رواية ظلي لم يغادر المكان الفصل الثامن عشر
أغمضت نور عينيها، تحاول أن تغفو رغم همهمة الرياح التي تتسلّل من شقوق الجدران. لم يمضِ وقت طويل حتى شعرت أن جسدها ينسحب من ثِقله، وأنفاسها تصبح أثقل… ثم وجدت نفسها واقفة في ممرّ ضيّق مضاء بضوءٍ أحمر باهت.
كان الممر غريبًا… نصفه من حجارة قديمة متصدّعة تشبه دهاليز القصر، والنصف الآخر عصري كأنه جزء من شارع حديث. على الجدار الأيمن صور باهتة لامرأة ترتدي ثوبًا أبيض قديمًا، وعلى الجدار الآخر صور لفتاة بملابس معاصرة… وجهها مألوف جدًا: ريم.
خطوات خافتة دوّت في الظلام، وخرجت من آخر الممر امرأتان:
الأولى هيلانة، بشَعرها الأسود المتناثر وثوبها الممزّق، وعينان زجاجيتان كأنهما تنظران من خلف الموت.
والثانية ريم، ملامحها شاحبة لكن عينيها تلمعان بالدمع والرجاء.
اقتربتا من نور ببطء، حتى توقفتا أمامها، وأمسكت كل منهما بيد الأخرى.
ارتجفت نور حين سمعت صوتهما يندمجان معًا، يتحدثان في وقت واحد:
"إحنا اتنين… لكن دمنا واحد."
اهتزّ الممر فجأة، وبدأت الصور على الجدران تنزف دمًا أحمر يسيل على الأرض، رائحة الحديد والصدأ ملأت المكان.
مدّت ريم يدها المرتجفة نحو نور وقالت:
"افتحوا الدفتر… فيه صوتي."
بينما همست هيلانة بصوتٍ أعمق، أقرب إلى زمجرة:
"الخائن لسه عايش."
فجأة انطفأ الضوء الأحمر، ولم يبقَ سوى عيون المرأتين وهي تحدّق في نور بثبات… قبل أن يندمج جسداهما في كيان واحد مشوَّه، نصفه من الماضي ونصفه من الحاضر، ثم اندفع نحوها بسرعة.
صرخت نور وهي تسقط للخلف—
لتستيقظ فزعة، تتصبّب عرقًا.
لكن المفاجأة أنّ بجوارها، على الأرضية الباردة، وُجدت ورقة قديمة من دفتر ريم… لم تكن موجودة قبل أن تغفو.
وعليها بخطّ مرتعش جملة واحدة:
"الخيانة تكررت… والباب لا يُفتح إلا بالحقيقة."
قرأت نور الورقة وهي تبكي، حتى استيقظ مازن على صوتها. حاول تهدئتها وهو يقول:
– "فيه إيه يا نور؟ إنتِ كويسة؟"
أجابته وهي تتلعثم:
– "أنا شوفت كابوس… مرعب يا مازن. قلبي هيوقف."
وأخذت تقصّ عليه ما رأته، ثم ناولته الورقة.
نظر إليها مازن وقال بثبات:
– "إنتِ عارفة معنى الكلام ده إيه؟"
____________________________________
في الجهة الأخرى،
كانت إهداء تحاول إغماض عينيها، لكن النوم لم يكن راحة هذه المرة…
وجدت نفسها واقفة وسط فراغ أسود لا نهاية له، صمت خانق إلا من طنين يشبه أزيز الأسلاك.
أمامها على الأرض ظهر خطّ رفيع يلمع بلون معدني، يمتدّ كأفعى تتحرّك ببطء.
ارتفع الخط فجأة وبدأ يلتف حول نفسه… مرة، اثنتين، ثلاثًا… حتى تشكّل في النهاية حلقة دائرية ملتوية، أشبه بعقدة مشنقة مقلوبة.
في وسط الحلقة، انبثقت نقطة سوداء تكبر وتكبر، حتى صارت كعين مفتوحة تحدّق بها بلا رمش.
العين ساكنة، لكن إهداء شعرت وكأنها تراها من الداخل… كأن أسرارها كلها تُسحب منها وتُختَزن في تلك النقطة السوداء.
ارتجف الفراغ من حولها، وسمعت أصواتًا متقطّعة… كأنها مقاطع مكالمات هاتفية مشوّهة: ضحكات، بكاء، صرخة مكتومة… ثم انقطع كل شيء فجأة.
لم يبقَ سوى الرمز أمامها:
دائرة ملتفة من سلك، وفي قلبها عين وحيدة.
عين لا تكتفي بالنظر إليها… بل تبتلعها.
صرخت إهداء وهي تسقط داخل الدائرة—
لتستيقظ فزعة، عرقها يتصبّب، وقلبها يكاد ينفجر.
––––––––––––––––––––––––
قالت نور بوجه شاحب وملامح متوترة:
– "معناه إيه؟"
أجابها مازن بثبات:
– "معناه إن الخيانة قديمة ولسه مستمرة… زي ما هيلانة اتقتلت والبارون تجاهل ،ريم نفس السيناريو بيتكرر. والهدف من حلمك إننا نفهم إن قصص القتل مش مجرد ماضي… دي سلسلة مستمرة وإحنا بنتجاهل أسبابها."
أطرقت نور رأسها وقد فهمت كلامه، ثم أشارت إلى الورقة.
نظر إليها مازن يحاول استيعاب:
– "الغريب… منين ظهرت الورقة دي؟
"لكن، هل في الأمر غرابة حقًا؟ فمنذ دخولهم القصر لم يشهدوا شيئًا ينتمي لعالم المنطق."
ثم أضاف بجدية:
– "أنا حاسس إن الدفتر مش مجرد مذكرات عادية، لكنه وسيلة… زي الورقة اللي ظهرت جنبك. معناها إن الدفتر بيتحرك بنفسه… أو بيظهر لما عايز يوصل رسالة."
نهض واقفًا وهو يقول:
– "لازم نتحرك… ونلاقي مخرج ونشوف إهداء وخالد."
––––––––––––––––––––––––
في الجهة الأخرى:
– "إنتِ كويسة؟" سألها خالد بقلق.
مسحت إهداء وجهها، وصدرها يعلو ويهبط:
– "أنا… أنا من إمتى كويسة؟ من ساعة ما دخلنا هنا."
اقترب منها خالد، يمسح على شعرها بحنان:
– "هنخرج، متخافيش. قوليلي… شوفتي إيه خلاكي مرعوبة كده؟"
قصّت عليه كل ما رأته بتفصيل. وبعد أن أنصت بتركيز، تمتم بصوت منخفض:
– "دائرة ملتفة من سلك، وفي قلبها عين وحيدة…"
نظرت إليه إهداء ودموعها تتساقط:
– "أرجوك يا خالد… عشان خاطري، لاقي حل ونطلع من هنا. أنا خلاص مش قادرة… حاسة نفسي—"
لم تستطع إكمال حديثها، إذ تجمّد صوتها حين رأت رمز يظهر أمامهما فجأة في كل اتجاه من اتجاهات النفق…
في تلك اللحظة شعر كلاهما بأن الهواء قد صار أثقل، وأن جدران النفق تضيق عليهما كأنها تطبِق بلا رحمة. القلب يخفق بعنف، والعرق يتصبّب رغم برودة المكان. كان الشعور أقرب إلى الوقوع في فخّ محكم… فخّ لا مفرّ منه.
كان الرمز غريبًا إلى حد يثير القشعريرة… أشبه بريشة دجاج، لكن لم يكن أبيضًا أو عاديًا كما في الواقع، بل متوهّج بلونٍ أحمر فاقع، كأنها غُمست في دمٍ طازج للتو.
لم تكن ريشة ساكنة، بل بدت كأنها تنبض بخيط حياةٍ خفيّ، تتمايل في الفراغ كأن الهواء نفسه يخشاها. وكلما طالت نظراتهم إليها، شعروا أن اللون الأحمر يتسرّب من حدودها ليملأ المكان، حتى بدا وكأن النفق يتنفس بدمها.
بينما تحدّق إهداء في الرمز المريب، إذ فجأة تشقّق الجدار الصخري أمامهما، وكأن يدًا خفية مزّقته من الداخل، ليفتح لهما ممرًا ضيّقًا لم يكن موجودًا قبل لحظة.
كان الممر يختلف عن باقي الأنفاق:
جدرانه لم تكن من الحجر الخام، بل ملساء مائلة إلى الحمرة، وكأنها مطلية بدمٍ جاف. الأرضية رطبة، تتلألأ كأنها ابتلّت بمطرٍ لم يسقط يومًا، ورائحة صدأ خانق امتزجت مع عطن قديم تجعل التنفّس أثقل.
من السقف تدلّت خيوط سوداء دقيقة، تتحرّك ببطء كأنها حية تراقب الداخلين.
ارتجف جسد إهداء وهي تتراجع خطوة، بينما خالد ظل يحدّق في الفراغ الداكن داخل الممر، عيناه تضيقان كأنه يحاول اختراق الظلام ببصره.
قالت بصوت مرتجف:
– "إحنا… هندخل؟"
سكت خالد لحظة، أنفاسه متلاحقة، ثم نظر إليها محاولًا أن يبدو ثابتًا أكثر مما هو عليه:
– "مفيش غيره… يمكن ده طريق الخروج."
ترددا لحظات، كأن أقدامهما تثقلها قيود خفية، قبل أن يخطوا معًا داخل الممر… تاركين خلفهم النفق، بينما صدى خطواتهما يتردّد كقرع طبول حربٍ قادمة.
__________________________________________
قالت نور باهتمام وهي تتلمس الجدار:
"خلي بالك أحسن ما..."
لكنها لم تُكمل حديثها؛ صرخة قصيرة خرجت من مازن وهو يسحب يده بسرعة. إصبعه انفتح بجرح رفيع، والدم بدأ يتسلل منه على بطء، يخط أثرًا أحمر فوق الحجارة الرمادية.
في اللحظة نفسها، ارتجف الجدار أمامهما كأنه يتنفس، ومع أول قطرة دم سقطت، ظهر نقش لم يكن موجودًا من قبل: دائرة ملتفّة من أسلاك دقيقة، وفي قلبها عين وحيدة.
عين لم تكن تنظر فقط… بل كأنها تمتص الضوء من حولها، تبتلع أنفاسهم، وتجرّهما إلى ما هو أبعد من مجرد حجر ونفق.
تبادلا نظرات مرتبكة، والخوف يتصارع مع الفضول في أعينهما.
بينما كانت نور تحدّق في الرمز المريب الذي اشتعل على الجدار، إذ فجأة تشقّق الحجر الصخري أمامهما، وكأن يدًا خفيّة مزّقته من الداخل، ليفتح لهما ممرًّا ضيّقًا لم يكن له وجود قبل لحظة.
ضغط مازن بيده على إصبعه النازف كأنه يحاول إيقاف شيء أكبر من الدم، بينما ارتجفت نور وهي تراقب فتحة الممر المظلمة.
قالت بصوت خافت، بالكاد يخرج من حلقها:
– "إحنا… هندخل؟"
سكت مازن لحظة طويلة، عيناه ما زالتا معلّقتين بالعين المرسومة على الجدار، قبل أن يرفع رأسه إليها، يحاول أن يبدو أكثر ثباتًا مما هو عليه:
– "مفيش غيره… يمكن ده طريق الخروج."
ظلّا متردّدين لثوانٍ، كأن أقدامهما مثقلة بقيود غير مرئية، ثم خطوا ببطء داخل الممر… والصدى العميق لخطواتهما ارتدّ حولهما، ليس كأنه مجرّد صدى، بل كأنه أصوات أخرى تسير معهما… في انتظار اللحظة المناسبة للظهور.
______________________________________________
تقدّموا جميعًا داخل الممرات، كل مجموعة على حدة، أصوات أنفاسهم تختلط بصدى الخطوات الغامضة التي لم يعرفوا مصدرها. الظلام كان يبتلعهم شيئًا فشيئًا، لكن في مكانٍ ما، بدا وكأن الممرّات المجهولة تتقاطع خفية، تقودهم نحو نقطة واحدة.
نور ومازن كانا يسيران بحذر، نور تمسك بذراع مازن وكأنها تخشى أن ينفلت منها، ومازن يضغط على جرح إصبعه محاولًا أن يتجاهل الألم. وفي الجهة الأخرى، كانت إهداء تسند نفسها على خالد، عيناها لا تفارقان الجدران التي تتنفس برموزها المريبة.
وفجأة، انفتح أمام كلٍّ منهم ممر جديد، يشبه أفواهًا حجرية تناديهم. تردّدوا لحظات، لكن خطواتهم دفعتهم داخله… حتى اصطدمت أنفاسهم ببعض، وجها لوجه.
ارتجفت نور وهي تصرخ باسم صديقتها:
– "إهداء!"
لم تُصدّق الأخيرة ما تراه، فاندفعت نحوها تحتضنها بقوة، بينما خالد يتنفس براحة أخيرًا، ومازن يبتسم رغم القلق:
– "أخيرًا… اتجمعنا."
كانت العيون الأربع ترتجف من الخوف، لكن دفء اللقاء خفّف شيئًا من الرعب. جلسوا جميعًا في زاوية الممر، يتنفسون بعمق، ثم بدأت الحكايات تتدفق… نور تحكي عن كابوسها، الورقة التي ظهرت فجأة، والدم الذي فتح الرمز. وإهداء تصف الدائرة الملتفة والعين المظلمة التي كادت تبتلعها.
كل كلمة كانت تثقل الجو أكثر، كأن الممر نفسه ينصت. تبادلوا النظرات، والصدمة واضحة:
كل ما رآه أحدهم، كان يتكامل مع الآخر…
وكأن الألغاز لم تعد تخصّ شخصًا واحدًا، بل شبكة واحدة تحيط بهم جميعًا.
