رواية حارة الربيع الفصل الثاني عشر
جلس وليد على الكرسي الخشبي المعتاد، أمامه صحن أرز وشورية دافئة، وريحة لحم محمر.
كل شيء على السفرة كان كامل... إلا الشعور.
على الطرف الآخر والده، يقرأ الجريدة كأن لا أحد بجانبه.
أمه تصب السورية بصمت، ترتب الملاعق بالية حفظتها عبر السنين.
أخوه نايف يقلب في هاتفه، لا يتحدث.
اخته سارة تأكل بسرعة، وعيناها تبحثان عن شيء غير موجود.
هدوء خالق حتى صوت الملاعق على الصحون صار مزعجا.
وليد بصوت هادئ لكنه مقصود تفتكروا لو سافرنا يوم مع بعض ترجع تعرف بعض؟
الأب بدون أن ينظر: سافر انت يا وليد إحنا عندنا التزامات
سارة ما تفتكرش إن جمعة وحدة هتغير سنين
الأم: كل واحد دلوقتي عنده حياته وليد، متصعبهاش.
سكت وليد بلغ اللقمة كانها حجر
أحس إنه غريب في بيت يفترض أن يكون وطنه.
كان يتمنى أن يقول أحدهم : فكرة حلوة يا وليد.
أو حتى خلينا نجرب.
لكن لا شيء
كل شيء استهلك المشاعر، الجهد، وحتى الأعذار.
بعد العشاء، انسحب الجميع كعادتهم.
الأب إلى غرفته
الأم إلى المطبخ
الأخ إلى جهاز الألعاب
الأخت إلى حسابها على إنستغرام
ووليد؟
جلس في الصالة، وحده.
اطفأ الأنوار : وأشعل الأيام باجورة الصغيرة....
فتح دفترا قدي قديما ... وكتب مشكلتي إلى إني لسه شايف أمل . مل في ناس استغنوا من بدري.
أنا من يتيم بس . في قلبي فراغ كبير.
فيه أبويا بس مش موجود
فيه أمي بس مش قادرة.
وفيه إخواني بس ما بتعرفش بعض.
أنا مش حزين أنا مجروح بصمت
كلنا تحت سقف واحد بس أنا الوحيد اللي بدور على معنى.
رن هاتفه فجأة
رسالة من رقم غير مسجل يا وليد اللي بيحب ما يستناش.
لو مش قادر تنقذ السفينة أنقذ نفسك.
رفع عينه وسال بصوت بالكاد يسمعه هو فيه حد حاسس بيا؟
ولا حتى دا وهم كمان ؟
قبل 6 سنوات
نفس البيت لكن فيه ضحك، وحياة، وصوت تلفزيون شغال العيلة كلها قاعدة، الأم بتجهز الشاي.
الأب بيتفرج على الأخبار وليد وسارة ونايف بيتشاجروا على الريموت.
هدوء مفاجئ لما دخلت تليفون الأب رئة غريبة، غير المعتاد
قام بسرعة ... طلع بره الصالة، وقف في البلكونة يتكلم بصوت واطي.
الام لحقت وراه و همست له : مين؟
قال ببرود: شغل سيبيني دلوقتي.
سارة لاحظت ووليد حس إن في حاجة غلط.
الضحك اختفى وكل شيء اختلف بعدها.
بعد أيام
بدأ الأب يختفى كثير، يرجع متأخر، أوقات ما يرجعش اصلا.
الأم ما كانتش تسأل، لكن كانت بتذبل.
وليد حاول يواجهه مرة، بس كانت الصدمة!
الأب بحدة كبر دماغك مش كل حاجة لازم تفهمها.
من بعدها وليد قرر بسکت.
لكن اللي وجع قلبه أكثر، كان يوم لقاهم بيتخانقوا آخر الليل
وصوت أمه بيتر جاه طب حتى عيالك خليك معاهم!
والأب طلع من البيت ومن يومها، حتى لو رجع، ما كانش هو نفس الشخص.
سارة وقتها كانت لسه في أولى ثانوي
كانت بتخاف، وبتسأل، لكن مفيش حد يجاوب.
بدأت تكتب مذكرات زي ما وليد بيعمل دلوقتي
لكن قررت تبعتله، من غير ما يعرف.
كانت بتشوفه كل ليلة قاعد لوحده
بتلمح التعب في عينه، وبتحس انها لو قالتله كلمة مواساة هيعيط.
لكن سارة ما يتحب المواجهة.
فيدات تبعتله رسائل من رقم جديد.
رسائل بسيطة لكنها كانت الملجأ الوحيد له.
أول رسالة أرسلتها : يا وليد
مفيش حد بيفهمك غير اللي عايش نفسك..
ويمكن أنا كمان بدور على صوت يسمعني.
لو حسيت يوم إنك تايه افتح الرسالة الجاية.
