رواية ظلي لم يغادر المكان الفصل السادس عشر 16 بقلم سلمى ابو ضيف


 رواية ظلي لم يغادر المكان الفصل السادس عشر 

كانوا يمشون في النفق بصمت مشوب بالتوتر، والهواء من حولهم صار أكثر ثقلاً. جدران الحجر الخام تضيق وتضيق، حتى شعر كل واحد منهم أن الممر يبتلعه ببطء، كأنهم ينسحبون من العالم الخارجي إلى شيء أعمق، وأقدم، وأشد ظلامًا.

إهداء تمسكت بذراع نور، وقالت بصوت مرتجف:  
"حاسّة إن في حد بيراقبنا."

نور لم ترد، لكن عيناها كانتا متسعتين، تتفحص الظلام كأنها تتوقع أن ينطق فجأة.

وفجأة... سمعوا صوت همس ضعيف جدًا، كأنه صادر من بعيد:  
"ما ترجعوش..."

خالد توقف فورًا، والتفت بعنف خلفه:  
"سمعتوا دا؟! في صوت..."

لكن الصوت اختفى كما ظهر، وتركهم في صمت خانق.  
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.

إهداء صرخت:  
"في حاجة على الحيطة!"

وجه مازن كشاف هاتف نور إلى الجدار،
 وهناك... كان حرف "هـ" مرسومًا بالدم، ما زال يقطر ببطء.  
ثم بجانبه ظهر حرف آخر... ثم آخر...  
تتابعت الأحرف، وكان يدًا خفية تكتبها أمامهم.

هـ - ي - ل - ا - ن - هـ

قالت نور، كأنها تحدث نفسها:  
"هيلانة..."

صمتت لحظة، ثم شهقت فجأة وتراجعت للخلف، صرخت:
"احنا... إحنا إيه اللي دخلنا هنا؟!"

الجميع توقفوا، ووجوههم مليانة بالذهول والصدمة.  
مازن اقترب من نور بسرعة وسألها:  
"إيه في إيه يا نور؟ أنتي تعرفي الاسم دا؟"

نور تنفست ببطء، وبدت كأنها بتعصر ذاكرتها عنوة، ثم قالت بتردد:  
"أنا نسيت أقولكم حاجة... حاجة مهمة جدًا...  
في قصة مشهورة بتقول إن هنا، في النفق ده، محبوسة روح *هيلانة*... أخت البارون."

سألها خالد بدهشة:  
"أخت البارون؟!"

أومأت نور برأسها وقالت بصوت خافت:  
"زمان، اتقال إن البارون كان في القصر وقت غروب الشمس، وسمع صرخات أخته جاية من الغرفة اللي فوق البرج..."

لكنها كانت بتصرخ بصوت عالي جدًا...  
واللي حصل... إنه تجاهلها."

إهداء قطعت كلامها بانفعال:  
"إزاي تجاهلها!؟"

نور بصتلها بعيون مليانة حزن وقالت:  
"كان بيشرب الشاي فوقها، وقت الغروب...  
وسابها تصرخ... ولما راحوا يشوفوها، لقوها ميتة."

ساد صمت تقيل، لحد ما نور كملت:  
"ومن ساعتها... بدأت تحصل حاجات غريبة في القصر.  
البارون حاول يجمع كهنة عشان يرجّع روح أخته ويعتذر لها...  
وفعلًا ظهرت... لكن كانت غاضبة جدًا.  
رفضت الاعتذار... وبدأت اللعنة."

مازن كان واقف بيبص على الاسم المكتوب: "هيلانة"، والرهبة مالية عيونه... ثم قال : 
"إيه اللي حصل بعد كده؟"

نور ردت بصوت هادي:  
"في ناس سمعوا صوت خناق بين راجل وست جوه القصر...  
الكل قالوا أكيد دول البارون وهيلانة.  
بعدها... البرج وقف عن الدوران.  
مراته ماتت في المصعد... لقوها جثة ساكنة من غير سبب واضح.  
والكثير من الخدم ماتوا بطرق غريبة.  
البارون نفسه... اتصاب بنوبة صرع... ومات بعدها بفترة قصيرة."

سكتت لحظة، وبصت للجميع وقالت:  
"اللي شفناه دلوقتي... دم واسم على الحيطة... ده مش صدفة.  
دي هي، هيلانة... ولسه غضبانة."

إهداء كانت واقفة متجمدة، ثم قالت بعصبية:  
"طيب... إنني عارفة كل ده، ووافقتي نرجع ندخل القصر؟!"

نور نظرت إليها بتوتر، ثم قالت بصوت كأنها بتبرر لنفسها قبل ما تبرر للآخرين:

"الموضوع منتشر على الإنترنت من زمان...
بس في ناس كتير طلعوا نفوا الكلام دا وقالوا إن البارون ماعندوش إخوات.
وإن مفيش واحدة اسمها هيلانة أصلاً.

فوقتها صدقت إن دا كله خرافات...
خصوصًا إن القصر مهجور من سنين طويلة،
فقلت مش هنقعد جواه غير 4 ساعات ونمشي.
ماكنتش متوقعة أبدًا اللي بيحصل دا."

الجميع سكتوا.
الصمت كان أبلغ من كل الكلام.
الصمت... والاسم المكتوب بالدم الذي لم يجف بعد.

في عمق الصمت... كان في كمان خطوات خفيفة... بتتكرر... ثم تتوقف.
كان شيئًا يقترب... ببطء... بثبات...

وهم واقفين في مواجهة الجدار، شعروا جميعًا بنفس الشعور في اللحظة ذاتها...

أن الوقت انتهى ، وأن من دخل هذا النفق...
 لن يخرج كما كان.

في لحظة صمت قاتلة... اهتزّ النفق فجأة.

كان الصوت أشبه بتنهدة قديمة تطلقها الأرض نفسها...
ثم بدأ الجدار الحجري في المنتصف يتشقق، وببطء مرعب، انقسم الممر إلى نصفين.

صرخت إهداء وهي تتشبث بذراع خالد:
– "في إيه؟! النفق بيتقسم؟!"

نور انتبهت للشرخ المتسارع، ومدت يدها نحو إهداء لكنها لم تصل... قبل أن يُغلق الجدار فجأة، كان يبدأ خفيةً فصلهُم عمدًا.

أصبح نور ومازن في جهة... وخالد وإهداء في الجهة الأخرى.

سكت الجميع للحظة... ثم بدأت الأصوات تتصاعد:

خالد يصرخ – "مازن؟! نور؟!"
إهداء – "إنت، سامعة؟! نورا!!"
مازن – "خالد! خليّك مع إهداء!!"
نور – "مازن! لازم نرجع نلاقيهم!"
لكن لا رد. لا صوت.


تعليقات