رواية الارابيسك الفصل السابع 7 بقلم حور طه

 


رواية الارابيسك الفصل السابع بقلم حور طه


صباح اليوم التالي…
الضوء الخفيف يتسلل من الشباك
الغرفة ساكنة إلا من صوت أنفاس متقطعة.
إيلا تفتح عينيها ببطء… أنين ألم يخرج منها وهي تحاول تلمس مكان الطـــ ــعنة.

الباب يتفتح بعنف…

رسلان بصوت مرتجف لأول مرة:
ــ مين… مين اللي عمل فيكي كده؟!
مين يتجرأ يمد إيده عليكي… وانتي في قصري؟!

إيلا تحاول تتعدل في السرير بتعب شديد
أنفاسها متلاحقة.
نظرتها تتعلق بشخص واقف في الخلف… 
غيت.واقف هادي، صامت، عينه ما بترمش.

رسلان ينحني ناحيتها
يمد إيده يلمس وشها بحنان مش معتاد:
ــ مش عايزك تخافي…
قوليلي، شوفتي وش اللي طعنك بالسكــ ــين؟

إيلا تبعد إيده عنها ببطء، كأن لمسته بتزيد وجعها.
عينها ما تسيبش غيت اللي واقف ورا رسلان
كأنها بتكلمه من غير صوت.بصوت واهن، متقطع:
ــ لا…
الأوضة… كانت ضلمة!

لحظة صمت… رسلان يتجمد وهو يحاول يفسر.
غيت يفضل واقف زي الظل…
ملامحه غامضة بين البرود والتحدي.
وإيلا تغمض عينيها تاني، كأنها بتهرب من الإجابة.

رسلان يلتفت فجأة ناحية غيت
عينه تشتعل غضب:
ــ كنت فين يا غيت لما ده حصل؟!
أنا قلتلك… إنت المسئول عن حمايتها!
اللي عمل كده… لازم يكون تحت رجلي قبل ما اليوم ده يعدي. فاهم؟!

غيت يخفض رأسه
صوته هادي لكنه مش خالي من المرارة:
ــ حاضر يا باشا.

رسلان يتقدم خطوة
يضغط بجزمته بعنف على رجل غيت. صوته يجلجل:
ــ حاضر دي… تقولها لمك لما تنادي عليك!
لو اللي عمل كده ماكنش تحت جزمتي قبل ما الشمس تغيب…
مش هخليلك لسان تقول بيه حاضر تاني.
فاهم؟!

عين غيت تلمع بغضب مكبوت…
أول ما جاب سيرة أمه.
لكن يعض على غضبه ويقول من بين أسنانه:
ــ هيكون تحت رجليك… قبل ما تغيب الشمس.

رسلان يرمقه بحدة ثم يخرج من الغرفة بعنف.
يبقى الصمت بين غيت وإيلا.

إيلا بصوت مبحوح، عينها تلمع بالخوف:
ــ تفتكر… هيعمل فيك إيه لو عرف… 
إنك إنت اللي عملت كده؟

غيت ينظر لها بثبات:
ــ لو كنتي عايزة تقولي… كنتي قلتي!

إيلا بانفعال:
ــ ليه؟! ليه كنت عايز تقتــ ـلني؟

غيت يقترب خطوة، صوته بارد لكنه عميق:
ــ أنا ما كنتش بقتــ ــلك… أنا كنت بنقذك.
لو كنت عايزك تمــ ـوتي… كنتي ميته من زمان.

إيلا تهز راسها بعجز، بمرارة:
ــ وهتقنعني إزاي بقي… بالكلام الأهبل ده؟

قبل ما يرد… الباب يتفتح
تدخل الدكتورة ومعاها أدوات:
ــ من فضلكم… لازم ترتاح.

غيت يتراجع قليلا، يراقب. يسأل الدكتورة:
ــ طمنيني… حالتها إيه؟

الدكتوره وهي تحضر الحقنة:
ــ الطعنة كانت في مكان حساس جدا… 
لكن مش عميقة.
وقوعها على ظهرها قلل النــ ــزيف… 
وده اللي أنقذها.

إيلا تلتفت ببطء ناحية غيت… نظرتها تتغير.
بتدرك إنه ما كانش عايز يقتـ ــلها فعلا.
لكن يفضل السؤال المرعب معلق في قلبها:
ــ هو عايز مني إيه؟!

إيلا لسه بتبص على غيت بريبة…
فجأة موبايل غيت يهتز.

غيت يخرج الموبايل بسرعة، يفتح الرسالة.
عينه تتحرك مع الكلمات…على الشاشة:
ــ ارتاحي… وما تتعبيش نفسك في التفكير.
لما ييجي الوقت المناسب… هتفهمي كل حاجة.

غيت يضغط على الموبايل بقوة
يخفي الشاشة بسرعة.
لكن إيلا تلحظ ارتباكه:
ــ مين اللي بعتلك؟

غيت ينظر لها بثبات بارد، يخفي كل انفعاله:
ــ مفيش… حاجة تخص شغلي.

إيلا بعينين متوجستين:
ــ الرسالة دي… كانت ليا ولا ليك؟

غيت يسكت لحظة… 
وبعدين يقول بصوت غامض:
ــ حاولي تهدي…
الأيام اللي جاية محتاجة شخص هادي…
يفكر أكتر ما يتكلم.

إيلا تبص له بقلق
مش فاهمة إذا كان بيطمنها ولا بيهددها.
غيت يتراجع خطوتين… يفتح الباب بهدوء.
قبل ما يخرج، يرمقها بنظرة أخيرة غامضة.
ثم يغلق الباب وراه، تاركا صدى كلماته يملأ الغرفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القبو مظلم، رائحة الخشب المحترق..
والزيت القديم متشبعة في الجو...
رسلان ينزل السلالم بخطوات تقيلة..
لحد ما يوصل لغرفة العجوز دران...

العجوز دران قاعد على الكرسي الخشبي
شعره الأبيض متساقط على جبينه، وإيده بتتحرك ببطء وهي بتنقش على قطعة خشب.
صوت النقش بيملأ المكان كأنه موسيقى غامضة.

العجوز دران يرفع عينه الباهتة ناحية رسلان
وبصوت متكــ ــسر لكنه واثق:
ــ وشك… بقى زي القطعة دي.
خشب متآكل… منقوشة خطوط متقطعة…
محتاجه تتجمع… قبل ما تنكــ ــسر..

رسلان يقف قدامه، يحاول يخفي انفعاله:
ــ انت دايما شايفني ناقص حاجة يا دران
لكن أنا اللي برسم النقش…مش اللي بيتنقش عليا.

العجوز دران يرجع عينه للخشب
يكمل النقش بهدوء، يقول كأنه بيكلم روحه:
ــ اللي بيفكر إنه بيرسم… هو نفسه مرسوم.
اللي ماسك السكــ ــين… في الآخر بيتجـ ــرح بيها.

رسلان بعصبية مكتومة:
ــ أنا ما بتجرحش.

العجوز دران يبتسم ابتسامة شاحبة، يحفر خط جديد عميق في الخشب، وصوته ينزل همس:
ــ كل جـــ ــرح… بيبان في الوش.
ووشك خلاص… بقى مرآة للجــ ــرح!

رسلان بعصبية، صوته يهتز بالغضب:
ــ إيلا كانت هتمــــ ــوت!
في حد بيتخطاني…
وبيمد إيده علي اللي ملكي!

العجوز دران يوقف النقش لحظة
يرفع عينه الباهتة
صوته يخرج هادي كأنه بيمزق الصمت:
ــ المــ ـــوت جاي… لا محالة.
بس انت… لسه مش مستعدله.

رسلان يضــ ــرب بقبضته على الطاولة الخشبية القطعة المنقوشة تتحرك:
ــ أنا ما بخافش من المـــ ـــوت!
أنا اللي بصنعه لغيري.

العجوز دران يضحك ضحكة واطية
متكسرة، زي صدى جاي من بعيد:
ــ اللي يصنع مــ ــوت الناس…
بيفاجئه بمــ ـــوته هو...
مش برصــ ــاصة… ولا بطعنة…
إنما بالحظة اللي يلاقي فيها نفسه أضعف من اللي ظن إنه يملكه!

رسلان يقترب بعنف، يضغط بكفه على كتف دران:
ــ إيلا… لو مــ ـــاتت… يبقى في خيانة.
والخيانة عندي… دمــ ــها ما بيجفش.

العجوز دران يغمض عينه
يلمس النقش بإيده المجعدة، ويهمس:
ــ الخيانة مش بس سكــ ـين في الضهر…
أوقات بتكون قلب… ما فضلش عايزك...

رسلان مشدود:
ــ قلب؟!
أنا ما عنديش غير ولاء…
واللي حوالي عارفين إن اللي يخوني…
مابيلحقش حتى يعترف...

العجوز دران يميل براسه ببطء، صوته غامض:
ــ الخيانة ما بتيجيش من بعيد…
الغريب ما يعرفش طريقك.
إنما القريب…هو اللي يعرف فين يوجع… 
وفين يداره!

رسلان عينه تلمع بشك:
ــ قصدك إيه يا دران؟
عايز تقول إن حد من رجالتي…

العجوز دران يقاطعه
يرجع يبص للقطعة الخشبية اللي بينقشها
صوته يخرج كأنه بيكلم الخشب مش رسلان:
ــ في واحد واقف دايما جنبك…
لكن خطوته مش دايما معاك.
هتكتشف إن السيف اللي بتحارب بيه…
هو أول سيف يتوجه لصدرك..

رسلان يضيق عينه، يتراجع خطوة:
ــ …رشاد…غيت؟!

العجوز دران يرفع عينه للحظة، يبتسم ابتسامة غامضة كأنها نصف إجابة… ثم يرجع نظره للخشب ويكمل النقش من غير ولا كلمة.

رسلان يعض على أسنانه، ياخد نفس عميق
وبعينين مشتعلة بالشك يلف ويخرج من القبو!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بيت إدريس…

إدريس قاعد على الكرسي ويبدأ يكح بقوة
روما تجري عليه بخوف:
ــ إدريس! إنت كويس؟ تحب أكلم الدكتور؟

إدريس يبتسم بهدوء:
ــ هو إنتي ليه بتعيطي عشاني؟

روما تمسح دموعها بانفعال
ــ عشان مجنونه!الحق احجز لي بقى في العباسيه!

إدريس بابتسامة خفيفة: 
ــ ما أنا قلتلك قبل كده… ما تعيطيش على حد غيرك!
 ما تخليش حياتك كفيلم من الدرجه الثانيه.

روما تتنهد وهي تبصله: 
ــ إنت اللي قلتلي لازم أبقى اللي بياخد مش اللي بيخسر… ده كلامك.

إدريس يهز راسه وهو يضحك:
ــ ما هو أنا… ساعات بكون متقلب

روما الدموع نازلة....

إدريس يمد يده ياخد منديل ويمسح دموعها بهزار:
ــ يلا بقى… 
وقفي العياط. ده، روحي حضريلي عشا… أنا جعان.

«بعد وقت قصير»

روما في المطبخ بتحضر العشا.
فجأة تسمع صوت تكسيـــ ــر جاي من الصالة.
تسيب اللي في إيدها وتخرج بخوف.

تتصدم لما تشوف رجال غلاظ 
لابسين أسود ماسكين إدريس
واحد ضاربه على وشه
والتاني بيكســ ـر الكراسي حواليهم
وإدريس مرمي نصه على الأرض
والــ ـدم نازل من فمه.

روما بذعر:
ــ إدريـــس!! سيبوه!!

تحاول تجري عليهم، بس قبل ما توصل…
إيد تخطفها من ورا، وإبرة تدخل في رقبتها.
صوتها يتخنق وهي بتحاول تصــ ــرخ.

بعينين مرتعشة تبص وتشوف الرجالة رافعين إدريس المغمي عليه وساحبينه لبرا الباب.

رجل ضخم ببرود: 
ــ الباشا مستنيه.

العالم قدامها يهتز، آخر صورة في عينيها…
إدريس مشتال زي جثـــ ــة، وهي بتسقط للظلام


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
تعليقات