![]() |
رواية الشبح العاشق الجزء الثالث الفصل الاول بقلم رباب حسين
ولدت وهي تحمل لعنة لم يخترها أحد.... في عينيها يسكن انقسام العالم.... زرقاء باردة تُشبه صمت القبور تحت البحر وخضراء غريبة تُذكر بغابةٍ تبتلع من يتوه داخلها..... ما بين النظرتين لم تكن الطفولة سوى قناع هش يغطي صراعًا ينهشها من الداخل..... في دمها يمتزج نورٌ مكسور بظلامٍ جائع.... كل نبضة من قلبها تصرخ بصوتين متضادين.... أحدهما يهمس بالرحمة والأخر يعد بالدمار.... حتى ضحكتها الصغيرة لم تكن بريئة بل ارتجاف مرآة مشروخة تعكس وجوهًا لا يراها سواها.....لم تكن الحرب في الخارج فقط بل كانت هي الساحة.... هي السلاح وهي الضحية..... في ليلها الطويل تسمع نداءين يتنازعان روحها : نداءً يغريها بأن تحرق وأخر يتوسل أن تُنقذ.... وكلما خطت خطوة كان ظل الشر يمد يده داخلها أكثر... يفتت براءتها ويحولها إلى أداة ضد من منحوا حياتهم ليحموها..... هي لم تُخلق لتكون طفلة بل لتكون السؤال الذي بلا جواب : هل تُولد اللعنة من رحم الخلاص؟ أم أن اللعنة سوف تُنجب الخراب؟
تفتح عينيها صباحًا.... عينان تحملان معاني كثيرة.... من يراها ينخدع بجمالها ولا يعلم أن بداخلهما بركان خامد.... ها هي جنة ذات الست أعوام.... طفلة بريئة..... تسمع حديث يقال عنها ولا تفهمه فليان لم تقص لها أي شئ عن هويتها الحقيقية بعد..... فقط أعطتها ذلك السلسال ليحجب عنها رؤية الأشباح وحرصت على تنبيهها مررًا وتكررًا ألا تنزعها عن رقبتها مهما حدث.... كانت بنوفيل تحميها بكل الطرق دون أن تعلم جنة بوجودها ووئام لا يملك غير قلب الأب الحنون الذي ينظر إليها بحب أحيانًا وبشفقة أحيانًا أخرى.... أما ليان فكانت مثل أي أم تحب إبنتها ولكن بداخلها خوف كبير.... ليس منها ولكن خوف من احتمال مواجهتها كعدو فيما بعد..... فكانت تتغير معاملتها أحيانًا ليس رفضًا منها لإبنتها ولكن خوفًا مما يسكن بداخلها.... لم يدرك أحدًا منهما ما يفعلا دون أن يعلما ولا يعيا بمن هو متربص في هذا المكان البعيد..... الخامد دون فعل على ظن أنه فقد سلاحه وفقد قوة ميناس لم يتوقعا أنه يعلم بأمرها وينتظر الوقت المناسب ليستغلها.... أما هي كانت مختلفة.... فتاة جميلة ولكن نظرتها كانت تزرع الخوف بقلوب من في سنها من الأطفال.... اختلاف لون عيناها تسبب لها في مشكلة في التواصل مع أصدقائها فهم في سن لا يستوعب هذا الإختلاف.... كل هذه العوامل جعلت منها طفلة غير إعتيادية.... بجانب ما تشعر به من قدرات لا تعلم أنها قدرات خاصة وخوفًا من أن ترى ذاتها غير إعتيادية في عيون من حولها فهي لا تستخدم هذه القدرات أمام أحد ولذلك لم يعرف أحد بعد بها..... كانت الشكاوى تتوالى من المعلمين بالمدرسة.... "جنة فتاة غير إجتماعية".... "إنها إنطوائيك للغاية"..... " ممتازة دراسيًا جدًا ولكن وحيدة دائمًا"..... هذا الجمل جعلت الخوف يزداد داخل قلب ليان..... هل أهملت في إظهار حبها لإبنتها؟.... هل اختلقت فجوة بينهما لن تستطيع أن تصلحها؟
استيقظت جنة وفتحت عينيها في هدوء ونهضت من الفراش.... كانت تقف بغرفتها بعد أن دخلت المرحاض وخرجت لترتدي ثيابها..... سمعت حديث ليان ووئام معًا داخل غرفتهما.... لم تكن تتسمع عمدًا ولكن هذه قوة لديها لم يعرف عنها أحد..... كانت تسمع حديث مبهم عنها دائمًا ولكن ما كان يجذب انتباهها دائمًا هو خوف ليان التي كانت تجلس بجوار وئام وتقول : نفس الشكاوى يا وئام.... مش بتتغير.... نفسي أعرف ليه مش بتتكلم مع حد وبحاول أفهم منها مش بترد عليا
وئام : ما أنتي عارفة إنها بطبيعتها هادية ومش بتتكلم كتير
ليان : طيب أعمل إيه؟.... أنا خايفة يا وئام..... مرعوبة مش خايفة بس
وئام : من ساعة ما اتولدت وإنتي بتقولي كده.... بس أنا شايف إنها طبيعية جدًا ومفيش حاجة تخوف..... قومي قومي عشان نفطر والبنت تاكل قبل ما تنزل
أغمضت جنة عينيها وهي تنظر إلى المرآة أمامها.... اعتادت على سماع هذه الكلمات..... من يراها يظن أنها فتاة صغيرة ولكن بالحقيقة هي أكبر مما تتخيل.... ارتدت ثيابها وخرجت من غرفتها وجلست على الطاولة وقالت : صباح الخير
ابتسم وئام وقال : صباح النور يا حبيبتي.... عاملة إيه النهاردة؟
جنة : الحمد لله.... بابي هتوديني تمرين السباحة النهاردة؟
وئام : هعدي عليكي بعد المدرسة ونروح سوا
جنة : ولو عندك حالات مستعجلة؟
وئام : هبعتلك الشوفير
ليان : أو أنا هعدي عليكي
جنة : مش عايزة أتعبك يا مامي.... إنتي بتيجي تعملي الأكل وكمان تقعدي تذاكري معايا..... خلاص لو بابي مش فاضي الشوفير يجي ياخدني
ليان : تعبك راحة يا حبيبتي.... هحاول أجي أنا عشان كمان أتفرج عليكي.... الكوتش قالي إن مستواكي بقى حلو أوي
جنة : خلاص هستناكي
قاطع حديثهم إتصال روما بليان فتلقت المكالمة وقالت روما : صباح الخير يا ليان
ليان : صباح النور.... إنتي في المستشفى؟
روما : لا.... زيد تعبان وبتصل أقولك إني مش هاجي النهاردة.... حرارته عالية من إمبارح
ليان : ألف سلامة عليه.... مش هيروح كده المدرسة كمان..... خليكي معاه يا حبيبتي وأنا هتصل اطمن عليه كمان شوية
وقعت عين ليان على جنة التي تنظر إلى المرآة أمامها وكأنها تشاهد شيئًا ما فعقدت ليان حاجبيها ونظرت إلى المرآة في تعجب ثم أخفضت جنة عيناها إلى صحنها وأكملت طعامها.... أنهت ليان المكالمة ثم نظرت إلى جنة وقالت : جنة حبيبتي.... هو إنتي.... كنتي بتبصي للمرايا كده ليه؟
جنة : كنت بشوف شعري بس..... يلا عشان إتأخرت
ليان : تحبي ارفعلك شعرك؟
جنة : لا.... أنا بحبه كده مفرود
ليان : طيب يا حبيبتي.... خدها يا وئام نزلها للباص
نهض وئام ونزل معها إلى أسفل حتى جاءت حافلة المدرسة وصعدت بها وكالعادة جلست بأخر مقعد وحدها.... لوحت بيدها مودعة وئام وتحركت الحافلة لتنظر إلى الزجاج أمامها وكأنها تشاهد شيئًا
في هذا السرادب.... يجلس مالوس وأمامه بلورة سحرية..... يشاهد بها تحركات جنة كلها.... ينظر إليها ويبتسم.... هي كنز ثمين بالنسبة له.... هدية على صحن من ذهب جاءت لتعيد له الأمل في وجود ميناس.... هو الوحيد الذي يعلم قدراتها الحقيقية..... وأيضًا يستعد لها..... يرى كل الفجوات التي تشعر بها بينها وبين أصدقائها.... يعلم خوف ليان جيدًا وإن كانت جنة لا تعرف سبب هذا الخوف ولكن يخطط مالوس ليستغله.... فهي كطفلة ترى أن لون عيناها هو سبب خوف أمها منها كما هو سبب خوف الأطفال منها ولكن بداخلها شعور يجعلها تكره ذاتها.... لا تشعر بأنها فتاة محبوبة من أحد فإذا كانت الأم تهابها! فكيف بالأخرين؟..... اقترب من مالوس شبح.... كان ينظر معه إلى البلورة.... نظرة مليئة بالحقد والكراهية.... ليس لهذه الطفلة ولكن لليان..... فهو صادق..... من يظن أن ليان هي السبب في القبض عليه.... هي السبب في تغير مجرى حياته عندما كشفت الحقيقة لينتهي به إلى الإعدام شنقًا..... عندما ظهر شبحه في هذا اليوم استدعاه مالوس على وجه السرعة.... وبعد فترة قصيرة علم بحمل ليان وهنا وعد صادق بأن يكون هو ميناس الجديد.... وها هما يخططان معًا لاستغلال هذه الطفلة البريئة....
ذهب وئام وليان إلى المشفى وكان هناك العديد من الحالات ومع كثرة العمل وقفت ليان لتنظر إلى ساعتها فهذا وقت خروج جنة من المدرسة وكان عليها أن تذهب معها إلى تدريب السباحة ولكن اضطرت إلى إبلاغ السائق بالذهاب إلى هناك.... وصل السائق ونظرت جنة إلى السيارة بعدم إهتمام.... بداخلها حزن بأن ليان لم تأتي ولكن بطبيعتها لا تظهر أي ردود أفعال.... ذهبت إلى التدريب وبدلت ثيابها وبعد وقت أعلن المدرب عن عمل سباق صغير بين المتدربين.... كانت جنة أسرع منهم جميعًا ولكن بسبب معاملة الأطفال لها والتنمر عليها بسبب عيناها قامت أحد الفتيات بجذبها لأسفل المياه دون أن يراها المدرب فنزلت جنة إلى أسفل وتعطلت قبل بلوغ خط النهاية ولكن لم تهتم فقد رأت السلسال الذي برقبتها يقع بالماء فنزلت سريعًا كي تمسك به وبالفعل أمسكت به وصعدت إلى سطح الماء لتتنفس فإذا بشبح يجلس بين أهالي المتدربين فوقعت عين جنة عليه في ذعر لتلتف فورًا وتسارع تنفسها فلاحظ المدرب ذلك ونزل إلى حوض السباحة على الفور وأخرجها من المياه وقال : إنتي كويسة يا جنة؟
جنة : أيوة
نظرت جنة بطرف عينها إلى هذا الشبح ثم أعادت النظر إلى المدرب على الفور الذي قال : إيه اللي نزلك تحت كده؟
جنة : السلسلة بتاعتي وقعت
المدرب : طيب ألبسيها وأنا هتصل بمامتك تيجي تاخدك
ارتدت جنة السلسال ورفعت عينها لترى الشبح فلم تجده.... عقدت جنة حاجبيها وأمسكت بالسلسال.... كانت أذكى من أن لا تربط هذا السلسال بظهور هذا الشبح..... نهضت وبدلت ثيابها وخرجت لتجلس بالخارج في حديقة النادي تنتظر قدوم ليان قام قال لها المدرب.... تنظر إلى السلسال وتفكر ثم جاء أحد الرجال ليجلس بجوارها وابتسم لها قائلًا : حلوة السلسلة ديه.... بس شكلها غريب أوي.... جبتيها منين؟
جنة : ماما جبتهالي
نظر لها هذا الرجل داخل عينيها وقال : ياااه عينيكي حلوة أوي
عقدت جنة حاجبيها قائلة : عيني أنا؟!
الرجل : اه.... حلوة جدًا.... مش معقول يعني محدش قالك كده قبلي
جنة : هو فعلًا محدش قال كده غيرك.... هو حضرتك مش خايف منهم
الرجل : خايف؟!.... ده معقول..... فيه حد يخاف من الجمال ده
ابتسمت جنة وقالت : شكرًا يا عمو... اسم حضرتك إيه؟
مازن : اسمي مازن.... عندي ولد بيتدرب هنا جيت عشان أتفرج عليه.... لازم كل تدريب أجي أشوفه.... ببقى فخور بيه وهو بيتدرب وبيعمل إنجازات بمجهوده
نظرت جنة إلى الفراغ في حزن فقال مازن : زعلتي ليه كده؟
جنة : لا مش زعلانة
مازن : شكلك مش بتحبي تبيني زعلك.... أنا كده برده..... بحب احتفظ بمشاعري لنفسي بس عارفة لما بحب حد أوي بقوله اللي حاسس بيه
جنة : ليه؟
مازن : عشان بحبه.... عايزه يعرف أنا حاسس بإيه وأكيد هعمل ده لو شفته مهتم
جنة : ولو مش مهتم؟
مازن : مش هحبه أصلًا.... اللي ميهتمش بيا محبهوش... قوليلي بقى إنتي بتدربي إيه هنا في النادي؟
جنة : سباحة
مازن : ويا ترى شاطرة ولا لا؟
جنة : اه.... أنا بحب السباحة أوي
مازن : طيب ممكن أجي أتفرج عليكي المرة الجاية؟
جنة : اه طبعًا.... أنا بتدرب إتنين وخميس
مازن : نفس مواعيد إبني.... خلاص هاجي أشوفك.... خلاص بقى فينا أصحاب ولا إيه يا جنة؟
جنة : عرفت اسمي منين؟
مازن : البادج على تيشرت المدرسة مكتوب عليه اسمك.... جنة وئام.... اسمك جميل.... فعلًا العينين ديه عين من الجنة
ابتسمت جنة له وقالت : شكرًا يا عمو
مازن : لا خلاص بقى.... أصحاب يبقى مازن على طول
أماءت له جنة في سعادة.... لأول مرة يتحدث معها أحد ويعبر عن جمال عينيها أو لا يراها مخيفة..... وما راقها أكثر هي كلمة "أصحاب" فهي لا تمتلك أصدقاء على الإطلاق.... استأذن مازن ليذهب إلى إبنه وبعد وقت قصير جاءت ليان مسرعة لتطمئن على جنة فجثت أمامها بفزع وقالت : مالك يا جنة.... حصل إيه؟
جنة : ولا حاجة يا مامي.... كنا في سباق والسلسلة وقعت مني فنزلت تحت في البسين عشان اطلعها فا نفسي قل شوية.... الكوتش خاف عليا وقالي كفاية النهاردة
ليان في صدمة : السلسلة وقعت.... فين السلسلة؟!
تعجبت جنة من أمر ليان..... لم تهتم لتعبها فقط اهتمت بهذه السلسال..... شعرت بالحزن من إهمالها ولكن زاد هذا الأمر في شكها بأمر السلسال فقالت : متخافيش.... لبستها تاني على طول
تنهدت ليان في راحة وقالت : الحمد لله.... طيب يلا حبيبتي نروح
نهضت جنة وذهبت مع ليان إلى المنزل.... دخلت غرفتها لتبدل ثيابها..... وقفت أمام المرآة صامتة تحرك عينيها في كل اتجاه بالمرآة كأنها تشاهد تلفاز وليس بانعكاس لصورتها..... وبالفعل..... لم تكن تشاهد نفسها بل كانت تشاهد زيد وروما التي تجلس بجواره تهتم به وترعاه في حب وحنان.... فهي دائمًا ما تحسد زيد على معاملة روما وآسر له.... تتمنى لو تعاملها ليان بهذه الطريقة.... نعم.... هي ترى كل شئ عبر المرآة.... ترى خلالها ما تريد.... فأن كان زيد يجلس أمام مرآة داخل منزله تستطيع أن تراه بسهولة وكأنها تجلس معه.... لهذا أعطاها مالوس اسم خاص.... لم يعرفه أحد بعد.... "مرناس" وهو مزيج ما بين مرآة وناس وأيضًا يرى أن هذا الاسم يليق بإبنة ميناس.... خادم الشر فهي بالنهاية إبنته
