرنا، الطمع هو اللي ملى عنينا بعد ما نصر وعياله شاوروا لنا بمالهم الحرام علشان يذلونا ويجبرونا نجيب اختنا بالغصب هي وابنها ونرميها تحت رجلين دلوع امه

هز رأسه وتحدث مشمئزًا: 
-يااااا يا عزيز، ده احنا كنا أوسـ..... قوي يا جدع،جزمة ايثار كانت برقبتنا احنا التلاتة 
تنهد كلاهما وشعرا بالخزي، حضر إليهما أحد العمال وقال: 
-الشغل كتير قوي علينا يا عم عزيز، احنا عاوزين نفرين كمان علشان نعرف نسد 
صاح معنفًا وهو يرمقه بحدة: 
-يا اخي طب قول اللهم صلِّ على النبي أو اللهم بارك، أي حاجة تكسر بيها سم العين

أجابه الشاب باستفاضة: 
-هو أنا هحسدكم يا عم عزيز، يعلم ربنا اني فرحان من قلبي ان المطعم رجع يشتغل تاني، يعني هو أنا كان عاجبني وقف الحال اللي جه علينا بالخسارة ده، أنا بتكلم في مصلحة الشغل. 
نطق وجدي ناهيًا الحديث في هذا الموضوع المثير للجدل:
-خلاص يا بكر،المعلم عزيز ميقصدش،روح شوف شغلك، وبالنسبة للنفرين أنا هدور على شابين ولاد حلال وهجيبهم في أقرب وقت.

          ༺༻༺༻٭༺༻༺༻
أتى المساء وجميع ما يعنيه الأمر حضر بمسكن يوسف، فؤاد، إيثار، زينة بالاضافة إلى المحامي، أمسك فؤاد الأوراق الخاصة بتلك الوصية وتحدث ساخرًا: 
-مبدأيًا كده الوصية دي باطلة شرعًا وقانونًا، "لا وصية لوارث" يا أستاذ

تحمحم المحامي لتيقنه من صحة الحديث النبوي وحديث المستشار أيضاً بينما تابع فؤاد تحت ذهول يوسف وإيثار وزينة التي سألته مستفسرة: 
-باطلة ازاي يا سيادة المستشار؟! 

أجابها باستفاضة: 
-الوصية بحرمان أحد الورثة الشرعيين من الميراث باطلة شرعًا يا زينة، لأنها تُعتبر وصية بمعصية وتهدف لحرمان المستحقين من حقهم اللي شرعه ربنا سبحانه وتعالى، في الحالة دي، تعتبر الوصية باطلة لأنه لم يتحقق فيها عدل الله،ده غير إنها مخالفة لوصية الله سبحانه و تعالى، وهي أن يقسم الميراث على الأبناء جميعًا الذكور والإناث،وده بناءًا على قول الله تعالى في كتابه العزيز" يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ" سورة {النساء:الآية 11}، وده طبعاً محصلش في التقسيمة الغريبة اللي عملها المدعو عمرو البنهاوي واللي مخالفة للشرع والقانون، ومعرفش ازاي محامي زيك وافق على بنودها

أجاب مبررًا: 
-يا افندم أنا مكنتش أعرف ان عمرو بيه عنده بنت تانية، كل اللي بلغني بيه هو انه عاوز يكتب ثروته بالتساوي بين أربعة، طليقته السيدة إيثار وأولاده التلاتة
اشتعل داخل فؤاد فهدأته نظرات يوسف الأسفة، نطق فؤاد يسأله متهكمًا: 
-وازاي وافقت على القسمة بالشكل ده والمفروض انك دارس شريعة وعارف ان القانون بيحكم بما نصهُ الشرع، بالذات فيما يخص الميراث، البيه ساوى بين الذكر والأنثى، واستثنى أشخاص وحرمهم من حقهم الشرعي في الميراث

-يا افندم أنا بلغته بكل العوار اللي سيادتك ذكرتها دي، بس هو قال لي إن الورثة مش هيعترضوا وإنه سأل المحامي الخاص بتاعه في فرنسا وقاله قانونيًا الوصية تعدي طالما محدش من الورثة هيتكلم، 
ثم تابع على استحياءٍ وهو يتبادل النظرات بين الجميع: 
-وبعدين حضرتك احنا بنتكلم عن عمرو البنهاوي،مش على شيخ جامع يعني 

سأله متهكمًا عليه: 
-وانتَ بقى لما عارف انه عمرو البنهاوي يا استاذ يا بتاع القانون،بتشتغل معاه ليه؟! 

-لأن القانون اللي سيادتك استشهدت بيه ده هو اللي كفل لعمرو واللي زيه احقية الدفاع عن نفسه و وجوب محامي خاص للدفاع عن مصالحه طالما معاه وبيدفع، وأنا كنت بشوف شغلي مش أكتر 

عاد بظهره للخلف وتحدث عن دراية: 
-طب يا باشا زي ما قولنا الوصية دي باطلة وهتتقطع حالاً لأن كل الورثة معترضين على القسمة
وطالع الجميع يسألهم: 
-ولا إيه؟ 
وافقه الجميع فقام بتمزيقها أمام أعين الجميع، وتحدث: 
-الورثة المستحقين هما أولاده الأربعة 

مال على أذن يوسف وحدثهُ بهمسٍ: 
-أنا خالفت ضميري كقاضي بيحكم بشرع الله والعدل لأول مرة علشان خاطرك، ودي حاجة مخلياني قرفان من نفسي وأنا قاعد

-انا آسف إني حطيتك في موقف زي ده يا باشا، بس فعلاً مكنش هينفع... جملة قالها يوسف بأسى ليتذكر ما حدث بينه وبين فؤاد منذ عدة ساعات حيث هاتفه الآخر أثناء تواجده بمكتبه 

عودة لما قبل عدة ساعات قليلة،نطق فؤاد وهو يتحدث إلى الشاب عبر الهاتف من داخل مكتبه بالعمل: 
-أنا بكلمك قبل ما نقابل المحامي بالليل علشان يبقى عندك عِلم
وتابع بجدية: 
-إبن الزنا لا يرث يا يوسف، وده قانون ربنا اللي وضعه،يعني زينة شرعًا ملهاش الحق في ورث عمرو البنهاوي

سأله الشاب متعجبًا:
-أيوا يا بابا بس زينة متسجلة بإسمه، وهو اتجوز امها شرعي على ايد مأذون، أعتقد كده المشكلة اتحلت

قولاً واحدًا اجابهُ:
-إبن الزنا لا يرث ولا يُنسب لأبيه في الشريعة الإسلامية يا يوسف،وده لعدة جوانب أهمها حفظ الأنساب ومنع اختلاطها، وتجنب انتشار الفاحشة، وحماية المجتمع من المشاكل الاجتماعية والأخلاقية اللي ممكن تحصل عن طريق الموضوع ده، الحكم ده جاء استنادًا لحديث سيدنا النبي صلِّ الله عليه وسلّم "الولَدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحجَرُ"،ومعنى الحديث إن الولد ينسب للزوج الشرعي، وللزاني الرجم والخيبة والخسران

صُدم مما استمعهُ من فؤاد، بات يحرك رأسهُ وهو يقول بألمٍ لأجل تلك الضحية لرجلًا حقير مستهترًا تحركهُ شهواته الحيوانية دون ادنى تفكير فيما سيترتب عليه، وامرأة كانت تستحق الموت ألاف المرات على ما فعلته من فاحشة نتج عنها تلك البريئة: 
-أنا لا يمكن أبلغ زينة بحاجة زي ده، البنت ممكن تنهار وتروح فيها
ثم تابع بتيهة: 
-وحتى لو قولت لها وطبقنا عليها الشرع، هتقول لخطيبها وأهله إيه؟! هتبرر لهم عدم ورثها في تركة أبوها بإيه؟، أنا كده بدمر أختي باديا وأنا لا يمكن أعمل فيها كده

-بص يا يوسف، أنا عندي اقتراح يخلصنا من المشكلة دي وبكده هنمشي صح شرعًا وقانونًا
تعلقت عينيه مستنجدًا ليتابع فؤاد: 
-إحنا نقسم الورث بينك وبين جدتك واخواتك من رولا ، وبعدها اتنازل إنتَ عن نصيبك بيع وشرا لزينة ، وبكده هنكون حققنا اللي احنا عاوزينه من غير ما نتعدى على الشرع، ولو ان الحل ده يعتبر التفاف ومراوغة بس ربنا عالم ومطلع، وان شاء الله هيغفر لنا لـ حُسن نيتنا
أثنى الشاب على ذكاء أبيه الروحي وشكره بشدة. 

عودة للحاضر،همس متابعًا: 
-يلا قول اللي اتفقنا عليه خلينا نخلص
تحمحم لينطق متحدثًا إلى المحامي: 
-الورث هيتوزع بشرع الله بيني أنا وسليم ونور وجدتي إجلال 
طالعته باستغراب،متى كان طامعًا او ظالمًا ليكرر ما فعله والدها ويسلبها حقها،لطالما عاهدتهُ خلوقًا يمتلكُ ضميرًا حيًا، استرسل وهو يتطلع إليها كي لا يتركها فريسة للشيطان: 
-وأنا هكتب نصيبي بيع وشرا لـ زينة

سألتهُ متعجبة: 
-وليه ما اخدش حقي معاكم يا يوسف؟! 

سألها بجدية: 
-بتثقي فيا ولا لاء يا زينة؟

ردت بصدقٍ: 
-أكيد،بس عاوزة أفهم
نطق كي يجبرها على الرضوخ لقراره وإغلاق النقاش في تلك النقطة: 
-من غير ما تفهمي،اسمعي كلامي وتأكدي ان عمري ما هعمل حاجة تأذيكِ
هنا كان دور المحامي في السؤال:
-أنا كمان محتاج أفهم،منين قطعتوا الوصية وقلتوا انها باطلة،ومنين هتحرموا نفس الإسم من حقها في الميراث الشرعي،وليه حضرتك تتنازل لها عن حقك لما ممكن تاخد حصتها وانتَ تحتفظ بنصيبك؟!

-خلصت كلامك؟... قالها فؤاد بجدية ليومي له المحامي بنعم فتابع هو بصرامة: 
-نفذ اللي انطلب منك بدون أسئلة، الباشمهندس يوسف عارف هو بيعمل إيه كويس، واخته راضية
وسأل الفتاة للتأكيد: 
-ولا ايه يا زينة؟
بدون تفكير نطقت:
-أي حاجة يقولها يوسف أنا موافقة عليها،محدش هيحبني ويخاف عليا قده

طمأنها الفتى بعيناه، فتوجه الرجل بسؤال تلك الحاضرة بالجسد فقط،فمنذ أن بدأت الجلسة وهي صامتة لم تنطق بحرفًا واحدًا: 
-حضرتك ليكِ نصيب شرعي وقانوني، وفيكي تطالبي وتتمسكي بيه 
حك ذاك الجالس ذقنه ثم همس بهسيسٍ وعينين تطلقُ شزرًا: 
-وإنتَ مالك؟! 
ارتبك من هيأة الرجل التي لا تبشرُ بقدوم خيرٍ لينطق مبررًا بنبرة متلبكة دلت على مدى توترهُ: 
-واجبي وضميري المهني كمحامي يحتموا عليا أنبهها بحقوقها يا افندم
بمنتهى السخرية تحدث: 
-ضـ إيه؟! ضميرك المهني؟! 
وكان فين ضميرك المهني ده يا باشا وإنتَ بتكتب وصية باطلة جنبت فيها الأم والإبنة،هنقول إن عمرو البنهاوي شرير ومكنش حاكي لك عن إنه ليه بنت رابعة، طب بالنسبة لوالدته إيه النظام؟! 
ارتبك الرجل فتابع الاخر بصرامة وحدة مريبة: 
-ياريت يا استاذ تنفذ المطلوب منك من غير ما تجود من عندك، وبالنسبة للأستاذة فأنا هريحك وهريح لك ضميرك
ونطق متهكمًا: 
-هو أحنا في ده اليوم اللي ضمير السيد محامي عمرو البنهاوي يصحصح كده ويفوق
أشار إلى تلك التي تجاور زينة الجلوس: 
-اتفضلي يا مدام بلغيه بقرارك
نطقت بجزمٍ وحسم لقرارها: 
-أنا مش عاوزة حاجة من الورث ده، وبعدين هورث بصفتي إيه؟! 
وتابعت وهي تترجى زوجها: 
-ياريت تنهي المهزلة دي بأسرع وقت علشان الكل يرتاح يا سيادة المستشار 
نطقت الفتاة على استحياء وحال ضميرها التردد: 
-بما إن حضرتك بتفهم في الشرع كويس وعندك المعلومات الكافية بحكم دراستك وشغلك، كنت عاوزة أعرف هل الورث من المال المشبوة يجوز؟ 

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيبها باستفاضة: 
-بصي يا زينة، المسألة فيها خلاف بين العلماء ،منهم اللي شايف إن الميراث بيطهر المال الحرام، والبعض الآخر شايف أنه لا يحل للوارث أخذه إذا كان معروف مصدره الحرام
وتابع باستفاضة أكبر: 
-بمعنى إن بعض العلماء أجاز أحقية الورث وإنه حلال للوارث وأسندوا الحرمانية على اللي جمع المال، والبعض الأخر حرموه واجازوا التخلص منه من خلال صرفه في أوجه الخير المختلفة
نطقت الفتاة بتشتُتٍ وتيهة: 
-أنا مش فاهمة حاجة، يعني الورث ده حلال ولا حرام؟ 
استفتي قلبك...قالها بهدوء ثم تابع: 
-الموضوع عليه خلاف وده رحمة بينا كمسلمين،قدامك فتوتين تقدري تختاري من بينهم الفتوى اللي تريح ضميرك، أهم حاجة تستفتي قلبك وتمشي ورا احساسك

تلألأت حبات الدموع بعينيها لتنطق متأثرة: 
-ولو معنديش رفاهية الاختيار

نطق بثقة: 
-يبقى تختاري الأنسب لظروفك وتتوكلي على الله، وبالنسبة للفتوى يُسأل عنها اللي أفتى بيها
كأنها كانت تنتظر تلك الفتوى لتريح ضميرها المتعب، لا أحد يشعر بما تعانيه من صراعٍ داخلي يمزق كيانها بالكامل. 
وجه المحامي سؤالاً وجيه إلى يوسف و زينة: 
-طب بالنسبة للتلات شركات اللي موجودين هنا في مصر، مين هيديرها من حضراتكم؟! 

تطلعت إلى شقيقها كالغريق ليسألها هو: 
-تقدري تديري الشركات بنفسك يا زينة؟! 

نطقت بانزعاجٍ بعدما أصيب جسدها بالاضطراب: 
-لا طبعاً يا يوسف، وبعدين أنا لسه بدرس، وحتى لو مخلصة، أنا مقدرش على الحمل الكبير ده
تحدث يوسف بجدية: 
-أنا شايف إنها تتباع أفضل، وفلوسها تتوزع على الورثة حسب الشرع

وافقه الجميع وبما أنه مكلف بالوصاية على الصغيران من قِبل عمرو فهذا سيسهل عليه الكثير من الأمور، نطق فؤاد كي يُعلم يوسف: 
-في حالة البيع أو التصرف في أي شيء يخص الأطفال لازم حكم قضائي يا يوسف، هتتقدم بطلب للمحكمة وتباشر معاهم. 

انتهت الجلسة وتحرك كلٍ إلى وجهته،باليوم التالي حضر رامي لزيارة خطيبته،أبلغهُ يوسف أن زينة ستحصل على إرثها قريبًا، دون إبلاغه أنه تنازل عن حقه في الميراث،وبما أن الميراث سيتحول إلى مال نقدي فقد سهل هذا من الامر وجعلهُ سريًا،فلو ظل الإرث على حاله كان سيفتضح أمرهم،جلست بجوار رامي وباتا يتحدثان بشأن إدارة حياتهما القادمة والتخطيط لها تحت عدم اكتراث رامي بذاك الإرث،فلم يكن يضعه بالحسبان وقد عشقها لشخصها لا للمال الذي ظهر فجأة،سألها بعدما لاحظ حزنًا عميقًا يسكن العينين:
- مالك يا حبيبتي؟ 
انتبهت لتسألهُ بتشتت:
-مالي،ما أنا كويسة أهو 
نطق معارضًا: 
-لا مش كويسة يا زينة،ومش من النهارده،إنتِ ليكِ فترة متغيرة،ملامحك وعيونك ساكن فيهم حزن غريب
لم تستطع الصمود فانهارت حصونها لتنهمر الدموع بغزارة من عينيها، انزعج بشدة وتألم لأجلها ليسألها من جديد بارتيابٍ: 
-مين مزعلك يا حبيبتي؟! 
-الدنيا يا رامي....وتابعت بألمٍ ودموع بعدما خارت قواها: 
-الدنيا مزعلاني قوي
حاوط كفها بعناية ثم تحدث بصدقٍ: 
-أنا جنبك،المفروض ده يطمنك وينسيكي الدنيا بحالها
برغم حيائها الكبير إلا أنها شددت من ضمة يده وذلك لحاجتها الشديدة لمن يمدها بالشعور بالأمان والتي لم تعثر عليه سوى بحضرته وبحضرة يوسف ذاك النبيل، نطقت تستعطفهُ بدموعها وقد أصيبت بحالة من التشتت والارتياب جراء حصولها على هذا الإرث وريبتها من فكرة حرمانيته: 
-اوعدني انك هتفضل جنبي يا رامي، قولي إن عمرك ما هتتخلى عني أبدًا وهتفضل تحبني بنفس المشاعر بعد ما نتجوز

قطب جبينه متعجبًا حالتها، سألها بقلقٍ على تلك الحبيبة وما أصابها: 
-مالك يا زينة فيه إيه يا حبيبتي؟! 
ليتها تستطيع البوح بما يؤرق نفسها ويؤلمها، اكتفت بذاك الرد لتتوارى خلفه: 
-بتسألني مالك يا رامي، إنتَ ناسي إن بابا الله يرحمه لسه مكملش شهر. 
تفهم حالتها وبات يهدأ من روعها ويزرع داخل نفسها الامل بكلماته التشجيعية. خرج يوسف من المطبخ حاملاً واجب الضيافة وقدمه إلى رامي،وانضم لهما وبات الجميع يتبادلون فيما بينهم الأحاديث بقلوبٍ وعقول مشتتة. 

          ༺༻༺༻٭༺༻༺༻

بعد يومان 
جالسًا بأحد المقاهي العامة المتخصصة بتقديم الحلوى والمشروبات الباردة والساخنة أيضًا، يتناول كوبًا من القهوة الساخنة بينما تتناول تلك التي تقابلهُ الجلوس نوعًا من الحلوى الغربية مع كوبًا من المياه الغازية، تحدثت إليه عندما وجدته شاردًا: 
-مالك يا حبيبي؟ 
-مفيش يا بوسي... قالها بنبرة محملة بالكثير من الهموم بسبب شقيقاه الصغيران وزينة وتيهتها برغم حصولها على الإرث إلا أن حالتها النفسية تتراجع للأسوء وهو لا يعلم أهذا بشان وفاة والدها أم من ريبتها بشأن ذاك الإرث المشكوك في أمرة، ردت عليه بأسى لأجله: 
-مفيش ازاي يا يوسف، ده أنتَ مش شايفني قدامك أصلاً
وتابعت بدلالٍ كي تسحبهُ لعالم عشقها:
- هي دي لهفتك عليا، ده انا ليا كام يوم مشفتكش
قطع حديثهما رنين هاتفه، نظر بشاشته وجد رقمًا دوليًا فلم يتردد لحظة وأسرع بالرد: 
-السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

نطق الطرف الآخر: 
-كيفك يوسف، أنا نائلة، إمها لـ "رولا" أرملته لبَيك
احتدت ملامحهُ حين استمع حديثها،ما شعر بحاله سوى وهو يهدرُ بصوتٍ متهدج من شدة الغضب:
-قصدك اللي قتلت أبويا مش أرملته

نطقت المرأة بقلبٍ ينزفُ دمًا: 
-ما اتصلت فيك لنحكي بهالموضوع يا يوسف،رولا خلاص،البوليس كمشها وهي هلأ عم تتعاقب عچريمتها، وكتير ندمانة على اللي عِملته، ورح تقضي عمرها باللحبوس
وتابعت بحرصٍ على مصلحة الطفلين: 
-أنا اخدِت رئمك من رولا لحتى نحكي عن إخواتك، سَليم و نور، أنا سألت المحامي تبعي وهو خبرني بإن حضانة اللصغار من حقي،بس المحامي بلغني اليوم إن إنت تقدمت بطلب للحكومة الفرنسية واستشهدت بتاريخ سَليم إلياس في الإچرام، وقتل رولا لعمرو بهالطريقة الإنتقامية، خبرني إن فهالحالة وبموچب القانون الفرنسي فيهن يسلموك اللصغار لتربيهم إنتْ، بلغني كمان إن بَيك أسند لئلك وصاية اللصغار وهايدا عززه لموقفك القانوني
نطق بحدة: 
-أنا عارف الكلام ده كله، مش مستنيكِ إنتِ والمحامي بتاعك علشان تبلغوني بيه 

قاطعته بنبرة حكيمة: 
-إسمعني للأخير يا يوسف، أنا فيني أهرب باللصغار ونكفي حياتنا بمكان ما حدا بيعرفنا فيه،وزلمته لچوزي بيقدروا يعملوا هيك ببساطة، بس انا ما بدي بعدك عن اخواتك ولا بعدهُن عنك، ولا بدي تربطني علاقة بهادول المچرمين، بترچاك لا تجبرني ألجأ لئلهن

وتابعت بصدقٍ ظهر بنبرات صوتها:
-أنا بدي الاولاد يتربوا بيناتنا لحتى ما ينحرموا من چو العيلة
وتابعت في محاولة منها لاقناعه: 
-أنا غيره لسَليم يا يوسف، إسأل منيح عني وعن شِغلي،وبحكم منصبك فيك تتأكد من يلي حكيت لك اياه، أنا من البداية اخترت طريقي وعم كفي فيه لهلا، عِندي براند ملابس بإسمي وشُغلي كتير معروف عالميًا،شغلي على المظبوط وفيك تتأكد، ومن بعد يلي جرى لـ "سَليم" و "رولا" رح أمشي چنب الحيط مِتل ما بتقولوا عنكم بمصِر

تابعت بترجي تجلى بين نبراتها الحزينة تحت تأثرهُ: 
-اترك لي نور وسليم أنا بربيهُن، وبحلف لك بحياة الله رح ربيهُن مِتل ما كنت إنتْ رح تربيهُن

تألمت وهي تكفي حديثها بدموعٍ جاهدت لإخفاء أنينها كي لا يظهر ضعفها عبر الهاتف: 
-أنا خسِرت كِل شي بلحظة، چوزي وبنتي يلي رح تقضي باقية حياتها باللحبوس، ما بقى لئلي غير هادول اللزغار، منشان الله يا يوسف، اتركهن لئلي لحتى اقدر كفي حياتي

تابعت بلهفة توعدهُ بصدقٍ:
- وبوعدك رح تشوفهن بأي وئت بتحدده، وفيك تاخدهن لمصر زيارات وئت ما تحب، بس الله يخليك اتركهن، بترچاك ما تاخدهن مني ولا تضطرني اهرب بيهُن ونعيش نتنقل من مكان لمكان مِتل المطاريد والمچرمين ، هيدا مانو منيح منشان نفسية اللزغار. 

لم يجد بداخلهُ ما يجيبها به، لقد وضعه القدر بين إختيارين كلاهما أشبه بسلاحٍ ذو حدين، يعلم أن إختيار أحدهما سيدخله بحالة من الشقاء، ومن أين يأتي النعيم وهو بين نارين، فإذا ترك شقيقاه إلى تلك المرأة سيظل قلقًا بشأن تربيتهما على الأخلاق ونشأتيهما على الأسسس الصحيحة والقواعد الدينية، فهي بالأخير زوجة لأحد رجال العصابات العالمية وقضت معه أعوامًا كثيرة ومن البديهي تكون قد تأثرت ولو ببعضًا من صفاته البغيضة، وإذا اختار الحل الأخر سيدخل حربًا إلى أن يعثر على الصغيران ويأخذهما من تلك التي ستهرب بهما بالتأكيد، وبعد عودتهما إلى البلاد سيبدأ حربًا جديدة متعددة الأطراف، فالجميعُ ضد اتخاذه لذاك القرار الصعب،هو بذاته لا يعلم إذا كان بإمكانه تحمل تربيتهما أم لا  

-ليش ساكت يا يوسف، ما سمعت چوابك؟ 
-اديني وقت أفكر...قالها تحت نظرات بيسان الحائرة

نطقت لاقناعه: 
-بعرف إنك خايف عخواتك،وهيدا حقك ما قِلت شي،بس بوعدك رح ربيهن منيح،وإنت كمان فيك تساعدني،فيك تتواصل معهن على الانترنت،وتقلهن شو ما بدك
وسألته بلهفة منتظرة جوابه بشوقٍ :
-بحياة الله توافق،هون مدارسهن حلوة كتير وهنن مرتاحين فيها ومعودين على العيشة هون،وأنا رح ابذل كل چهدي لحتى ربيهن منيح

لم يجد امامهُ سوى الموافقة تحت سعادة المرأة،فبالأخير هي جدتهما ومن البديهي أن تهتم بهما أكتر من أي شخصٍ آخر.  

       ༺༻༺༻٭༺༻༺༻
بعد مرور عامًا كامل على كل هذه الأحداث، مرت بحلوها ومرها
ولچت إلى ذاك المنزل المجاور لقصر والد زوجها، فتحت الباب بالمفتاح ثم تطلعت على أثاث المنزل الفخم والديكورات الرائعة التي باشرت هي وفريال بمساعدة بيسان على اختيارها، لم يشارك يوسف بتجهيز منزل الزوجية وذلك بسبب إنشغاله بالعمل مع جهاز المخابرات المصري حيث توسع عمله معهم مع وضع حراسة مشددة من المخابرات على ذاك الذي أصبح كنزًا بالنسبة للجهاز، صعدت للأعلى تتنقلُ بين درجات الدرج بسعادة لا يضاهيها شيئًا،فاليوم سترى عُرس نجلها على من فتنة قلبهُ بعشقها، تحركت بين الرواق المؤدي للغرف لتتوقف أمام إحداهما، طرقت الباب ودخلت لتجد غالي عينيها يغفو بسباتٍ عميق وسط تختهِ،نطقت وهي تقوم بإيقاظه:
-يوسف،حبيبي قوم الساعة واحدة الظهر

-إممم، سبيني نايم ساعة كمان يا ماما... قالها بخمولٍ ونعاس لتنطق بتصميم: 
-قوم يا حبيبي هتتأخر على فرحك،ده أنتَ لسه هتاخد شاور وتجهز نفسك، الميكب أرتست عند بيسان بقالها أكتر من ساعتين، يلا قوم
وتابعت وهي تناوله قميصه بعدما تزحزح الغطاء وظهر نصفه العلوي عاريًا: 
-قوم إلبس تيشيرتك واستر نفسك 
تأفف وهو يقول ردًا على حديثها: 
-أنا مالي ومال بيسان يا ماما، دي واحدة رايقة، لسه هتعمل حمام مغربي ومساچ وترسم تاتو  وليلتها طويلة، إدعي لها تقدر تخلص قبل ميعاد الفرح 
وتابع متهكمًا: 
-إنما أنا راجل جاهز، هنط في البدلة واركب عربيتي ونص ساعة هبقى في الفندق، سبيني بقى ساعة كمان 
زفرت حين استمعت لاسم الفندق: 
-معرفش إيه لازمة تصميمك إن الفرح يتعمل في فندق،ما كنا عملناه في قصر الباشا بدل الشحطتة دي
أجابها باقتناعٍ: 
-أه علشان رؤسائي في الجهاز يقولوا عامل فرحه في بيت أهل مراته 

-طب يلا يا حبيبي علشان تفطر مع جدو وتيتا واخواتك، ده أنا منعتهم ييجوا هنا بمعجزة، فريال قالت لهم اللي هشوفه في الڤيلا هنفخه. 
وتابعت وهي تعيد ترتيب الغرفة: 
-وزينة و رامي كمان وصلم والكل مستنيك هناك. 
رفع عنه الغطاء بعدما ارتدى قميصه ثم وقف لتقترب هي منه وعلى غرةٍ جذبته لتسكنهُ أحضانها وهي تقول مربته على ظهره بحنان وتأثر: 
-ألف مبروك يا حبيبي، عشت وشوفتك عريس يا يوسف. 

تعليقات



×
insticator.com, 6ed3a427-c6ec-49ed-82fe-d1fadce79a7b, DIRECT, b3511ffcafb23a32 sharethrough.com, Q9IzHdvp, DIRECT, d53b998a7bd4ecd2 pubmatic.com, 95054, DIRECT, 5d62403b186f2ace rubiconproject.com, 17062, RESELLER, 0bfd66d529a55807 risecodes.com, 6124caed9c7adb0001c028d8, DIRECT openx.com, 558230700, RESELLER, 6a698e2ec38604c6 pmc.com, 1242710, DIRECT, 8dd52f825890bb44 rubiconproject.com, 10278, RESELLER, 0bfd66d529a55807 video.unrulymedia.com, 136898039, RESELLER lijit.com, 257618, RESELLER, fafdf38b16bf6b2b appnexus.com, 3695, RESELLER, f5ab79cb980f11d1