رواية احفاد الثعلب الفصل السابع بقلم شريهان سماحة
دلفت بابتسامة عذبه لي**ت كلا من والدتها والعجوز وبوادر الصدمة تعتلي وجهما علي جملتها العذبة مثل وجهها الخمري العربي مقتربة بحيوية مصطنعة من الطرف الأخر للفراش تلتقط كف يداه بين راحة يداها مردده بدلال مصاحباً بنظرة هادئة معاتبه لوالدتها :
-بقا دموعك الغالية دي كلها عشان موضوع زي ده !
طب كنت قولي من الأول وربنا كنت رقصت أنك ريحتني من دروس الطبخ ودخول المطبخ الإجباري من الست الوالدة عشان أتعلم اطبخ للمحروس المستقبلي ..
أخفضت والدتها بوجهها بخزي فها هي فتاة في الثامنة عشر تخبرها بتخفي وبرزانة عقلها .. أنحاكم رجلاً مسن مريض يا أمي .. أنحاكم رجلاً ماتت روحه منذ سبعة عشر عاماً ، وقد يكون يحارب الحياة للاستمرار فيها بعد أرادة الله لأجلنا نحن النساء ..
نعم أعلم بأنه خارج عن أرادتك حين يتحكم بكِ قلب الأم ولكن ..
فليمت رغبتنا وأحلامنا وحياتنا جميعاً تضحيتًا له !!
فرحمةً ورأفًا به يا قلب أمي !
أشاحا بوجهه الحزين في خزي بعيداً عن نظراتها التي تؤلم وجملتها التي تقتل ببطء .. لتمتد يداها لذقنه ترجع وجهه لها مرة أخري مرددة بمرح طفولي :
-طبعاً ده غير عبقريتي الفذة وعشان كده مش وش مطابخ أحنا .. وإللي يأكد علي كلامي أن أنا كنت جاية أقولك أن نتيجة الثانوية الأزهري ظهرت من شوية وجبت 1; 98 %
انتهت من جملتها لترفع كفي يداها في الهواء بقلة حيله مسترسله حديثها بمرح :
-ومتقولوليش لو سمحتوا الواحد ده بيعمل أية ، أكيد حطوه لتأكيد عبقريتي النادرة في الزمن ده ..
رمقها كلا منهما بنظرات قوية لا تستوعب ما رمت به عليهم لتتغير تعابير وجه والدتها بلهفة متعطشة لذلك الخبر .. نهضت منتفضة من جلستها باضطراب جعلها تغفل عن قهر قلبها لثواني .. متوجهه أليها رافعه ذراعيها في الهواء ببهجة وسعادة متمنيا حفظها بين طيات ص*رها للأبد وحمايتها مما هو قادم ..
ملتقطاها بينهما بحنان مردده بلا توقف بفرحه عارمه مصاحبه بدموع السعادة :
-حبيبتي وعمري أنا مش مصدقه .. ألف ألف مب**ك يا روح ماما .. أهي نتيجتك دي هونت عليا كتير يا هنايا ..
لتبتعد للخلف ماحيه دموعها براحة يداها مرددة بنظرات أمل تتمسك به لكي يشغلها عما قادم :
-أكيد أن شاء الله طب زي رضوي .. وو تحضري ماجستير وبعدين دكتوراه وبعدين ..
أردفت هنا قاطعة لحديثها بنبرة جدية :
-طب أيه يا أمي أنتِ ناسية أن أخترت أدبي عشان أن شاء الله أدخل كلية لغات وترجمة فورية ده طبعا بعد موافقة جدي ..
لتسترسل حديثها بنبرة فكاهية مصطنعة :
-ولا أيه يا جدو يلي مبركتليش لحد دوقتي ..
قالتها مهرولة باتجاه الفراش ليتطلع لها بأعين يشاع من داخلها الحزن ، ومع ذلك تتراقص مقلتيها بفرحه لما حققته طفلته المطيعة البارة التي أقحمها بدون هدي في حرب مُميته هي في غني عنها ببراءتها تلك ..
أتكئت برأسها علي أحدي أكتافه تستكين عليها براحة تامه مردده بدلال :
-أمممم شكلك عاوز تبخل عليا بيها ياأحلي جدو !
حينها مال برأسهُ عليها يدفس وجههُ في رأسها لتسيء حالته ولتنهمر دموعه بندم مردداً بأنهيار تام في نبرة صوته :
-سااااامحيني !!!
رفعت رأسها بعينين يغرُقها الدموع مرددة بهدوء ورضا تام :
-قول لا حول ولا قوة إلا بالله يا جدي شدتك وألمك هيزول بقدرتهُ !
----------------
-ها يا بنات أيه الأخبار ؟!
رددتها رقية بتوتر وهي تستقبل بناتها رضوي وهنا…
لتردف رضوي باقتضاب وهي تستريح علي معقدا بالقرب منها :
-أدتله دوا القلب ومهدئ بسيط ونام…
أتاهم صوت هنا بخفوت شديد :
-عن أذنكم هطلع أستريح شويه في أودتي…
أومأت رقية ورضوي برأسهما بالموافقة لتغادر بالفعل للأعلى بخطوات ثقيلة ..
دلف أميرة بعدها بدقيقة عليهم بعد أن فتحت لها أحدي الخادمات مرددة باضطراب :
-حقيقي يا رضوي إللي قولتهولي في التليفون جدك ماله ؟!
أتاها صوت والدتها بخفوت :
-طب أقعدي استريحي الأول يا بنتي ..
ألتفت رضوي حينها لها مرددة بحيرة :
-صحيح يا ماما أنا جيت علي ملا وشي وكشفت علي جدو وحالة قلبه مكنتش تمام غير حالته النفسية ومعرفش أيه إللي حصل لكل ده لغاية دلوقتي …
جلس أميرة تقرأ معالم وجه والدتها بتوجس بينما أطلقت رقية تنهيدة عميقة لتطأطئ رأسها ب**رة مرددة بنبرة حزينة:
-هحكي ليكم بس محدش يحكي لندا كفاية أنها بعيد عننا محدش ينكد عليها .. سبوها في فرحتها شويه ..
أنتبها كلتهما بتوجس لما رددته والدتهما بمعالم وجهها الحزينة .. والتي أفلتت دموعها معبرة عن معاناتها كأم فُطر الحزن قلبها علي أبنتها…
مدت راحة يديها بوهن علي مقبض غرفتها تفتحه ببطيء .. لتدلف بخطوات ثقيلة مصاحبه بخذلان قلبها الجريح .. قادتها أقدامها لجلستها الدائمة لها أسفل نافذة غرفتها .. تلك الجلسة التي تنفرد فيها بحالها كل ليلة مع السماء في ساعات الليل المتأخرة .. تتأمل في خيمتها الداكنة بمصابيحها المتلألئة وبعروسها البهية صاحبة الطلة المنيرة بروعتها المكتملة في منتصف كل شهرٍ عربي ..
جلست تستكين في مقعدها متطلعه بأعين تتحرك مقلتيها ببطء في قلب السماء تناجي خالقها في **ت بما لحق بها من أبتلاء بل وبهما جميعاً ..
فرت دمعاها أخيرٍ بأريحية ، فقد كانت تحتبسها من أجل العجوز المريض مالك قلبها والمنفطر لأجله وبما يمر به منذ زمن .. ولكن أرادة الله ونحن لما أراد شاكرين لأمره .. حامدين برضا لما قسم ..
استكانت بمؤخرة رأسها علي أطار النافذة تتذكر تلك المكالمة منذ أربع سنوات .. حين لبت نداء الجد الهاتف باسمها لتتفاجأ برغبته بالإجابة علي مكالمة ما وترجمتها له ..
لبت رغبتهُ في الحال ولكن ضاع صوتها حين أتاها صوت رجولي أجنبي .. مس وتين القلب بقشعريرة سرت مع ضخاته المتتالية في شرايين جسدها .. أبعدته سريعاً تخبرهُ بعينيها بحديثاً صامت عدم رغبتها في التحدث ليتطلع لها الجد برجاء رسُما علي معالم وجه وبشوق تسرب من مقلتيه .. جعلها تخضع لما أراد وأكملت المكالمة بارتجاف وترجمت بتلعثم ما استطاعت ترجمته .. لتفر هاربه مُصره بعدم تكرارها مرة أخري مهما كانت رغبة الجد ..
وعدٍ أخذته حتي تحمي ذاتها الداخلية من ف*نة النفس الأمارة بالسوء ..وعدٍ أخذته بطيب نفس وبهديٍ يرزق به الله سبحانه وتعالي من يشاء فأنك لا تهدي من أحببت ولكنَ الله يهدي من يشاء !
ابتسامة ضعيفة ساخرة رسمت علي زاوية ثغرها رافعة أناملها تمحي بهم أحدي دموعها بخفة وهي لا تصدق بأن من صانت نفسها منه تجنباً للوقوع فيما يغضب الله .. هو نفسه من رزقها الله به زوجاً !
أتسعت ابتسامتها التهكمية حين ذكرت كلمة زوجاً _ فأي زواج هذا _ وهي مرتبطة من مجهول خُفيَ عنها حتي ملامحهُ ، ويرفض هو تلك الواقعة تماماً بل والأسو يرفض التنازل عنه لعقاب الجد ..
مصير وقعت به علي غير أرادتها ولا كانت تتمناه ولكن يجب أن ترضي بكل جوارحها بما قُسم لها ..
-الحمد لله رب العالمين ..
نعم خرجت !
خرجت منها في النهاية رغم ما يعتلي قلبها من هموم .. خرجت منها ليستكين ص*رها براحة نفس جليلة أشبعت جوع آلام قلبها .. خرجت منها متيقنة بها في السراء والضراء…
خرجت منها لتمحي خدها من انسياب دموعها متطلعه للأعلى لرب السماء مرددة بقوة ..
" رب أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين "
رددتها بقوة الأيمان واليقين في الإجابة محدثه نفسها لعله خير حتي وأن كانوا يشاهدونه الأن بغير ذلك…
نهضت تستعيد عزيمتها التي سُلبت لتتوضأ لقيام الليل متضرعة في سجودها بما يعتلي ص*رها لرب العالمين متيقنة بأن أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد فأفرغ ما يعتلي ص*رك من هموم لقوله تعالي فأسجد وأقترب "
-----------------
-نننننعم
قالتها أميرة بهتاف صادح يدل علي صدمتها بما ألقته الوالدة في وجههما بينما رفعت رضوي راحة يداها تمنع اكمال شهقتها التي خرجت في الحال…
ليجتمع الأثنان بعد الاستيعاب في تفوه جملة واحده بهستيريا :
-البنت كده حياتها ضاعت !!!!
علي صدي تلك الجملة أجهشت والدتهما في بكاء مرير علي ما أصاب طفلتها الصغيرة ولقلة حيلتها في أنفاذها وبين حبها لذلك العجوز ..
ليستفيقا كلتهما من صدمتهما علي صوت بكائها ليسرع كلاً منهما بإحاطة مقعدها لتهدئتها دون أضافة كلمة أخري في تلك المصيبة فما يفيد البكاء علي اللبن المسكوب …
_-------------------
رغم جرعة التخدير المتوسطة أفاق وتغلب عليها .. فعلي ما يبدوا أن ما يشغل ذهنه أقوي بكثير من أي أثار مادة طبية حتي وأن أختلف حجم قوتها .. فما يشغل عقله لا يتحمله أي روح خلقها الخالق ...
نعم فعذاب الضمير شيء يؤنبك علي فعتلك الماضية بقتل روحك الداخلية دون أدني شفقه !
أفاق يتمتم بخفوت لتفزع رقية من ثباتها الوهمي علي المقعد المجاور لفراشه ، متجه اليه تتفحص صحته بكلمات متقطعة هادئة خافته :
-بابا !… أنت صاحي !
أتاها صوته بوضوح تلك المرة لتتفاجأ مندهشة وليزيد اندهاشها أكثر حين استضاح لها كلمته المتكررة :
-شاكر .. خلي شاكر يجي
ربت علي أحدي كتفيه باطمئنان مرددة برحمه فياضه :
-حاضر يا بابا هتصل عليه .. بس عشان خاطري متجهدش نفسك أكتر من اللازم .. أنت غالي عندنا أوي وكنز كبير في وسطينا ..
إلا أنه كرر كلمته ثانياً باستدامة جعلتها تجيب سريعاً لتهدئته :
-حاضر .. حاضر هروح أهو اتصل عليه ريح أنت بس نفسك عشان خاطري
قالتها لتسرع بتحريك أقدامها للخارج وبدأت بالفعل الاتصال بصديقه الوفي والمحامي الخاص به في أولي ساعات الصباح …
--------------------------
لبي النداء في الحال أو بمعني أصح جاء له هذا النداء علي طبق من فضة فمنذ جلب ذلك العقد له اليوم ، وهو يعلم جيداً بأن حرب مؤكده ستندلع والخاسر الأول صحة ذلك العجوز .. قضي تلك الساعات متوتراً قلقًا عليه حتي أتاه الاتصال من زوجة ولده ليسرع بتلبيته في الحال ..
وها قد أتي وأغلقت الغرفة عليهم في سريه تامه لما سينتج عنه ذلك اللقاء !
-رفض يا شاكر وعاوز يربطها جمبنا من غير ما تطول سما ولا أرض !!
تلك الجملة خرجت بعد أن تعذب لها قلب الجد كثيراً لكي تخرج من علي ل**نه المرتجف…
أندهش شاكر من جملته القاتلة ليردد بلهفه :
-ليه يا حاج أيه إللي وصلكم كفي الله الشر لكده ..
أتاه صوته بجديه :
-أبدا في الإجراءات بسرعة يا شاكر قبل ما ينفذ كلامه ويلغي التوكيل ..
تشتت عقل شاكر من عدم الاستيعاب ومن كلماته الغامضة فهتف مستفسراً :
-إجراءات أيه يا حاج " علي " أنا مش فاهم حاجة !
هتف باقتطاع مميت :
-ال.. الطلااااا
إلا أن قلب الجد الجريح رفض أخارجها من فمه ليُفضل الموت وتوقف نبضاته واختناق ص*ره علي أخارجها طيلة حياته في حق تلك الطفلة الملائكية